من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
معان في الطعام والضيافة
قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلىلا ترى الآدب فينا ينتقر
يقال فلان يدعو الجفلى والأجفلى إذا عم بدعوته وفلان يدعو النقرى إذا خص بدعوته قوماً دون قوم، والآدب الداعي إلى المأدبة وهي الطعام المدعو إليه، وقال آخر مهلهل بن ربيعة:
إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهمضرب القدار نقيعة القدام
القدار الجازر، والنقيعة الطعام يصنع للقادم من سفر، والقدام جمع قادم مثل كافر وكفار، وقال آخر:
كل الطعام يشتهى ربيعهالخرس والاعذار والنقيعة
الخرس طعام الولادة، والاعذار طعام الختان، والنقيعة طعام القادم من سفر، وكل طعام صنع ودعي إليه فهو مأدبة ومأدبة.
وقال أبو ذؤيب:
ومدعس فيه الأنيض اختفيتهبجرداء ينتاب الثميل حمارها
مدعس مختبز قد طبخ فيه وخبز، اختفيته استخرجته، يقال للنباش مختف، والأنيض اللحم الذي لم ينضج من العجلة، والثميل جمع ثميلة وهي البقية من الماء في الغدير وبطن الوادي، يقول ليس بها ماء فحارها ينتاب الثميل ببلد آخر، ومثله للشماخ:
وأشعث قد قد السفار قميصهوجر شواء بالعصا غير متضج
أي لم ينضجه من العجلة، وقال امرؤ القيس:
فظل صحابي يشتوون بنعمةيصفون غاراً باللكيك الموشق
قال الأصمعي: لا أعرف الغار هاهنا ولكن الغار الكتيبة يقال التقى الغاران. وقال أبو عمرو: يصفون غاراً كما تقول صفوا المسناة بالخشب والقصب وإنما يصفون اللكيك في الغار واللكيك اللحم، وقال غيره: الوشيقة اللحم يقطع صغاراً وهي التي تسميها العامة العشيقة، والواشق في شعر النابغة من هذا وهو الكلب لأنه يوشق
الصيد، والغار واللكيك اللحم، والموشق أيضاً المقدد، وقال الأعشى:
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنيشاو شلول مشل شلشل شول
الشاوي الشواء، المشل السائق السريع السوق يقال شللت الإبل، والشلول المسرع، والشلشل الخفيف، وشول خفيف أيضاً، يقال للميزان إذا خف أحد جانبيه قد شال ويقال الشول الذي يشول الشيء أي يحمله يقال أشلت وشلته ويروي: شمل أي طيب النفس والريح.
وقال ذو الرمة:
وسواد مثل الترس نازعت صحبتيطفاطفها لم نستطع دونها صبرا
وأبيض هفاف القميص أخذتهفجئت به للقوم مغتصباً ضمرا
سوداء يعني الكبد وأبيض يعني الفؤاد، هفاف رقيق الجلد، مغتصب أي لم يمرض قبل ذلك، يقال جزور مغصوبة مثل معبوطة وذلك أن تنحر بغير علة، ضمر لطيف؟
وذي شعب شتى كسوت فروجهلغاشية يوماً مقطعة حمرا
يعني السفود وفروجه ما بين شعبه، لغاشية أي لقوم غشوه، ملأت فروجه لحماً.
ومضروبة ضرب المريب بريئةكسرت لأصحابي على عجل كسرا
يعني خبزة ملة وهي تضرب ليسقط عنها الرماد.
وقال الكميت:
وأقاموا على الجفان ملاءقمعا واريا كسوه الخميرا
القمع السنام، والواري السمين، والخمير الخبز المختمر يريد الثريد.
وقال أمية بن أبي الصلت يمدح ابن جدعان:
له داع بمكة مشمعلوآخر فوق دارته ينادي
إلى ردح من الشيزى ملاءلباب البر يلبك بالشهاد
رد جفان ضخمة، يلبك يخلط بالشهد يريد الفالوذ.
وقال لبيد:
وفتيان صدق قد غدوت عليهمبلا دخن ولا رجيع مجنب
مجنب كثير يقال خير مجنب وشر مجنب أي كثير أراد بلحم ليس فيه ريح دخان، رجيع مردود عن المائدة.
وقال آخر:
بئس قوم الله قوم طرقوافقروا ضيفانهم لحماً وحر
وسقوهم في إناء كلعلبناً من در مخراط فئر
كلع وسخ، وحردبة عليه الوحرة وهي دويبة حمراء تشبه العظاءة، فئر وقعت فيه فأرة، ويقال اخرطت الناقة إذا لم يستقص حلبها فارتد بعض اللبن في الضرع ففسد وصار قيحاً، وقال معقر بن حمار:
وذبيانية وصت بنيهابأن كذب القراطف والقروف
القراطف الأكسية، والقروف جمع قرف وهو وعاء من أدم يجعل فيه الخلع وهو أن يطبخ الشحم باللحم، وقوله كذب القراطف أي عليكم بها فاغنموها، وقوله في بيت آخر وهو:
تجهزهم بما اسطاعت وقالتبني فكلكم بطل مسيف
فكلكم بطل مسيف أي قد وقع في إبله السواف يقال أساف الرجل، وقال علقمة:
وقد أصاحب أقواماً طعامهمخضر المزاد ولحم فيه تنشيم
كانوا إذا غزوا وسافروا قطعوا اللحم فجعلوه في كرش فإذا أتى عليه أيام تغير فذلك تنشيمه، يقال نشم في الأمر أي بدأ فيه وتخضر
الكرش إذا تغير اللحم فيها فشبه خضرتها بالمزاد إذا اخضر من الماء أي يأكلون الكرش وما فيها عند إيغالهم في السفر، وقال آخر:
إذا نحن نلنا من ثريدة عوكلفقدنا، لها ما قد بقي من طعامها
عوكل اسم امرأة، فقدنا يريد فحسبنا، والمعنى أكلنا ثريدتها فشبعنا منها لطيبها واكتفينا فلم تحتج إلى باقي طعامها، ثم استأنف فقال لها ما بقي من طعامها لأنا لا نحتاج إليه.
وقال آخر عمرو بن أسوى:
لا بل كلي يا أم واستأهليإن الذي أنفقت من ماليه
استأهلي اتخذي إهالة وهي الإلية المذابة.
وقال آخر:
يمشون دسما حول قبتهينهون عن أكل وعن شرب
ينهون يبلغون غاية الشبع فيعجزون عن الحركة فهو ينهون غيرهم عن مثل ما نزل بهم.
وقال بشر بن أبي خازم:
ترى ودك السديف على لحاهمكلون الراء لبده الصقيع
السديف قطع السنام، والراء شجر، لبده ضم بعضه إلى بعض، والصقيع الجليد.
وقال رجل من بني سعد وهو ناشرة بن مالك يرد على المخبل السعدي:
إذا ما الخصيف العوبثاني ساءناتركناه واخترنا السديف المسرهدا
الخضيف الذي له لونان من سواد وبياض يعني هاهنا الحيس والعويثاني مأخوذ من العبيثة وهي الشيئان يخلطان.
وقال رؤبة:
وطاحت الألبان والعبائث
أي في زمان تذهب فيه، والمسرهد الحسن الغذاء وكل شيء أملحته وحسنته فقد سرهدته، قال الأصمعي عوبثان حي من همدان قال وأراد إن لم يضفنا عقرنا إبله، يهجه بذلك.
نعاف وإن كنا خماصاً بطوننالباب المصفي والعجاف المجردا
يريد بلباب المصفي البر وبالعجاف التمر الذي طار عنه قشره، يقول نعاف هذا وننحر الإبل فنأكل.
وقال آخر:
خذامية آدت لها عجوة القرىفتأكل بالمأقوط حيساً مجعداً
خذامية منسوبة إلى خذام، آدت مالت إليها عجوة القرى يريد
أتتها بها الميارة من قولك تأود الغصن إذا مال وآد النهار إذا مال والمأقوط سويق بالإقط، وقوله: بالمأقوط أي تأكل مع المأقوط حيساً، والمجعد الجيد الخلط الكثير الحلاوة.
وقال ساعدة بن جؤية:
ثم ينوش إذا آد النهار لهعلى الترقب من نيم ومن كتم
يعني حماراً جائعاً، ينوش الشجر يتناول على ترق وخوف.
وقال المتنخل:
لا در دري إن أطعمت نازلكمقرف الحتي وعندي البر مكنوز
يقال لا در در فلان أي لا كانت له حلوبة ولا رزق، والحتي سويق المقل، والقرف ما انقشر منه.
أنشدنا الرياشي:
ولست بكائن أبداً بخيلاإذا ما اعتل بالحب البخيل
يقول إذا سئل قال عندنا حب وليس عندنا دقيق، فتعلل به.
وقال الراعي وذكر امرأة أضافها:
فلما سقيناها العكيس تمذحتمذاخرها وازداد رشحاً وريدها
العكيس مرق يصب عليه اللبن، مذاخرها أمعاؤها، تمذحت تملأت وبطنت.
فلما قضت من ذي الأباء لبانةًأرادت إلينا حاجة لا نريدها
ذو الأباء موضع فيه أباء وهو رؤوس القصب، أي أرادت الفجور ولم نرد ذلك.
وقال الأسود بن يعفر يهجو عقالاً:
ليبك عقالاً كل كسر مؤربمذاخره للآكل المعرف
الكسر العظم التام الذي لم يكسر منه شيء، مؤرب وافر، أقنعت مدت للفم ومنه مقنعي رؤوسهم أي ماديها، والخزير الطعام الذي تعير به قريش وبنو مجاشع، وقال جرير:
قبح الإله بني خصاف ونسوةبات الخزير لهم في الأحقال
الأحقال جمع حقل وهو طعام يطبخ بدقيق وبقول، والمعرف المطيب، ومنه قوله ﷿ الجنة عرفها لهم أي طيبها لهم، وقال الأخطل يهجو رجلاً:
يبيت على فراسن معجلاتخبيثات المغبة والعثان
وشلو تمزق الأغراس عنهإذا لم يصله لهب الأفاني
الفراسن أخفاف الإبل وهي شر ما أكل، معجلات أعجلت قبل أن تنضج، وخبث مغبتها أن أكلها يفسد جوفه، والعثان الدخان، وشلو يعني ولداً معجلاً، وأغراسه غشاؤه، والأفاني شجر، يقول يأكله نياً، وقال جرير:
عضاريط يشوون الفراسن بالضحىإذا ماالسرايا حث ركضاً مغيرها
عضاريط أتباع، يأكلون الفراسن يريد أنهم لا ييسورن مع الناس فيكون لهم حظ في الجزور، وقال أبو النجم يذكر الصائد:
فظل محموداً على قدورهاليس بذي الرغبة في تشريرها
إلا بحمد النفس أو سرورها
يقول يطعم لحومها فيحمد وليس له رغبة في تشرير هذا اللحم إلا ليطعم فيحمد أو يسر نفسه بما أصاب من الصيد. وقال آخر:
وعند الكلابي الذي حل بيتهبخوعي غداء حاضر وصبوح
ومكسورة حمر كأن متونهانسور لدى جنب الخوان جنوح
خوعي بلد، ومكسورة حمر يعني وسائد، وقال رجل من قيس:
نغالي اللحم للأضياف نياونرخصه إذا نضج القدور
يقول نشتريه للأضياف في وقت غلائه فإذا نضج أطعمناه من استحقه ومن لم يستحقه، ومثله لشبيب بن البرصاء.
وإني لأغلي اللحم نياً وإننيلممن يهين اللحم وهو نضيج
وقال الراعي:
الآكلين اللوايا دون ضيفهموالقدر مخبوءة منها أثافيها
اللوايا واحده اللوية وهو ما تخبيء المرأة للضيف في بيتها، يقول فهؤلاء يأكلونها، وأنشد:
إذا ما كنت في قوم شهاوىفلا تجعل شمالك جردبانا
قال هو أن يأكل بيمناه ويضع شماله على شيء آخر من الطعام خوفاً أن يؤخذ يقال جردبت إذا فعلت ذلك، وقال مرة بن محكان:
وقلت لما غدوا أوصي قعيدتناغدي بنيك فلن تلقيهم حقباً
أدعي أباهم ولم أقرف بأمهمقد هجعت وللم أعرف لهم نسبا
ويروي لها يعني للأضياف، وقال أبو العيال:
أبو الأضياف والأيتام ساعة لا يعد أب
وقال آخر:
إذا ضاف أهل الأرحضية مسورتناذره أهل الصلوف هدان
وأخمد منه أهل جمة نارهموأضحوا ولم تقرع لهم رحيان
وقالوا أحسوا أربعاً من مخاضناسقاهن أهل الجفر منذ ثمان
الأرحضية والصلوف موضعان، أحسوا اطلبوا، منذ ثمان يريد ثمان ليال، والحوامل المخاض، يريد أن هذا الرجل ينشد إبلاً ولم يذهب له شيء وإنما يطلب القرى.
مثله لجندل الطهوي
قد خرب الأنضاد نشاد الحلق
الأنضاد جمع نضد وهو ما نضد من المتاع، والحلق الإبل سماتها حلق وأنشد:
وذكرت من لبن المحلق شربة
وقال آخر:
برح العينين خطاب الكثبيقول إني خاطب وقد كذب
وإنما يخطب عسا من حلب
الكثب جمع كثبة وهي قدر حلبة من اللبن، يقول يعتل بالخطبة وإنما يريد القرى كما يعتل الناشد بأنه يطلب إبلاً محلقة في وسمها
وإنما يطلب القرى.
وقال مزرد وذكر ضيفاً:
إذا مس خرشاء الثمالة أنفهثنى مشفريه للصريح فأقنعا
الخرشاء جلد الحية شبه به الرغوة، وذكر ضيفاً أي هو حاذق بالشرب إذا خشنت عليه الرغوة ثنى مشفره لخالص اللبن وأقنع رأسه.
وقال جبهاء يهجو ضيفاً:
فأقنع كفيه وأجنح صدرهلجرع كأثباج الزباب الزنابر
أقنع رفع رأسه وأجنح أمال، وأثباج أوساط، والزباب فأر القف، والزنابر العظام الواحد زنبور.
وقال رؤبة:
وحق أضياف عطاش الأعين
لهذا مثل يريد أنهم سافروا من بعد فغارت أعينهم من الكلال، وقال الهذلي يذكر ضيفاً والبيت للمتنخل:
كأنما بين لحييه ولبتهمن جلبة الجوع جيار وإرزيز
يقال أصابت الناس جلبة أي أزمة والجلبة السنة الشديدة، والجيار حر يخرج من الجوف، قال الأصمعي: أراد بجيار جائراً أي حرارة في الجوف ولكنه قلب الهمزة فقال جيار، وكذلك يقال إن للسم جائراً أي حرارة في الجوف وأنشد لوعلة الجرمي:
ولما رأيت الخيل تدعو مقاساًتطالعني من ثغرة النحر جائر
أراد حراً يجده ووهجاً في صدره من الجوع والجهد. والإرزيز الشيء تغمزه وأنشد ابن الأعرابي:
يبرز للراكب حين يؤنسهبزأمات خبر لا تحبسه
يقال ما زأمني زأمة أي ما كلمني كلمة، يريد أنه يلقي الضيف بكلام قبيح حين يراه يقول من أنت؟ أظنك لصاً. وقال المتنخل في ضد ذلك:
فلا وأبيك نادي الحي ضيفيهدوا بالمساءة والعلاط
نادي أي لا ينادي، والعلاط أصله سمة في عنق البعير ويقال علطه بشر إذا وسمه ولطخه.
سأبدؤهم بمشمعة وأثنىبجهد من طعام أو بساط
أي أقرش له وأوطئ، ومشمعة مزاح ومضاحكة يقال قد شمع وما جد.
وأكسو الحلة الشوكاء خدنيوبعض القوم في حزن وراط
الشوكاء الحسنة من الجدة لم يذهب زئبرها، والحزن جمع حزنة وهو ما غلظ من الأرض، والوراط جمع ورطة وهو أن يقع في موضع لا يقدر أن يخرج منه.
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع