من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
ويا خبيراً على الأسرار مُطّلِعاً ... اصْمُتْ ففي الصَّمْتِ مَنْجاةٌ من الزَّلَلِ
اللغة: السر: الذي يُكتم، والجمع أسرار، اصمت: اسكت، منجاة: سبب النجاة، والزلل: الخطأ.
الإعراب: الواو: عاطفة على المنادى في قوله يا وارداً، وعلى الأسرار: متعلق بمطلع، مطلعا: صفة لخبير، ففي: هاهنا جواب الأمر، وفي حرف [جر] منجاة: اسم مصدر، مثل مرضاة، وهو مرفوع على لأنه مبتدأ، والخبر تقدم في الجار والمجرور، من الزلل: [من] لبيان الجنس، وهو متعلق بمنجاة، الزلل: مجرور بمن.
المعنى: ويا مَن خبِر الأمور، واطّلع على الأسرار، اصمت ولا تُبدِ شيئامما خبرته، واطّلعت عليه، فإنّ صمتك منجاة لك من الزلل، يترتب على إفشاء السر مفاسد كثيرة، قال ﷺ: مَنْ أسرَّ إلى أخيه سراً لم يحلّ له أنْ يفشيَه، وقال عمر ﵁: مَنْ كتم سرَّه كان الخيار بيده، ومّنْ عرّض نفسه للتهمة فلا يلومن مَنْ أساء به الظن،
وقال عمرو [بن العاص] ﵁: ما استودعت رجلا سراً فأفشاه فلمته؛ لأني كنت به أضيق صدراً حيث استودعته إياه، أخذه الشاعر فقال:
إِذا ضاقَ صَدرُ المَرءِ عَن سِرِّ نَفسِهِفَصَدرُ الَّذي يُستَودَعُ السِرَّ أَضيَقُ
وقال آخر:
إذا ما ضاق صدرُك عن حديثٍفأفشتهُ الرجالُ فمنْ تلومُ
إذا عاتبتُ من أفشى حديثيوسري عنده فأنا الظلومُ ... [ أ]
قال ابن المحجلي العنتري:
من لزم الصمت اكتسى هيبةًتخفي عن الناس مساويه
لسان من يعقل في قلبهوقلب من يجهل في فيه
ومن الكلم النوابغ: ربّ كلام أوردك مورد القتال أو ردّك عن مورد القذال، ومنها يا بني قِ فاك ما يقرع قفاك، [ومنها] ملاك حسن السمت إيثار الصمت، قال أبو العلاء المعري:
فظُنّ بسائِرِ الإخْوانِ شَرّاًولا تأمَنْ على سِرٍّ فُؤادا
وقال آخر:
ابخلْ بسرك لا تَبُح يوما بهفصغيره يأتي بكل عظيم
أوما ترى سرَّ الزِّناد إذا فشايأتي وشيكاً سقطه بجحيم
وقال الطغرائي:
ولا تستودِعَنَّ السِرَّ إلّافؤادَك فهو موضِعُه الأمينُ
إِذا حُفَّاظُ سِرِّك زيدَ فيهمفذاك السرُّ أضيعُ ما يكونُ
وأمَّا الجاحظ فلم يرَ هذا، وعنده أنّ النطق خير من الصمت، وكيف يكون هذا ونفع الصمت لا يكاد يجاوز صاحبه، ونفع الكلام يخص ويعم، وبالكلام أرسل الرسل.
واعلم أنّ الصمت تارة يكون أحسن من الكلام، والكلام تارة أحسن من الصمت، قال ﵇: دع ما يريبك [إلى ما لا يريبك]
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع