تجاوز إلى المحتوى

من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)

باب شدة الزمان والجدب

قال الراعي:

هلا سألت هداك الله ما حسبيإذا رعائي راحت قبل حطابي
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني أتاني كلام ما غضبت له»

أخبرنا اشتد البرد راح الراعي ببله قبل الحطاب لأن الأرض ليس فيها كثير مرعى واحتبس الحطاب لشدة البرد أراد أنه يقري ويضيف ذلك الوقت.

وقال النابغة:

هلا سألت بني ذبيان ما حسبيإذا الدخان تغشي الأشمط البرما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما»

البرم الذي لا ييسر مع القوم، وخص الأشمط لأنه قد كبر وضعف فهو يأتي مواضع اللحم.

وقال ابن مقبل:

ألم تعلمي أن لا يذم فجاءتيدخيلي إذا اغبر العضاه المجلح
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

أي إذا أتاني ولم أستعد، المجلح الذي أكلته الإبل.

وقال الأعشى:

وإني لا يشتكيني الألوكإذا كان صوب السحاب الضريبا

الألوك الرسالة ومعناه لا أرد صاحبها بغير شيء، ومثله للبيد:

وغلام أرسلته أمهبألوك فبذلنا ما سأل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»
أو نهته فأتاه رزقهفاشتوى ليلة ريح واجتمل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

أي لم ترسله فأرسلنا إليه، واجتمل من الجميل وهو الودك.

وقال الكميت:

وكان السوف للفتيات قوتاًيعشن به ونئت الرقوب

السوف التسويف والرقوب التي لا يبقى لها ولد.

وصار وقودهم للحي أماًوهان على المخبأة الشحوب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «وفي السنة الجماد يكون غيثا»

يقول اجتمعوا عند النار فكأنها أم لهم. وقال يمدح:

وأنت ربيعنا في كل محلإذا المهداة قيل لها العفير
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «وأنت ربيعنا في كل محل»

المهداة التي تهدي. والعفير التي لا تهدي من الجدب لأنه لا شيء لها. وقال أيضاً:

وأنتم غيوث الناس في كل شتوةإذا بلغ المحل الفطيم المعفرا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «وأنتم غيوث الناس في كل شتوة»

المعفر الذي تريد أمه فطامه فهي تعلله بالشيء ليستغني عن اللبن، ومنه قول لبيد:

لمعفر قهد تنازع شلوه

وقال آخر:

يكبون العشار لمن أتاهمإذا لم تسكت المائة الوليدا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «يكبون العشار لمن أتاهم»

يقول ينحرون الإبل في الجدب إذا لم يكن في مائة من الإبل ما يعلل به صبي.

وقال آخر:

إذا النفساء لم تخرس ببكرهاغلاماً ولم يسكت بتر فطيمها

وقال أوس:

وذات هدم عار نواشرهاتصمت بالماء تولبا جدعا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»

الهدم الثوب الخلق، وأراد بالتولب طفلها، والنواشر عصب الذراع الواحدة ناشرة وبها سمي الرجل، والجدع السيء الغذاء.

وقال:

وشبه الهيدب العبام من الأبرام سقبا مجللا فرعا

الهيدب مثل العبام وهو الثقيل الغبي والأبرام الذين لا ييسرون، والفرع أول ولد الناقة، وكانوا يذبحون ذلك لآلهتهم، يقول فهذا قد لبس جلد الفرع من شدة البرد فكأنه فرع، وقال طرفة:

ألقوا إليك بكل أرملةشعثاء تحمل منقع البرم
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «إن امرأ سرف الفؤاد يرى»

قال الأصمعي منقع البرم، وأبو عمرو وابن الأعرابي منقع البرم والبرم جمع برمة وهي برام صغار تحملها المرأة فتنقع فيها أنكاث الأخبية وهو ما نقض منها فإذا نزلوا واستقروا خكن ذلك الغزل واتخذن منه أخبية، وقال لبيد:

تأوي إلى الأطناب كل رذيةمثل البلية قالصاً أهدامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

الرذية امرأة مهزولة، والبلية الناقة تعقل عند قبر صاحبها فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت، أهدامها خلقان ثيابها الواحد هدم.

وقال الفرزدق:

وعاش تمشي القراع أرامله

القراع الجرب واحدها قرعة وتجمع أيضاً على قرع، يقول تتمشي بالجرب يتصدقن فيها، وقال سويد بن أبي كاهل:

وأتاني صاحب ذو غيثزفيان عند إنقاذ الفرع

الغيث أصله في البئر يقال بئر ذو غيث إذا كانت لها مادة، زفيان خفيف.

وقول الكميت:

وكاعبهم ذات الغفارة أسغب

الغفارة شعر الصدغ وما يليه.

وقال الخرشب:

وإن وراء الحزن غزلان أيكةمضمخة أردانها والغفائر

ويروي العفاوة وهو ما يرفع للإنسان من المرق ويروي القفاوة وهو من القفي وهو ما خص به الإنسان، ومنه قول سلامة:

ليس بأسفي ولا أقني ولا سغليسقي دواء قفي السكن مربوب
للشاعر الفروسية، من قصيدة «أودى الشباب حميدا ذو التعاجيب»

وقالت أخت عمروذي الكلب الهذلية:

وليلة يصطلى بالفرث جازرهايخص بالنقرى المثرين داعيها
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة

ويروي يختص، تقول يدخل يده في الكرش من شدة البرد لتدفأ.

وقال الأسدي مثله:

يبيتون أمثال العشار وجارهمعلى الفرث يحيي الليل يفرح بالمحل

يقول هم سمان أمثال العشار من الإبل وضيفهم سيء الحال بالعراء على الفرث يدخل رجليه فيه يستدفئ به، وقال الكميت:

واحتل برك الشتاء منزلةوبات شيخ العيال يصطلب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «واحتل برك الشتاء منزله»

أي يجمع العظام فيطبخها بالماء ليخرج ودكها، ومنه سمي المصلوب لأنه يسيل ودكه، والصليب الودك، قال الهذلي وذكر عقابا والبيت لأبي خراش:

جريمة ناهض في رأس نيقترى لعظام ما جمعت صليباً
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

أي ودكاً، وقال الفرزدق:

إذا السنة الشهباء حل حرامها.

أي يأكلون فيها الميتة والدم وقال رؤبة:

حدباء فكت أسر القعوس

القعش الهودج يريد أنهم حلوا القد من هوادجهم وفكوها وأوقدوها من شدة البرد، وقال الكميت:

فأي عمارة كالحي بكرإذا اللزبات لقبت السنينا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «الا حييت عنا يا مدينا»
أكر غداة إبساس ونقروأكشف للأصائل أن عرينا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «ألم تتعجبي من ريب دهر»

العمارة الحي الضخم، واللزبات الشدائد لقبت بكحل ونحوه، وقال:

ولم يند من أنواء كحل جبوبها

كحل سنة جدب، والجبوب وجه الأرض، والإبساس والنقر تسكين الدابة، والأصائل العشيات، عرين بردن يقال ليلة عرية ويوم عر أي بارد يقول يكشفونها بالإطعام.

وقال يصف شدة الزمان:

ولم ينبح الكلب العقور ولم يخفعلى الحاطبين الأسود المتقوب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة « ولم ينبح الكلب العقور ولم يخف»

الأسود الحية والمتقوب السالخ وذلك أنه لا يظهر في شدة البرد وقال:

وحالت الريح من تلقاء مغربهاوضن من قدره ذو القدر بالعقب
وكهكه المدلج المقرور في يدهواستدفأ الكلب بالمأسور ذي الذئب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «إذا اللقاح غدت ملقى أصرتها»

أي نفخ من شدة البرد في يده، والمأسور الغبيط، وكل شيء حنيته وعطفته فهو مأسور، والذئبة فرجة بين عودي القتب والغبيط.

وقال سلامة بن جندل:

كنا نحل إذا هبت شآميةبكل واد حطيب البطن مجدوب
للشاعر سَلامَة بن جَندَل، اقرأ القصيدة
شيب المبارك مدروس مدافعههابي المراغ قليل الودق موظوب
للشاعر سَلامَة بن جَندَل، اقرأ القصيدة

يقول ننزل بكل واد كثير الحطب لنعقر ونطبخ ولا نبالي أن يكون مجدوباً أي معيباً والعائب الجادب مباركه شيب من الجدب والصقيع فهو أبيض لا كلأ به مدروس مدافعه أي قد درست ورقت ووطئت وأكل نبته ومدافعه مسايل مائه، موظوب قد وظب عليه حتى لم يبق منه شيء، هابي المراغ أي منتفخ التراب لا يتمرغ فيه قد ترك لخوفه، وقال ذو الرمة يمدح:

وخير إذا ما الريح ضم شفيفهاإلى الشول في دفء الكنيف المتاليا

الخير الكرم والشفيف البرد والكنيف حظيرة من شجر دفؤها مسترها، والشول التي تشولت ألبانها وقعت بطونها من أولادها وأتى على نتاجها أشهر، والمتالي التي نتجت وفي بطونها أولادها وهي مثقلة مكروبة والبرد إلى الشول أسرع منه إليها لخفة بطونها فإذا بلغ البرد إلى المتالي حتى يضمها إلى الشول في الكنيف فهو أشد البرد.

وقال ابن مقبل في مثله:

يظل الحصان الورد فيها مجللاًلدى الستر بغشاه المصك الصمحمح

يعني يغشى الفرس البيت من شدة البرد فأراد يظل الحصان الورد المصك الصمحمح مجللاً من شدة البرد لدى الستر يغشاه ويقال

مصك بعير يغشاه من شدة البرد وقال الفرزدق وذكر جدباً وبرداً.

وهتكت الأطناب كل غليظةلها تامك من صادق الني أعرف

تامك سنام، أعرف طويل العرف يقول إذا أصابها البرد دخلت في الخباء.

وراح قريع الشول قبل إفالهايزف وراحه حوله وهي زفف

قريع الشول فحلها، يزف يسرع لشدة البرد وقلة المرعى فتتبعه الإبل وتسرع حوله.

وقال ابن أحمر وذكر سنة جدب:

وراحت الشول ولم يحبهافحل ولم يعتس فيها مدر
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «قد بكرت عاذلتي بكرة»

أي ذهل الفحل عن الشول وهمته نفسه من شدة الزمان ويقال هو يحبو ما حوله أي يحميه ويمنعه، ولم يعتس أي لم يسع فيها ذو عس. لأنه لا ألبان لها، وقال الكميت:

إذا اللقاح غدت ملقى أصرتهاولم تند عصوب كف معتصب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «إذا اللقاح غدت ملقى أصرتها»

ملقى أصرتها لأنها لا ألبان بها، والعصوب التي لا تدر حتى تعصب فخذاها.

وقال أيضاً:

فأي امرئ أنت أي امرئإذا الزجر لم يستدر الزجورا
ولم تعط بالعصب منها العصوب إلا النهيت وإلا الطحيرا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «فأي أمرىء أنت أي أمرىء»

النهيت صياح ورغاء، والطحير أن تضرب برجلها، والزجور التي لا تدر حتى تزجر، وهذا في شدة الزمان.

وقال أيضاً:

وأسكت رز الفحل واسترعفت بهحراجيج لم تلقح كشافا سلوبها

رزه صوته ينقطع من شدة البرد، استرعفت به تقدمت والكشاف أن تلقح في دمها بعد الولاد، والسلوب التي سلب ولدها.

وقال وذكر سنة جدب:

بعام يقول له المؤلفون هذا المعيم لنا المرجل

المؤلف الذي له ألف بعير، والمعيم الذي أعامهم إلى اللبن، ومرجل أرجلهم.

وكان سواءً لدى الناتجينتمام الحوارين والمعجل
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «وفي اللزبات إذا ما السنون»

أي ليس للأمهات لبن فالتمام يموت أيضاً، قال أبو عمرو هما حواران أحدهما تمام والآخر معجل.

وقال أيضاً:

هدما للكنيف يلقي لدي المبرك لا يتبع الصريف الهديرا

هدماً أي محب لكنيفه لا يريد مفارقته، يقال ناقة هدمة إذا كانت تحب الفحل.

والرؤوم الرفود منهن بالأمس علوقاً لسقبها أو زجورا

الرؤوم العطوف على ولدها، والرفود التي تملأ رفدين في حلبة أي قدحين، والعلوق التي ترأم بأنفها وتمنع درها، والزجور التي لا تدر حتى تزجر.

وقال آخر:

أيانق قد كفأت أرفادهانطعمها إذا شئت أولادها

حرادها يمنع أن نمتادها

الأرفاد جمع رفد، كفأت الإناء قلبته أي انقطع لبنها فكفئت الأقداح، وأراد بعنما أولادها فأنفقنا أثمانها عليها، والمحاردة انقطاع ألبانها في الشتاء، نمتادها نقتلعها من مدت الرجل أخبرنا أعطيته، والمعنى أنها إذا حاردت لم يكن لها لبن يميد الناس.

وقال آخر:

حبسنا وكان الحبس منا سجيةًعصائب أبقتها السنون الأورام

ابن الأعرابي: عصائب المال بقاياها، الأورام المستأصلة.

وقال الكميت:

ويأرم كل نابتة رعاءوحشاشا لهن وحاطبينا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «الا حييت عنا يا مدينا»

وقال الكميت يذكر سنة جدب:

وكان لبيت القشعة الهدم والصباأحاديث منها عاليات الأرواد

القشعة بيت من جلود، والهدم الخلق، والصبا الريح، والأرواد من رويد أي قليلاً، يقول فأضعفها شديد.

وقال ابن مقبل:

فلا أصطفي شحم السنام ذخيرةًإذا عز ريح المسك بالليل قاتره

قاتره من القتار، عزه غلب عليه، يقول في أزمان الجدب يكون ريح القتار أطيب من ريح المسك، يقول: لا أصطفي السنام لنفسي وأطعم ما سواه.

وقال آخر وذكر الضيف واللحم:

فإن يك غثاً أو سميناً فإننيسأجعل عينيه لقلبه مقنعا

ترك مد الهاء في مثل لقلبه لغة لبعضهم، يقول إذا ذبح الجزور بين يديه اتخذت له الطعام بحضرته لا أغيب عنه غثاً كان أو سميناً لئلا يظن أني قد استأثرت عليه.

وقال آخر:

ولا يتقاضى القوم جاري هديتيبأعينهم في البيت من خلل الستر

أي لا تمتد أعينهم إلى ما أبعث به إلى جاري الأدنى لأني أوسعهم كلهم من قرب منهم ومن بعد فلا يحتاج البعيد إلى القريب.

وقال آخر:

بلى إن الزمان له صروفوكل من معاركه السنين
فيسمن ذو العريكة بعد هزلوتعتر الهزيلة بالسمين

يقال ناقة عروك إذا لم يكن في سنامها إلا شيء يسير، وتعتر الهزيلة أي تأتي والهزيلة الهزال بعينه أي تأتيه، والمعنى إن صروف الدهر تقلب فتسمن الهزيل وتهزل السمين، والهزال من الشحم والهزل من الجدب والموت. وقال عروة بن الورد:

أقيموا حذر الهزال نكحت عبداًوصهر العبد أقرب للهزال

وقال:

وصاحبين شتيت اللون نجرهمافي جسم حي وروح واحد خلقا
يغذوهما الخصب حتى يسمنان لهوإن أصابا هزالاً بعده افترقا

يعني الشحم واللحم، وأنشد ابن الأعرابي:

يحملن أوصال غلام متخملو لم يهو ذل طرفاه لنجم

في جنبه مثل قفا الكبش الأجم

يهوذل يسيل يريد أنه قاء وسلح ولولا ذلك لصار في جنبه من التخمة مثل قفا الكبش الذي لا قرن له، وأنشد:

تعدون القراح ولم تعدواعلي نقارة إلا القراحا

يقول ما لكم عندي يد إلا أنكم قريتموني ماء قراحاً كما تقول مالك نقرة ولا أثر أي قدر ما نقره الطائر، وأنشد:

قرانا التقيا بعد ما هبت الصبا

التقيا شيء يقراه الضيف يتقي به الأذى بقدر ما تقول أطعمته شيئاً، وأنشد أبو زيد:

ونصبح بالغداة أتر شيءونمسي بالعشي طلنفحينا

التار الممتلئ والطلنفح الخالي الجوف.

النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من كتاب الطعام والضيافة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.