من «أسرار البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)
فصل (٧)
وإن كان ممّا مضى، إلا أن الأسلوب غيره، وهو أن المعنى إذا أتاك ممثّلا، فهو في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى غير طلبه بالفكرة وتحريك الخاطر له والهمّة في طلبه. وما كان منه ألطف، كان امتناعه عليك أكثر، وإباؤه أظهر، واحتجابه أشدّ.
ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالمزيّة أولى، فكان موقعه من النفس أجلّ وألطف، وكانت به أضنّ وأشغف، ولذلك ضرب المثل لكل ما لطف موقعه ببرد الماء على الظمأ، كما قال:
وهنّ ينبذن من قول يصبن بهمواقع الماء من ذي الغلّة الصّادي
وأشباه ذلك مما ينال بعد مكابدة الحاجة إليه، وتقدّم المطالبة من النفس به.
فإن قلت: فيجب على هذا أن يكون التعقيد والتعمية وتعمّد ما يكسب
المعنى غموضا، مشرّفا له وزائدا في فضله، وهذا خلاف ما عليه الناس، ألا تراهم قالوا: إن خير الكلام ما كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك؟.
فالجواب: أني لم أرد هذا الحدّ من الفكر والتعب، وإنما أردت القدر الذي يحتاج إليه في نحو قوله: فإن المسك بعض دم الغزال وقوله:
وما التأنيث لاسم الشمس عيبولا التذكير فخر للهلال
وقوله:
رأيتك في الذين أرى ملوكاكأنّك مستقيم في محال
وقول النابغة:
فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركيوإن خلت أنّ المتأدى عنك واسع
وقوله:
فإنك شمس والملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
وقول البحتري:
ضحوك إلى الأبطال وهو يروعهموللسيف حدّ حين يسطو ورونق
وقول امرئ القيس: بمنجرد قيد الأوابد هيكل وقوله:
ثم انصرفت، وقد أصبت ولم أصب،جذع البصيرة قارح الإقدام
فإنك تعلم على كل حال أن هذا الضرب من المعاني، كالجوهر في الصدف لا يبرز لك إلّا أن تشقّه عنه، وكالعزيز المحتجب لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه.
ثم ما كل فكر يهتدي إلى وجه الكشف عمّا اشتمل عليه، ولا كلّ خاطر يؤذن له في الوصول إليه، فما كل أحد يفلح
في شقّ الصدفة، ويكون في ذلك من أهل المعرفة، كما ليس كلّ من دنا من أبواب الملوك، فتحت له، وكان:
من النّفر البيض الّذين إذا اعتزواوهاب رجال حلقة الباب قعقعوا
أو كما قال:
تفتّح أبواب الملوك لوجههبغير حجاب دونه أو تملّق
وأما التعقيد، فإنما كان مذموما لأجل أن اللفظ لم يرتّب الترتيب الذي بمثله تحصل الدّلالة على الغرض، حتى احتاج
السامع إلى أن يطلب المعنى بالحيلة، ويسعى إليه من غير الطريق، كقوله:
ولذا اسم أغطية العيون جفونهامن أنّها عمل السيوف عوامل
وإنما ذمّ هذا الجنس، لأنه أحوجك إلى فكر زائد على المقدار الذي يجب في مثله، وكدّك بسوء الدّلالة وأودع لك في قالب غير مستو ولا مملّس، بل خشن مضرّس، حتى إذا رمت إخراجه منه عسر عليك، وإذا خرج خرج مشوّه الصورة ناقص الحسن.
هذا، وإنما يزيدك الطلب فرحا بالمعنى وأنسا به وسرورا بالوقوف عليه، إذا كان لذلك أهلا، فأمّا إذا كنت معه كالغائص في البحر، يحتمل المشقّة العظيمة، ويخاطر بالروح، ثم يخرج الخرز، فالأمر بالضدّ مما بدأت به. ولذلك كان أحقّ أصناف التعقّد بالذم ما يتعبك، ثم لا يجدي عليك، ويؤرّقك ثم لا يورق لك، وما سبيله إلّا سبيل البخيل الذي يدعوه لؤم في نفسه، وفساد في حسّه، إلى أن لا يرضى بضعته في بخله، وحرمان فضله، حتّى يأبى التواضع ولين القول، فيتيه ويشمخ بأنفه، ويسوم المتعرّض له بابا ثانيا من الاحتمال تناهيا في سخفه أو كالذي لا يؤيسك من خيره في أول الأمر فتستريح إلى اليأس، ولكنه يطمعك ويسحب على المواعيد الكاذبة، حتى إذا طال العناء وكثر الجهد، تكشّف عن غير طائل، وحصلت منه على ندم لتعبك في غير حاصل. وذلك مثل ما تجده لأبي تمام من تعسّفه في اللفظ، وذهابه به في نحو من التركيب لا يهتدي النحو إلى إصلاحه، وإغراب في الترتيب يعمي الإعراب في طريقه، ويضلّ في تعريفه، كقوله:
ثانيه في كبد السّماء، ولم يكنلاثنين ثان إذ هما في الغار
وقوله:
يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعامن راحتيك درى ما الصّاب والعسل
ولو كان الجنس الذي يوصف من المعاني باللطافة ويعدّ في وسائط العقود، لا يحوجك إلى الفكر، ولا يحرّك من حرصك على طلبه، بمنع جانبه وببعض الإدلال عليك وإعطائك الوصل بعد الصدّ، والقرب بعد البعد، لكان «باقلّي حار» وبيت معنى هو عين القلادة وواسطة العقد واحدا، ولسقط تفاضل السامعين في الفهم والتصوّر والتبيين، وكان كلّ من روى الشعر عالما به، وكلّ من حفظه إذا كان يعرف اللغة على الجملة ناقدا في تمييز جيّده من رديئه، وكان قول من قال:
زوامل للأشعار لا علم عندهمبجيّدها إلا كعلم الأباعر
وكقول ابن الرومي:
قلت لمن قال لي: عرضت على الأخفش ما قلته فما حمده
قصّرت بالشعر حين تعرضهعلى مبين العمى إذا انتقده
ما قال شعرا ولا رواه فلاثعلبه كان لا ولا أسده
فإن يقل: إنّني رويت، فكالدّفتر جهلا بكلّ ما اعتقده
وما أشبه ذلك، دعوى غير مسموعة ولا مؤهّلة للقبول، فإنما أرادوا بقولهم:
«ما كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك»، أن يجتهد المتكلم في ترتيب اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخلّ بالدّلالة، وعاق دون الإبانة، ولم يريدوا أن خير الكلام ما كان غفلا مثل ما يتراجعه الصبيان ويتكلّم به العامّة في السوق.
هذا، وليس إذا كان الكلام في غاية البيان وعلى أبلغ ما يكون من الوضوح،
أغناك ذاك عن الفكرة إذا كان المعنى لطيفا، فإن المعاني الشريفة اللطيفة لا بدّ فيها من بناء ثان على أوّل، وردّ تال على سابق. أفلست تحتاج في الوقوف على الغرض من قوله: كالبدر أفرط في العلوّ إلى أن تعرف البيت الأول، فتتصوّر حقيقة المراد منه ووجه المجاز في كونه دانيا شاسعا، وترقم ذلك في قلبك، ثم تعود إلى ما يعرض البيت الثاني عليك من حال البدر، ثم تقابل إحدى الصورتين بالأخرى، وتردّ البصر من هذه إلى تلك، وتنظر إليه كيف شرط في العلوّ والإفراط، ليشاكل قوله: «شاسع»، لأن الشّسوع هو الشديد البعد، ثم قابله بما لا يشاكله من مراعاة التناهي في القرب فقال: «جدّ قريب»؟ فهذا هو الذي أردت بالحاجة إلى الفكر، وبأنّ المعنى لا يحصل لك إلا بعد انبعاث منك في طلبه، واجتهاد في نيله.
هذا، وإن توقفت في حاجتك أيها السامع للمعنى إلى الفكر في تحصيله، فهل تشكّ في أن الشاعر الذي أدّاه إليك، ونشر بزّه لديك، قد تحمّل فيه المشقّة الشديدة، وقطع إليه الشّقة البعيدة، وأنه لم يصل إلى درّه حتى غاص، ولم ينل المطلوب حتى كابد منه الامتناع والاعتياص؟ ومعلوم أن الشيء إذا علم أنه لم ينل في أصله إلا بعد التّعب، ولم يدرك إلا باحتمال النّصب، كان للعلم بذلك من أمره من الدعاء إلى تعظيمه، وأخذ الناس بتفخيمه، ما يكون لمباشرة الجهد فيه، وملاقاة الكرب دونه. وإذا عثرت بالهوينا على كنز من الذهب، لم تخرجك سهولة وجوده إلى أن تنسى جملة أنه الذي كدّ الطالب، وحمّل المتاعب، حتى إن لم تكن فيك طبيعة من الجود تتحكّم عليك، ومحبّة للثناء تستخرج النفيس من يديك كان من أقوى حجج الضّنّ الذي يخامر الإنسان أن تقول: «إن لم يكدّني فقد كدّ غيري»، كما يقول الوارث للمال المجموع عفوا إذا ليم على بخله به، وفرط شحّه عليه: «إن لم يكن كسبي وكدّي، فهو كسب أبي وجدي، ولئن لم ألق فيه عناء، لقد عانى سلفي فيه الشدائد، ولقوا في جمعه الأمّرين، أفأضيّع ما ثمّروه، وأفرّق ما جمعوه، وأكون كالهادم لما أنفقت الأعمار في بنائه، والمبيد لما قصرت الهمم على إنمائه؟».
وإنك لا تكاد تجد شاعرا يعطيك في المعاني الدقيقة من التسهيل والتقريب،
وردّ البعيد إلى المألوف القريب، ما يعطي البحتريّ، ويبلغ في هذا الباب مبلغه، فإنه ليروض لك المهر الأرن رياضة الماهر، حتى يعنق من تحتك إعناق القارح المذلّل، وينزع من شماس الصعب الجامح، حتى يلين لك لين المنقاد الطّيع، ثمّ لا يمكن ادعاء أنّ جميع شعره في قلّة الحاجة إلى الفكر، والغنى عن فضل النظر، كقوله:
فؤادي منك ملآنوسرّي فيك إعلان
وقوله: عن أيّ ثغر تبتسم وهل ثقل على المتوكل قصائده الجياد حتى قلّ نشاطه لها واعتناؤه بها، إلا لأنّه لم يفهم معانيها كما فهم معاني النوع النازل الذي انحطّ له إليه؟ أتراك تستجيز أن تقول: إن قوله:
منى النّفس في أسماء لو يستطيعها من جنس المعقّد الذي لا يحمد، وإن هذه الضّعيفة الأسر، الواصلة إلى القلوب من غير فكر، أولى بالحمد، وأحقّ بالفضل.
هذا، والمعقّد من الشعر والكلام لم يذمّ لأنه مما تقع حاجة فيه إلى الفكر على الجملة، بل لأنّ صاحبه يعثر فكرك في متصرّفه، ويشيك طريقك إلى المعنى، ويوعّر مذهبك نحوه، بل ربّما قسّم فكرك، وشعّب ظنّك، حتى لا تدري من أين تتوصّل وكيف تطلب؟.
وأمّا الملخّص، فيفتح لفكرتك الطريق المستوي ويمهّده، وإن كان فيه تعاطف أقام عليه المنار، وأوقد فيه الأنوار، حتى تسلكه سلوك المتبين لوجهته، وتقطعه قطع الواثق بالنّجح في طيّته، فترد الشريعة زرقاء، والروضة غنّاء، فتنال الريّ، وقطف الزهر الجنيّ، وهل شيء أحلى من الفكرة إذا استمرت وصادفت نهجا
مستقيما، مذهبا قويما، وطريقة تنقاد، وتبيّنت لها الغاية فيما ترتاد؟ فقد قيل: «قرّة العين، وسعة الصدر، وروح القلب، وطيب النفس، من أربعة أمور:
الاستبانة للحجّة، والأنس بالأحبّة، والثّقة بالعدّة، والمعاينة للغاية». وقال الجاحظ في أثناء فصل يذكر فيه ما في الفكر والنظر من الفضيلة: «وأين تقع لذّة البهيمة بالعلوفة، ولذّة السّبع بلطع الدّم وأكل اللحم، من سرور الظفر بالأعداء، ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان قرعه، وبعد، فإذا مدّت الحلبات لجري الجياد، ونصبت الأهداف لتعرف فضل الرّماة في الإبعاد والسّداد، فرهان العقول التي تستبق، ونضالها الذي تمتحن قواها في تعاطيه، هو الفكر والرويّة والقياس والاستنباط».
ولن يبعد المدى في ذلك، ولا يدقّ المرمى إلا بما تقدم من تقرير الشّبه بين الأشياء المختلفة، فإنّ الأشياء المشتركة في الجنس، المتفقة في النوع، تستغني بثبوت الشّبه بينها، وقيام الاتفاق فيها، عن تعمّل وتأمل في إيجاب ذلك لها وتثبته فيها، وإنما الصّنعة تستدعي وجود القريحة والحذق، والنظر يلطف ويدقّ، في أن تجمع أعناق المتنافرات والمتباينات في ربقة، وتعقد بين الأجنبيّات معاقد نسب وشبكة. وما شرفت صنعة، ولا ذكر بالفضيلة عمل، إلا لأنهما يحتاجان من دقّة الفكر ولطف النظر ونفاذ الخاطر، إلى ما لا يحتاج إليه غيرهما، ويحتكمان على من زاولهما والطالب لهما من هذا المعنى، ما لا يحتكم ما عداهما، ولا يقتضيان ذلك إلّا من جهة إيجاد الائتلاف في المختلفات.
وذلك بين لك فيما تراه من الصناعات وسائر الأعمال التي تنسب إلى الدقة، فإنك تجد الصورة المعمولة فيها، كلما كانت أجزاؤها أشدّ اختلافا في الشكل والهيئة، ثم كان التلاؤم بينها مع ذلك أتمّ، والائتلاف أبين، كان شأنها أعجب، والحذق لمصوّرها أوجب.
وإذا كان هذا ثابتا موجودا، ومعلوما معهودا، من حال الصور المصنوعة والأشكال المؤلّفة، فاعلم أنها القضيّة في «التمثيل» واعمل عليها، واعتقد صحّة ما ذكرت لك من أنّ أخذ الشبه للشيء مما يخالفه في الجنس وينفصل عنه من حيث ظاهر الحال، حتى يكون هذا شخصا يملأ المكان، وذاك معنى لا يتعدّى الأفهام والأذهان وحتى إن هذا إنسان يعقل، وذاك جماد أو موات لا يتّصف بأنه يعلم أو يجهل وهذا نور شمس يبدو في السماء ويطلع، وذاك معنى كلام يوعى ويسمع وهذا
روح يحيا به الجسد، وذاك فضل ومكرمة تؤثر وتحمد، كما قال:
إنّ المكارم أرواح يكون لهاآل المهلّب دون النّاس أجسادا
وهذا مقال متعصّب منكر للفضل حسود، وذاك نار تلتهب في عود، وهذا مخلاف، وذاك ورق خلاف، كما قال ابن الرّوميّ:
بذل الوعد للأخلّاء سمحاوأبى بعد ذاك بذل العطاء
فغدا كالخلاف يورق للعين، ويأبى الإثمار كلّ الإباء
وهذا رجل يروم العدوّ تصغيره والإزراء به، فيأبى فضله إلّا ظهورا، وقدره إلا سمّوا، وذاك شهاب من نار تصوّب وهي تعلو، وتخفض وهي ترتفع، كما قال أيضا:
ثم حاولت بالمثيقيل تصغيري فما زدتني سوى التّعظيم
كالذي طأطأ الشّهاب ليخفىوهو أدنى له إلى التّضريم
وأخذ هذا المعنى من كلام في حكم الهند، وهو: «إن الرجل ذا المروءة والفضل ليكون خامل المنزلة غامض الأمر، فما تبرح به مروءته وعقله حتى يستبين ويعرف، كالشعلة من النار التي يصوّبها صاحبها وتأبى إلّا ارتفاعا».
هذا هو الموجب للفضيلة، والداعي إلى الاستحسان، والشفيع الذي أحظى «التمثيل» عند السامعين، واستدعى له الشغف والولوع من قلوب العقلاء الراجحين، ولم تأتلف هذه الأجناس المختلفة للممثّل، ولم تتصادف هذه الأشياء المتعادية على حكم المشبّه، إلا لأنه لم يراع ما يحضر العين، ولكن ما يستحضر العقل، ولم يعن بما تنال الرؤية، بل بما تعلّق الرويّة، ولم ينظر إلى الأشياء من حيث توعى فتحويها الأمكنة بل من حيث تعيها القلوب الفطنة.
ثم على حسب دقّة المسلك إلى ما استخرج من الشّبه، ولطف المذهب وبعد التّصعّد إلى ما حصل من الوفاق، استحقّ مدرك ذلك المدح، واستوجب التقديم، واقتضاك العقل أن تنوّه بذكره، وتقضي بالحسنى في نتائج فكره. نعم، وعلى حسب
المراتب في ذلك أعطيته في بعض منزلة الحاذق الصّنع، والملهم المؤيّد، والألمعي المحدّث، الذي سبق إلى اختراع نوع من الصنعة حتى يصير إماما، ويكون من بعده تبعا له وعيالا عليه وحتى تعرف تلك الصّنعة بالنسبة إليه، فيقال: «صنعة فلان»، و «عمل فلان» ووضعته في بعض موضع المتعلّم الذكيّ، والمقتدي المصيب في اقتدائه، الذي يحسن التشبّه بمن أخذ عنه، ويجيد حكاية العمل الذي استفاد، ويجتهد أن يزداد.
واعلم أني لست أقول لك إنك متى ألّفت الشيء ببعيد عنه في الجنس على الجملة فقد أصبت وأحسنت، ولكن أقوله بعد تقييد وبعد شرط، وهو أن تصيب بين المختلفين في الجنس وفي ظاهر الأمر شبها صحيحا معقولا، وتجد للملاءمة والتأليف السويّ بينهما مذهبا وإليهما سبيلا وحتى يكون ائتلافهما الذي يوجب تشبيهك، من حيث
العقل والحدس، في وضوح اختلافهما من حيث العين والحسّ، فأمّا أن تستكره الوصف وتروم أن تصوّره حيث لا يتصوّر، فلا لأنك تكون في ذلك بمنزلة الصّانع الأخرق، يضع في تأليفه وصوغه الشكل بين شكلين لا يلائمانه ولا يقبلانه، حتى تخرج الصورة مضطربة، وتجيء فيها نتوّ، ويكون للعين عنها من تفاوتها نبوّ. وإنما قيل: «شبّهت، ولا تعني في كونك مشبّها أن تذكر حرف التشبيه أو تستعير، إنما تكون مشبّها بالحقيقة بأن ترى الشّبه وتبيّنه، ولا يمكنك بيان ما لا يكون، وتمثيل ما لا تتمثّله الأوهام والظنون.
ولم أرد بقولي إنّ الحذق في إيجاد الائتلاف بين المختلفات في الأجناس، أنك تقدر أن تحدث هناك مشابهة ليس لها أصل في العقل، وإنما المعنى أنّ هناك مشابهات خفيّة يدقّ المسلك إليها، فإذا تغلغل فكرك فأدركها فقد استحققت الفضل. ولذلك يشبّه المدقّق في المعاني بالغائص على الدرّ، ووزان ذلك أن القطع التي يجيء من مجموعها صورة الشّنف والخاتم أو غيرهما من الصور المركّبة من أجزاء مختلفة الشكل، لو لم يكن بينها تناسب، أمكن ذلك التناسب أن يلائم بينها الملائمة المخصوصة، ويوصل الوصل الخاصّ، لم يكن ليحصل لك من تأليفها الصورة المقصودة. ألا ترى أنّك لو جئت بأجزاء مخالفة لها في الشكل، ثم أردتها على أن تصير إلى الصورة التي كانت من تلك الأولى، طلبت ما يستحيل؟ فإنما استحققت الأجرة على الغوص وإخراج الدّر، لا أن الدرّ كان بك، واكتسى شرفه من جهتك، ولكن لمّا كان الوصول إليه صعبا وطلبه عسيرا، ثم رزقت ذلك، وجب أن يجزل لك، ويكبّر صنيعك.
ألا ترى أن التشبيه الصريح إذا وقع بين شيئين متباعدين في الجنس، ثم لطف وحسن، لم يكن ذلك اللّطف وذلك الحسن إلا لاتفاق كان ثابتا بين المشبّه والمشبّه به من الجهة التي بها شبّهت، إلّا أنه كان خفيا لا ينجلي إلا بعد التأنّق في استحضار الصور وتذكّرها، وعرض بعضها على بعض، والتقاط النّكتة المقصودة منها، وتجريدها من سائر ما يتّصل بها، نحو أن تشبّه الشيء بالشيء في هيئة الحركة، فتطلب الوفاق بين الهيئة والهيئة مجرّدة من الجسم وسائر ما فيه من اللون وغيره من الأوصاف؟ كما فعل ابن المعتز في تشبيه البرق حيث قال:
وكأنّ البرق مصحف قارفانطباقا مرّة وانفتاحا
لم ينظر من جميع أوصاف البرق ومعانيه إلا إلى الهيئة التي تجدها العين له من انبساط يعقبه انقباض، وانتشار يتلوه انضمام، ثم فلى نفسه عن هيئات الحركات لينظر أيّها أشبه بها، فأصاب ذلك فيما يفعله القارئ من الحركة الخاصّة في المصحف، إذا جعل يفتحه مرة ويطبقه أخرى. ولم يكن إعجاب هذا التشبيه لك وإيناسه إياك لأن
الشيئين مختلفان في الجنس أشدّ الاختلاف فقط، بل لأنّ حصل بإزاء الاختلاف اتفاق كأحسن ما يكون وأتمّه، فبمجموع الأمرين شدّة ائتلاف في شدّة اختلاف حلا وحسن، وراق وفتن.
ويدخل في هذا الوضع الحكاية المعروفة في حديث عديّ بن الرّقاع، قال جرير: «أنشدني عديّ: عرف الديار توهّما فاعتادها
فلمّا بلغ إلى قوله:
تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه رحمته، وقلت: قد وقع! ما عساه يقول وهو أعرابيّ جلف جاف؟ فلما قال:
قلم أصاب من الدّواة مدادها استحالت الرّحمة حسدا» فهل كانت الرحمة في الأولى، والحسد في الثانية، إلا أنه رآه حين افتتح التشبيه قد ذكر ما لا يحضر له في أوّل الفكر وبديهة الخاطر، وفي القريب من محلّ الظنّ شبه، وحين أتمّ التشبيه وأدّاه صادفه قد ظفر بأقرب صفة من أبعد موصوف، وعثر على خبيء مكانه غير معروف؟.
وعلى ذلك استحسنوا قول الخليل في انقباض كفّ البخيل:
كفاك لم تخلقا للنّدىولم يك بخلهما بدعه
فكفّ عن الخير مقبوضةكما نقضت مائة سبعه
وكفّ ثلاثة آلافهاوتسع مئيها لها شرعه
وذلك أنه أراك شكلا واحدا في اليدين، مع اختلاف العددين، ومع اختلاف المرتبتين في العدد أيضا، لأن أحدهما من مرتبة العشرات والآحاد، والآخر من مرتبة المئين والألوف، فلما حصل الاتفاق كأشدّ ما يكون في شكل اليد
مع الاختلاف، كأبلغ ما يوجد في المقدار والمرتبة من العدد، كان التشبيه بديعا. قال المرزباني:
«وهذا ما أبدع فيه الخليل، لأنه وصف انقباض اليدين بحالين من الحساب مختلفين في العدد، متشاكلين في الصورة»، وقوله هذا إجمال ما فصّلته.
ومما ينظر إلى هذا الفصل ويداخله ويرجع إليه حين تحصيله، الجنس الذي يراد فيه كون الشيء من الأفعال سببا لضدّه، كقولنا: «أحسن من حيث قصد الإساءة» و «نفع من حيث أراد الضّرّ»، إذ لم يقنع المتشاغل بالعبارة الظاهرة والطريقة المعروفة، وصوّر في نفس الإساءة الإحسان، وفي البخل الجود، وفي المنع العطاء، وفي موجب الذمّ موجب الحمد، وفي الحالة التي حقّها أن تعدّ على الرجل حكم ما يعتدّ له، والفعل الذي هو بصفة ما يعاب وينكر، صفة ما يقبل المنّة ويشكر، فيدلّ ذلك بما يكون فيه من الوفاق الحسن مع الخلاف البيّن، على حذق شاعره، وعلى
جودة طبعه وحدّة خاطره، وعلوّ مصعده وبعد غوصه، إذا لم يفسده بسوء العبارة، ولم يخطئه التوفيق في تلخيص الدلالة، وكشف تمام الكشف عن سرر المعنى وسرّه بحسن البيان وسحره.
مثال ما كان من الشعر بهذه الصّفة قول أبي العتاهية:
جزي البخيل عليّ صالحةعنّي، بخفّته على ظهري
أعلى وأكرم عن يديه يديفعلت، ونزّه قدره قدري
ورزقت من جدواه عافيةأن لا يضيق بشكره صدري
وغنيت خلوا من تفضّلهأحنو عليه بأحسن العذر
ما فاتني خير امرئ وضعتعنّي يداه مئونة الشّكر
ومن اللطيف مما يشبه هذا قول الآخر:
أعتقني سوء ما صنعت من الرقّ، فيا بردها على كبدي
فصرت عبدا للسّوء فيك، وماأحسن سوء قبلي إلى أحد
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع