تجاوز إلى المحتوى

من «أوهام شعراء العرب في المعاني» لأحمد تيمور (ت ١٣٤٨هـ)

القسم الخامس

ومن هذه الأوهام (القلب) عند من لا يرى جوازه، وهو أن يجعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر، والآخر مكانه مع إثبات حكم كل للآخر، نحو: قطع المسمار الثوب. وأدخلت رأسي في القلنسوة. لأن المسمار هو القاطع للثوب، والرأس هو المدخل في القلنسوة.

وقد اختلف فيه النحاة والبيانيون، فأجازه بعض النحاة لوضوح المعنى، وخصه بعضهم بالضرورة، وقبله بعض البيانيون مطلقاً، ورده بعضهم مطلقاً على ما هو مفصل في كتبهم. وذهب بعض البانيين إلى قبوله أن تضمن اعتباراً لطيفاً، كقول رؤبة بن العجاج:

ومهمه مغبّرة أرجاؤهكأنّ لون أرضه سماؤه
للشاعر عبد الرحمن السويدي، اقرأ القصيدة

فالأصل: كأن لون سمائه لما فيها من الغبار لون أرضه. قالوا: والإعتبار اللطيف وهم المبالغة في وصف لون السماء بالغبرة حتى كأنه صار بحيث يشبه به لون الأرض في ذلك مع أن الأرض أصل فيه. واعترض بعضهم بأن هذا لا ينبغي إجراء الخلاف فيه لأنه على هذا الاعتبار يكون من التشبيه المقلوب وقلب التشبيه متفق عليه، فكأن الأولى التمثيل بقول الشاعر:

ورأين شيخاً قد تحنى صلبهيمشي فيقعس أو يكبّ فيعثر

لأن الأصل: أو يعثر فيكب، أي يسقط على وجهه. والاعتبار اللطيف أن في القلب تخييل أنه من غاية ضعفه يسقط على وجهه قبل عثاره. ومثلوا للقلب المردود لعدم تضمنه هذا الاعتبار اللطيف بقول القطامى يصف ناقته:

فلمّا أن جرى سمن عليهاكما طيّنت بالفدن السياعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

والفدن: القصر. والسياع: (بفتح الأول وكسره): الطين بالتبن الذي يطين به ظاهر الجدار. أراد كما طينت بالسياع الفدن فقلب. والمعنى: إن هذه الناقة امتلأت سمناً فصارت كالقصر المسيع في الملامسة. واعترض بأنا لا نسلم خلوه من النكتة، لأنه يتضمن من المبالغة في سمن الناقة ما لا يتضمنه قولنا: كما طينت الفدن بالسياع، لإيهامه أن السياع بلغ من العظم والكثرة إلى أن صار بمنزلة الأصل، والفدن بالنسبة إليه كالسياع بالنسبة إلى الفدن، كذا في الهندية للدماميني على المغنى، وفي عروس الأفراح للبهاء السبكي ما نصه: ((ويروى: بطنت، كذا رأيته في الصحاح للجوهري وحلية المحاضرة للحاتمي، والتوسعة لابن السكيت وجعله قلباً وفيه نظر، لأنه يجوز أن يريد أنه جعل القصر بطانة للطين لأنه داخله فلا قلب، وكل ما كان ظهارة لغيره كان الغير بطانة له)) انتهى.

(ومما عدوه) من القلب قول القطامى في مطلع هذه القصيدة:

قفى قبل التفرق يا ضباعاولا يك موقفٌ منك الوداعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

لأنه جعل ما هو في موقع المبتدأ نكرة وما هم في موقع الخبر معرفة، فحمل على القلب لتصحيح الحكم اللفظي وصار تقديره: ولا يكن موقف الوداع موقفاً منك، ولو أنه نكر الوداع ما حمل على ذلك.

ومثله قول حسان:

كأنّ سبيئة من بيت رأسيكون مزاجها عسلٌ وماءُ

عند من نصب مزاجها فجعل المعرفة الخبر والنكرة الإسم. وفي البيت تأويلات أخرى تخريجه عن القلب ليس هذا محل ذكرها.

(ومن القلب) قول القائل:

إنّ سراجاً لكريم مفخرهْتحلى به العين إذا ما تجهرهْ

قال السيد المرتضى في أماليه: أي يحلى بالعين فقدم وأخر.

(ومنه) قول الجعدي:

كانت فريضة ما تقول كماكان الزناءُ فريضةَ الرجم

والأصل: كان الرجم فريضة الزناء.

(ومنه) قول الآخر:

وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتيعلى وعلٍ في ذي المطارة عاقلِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أهاجك من أسماء رسم المنازل»

أراد: ما تزيد مخافة وعل على مخافتي، كذا في أمالى المرتضى.

(ومنه) قول الآخر:

ترى الثور فيها مدخل الظلِ رأسهوسائره بادٍ إلى الشمس أجمع

(ومنه) قول الراعي:

فصبّحته كلاب الغوث يؤسدهامستوضحون يرون العين كالأثر
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «يا أهل ما بال هذا الليل في صفر»

يريد أنهم يرون الأكثر كالعين.

(ومنه) قول النابغة الذبياني:

فلا تتركنّي بالوعيد كأنّنيإلى الناس مطليّ به القار أجربُ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

قال الأعلم: ((قوله: كأنني إلى الناس، أي في الناس، وقوله: مطلي به القار، أي مطلي بالقار فقلب، ويحتمل أن يكون في مطلي ضمير البعير كأنه قال: كأني بعير مطلي أجرب فيه القار، أو عليه القار)).

(ومنه) قول أبي النجم:

قبل دنو الأفق من جوائزه

أي قبل دنو الجوزاء من الأفق.

(ومنه) قول عروة بن الورد:

فلو أنّى شهدت أبا معاذغداة غدا بمهجته يفوق
فديت بنفسه نفسي وماليوما آلوك إلّا ما أطيق

قال المرزباني: أراد أن يقول: فديت نفسه بنفسي فقلب المعنى.

(ومنه) قول الحطيئة:

فلمّم خشيت الهون والعير ممسكعلى رغمه ما أمسك الحبل حافرهْ

وكان الوجه: ما أمسك الحبل حافره.

ومثله قول المجنون:

يضمّ إلى الليل أطفال حبّكمكما ضمّ أزرار القميص البنائقُ

والوجه: رفع الأزرار ونصب البنائق، ولهذا ذكر السيرافي أن بعضهم رواه: (كما ضم أزرار القميص البنائقا) قال: وليس بصحيح، لأن القصيدة مرفوعة. هذا على تفسير البنيقة بالرقعة تكون في الثوب كاللبنة، أو هي لبنة القميص، وقال صاحب اللسان: ((وفسر أبو عمرو الشيباني البنائق هنا بالعرا التي تدخل فيها الأزرار. والمعنى على هذا واضح بين لا يحتاج معه إلى قلب ولا تعسف إلا أن الجمهور على الوجه الأول)) انتهى.

(ومنه) قول الشماخ:

بانت سعاد ففي العينين ملمولوكان في قصر من عهدها طول

قال أبو هلال: ((كان ينبغي أن يقول: في طول من عهدها قصر لأن العيش مع الأحبة يوصف بالقصر)) ونحوه في الموشح للمزرباني (ومنه) قول أبي ذؤيب:

فلا يهنأ الواشون أن قد هجرتهاوأظام دوني ليلها ونهارها

قال أبو هلال: هذا من المقلوب، وكان ينبغي أن يقول: وأظلم دونها ليلي ونهاري، ومثله في الموشح.

(ومنه) قول الأخطل:

مثل القنافذ هدّاجون قد بلغتنجران أو بلغت سوآتهم هجرُ

وكان الوجه رفع سوآتهم ونصب هجر، لأن السوآت هي التي تبلغ هجر.

(ومنه) قول كعب بن بانت سعاد:

كأنّ أوب ذراعيها إذا عرقتوقد تلفّع القور العساقيلُ
للشاعر المدائح النبوية، من قصيدة «بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ»

القور (بالضم): جمع قارة، وهو الجبل الصغير. والعساقيل هنا: السراب ولا واحد لها. والوجه كما تلفعت القور بالعساقيل، أي صار السراب للأكم مثل اللثام.

(ومنه) قول النابغة الجعدي:

حتى لحقناهم تعدى فوارسناكأنّنا رعن قفّ يرفع الآلا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «إما تري ظلل الأيام قد حسرت»

أي تعدى فوارسنا الخيل فحذف المفعول اختصاراً. ورعن القف نادر يندر منه. والقف: ما ارتفع من الأرض. والآل: السراب، شبه حركتهم في عدوهم بحركة القف في الآل، لأن الجبال فيه يخيل للناظر أنها تضطرب. فكان الوجه كأننا رعن قف يرفعه الآن، كذا في أدب الكتاب لابن قتيبة والأضداد لأبي الطيب اللغوي وشرح بانت سعاد لابن هشام. وقال ابن السيد في شرح أدب الكتاب: ((قال الأصمعي: إنما قال يرفع الآل لأنه ينزو في الآل فإذا نزا فكأنه قد رفع الآل، يريد أنه لا قلب في البيت كما قال ابن قتيبة)).

(ومنه) قول خداش بن زهير:

وتركب خيلٌ لا هوادة بينهاوتشقي الرماح بالضياطرة الحمر

الضياطرة: واحدهم ضيطار، وهو الضخم الذي لا يغني شيئاً. والبيت عندهم من المقلوب، إذ الأصل: وتشقى الضياطرة بالرماح، أي يقتلون بها. وقيل: لا قلب لجواز أن يكون عنى أن الرماح تشقى بهم، أي أنهم لا يحسنون حملها ولا الطعن بها. وقال علم الدين السخاوي في سفر السعادة: ((زعموا أنه مقلوب، وأن وجه الكلام: وتشقى الضياطرة بالرماح، وأحسن من هذا أن يكون غير مقلوب وشقاوة الرماح تكسرها فيهم، كما قال:

فتى شقيت أرماحه بعداتهكما شقيت أرماح زيد بتغلب

انتهى. وفي هذا البيت رواية أخرى رواها الإمام محمد بن أحمد بن مطرِّف الكناني في القرطين وهي: (وتعصى الرماح) من قولهم: عصى بسيفه يعصى: أي ضرب به. والمراد هنا الطعن، وعلى هذه الرواية لا يصح تخريج ما في البيت إلا على القلب. قال الكناني: ((لأن الرماح لا تعصى بالضياطرة، وإنما يعصى الرجال بها، أي يطعنون)).

(ومنه) قول الفرزدق يذكر ذئباً:

وأطلس عسّال وما كان صاحباًرفعت لناري موهناً فأتاني

قال المبرد في الكامل: ((قوله: رفعت لناري من المقلوب، وإنما أراد رفعت له ناري، والكلام إذا لم يدخله لبس جاز القلب للاختصار)) ثم قال: ((ويروى: أن يونس بن حبيب قال لأبي الحسن الكسائي: كيف تنشد بيت الفرزدق:

غداة أحلّت لابن أصرم طعنةٌحصينٍ عبيطاتِ السدائفِ والخمرُ؟
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا سومت للبأس أغشى صدورها»

فقال الكسائي: لما قال: غداة أحلت لابن أصرم طعنة حصين عبيطات السدائف تم الكلام، فحمل الخمر على المعنى، أراد: وحلت له الخمر، فقال يونس: ما أحسن ما قلت، ولكن الفرزدق أنشدنيه على القلب، فنصب الطعنة ورفع العبيطات، والخمر على ما وصفنا من القلب، والذي ذهب إليه الكسائي أحسن في محض العربية، وإن كان إنشاد الفرزدق جيداً)) انتهى.

(ومنه) قول الفرزدق أيضاً:

فبتنَ بجانبيّ مصرَّعاتوبتّ أفضّ أغلاق الحتام

قال الفارسي: أراد ختام الأغلاق فقلب، كذا في اللسان في مادة (غلق).

(ومنه) قول ذي الرمة:

وقرّ بي بالزُّرق الحمائل بعدماتقوّب عن غربان أوراكها الخطرُ

الزرق: أكثبة بالدهناء. والغرابان من الفرس والبعير: حرفا الوركين. والخطر: ما لصق بالوركين من البول. وتقوب الجلد: تقشر قال صاحب اللسان: ((أراد تقوبت غربانها عن الخطر فقلبه، لأن المعنى معروف كقولك: لا يدخل الخاتم في اصبعي، أي لا يدخل اصبعي في الخاتم)).

(ومنه) قول بعضهم_ونسبه صاحب الوساطة للأعشى_:

وكلّ كميت كأنّ السليط حيث وارى الأديمُ الشعارا

ففي الوساطة: ((يريد حيث وارى الشعار الأديم فقلب الكلام)).

ورواية اللسان: بدل كميت، وجاء فيه عن البيت ما نصه: ((أراد كأن السليط، وهو الزيت في شعر هذا الفرس لصفائه. والشعار: جمع شعر، كما يقال: جبل وجبال، أراد أن يخبر بصفاء شعر الفرس، وهو كأنه مدهون بالسليط. والموارى في الحقيقة: الشعار. والموارى: هو الأديم، لأن الشعر يواريه فقلب. وفيه قول آخر يجوز أن يكون هذا البيت من المستقيم غير المقلوب، فيكون معناه: كأن السليط في حيث وارى الأديم الشعر، لأن الشعر ينبت من اللحم وهو تحت الأديم، لأن الأديم الجلد. يقول: فكأن الزيت في الموضع الذي يواريه الأديم وينبت منه الشعر، وإذا كان الزيت في منبته نبت صافياً، فصار شعره كأنه مدهون، لأن منابته في الدخن، كما يكون الغصن ناضراً ريان إذا كان الماء في أصوله)) انتهى.

(ومنه) قول الأعشى:

حتى إذا احتدمت وصار الجمر مثل ترابها

أي وصار ترابها مثل الجمر، وقد روى هذا البيت في الأضداد لأبي الطيب اللغوي والقرطين للكناني. والذي في الأضداد للسجستاني:

حتى يصير الجمر مثل ترابها

أي على أنه شطر بيت وليحقق فإني لم أجده في نسخة ديوان الأعشى التي بيدي، ولعله الأعشى آخر إلا أن عادتهم إذا أطلقوا أرادوا الأعشى الأكبر.

(ومنه) قول الشماخ يذكر أباه:

منه ولدت ولم يؤشب به حسبيليّاً كما عصبَ العلباء بالعود

العلباء: عصب العنق، وكانت العرب إذا تصدع رمح تعصبه به وهو رطب فيجف عليه، فكان الوجه في البيت: (كما عصب العود بالعلباء).

(ومنه) قول ذي الرمة:

وتكسو المجنّ الرخو خصراً كأنّهإهان ذوى عن صفرة فهو أخلق
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أدارا بحزوى هجت للعين عبرة»

المجن هنا: الثوب والإهان (بكسر أوله): عود المذاق. والأخلق: الأملس. وكان الوجه أن يقول: تكسو الخصر مجناً.

(ومن القلب) قوله أيضاً يذكر بعيراً:

برى لحمه التوجاف حتى كأنّههلال نضت عنه الرياحَ سحائبه

أي أهزله الإسراع في السير حتى صيره كهلال تقشعت عنه السحائب، فالرياح هي التي نضت عنه السحائب لا العكس كما في البيت، ولكنه لما اضطر قلب. وقد رواه هكذا أبو الطيب اللغوي في الأضداد، ورواية الديوان: (هلال بدا وانشق عنه سحائبه) ولا قلب عليها.

(ومنه) قول الآخر

أسلمته في دمشق كماأسلمت وحشيّةٌ وهقا

الوهق (بفتحتين): حبل مغار يرمى فتأخذ به الدواب. والوجه كما أسلم وهقٌ وحشية.

(ومنه) ما أورده ابن هشام في المغنى لبعضهم:

فإن أنت لاقيت في نجدةفلا يتهيَّبك أن تقدما

قال الدماميني في الهندية: ((أي لا يخفك الإقدام. والمعنى: لا تخف أنت الإقدام على ملاقاة العدو والدخول في الحرب، والقلب فيه ظاهر)).

(وفي المغنى) أيضاً لابن مقبل:

ولا تهيّبني الموماة أركبهاإذا تجاوبت الأصداء بالسحر
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ولا تهيبني الموماة أركبها»

أي لا تتهيبني، فحذفت إحدى التاءين، والوجه لا أتهيبها.

(ومن) قلب التثنية بالإفراد ما ورد في المغنى أيضاً لبعضهم:

إذا أحسن ابن العمّ بعد إساءةفلست لشرَّى فعله بحمول

أي فلست لشرّ فعليه.

(ومن القلب) قول بعضهم:

متاليف سيّارون والليل مسدفإذا الليل بالغوج الهدان تحيّرا

قال أبو الطيب اللغوي في الأضداد: ((أي إذا تحير الغوج الهدان بالليل. والغوج: الثقيل. والهدان: البليد)).

(ومنه) قول الآخر:

عليك سلام الله منّي مضاعفاًإلى أن تغيب الشمس من حيث تطلع

قال أبو الطيب: ((يريد إلى أن تطلع الشمس من حيث تغيب)).

(ومنه) قول الآخر:

فإنّ بني شرحبيل بني عمروتمادوا والفجور من التمادي

يريد: والتمادى من الفجور.

(ومنه) قول الآخر:

أتجزع أن نفسي أتاها حمامهافهلّا التي عن بين جنبيك تدفع

يريد: فهلا عن التي بين جنبيك تدفع.

(ومنه) قول الآخر:

أقبّ طمرّ كسيد الغضاإذا ما الخبار انتحاه وثبْ

يريد: إذا انتحى الخبار، أي قصده. والخبار من الأرض: ما لان واسترخى، وكان فيه جحرة.

(ومنه) قول الآخر:

ووحش أران قد سلبت مقليهإذا ضنّ بالوحوش العتاق مقايلهْ

هكذا أنشده أبو الطيب اللغوي في الأضداد وقال: ((يريد إذا ضن الوحش بمقايله)) والأران على هذه الرواية إما الكناس، وإما موضع تنسب إليه البقر. وورد في اللسان على أن الأران الثور الوحشي برواية:

وكم من إران قد سلبت مقيلهإذا ضن بالوحش العتاق معاقله
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

(ومن القلب) قول بعضهم:

كأنّ ريقتها بعد الكرى اغتبقتمن مستكنّ نماه النحل في نيق
أو طعم غادية في جوف ذي حدبمن ساكب المزن يجري في الغرانيق

النيق (بكسر الأول): أرفع موضع في الجبل، وأراد بذي حدب: ماء استنقع في موضع منخفض تحت جبل فبرد وصفا، كذا في الإقتضاب.

قال أبو الطيب في الأضداد: ((أي تجري الغرانيق فيه. والغرانيق: جمع غرنيق وهو طير الماء)) فجعله من المقلوب، والذي في اللسان: أنه أقام (في) مقام (مع) أي أنه أراد يجري مع الغرانيق. ومثله في أدب الكتاب لابن قتيبة وشرحه المسمى بالاقتضاب لابن السيد، وذكر أن الشعر لخراشة بن عمرو العبسي، وأن بعضهم رواه لعنترة بن شداد.

(ومن القلب) قول الراجز يشكو أذى البرغوث:

قد حكّني الأسيود الأسكُّبالليل حكًّا ليس فيه شكّ

أحكّ حتّى منكبي منفك

كذا رواه أبو الطيب في الأضداد وقال: ((يريد بالأسيود البرغوث ويريد حككته حكني)).

ورواية اللسان:

ليلة حكّ ليس فيها شكّأحكّ حتّى ساعدي منفكّ

أسهرني الأسيود الأسكّ

(ومنه) قول الآخر:

وقد أراني في زمان ألعبهفي رونق من الشباب أعجبهْ

قال أبو الطيب: ((أي يعجبني، وقوله: ألعبه، أي في زمان ألعبه فيه)).

قال أبو الطيب: ((أي يعجبني، وقوله: ألعبه، أي في زمان ألعب فيه)).

(ومنه) قول الآخر:

قد صبّحت صبّحها السلامُبكبد خالطها السَّنام

في ساعة يحبّها الطعام

قال أبو الطيب: ((أي يحب فيها الطعام)) ومثله في اللسان.

(ومنه) قول الآخر:

وإذا تعاورت الأكفُّ زجاجهانفحت فنال رياحها الزكومُ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «صرمت أمامة حبلها ورعوم»

قال أبو الطيب: ((يريد: فنالت رياحها الذكوم. والمذكوم نصب والرياح رفع)) (ومنه) قول الآخر:

من كنت في الحرب (العوان) مغمّراًإذا شبّ حرُّ وقودها أجزالها

قال أبو الطيب: ((وإنما الأجزال هي التي شبت حر وقودها)) (ومن القلب) الواقع في كلام المولدين قول أبي تمام يصف قلم ممدوحه:

لعاب الأفاعي القاتلات لعابهوأرى الجنى اشتارته أيد عواسل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل»

أورده القزويني في الإيضاح شاهداً على القلب المتضمن الاعتبار اللطيف، ولم يتكلم عليه. والمراد أن الوجه فيه: (لعابه كلعاب الأفاعي) فعكس التشبيه للمبالغة، ولكن لا يخفى أنه يرد عليه ما ورد على قول رؤبة: (كأن لون أرضه سماؤه) المتقدم ذكره، فيعد من التشبيه المقلوب لا من القلب المراد هنا.

وزعم بعضهم: أن من المقلوب قول المتنبي:

وعذلتُ أهل العشق حتى ذقتهفعجبت كيف يموت من لا يعشق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

لأنه عنده على تقدير: كيف لا يموت من يعشق، وخلاصة ما في شروح الديوان والوساطة والمغنى وعروس الأفراح أن لا قلب، لأن المراد أنه صار يرى أن لا سبب للموت سوى العشق، أي أن الأمر المتقرر في النفوس أن الموت أعلى مراتب الشدة، وإني لما ذقت العشق وعرفت شدته عجبت كيف يكون هذا الأمر الصعب المتفق على شدته غير العشق وكيف يجوز ألا تعم علته فتستولي على الناس حتى تكون مناياهم منه.

(ومن المقلوب) في رأي ابن جنى قول المتنبي أيضاً:

نحن ركب ملجنّ في زي ناسفوق طير لها شخوص الجمال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صلة الهجر لي وهجر الوصال»

لأن تقديره عنده: نحن ركب من الإنس في زي الجن فوق جمال لها شخوص الطير. قال ابن سنان الخفاجي في سر الفصاحة: ((وهذا عندي تعسف من أبي الفتح لا تقود إليه ضرورة، ومراد أبي الطيب المبالغة على حسب ما جرت به عادة الشعراء فيقول: نحن من الجن لجوبنا الفلاة والمهامه والقفار التي لا تسلك، وقلة فرقنا فيه إلا أننا في زي الإنس، وهم بلا شك كذلك. ونحن فوق طير من سرعة إبلنا إلا أن شخوصها شخوص الجمال، ولا خلاف أيضاً في هذا)) انتهى.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أوهام شعراء العرب في المعاني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.