تجاوز إلى المحتوى

من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)

أبيات معان في القدور

قال أبو ذؤيب:

وسودٌ من الصيدانِ فيها مذانبٌنصارٌ إذا لم نستفدْها نُعارُها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «هل الدهر إلا ليلة ونهارها»

يعني قدوراً، والصيدان حجارة البِرام، والمذانب المغارف الواحدة مذنبة، وقال الأصمعي أظنه أراد بالصيدان الصاد والصاد يكون للصفر والحجارة، هذه رواية الزيادي عنه، قال وهو كما قال العجاج:

بحيث صاح المرجل الصادي

قال والصيداء الصخرة ونضار شجر قال الأصمعي أراد الأثل يقول إن لم نشترها استعرناها يريد أنهم أصحاب قرى وسماحة.

لهنَ نشيخٌ بالنشيلِ كأنهاضرائرٌ حِرمي تفاحشَ غارُها

نشيج غليان، والنشيل أصله ما أخرجت بيدك من اللحم ولم يرد

ذلك بعينه وإنما اراد اللحم، وشبه غليان القدور باصطخاب ضرائر ثم نسبهن إلى رجل من أهل الحرم لأن قريشاً أول من اتخذ الضرائر وغارها غيرتها، حرمي منسوب إلى الحرم على غير قياس والقياس حَرَمى وأنشد الأصمعي:

كقارورةِ الحِرِمي لو أن مُدنِفاًيداوي بها وتريْنِ لم يتوجّع

وقال:

إذا استُعجِلَتْ بعد الخبوِّ ترازمَتْكهزمِ الظُؤارِ جُرّ عنها حوارُها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «هل الدهر إلا ليلة ونهارها»

الخبو أن تموت النار يقال خبت النار، يقول إذا استعجلت بأن توقد وقوداً شديداً بعد السكون سمعت لها رزمة مثل رزمة الناقة على ولدها وهو صوتها يقال ارزمت الناقة إذا حنت، والظؤار ثلاث من النوق يعطفن على الفصيل، والواحد ظئر.

وقال الآخر:

فعالى غلامانا على غضويَةٍجماعاً من الصيدانِ تطغي فتقدعُ
كأن المحالَ الغرّ في حجراتهاعذارى على طاياتِ بُصري تطلّعُ

غضوبة نار توقد بحطب الغضا، جماعاً أي قدراً تجمع الجزور والصيدان حجارة البرام، تطغي تفور، فتقدع أي تكف وبناء بصري بحجارة سود فشبه بياض المحال في القدور مع سواد القدر بالعذارى فوق تلك السطوح، والطايات السطوح واحدها طاية.

وقال النابغة يمدح رجلاً:

له بفناءِ البيتِ دهماءُ جونةٍتلقمُ أوصالَ الجزورِ العُراعرِ

يعني قدراً تسع الجزور العظيمة وهي الجماع التي ذكرها الأول.

ومثله:

بقدرٍ تأخذُ الأعضاءُ ممّابجملتِه وتلتهمُ الفَقارا

ويروي: وتلتهم الغبارا.

وقال الكميت:

ومرصوقةٌ لم تُونِ في الطبخِ طاهياًعجلَّتْ إلى مُحوَرّها حين غَرغَرا

مرصوقة قدر أنضجت بالرضف وهي حجارة تحمي ثم تطرح فيها، والطاهي الطباخ، لم تون لم تحبس من الونى، والمحور ما ابيض منها قبل النضج، غرغر غلا أول غلية يريد أنه على عجلة، وقال عنتر:

إذ لا تزالُ لكم مغرغرةًتغلي وأعلى فوقها كِتر

مغرغرة قدر تغلي والكتر السنام، وقال آخر:

ثبتتْ قواثمها خسا وترنمتْغضباً كما يترنمُ السكرانُ

يعني القدر، خسا فرد يعني الأثافي، وقال الراعي:

فبتْنا وباتتْ قدرهم ذاتَ هزَّةٍيضيءُ لنا شحمَ الفروقةِ والكُلى

هزة غليان، والفروقة شحم الكليتين، وقال ابن أحمر:

ودهمٌ تصاديها الولائد جلةإذا جهلَتْ أجوافُها لم تحلّمِ
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «ألم ترم الأطلال من حول جعشم»

الدهم القدور، تصاديها تداريها وترفق بها، جلة عظام، وجهل أجوافها بالغليان.

نرى كل هرجابٍ لجوجٍ لهمَّةزفوفٍ بشلوِ النابِ جوفاء عَيلمِ

هرجاب طويلة على وجه الأرض، زفوف بشلو الناب أي تزويه إذا غلت ومنه قيل زفت الإبل زفيفاً إذا قاربت الخطو وفيه بعض النزوان، عيلم واسعة كثيرة الأخذ ويقال للبئر عيلم، لهمة تبتلع كل شيء.

لها زجلٌ جنحُ الظلامِ كأنهعجارفُ غيثٍ رائحٌ متهزمُ
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «ألم ترم الأطلال من حول جعشم»

شبهه بهزمة الرعد وهو صوته، وجنح الظلام دنوه واختار هذا الوقت لأنه وقت نزول الأضياف، وعجارف اختلاط الأصوت.

إذا ركدَتْ حولَ البيوتِ كأنهاترى الآلَ يجري عن قبائلِ صُيّمِ

ركدت سكن غليانها، أي رأيت الدسم يجري عليها كما يجري الآل على خيل صيام أي قيام، وقال الراعي:

حلبت له دهماً ليستْ بلقحةٍركوداً إذا النكباءُ هبّتْ عقيمُها
تجيشُ بأعضاءِ المحالِ كأنهاعذارى بدَتْ لما أصيبَ حميمُها

وذكر ضيفاء، ودهماء قدر، شبه قطع اللحم فيها بنساء برزن، مثل قول الآخر:

عذارى على طايات بُصرى تطلّع

وقد تقدم ذكره.

غضوبٌ كحيزومِ النعامةِ أُحمشتْبأجوازِ خشبٍ طارَ عنها هشيمُها
محضّرةٌ لا يجعلُ السرُ دونهاإذا المرضع الغوجاء جالَ بريمُها

غضبها غليانها، أحمشت كأنها أغضبت إذا أمدت بالحطب الجزل فغلت، والبريم الحقاب وإنما يجول من الهزال، يقول: لا نسترها في وقت الجدب ولكننا نظهرها ونحضرها للناس، وقال يذكر امرأة:

رفَعْنا لها مشبوبةً يهتدي بهاولقحةَ أضيافٍ طويلاً ركودُها
إذا ما اعترانا الحقُ بالسهلِ أصبحتْلها مثل أسرابِ الضباعِ خدودُها
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ماذا ذكرتم من قلوص عقرتها»
إذا نصبَتْ للطارقينَ كأنهانعامةٌ حزبا تقاصَرَ جيدُها

مشبوبة يعني ناراً، خدودها حيث يخدّ لها في الأرض، كأنها نعامة حزباء يقول ليست بطويلة العنق فكأنها تقاصرت، والحزباء الأرض الحزنة الغليظة.

يبيتُ المشاشُ الخورُ في حجراتِهاشكارى مراها ماؤها وحديدُها

الخور الكثيرة الدسم، شكارى من كثرة الدسم وهذا مثل، مراها حلبها الماء، يقول لما صب الماء خرج الدسم، والحديد يريد المغرفة.

وقال:

وقدر كرأل الصحصحان وئية

الوئية العظيمة، والرأل فرخ النعام، والصحصحان المستوى من الأرض.

وقال وذكر الأثافي:

ثلاثٌ صَلَينَ النارَ حولاً وأرزمتْعليهن رجزاء القيام هدوجُ

أرزمت صوتت وأصله إرزام الناقة يعني قدراً غلت على الأثافي ورجزاء القيام من ثقلها والرجزاء من الإبل التي إذا أرادت النهوض أرعدت فخذاها، وهدوج في صوتها تهدج في غليانها.

وقال جرير:

إذا لم يُدِرّوا عاتماً عطفت لهسريعةُ أبشارِ اللقاحِ درورُ
للشاعر جرير، من قصيدة «عفا ذو حمام بعدنا وحفير»

يقول إذا لم يكن لبن نصبوا للضيف قدراً، والعاتم هاهنا ناقة تحلب عتمة، وسريعة إبشار اللقاح يعني قدراً شبهها بناقة بها حمل إذا ألقي فيها اللحم ويقال أبشرته وبشرته بمعنى واحد.

وقال لبيد:

وأعطوا حقوقاً ضمّنوها وراثةعظامِ الجفانِ والصيام الحوافلا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «كبيشة حلت بعد عهدك عاقلا»
تُوزّع صَرّاد الشمالِ جفانُهمإذا أصبحتْ نجدٌ تسوقُ الأفائلا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «كبيشة حلت بعد عهدك عاقلا»

الصيام الحوافل يريد القدور الممتلئة، توزع تطرد، والصراد السحاب البارد الذي لا ماء فيه أي ترد حفانهم الشمال بالإطعام وأصبح أهل نجد يسوقون الفصلان لأنها أضعف على البرد، والأفائل قطع السحاب تنفيه الشمال.

وقال أيضاً:

وأبذلُ سوام القدرِ إنّ سواءها دهماً وجونا
ذو القدرِ إن نضجتْ وعجّل قبله ما يشتوينا
إن القدورَ لقائحٌيحلبنَ أمثل ما رعينا

يقول إنك ستصيب سواءها دهماً وجوناً من الإبل، ذا القدر رده على سوام، يقول يحلبن من الحمد والذكر والشرف أكثر مما يطعم فيهن، رعين استحفظن وجعل فيهن، وقال آخر - مضرس بن ربعي الأسدي:

فلا تسأليني واسألي ما خليقتيإذا ردّعا في القدر من يستعيرها
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة

العافي كل شيء يرده مستعير القدر فيها من المرق إذا ردها وكانوا يفعلون ذلك في الجدب، وقال الكميت يذكر سنة جدب.

وجاءتِ الريحُ من تلقاءِ مغربهاوضنَّ من قدرهِ ذو القدرِ بالعُقَبِ
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «إذا اللقاح غدت ملقى أصرتها»

ويروي بالعَقَب، العقبة والعافي سواء، وقال أيضاً وذكر سنة جدب:

واتخذت للقدر في عُقبة الكرّة مبذولة وطائدها
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «واتخذت للقدر في عقبة»

العقبة ما فسرناه، والكرة حيث ترد القدر، وطائدها أثافيها.

وقال الراعي:

إني أقسّمُ قدري وهي بارزةٌإذ كل قدرِ عروسٍ ذات جلبابِ
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني أتاني كلام ما غضبت له»

أي تستر كما تستر العروس، وقال آخر - وهو المرار بن سعيد الفقعسي:

فقلت أشيعا مشّرا القدرِ حولناوأي زمانٍ قدرنا لم تمشّر

مشرت اللحم قسمته، وقال آخر:

ألا إن قومي لا تلطُّ قدورُهمولكنما يوقَدنَ بالعِذاراتِ

تلط تستر وأنشد:

كما لُطّ بالاستارِ دونَ العرائسِ

يقال ألط فلان إذا ساتر وفلان يلط دون الحق بالباطل أي يستر.

وقال بشر:

فكانوا كذاتِ القدرِ لم تدرِ إذ غلتْأتنزلها مذمومةً أم تُذيبُها
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «عفت من سليمى رامة فكثيبها»

تذيبها تنهبها يقال أذاب علينا بنو فلان إذا أغاروا عليهم فأخذوا مالهم، يقول لما رأونا تحيروا ودهشوا فلم يدروا ما يصنعون كسالئة فسدت عليها زبدتها فلم تدر ما تصنع أتنزل القدر مذمومة أم تقسم ما فيها.

وقال أعشى باهلة:

لا يعجلُ القومَ أن تغلي مراجلُهمويدلجُ الليلُ حتى يُفسحُ البصرُ
للشاعر الدعجاء بنت وهب، من قصيدة «إني أتتني لسان لا أسر بها»

يقول هو رابط الجأش فإذا أغار عليه قوم وأصحابه يطبخون لم يفزعه ذلك حتى يعجلهم عن الطبيخ، ويسير بالليل حتى يفسح البصر

بالصبح، والمراجل القدور.

وقال بشر وذكر ناقة:

تجرّ نعالَها ولها نفيّنفي الحَبِّ تُطحره الملالُ

أي تسقط نعالها من شدة سيرها، والنفي ما تنفيه من تحت قوائمها، تطحره ترمي به، والملال المقالي أخذ من الملة وهو الموضع الحار.

وقال آخر:

لا تعدلنَ أتاويّين تضربُهمنكباء صرّ بأصحابِ المُحِلاتِ

الأتاويون الغرباء، والمحلات القدر والقربة والفأس والقدّاحة والدلو والرحى وإنما قيل لها محلات لأن من كانت معه حل حيث شاء وإلا فلا بد له من أن ينزل مع الناس، يقول لا تعدلن الغرباء بهؤلاء، ويقال هي سبعة أشياء منها السكين.

وقال الفرزدق:

وقِدرٌ فثأنا غلِيها بعد ما غلتْوأخرى حششنا بالعوالي تؤثّفُ

القدر هاهنا الحرب، فثأنا أطفأنا لهبها، وأخرى حششنا أي أحميناها بالرماح فكانت لها كالأثافي التي تحت القدر تثبتها وتمسكها وتحميها من كل جانب.

النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من كتاب الطعام والضيافة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.