تجاوز إلى المحتوى

من «أوهام شعراء العرب في المعاني» لأحمد تيمور (ت ١٣٤٨هـ)

القسم الرابع

ومن الأوهام في المعاني ما لا يرجع لسبب من الأسباب المتقدمة فلا يصح عده من أحد أقسامها، كأن يصنع الشاعر لفظة في موضع لا تصلح له لجهله بالشيء كما تقدم، بل لسهو أو لخطإ في تقديره، أو أن يسئ في التعبير إساءة تحيل المعنى وتفسده، إن لم تعكس الغرض المقصود منه، أو أن يأتي بكلام متلائم الأجزاء، أو فاسد التقسيم، أو التشبيه أو غير ذلك مما يشبهه ويجري مجراه. وكثيراً ما تنشأ هذه الأوهام من التساهل، إما لثقة الشاعر بقدرته وبمكانة شعره في النفوس، أو لكلال يلحق طبعه في بعض الأحيان فيلقي بالكلام على عواهنه في البيت والبيتين من القصيدة، ثم تمنعه تلك الثقة أو الضجر أو ضيق وقت من إعادة النظر فيما قال.

(فمن ذلك) قول النابغة الذبياني:

ماضي الجنان أخي صبر إذا نزلتحرب يوائل منها كل تنبال

يوائل: يطلب الموئل، وهو الملجأ. والتنبال: القصير، أو الجبان وذكره هنا مفسد لمعنى البيت قال أبو هلال: ((ليس القصير بأولى بطلب الموئل من الطويل، وإن جعل التنبال الجبان فهو أبعد من الصواب لأن الجبان خائف وجل اشتدت الحرب أم سكنت)). ومثله في الموشح للمزرباني.

وقال النابغة أيضاً يصف ناقته:

تحيد عن أستن سود أسافلهمشى الإماء الغوادي تحمل الحزما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما»

الأستن (بوزن أحمر): شجر إذا نظر الناظر إليه من بعد شبهه بشخوص الناس، كذا في اللسان. وقال الأعلم الشنتمري في شرح الديوان: ((شبه الأستن في سواد أسافله وطوله بإماء سود يحملن الحزم، وأوقع التشبيه في اللفظ على المشي لأن السبب في ظهر أسافلهن وتبين سوادهن، وإنما خص اللواتي تحمل الحزم لأنهن إذا كانت عليهن الحزم مددن أيديهن فكان أطول لهن)). وفي شرح الوزير أبي بكر البطليوسي: ((شبه سواد أسافل هذا الشجر وما فوق ذلك من فروعه اليابسة بإماء سود على رءوسهن حطب لأن لون هذا الشجر إذا كان أسفله أسود وأعلاه يابس الأغصان فكأنه حطب على رءوس إماء سود)). والذي عيب عليه في هذا البيت من فساد المعنى قوله: (الغوادي) لأن الإماء تحمل الحطب بالعشي وهن روائح، وأما إذا غدون إلى الصحراء فإنهن مخفات. قالوا: والجيد قول التغلبي:

تظل ربد النعام كأنهاإماء تزجى بالعشي حواطب
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «لابنة حطان بن عوف منازل»

قد شبه النعام بالإماء الحواطب لأن النعامة إذا خفضت عنقها ومشت كانت أشبه بماش وعلى ظهره حمل. وقال أبو هلال في بيت النابغة: ((وقد روى: مثل الإماء، وإذا صحت الرواية سلم المعنى)).

قلنا: لم يظهر لنا وجه سلامة المعنى على هذه الرواية لأن أبا هلال لم يعب عليه قوله: (مشى افماء) بل عاب عليه كغيره قوله: (الغوادي) وتغيير مشي بمثل لا يجعل تلك الإماء روائح حتى يسلم المعنى به، وإنما الذي ينتصر للنابغة يقول: أراد أن الإماء تغدو لتحمل الحطب رواحاً.

وقال علي بن حمزة البصري في التنبيهات: ((كان أبو عبيدة يقول: لم يقله النابغة إلا عشاء تحمل الحزما)).

(وقال) النابغة أيضاً يصف ثوراً:

من وحش وجرة موشى أكارعهطاوى المصير كسيف الصيقل الفرد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

قال أبو هلال: ((أراد بالفرد أنه مسلول من غمده، فلم يبن بقوله الفرد عن سلة بيناناً واضحاً. والجيد قول الطرماح وقد أخذه منه:

يبدو وتضمره البلاد كأنهسيف على شرف يسل ويغمد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «بان الخليط بسحرة فتبددوا»

وهذا غاية في حسن الوصف)) ومثله في طبقات الشعراء لابن قتيبة.

(ومما خطأوا) فيه النابغة أيضاً قوله:

ألكني يا عيين إليك قولاًستحمله الرواة إليك عنى

ألكني: أي كن رسولي وبلغ. ألوكتى: أي رسالتي. وفسره أبو هلال بأرسلني فقال منتقداً البيت: ((وليس من الصواب أن يقال: أرسلني إلى نفسك ثم قال: ستحمله الرواة إليك عني)). وقال الآمدي: ((قالوا: ألكنى: أي كن لي رسولاً، فكيف يكون ألكنى إليك عني، فاعتذر له الأصمعي وقال: أهذا مما حملته الرواة عن النابغة، كأنه يدفع أن يكون قاله)).

قلنا: من فسره بأرسلني راعى اللفظ فقط، ومن فسره بكن رسولي راعى المعنى، ففي اللسان أن مقتضى لفظ: (ألكني إليها برسالة) أن يكون أرسلني إليها برسالة إلا أنه جاء على القلب، إذ المعنى: كن رسولي إليها بهذه الرسالة، فاللفظ يقضى بأن المخاطب مرسل، والمتكلم مرسل، وهو في المعنى بعكس ذلك،. انتهى ملخصاً.

والذي أنكره هؤلاء الأئمة أجازه صاحب اللسان فقال: ((وقد يكون المرسل هو المرسل إليه، وذلك كقولك: ألكني إليك السلام، أي كن رسولي إلى نفسك بالسلام، وعليه قول الشاعر)) ثم استشهد بالبيت. هذا فيما يتعلق بالصدر، وأما إنكارهم قوله بعد ذلك: ستحمله الرواة إليك عني، فإن رواية الديوان وشروحه التي بأيدينا: ((سأهديه إليك إليك عني)) وفسره الأعلم بقوله: أي كف عني في أمر إخواني بني أسد، وكان عيينة بن حصن سام قوم نابغة أن ينقضوا حلف بني أسد فتوعده النابغة بالهجاء والحرب.

(ومما عابوه) على النابغة قوله:

فإنك كالليل الذي هو مدركيوإن خلت أن المنتأى عنك واسع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

فقال المعترضون: تشبيهه الإدراك بالليل يساويه إدراك النهار فلم خصه دونه، وإنما كان سبيله أن يأنى بما ليس له قسيم، هذا خلاصة ما قيل في البيت، والكلام فيه كثير حتى عده بعضهم في نقد الشعر من باب العبث، وهو أن يقصد الشاعر شيئاً من الأشياء ليس لذكره فائدة. وقال المعتذرون للنابغة: إنما خص الليل بالذكر لأنه وصفه في حال سخطه فشبهه بالليل وهوله، وهي كلمة جامعة لمعانٍ كثيرة. وقيل: ذكر الليل لأنه أهول، ولأنه أول، ولأن أكثر أعملهم كانت فيه لشدة حر بلادهم، فصار ذلك عندهم متعارفاً.

(ومما خطأوه) فيه قوله:

كأن حجاج مقلتها قليبمن الشِّيقين حلّق مستقاها

الحجاج: العظم الذي ينبت عليه شعر الحاجب. والقليب: البئر. والشيقان: موضع. وحلق مستقاها: غار ماؤها. والحجاج لا يوصف بأنه غائر كالقليب، وهذا مما لا يخفى على أحد.

ومن ذلك قول بعضهم:

ونطعنهم حيث الكلى بعد ضربهمببيض المواضي حيث ليّ العمائم

أراد هذا الشاعر أن يذكر شجاعتهم، ويصف بأسهم في قتال أعدائهم، فأتى بما يدل على عكس ما أراد، لأنه إذا ضربهم بالسيوف مكان ليّ العمائم: أي في رؤوسهم ولم يموتوا، واحتاجوا بعد ذلك إلى طعنهم بالرماح في كلاهم، فقد فعلوا فعل الجبان الخائف غير المتمكن من قتل قرنه، وهذا مما لا يفخر به، وإنما الجيد قول بلعاء بن قيس:

غشيته وهو في جأواء باسلةعضباً أصاب الرأس فانفلقا
بضربة لم تكن مني مخالسةولا تعجّلتها جبناً ولا فرقا
للشاعر بلعاء بن قيس الكناني، من قصيدة «وفارس في غمار الموت منغمس»

(ومن فاسد) التشبيه قول بشر بن أبي حازم:

وجرّ الرامسات بها ذيولاًكأنّ شمالها بعد الدَّبور
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «عفت أطلال مية بالجفير»
رماد بين آظآر ثلاثكما وشم النواشر بالنؤور
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «عفت أطلال مية بالجفير»

والشمال والدبور لا تشبهان بالرماد، وإن كان أراد ما تخلف من فعل الشمال والدبور، فقد أساء التعبير، وقصر في بيان مراده.

(ومن قبيله) قوله أيضاً يصف سفينة:

أجالد صفّهم ولقد أرانيعلى زوراء تسجد للرياح
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «تغيرت المنازل من سليمى»
إذا ركبت بصاحبها خليجاًتذكّر ما لديه من جناح
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «تغيرت المنازل من سليمى»
ونحن على جوانبها قعودنغضّ الطرف كالإبل القماح
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «تغيرت المنازل من سليمى»

وهو مما عابه عليه ابن قتيبة في طبقات الشعراء، لأن معنى غض طرفه كسره وأطرق ولم يفتح عينيه والإبل القماح: هي الرافعات رءوسها عن الماء الممتنعة عن الشرب، فكيف يشبه المطرق بالرفع رأسه. ولكن من يراجع مادة (قمح) في اللسان لا يعدم للكلام مخرجاً.

(ومن التشبيهات) التي لم تقع موقعها قول ابن هرمة:

وإنّى وتركي ندى الأكرمينَوقدحي بكفّى زناداً شحاحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»
كتاركة بيضها بالعراءوملبسة بيض أخرى جناحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»

وقول الفرزدق:

وإنك إن تهجو تميما وترتشيسرابيل قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرّهسحاب أذاعته رياح السمائم

فإن بيت ابن هرمة الثاني يليق ببيت الفرزدق الأول، وبيت الفرزدق الثاني يليق ببيت ابن هرمة الأول، فلو كانا كذلك لكن كل واحد منهما قد شبه تشبيهاً واضحاً صحيحاً؛ فأما والشعر وما هو عليه فإن التشبيه فيه بعيد. كذا في سر الفصاحة لابن سنان. وعزا صاحب الأغاني هذا النقد لأبي نواس، فذكر أنه قال: ((شاعران قالا بيتين وضعا التشبيه فيهما في غير موضعه، فلو أخذ البيت الثاني من شعر أحدهما فجعل مع بيت الآخر، وأخذ بيت ذاك فجعل مع هذا لصار متفقاً معنى وتشبيهاً)) وقال بعد إيراد المقطوعين: ((ولكن ابن هرمة قد تلافى ذلك بعد فقال:

وإنّك إذ أطمعتني منك بالرضاوأيأستني من بعد ذلك بالغضبْ
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وإنك إذ أطمعتني منك بالرضا»
كممكنة من ضرعها كفّ حالبودافقة من بعد ذلك ما حلبْ
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وإنك إذ أطمعتني منك بالرضا»

انتهى. يريد: أنه أتى هنا بتشبيه صحيح لا أنه أصلح به تشبيهه الأول فإن هذا غير ذاك.

(ومما وهم) فيه خفاف بن ندبة قوله:

أبقى لها التعداء من عتداتهاومتونها كخيوطة الكتّان
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «أبقى لها التعداء من عتداتها»

قال المرزباني: ((العتدات: القوائم، أراد: أن قوائمها دقت حتى عادت كأنها خيوط، وأراد ضلوعها فقال متونها)).

(ومثله) قول ابن أحمر:

غادرني سهمه أعشى وغادرهسيف ابن أحمر يشكو الرأس والكبدا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «غادرني سهمه أعشى وغادره»

قالوا: أراد غادرني سهمه أعور فلم يمكنه فقال أعشى. وكان ابن أحمر أعور رماه رجل يقال له مخشى بسم فذهبت عينه.

(ومن الأوهام) قول القائل:

يمشى بها كل موشّى أكارعهمشى الهرابذ حجوا بيعة الزُّون

الهرابدة: النمجوس، وهم قومة بيت النار، والزون: الصنم. قال أبو هلال: ((الغلط في هذا البيت في ثلاثة مواضع، أحدهما: أن الهرابذ المجوس لا النصارى. والثاني: أن البيعة للنصارى لا للمجوس. والثالث: أن النصارى لا يعبدون الأصنام ولا المجوس)).

(ومما عابه) أبو هلال على ذي الرمة قوله:

تغار إذا ما الروع أبدى عن البرىونقرى عبيط اللحم والماء جامس

فقال: ((لا يقال: ماء جامس، وإنما يقال: ودك جامس)). قلنا: هو تابع في ذلك للأصمعي. والجامس: الجامد، يريد: أننا نقرى في الشتاء. وبض اللغويين يجيز الجموس في الماء.

(وعاب) عليه قوله أيضاً:

إذا أنجا بت الظلماء أضحت رءوسهاعليهنّ من جهد الكرى وهي ظلَّع

فعده من عجائب الغلط، ونقل عن ابن فروة أنه قال: قلت لذي الرمة: ما علمت أحداً من الناس أظلع الرءوس غيرك! فقال أجل. انتهى.

قلنا لأن المعروف في الظلع أنه العرج والغمز في المشي، وهذا لا يكون في الرءوس.

(وعاب) على أبي ذؤيب الهذلي قوله:

فما برحت في الناس حتّى تبيّنتثقيفاً بزيزاء الأشاء قبابها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أبالصرم من أسماء حدثك الذي»

الزيزاء: (بكسر الأول): الأكم، واحدتها زيزاءة والأشاء: النخل. قال أبو هلال: ((يقول: ما زالت هذه الخمرة في الناس يحفظونها حتى أتوا بها ثقيفاً. قال الأصمعي. وكيف تحمل الخمرة إلى ثقيف وعندهم العنب!)) ومثله في طبقات الشعراء لابن قتيبة.

قلنا: الذي في شرح السكرى لديوان أبي ذؤيب أن المعنى: ((حملت إلى عكاظ لتباع، وهي دار ثقيف)) وعليه فلا خطأ إلى أن يكون مراد الشاعر حملت إلى ثقيف نفسها كما فهم الأصمعي، وتبعه فيه أبو هلال وابن قتيبة.

(ومما أخطأوا) فيه الشماخ قوله:

وأعددت للساقين والرجل والنسالجاماً وسرجاً فوق أعوج مختال
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «لعمري لا أنسى وإن طال عهدنا»

قال المرزباني: ((وإنما يلجم الشدقان لا الساقان)).

قلنا: لم يقل الشماخ ألجمت الساقين ولا يقوله أحد، وإنما قال: أعددت لها لجاماً وسرجاً، أي ألجمت فرسي وأسرجته ليعدو ويحرك ساقيه إلا أنه لم يحسن التعبير.

(ومما استضعف) من معاني الأعشى قوله:

فرميت غفلة عن شاتهفأصبت قلبها وطحالها

المراد بالشاة هنا: المرأة. قال المزرباني: ((وقد عابه قوم بذلك لأنهم رأوا ذكر القلب والفؤاد والكبد يتردد كثيراً في الشعر عند ذكر الهوى والمحبة والشوق، وما يجده المغرم في هذه الأعضاء من الحرارة والكرب، ولم يجدوا الطحال استعمل في هذه الحال إذ لا صنع له فيها، ولا هو مما يكتسب حرارة وحركة في حزن ولا عشق، ولا برداً وسكوناً في فرح أو ظفر فاستهجنوا ذكره)).

(ومن المتناقض) قول المسيب بن علس:

فتسلَّ حاجتها إذا هي أعرضتبخميصة سرح اليدين وساع
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أرحلت من سلمى بغير متاع»
وكأن قنطرة بموضع كورهاملساء بين غوامض الأنساع
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أرحلت من سلمى بغير متاع»
وإذا أطفت بها أطفت بكلكلنبض الفرائض مجفر الأضلاع
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أرحلت من سلمى بغير متاع»

فوصفت بأنها خميصة: أي ضامرة، ثم شبهها بعد ذلك بالقنطرة، والقنطرة لا تكون إلا عظيمة، وأكد ذلك بقوله: مجفر الأضلاع. والمجفر: العظيم الجنين من كل شيء، فكيف تكون خميصة وهذه صفتها.

(ومن المتناقض) قول الحطيئة في ثور وحشي:

حرج يلاوذ بالكناس كأنّهمتطوّف حتّى الصباح يدور
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «لمن الديار كأنهن سطور»
حتّى إذا ما الصبح شقّ عمودهوعلاه أسطع لا يردّ منير
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «لمن الديار كأنهن سطور»
أوفى على عقد الكثيب كأنّهوسط القداح معقّب مشهور
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «لمن الديار كأنهن سطور»
وحصى الكثيب بصفيحته كأنّهخبث الحديد أطارهنّ الكير

قالوا: زعم أنه بات يطوف حتى أصبح وأشرف على الكثيب، فمن أين صار الحصى بصفيحته! وإنما يلتصق بهما إذا كان راقداً.

(ومنه) قول عروة بن أذينة:

نزلوا ثلاثَ منىً بمنزل غبطةوهمُ على غرض لعمرك ما همُ
متجاورين بغير دار إقامةلو قد أجدّ رحيلهم لم يندموا
للشاعر عروة بن أذينة، اقرأ القصيدة

قال أبو هلال: ((فقال لبثوا في دار غبطة، ثم قال: لو رحلوا لم يندموا.

ومثله قول جرير:

فلم أر داراً مثلها دار غبطةوملقىً إذا التف الحجيج بمجمع
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي عوجا منكما ساعة معي»
أقلّ مقيماً راضياً بمقامهوأكثر جاراً ظاعناً لم يودّع

وهل يغتبط عاقل بمكان من لا يرضى به)) انتهى.

(ومنه) قول ابن نوفل:

لأعلاج ثمانية وشيخكبير السن ذي بصر ضرير
للشاعر يحيى بن نوفل، اقرأ القصيدة

لأن الضرير إنما يستعمل في الأكثر للذي لا بصر له، فقوله في هذا الشيخ أنه ذو بصر، وأنه ضرير تناقض، فكأنه يقول: إنه لا بصراً ولا بصر له، فهو بصير أعمى، كذا في الموشح للمرزباني ونقد الشعر لقدامة.

قلنا: يطلق الضرير أيضاً على المريض المهزول، وعلى ذي الزمانة إلا أن الأكثر استعماله لفاقد البصر كما قالا، ولا نظن الشاعر أراد غير الضعف وسوء الحال، ولكنه لما استعمله في غير ما يستعمل فيه في الأكثر أتى بما يوهم الخطأ والاحتراس من مثله أولى.

(ومنه) قول يزيد بن مالك:

أكفّ الجهل عن حلماء قوميوأعرض عن كلام الجاهلينا
إذا رجل تعرّض مستخفًّالنا بالجهل أوشك أن يحيينا

قال قدامة: ((قد أوجب هذا الشاعر في البيت الأول لنفسه الحلم والإعراض عن الجهال، ونفى ذلك بعينه في البيت الثاني بتعديه في معاقبة الجاهل إلى أقصى العقوبات وهو القتل)).

(ومما عدوه من التناقض) قول زهير:

قف بالديار التي لم يعفها القدمبلى وغيّرها الأرواح والديم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «قف بالديار التي لم يعفها القدم»

فقالوا: نقض في عجز هذا البيت ما قال في صدره، لأنه زعم أن الديار لم يعفها القدم، ثم انتبه من مرقده فقال: بلى عفاها وغيرها أيضاً الأرواح والديم. وقال أبو عبيدة: أكذب نفسه فقال: لم يعفها، ثم رجع فقال: بلى. ومن يحتج له يقول: مراده أن بعضها عفا وبعضها لم يعف. وقيل: بل المراد أن الديار لم اعف في عينه من طريق محبته لها، وشغفه بمن كان فيها. ومثله قول امرئ القيس:

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمهالما نسجتها من جنوب وشمأل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

ثم قوله في بيت آخر:

وإن شفائى عبرة مهراقةفهل عند رسم دارس من معوّل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

ومن يذهب إلى عدم التناقض يقول: أراد لم يعف رسم حبها من قلبي. والأظهر قول بعضهم: أراد لم يقتصر سبب محوها على نسج الريحين، بل كان له أسباب منها هذا السبب، ومر السنين، وترادف الأمطار وغيرها.

وعد بعضهم من التناقض قوله في موضع:

فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»
ولكنّما أسعى لمجد مؤثّلوقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

وقوله في كلمة أخرى:

فتملأ بيتنا أقطاً وسناًوحسبك من غنًى شبع وري

لأنه وصف نفسه في موضع بسمو الهمة وقلة الرضا بدنيء المعيشة، وأطرة في موضع آخر القناعة، وأخبر عن اكتفاء الإنسان بشبعه وريّه. وقد رد قدامة على هذا العائب فقال: ((أقول: إنه لو تصفح أولاً قول امرئ القيس حق تصفحه لم يجد معنى ناقص معنى، فالمعنيان في الشعرين متفقان إلا أنه زاد في أحدهما زيادة لا تنقض ما في الآخر، وليس لأحد ممنوعاً من الإتساع في المعاني التي لا تتناقض، وذلك أنه قال في أحد المعنيين:

فلو أن ما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

وهذا موافق لقوله: (وحسبك من غنى شبع وري) ولكن في المعنى الأول زيادة ليست بناقضة لشيء، وهو قوله: لكني لست أسعى لما يكفيني ولكن لمجد أؤثله، فالمعنيان اللذان ينبئان عن اكتفاء الإنسان باليسير متوافقان في الشعرين، والزيادة في الشعر الأول التي دل بها على بعد خمته ليستن تنقض واحداً منهما ولا تنسخه، وأرى أن هذا العائب ظن امرأ القيس قال في أحد الشعرين: إن القليل يكفيه، وفي الآخر لا يكفيه، وقد ظهر بما قلنا أن هذا الشاعر لم يقل شيئاً من ذلك ولا ذهب إليه، ومع ذلك فلو قاله وذهب إليه لم يكن عندي مخطئاً من أجل أنه لم يكن في شرط شرطه يحتاج إلى أن لا ينقض بعضه بعضاً، ولا في معنى سلكه في كلمة واحدة أيضاً)).

(ومن التناقض) على طريق المضاف قول عبد الرحمن بن عبد الله القيسي:

فإنّي إذا ما الموت حلّ بنفسهايزال بنفسي قبل ذلك فأقبر

قال قدامة: ((جمع بين قبل وبعد، وهما من المضاف، لأنه لا قبل إلا لبعد، ولا بعد إلا لقبل، حيث قال: إنه إذا وقع الموت بها، وهذا القول كأنه شرط وضعه ليكون له جواب يأتي، وجوابه قوله: يزال بنفسه قبل ذلك، وهذا شبيه بقول قائل: لو قال: إذا انكسرت الجرة انكسر الكوز قبلها)). وقال أبو هلال: ((هذا شبيه بقول قائل: إذا دخل زيد الدار دخل عمرو قبله)).

(ومما أخذوه) على الأعشى قوله:

شتّان ما يومي على كورهاويوم حيّان أخي جابر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»

وكان حيّان أشهر وأعلى ذكراً من أخيه جابر، فلم يكن محتاجاً لأن يعرف به.

(ومن غريب الوهم) قول عدي بن زيد:

والمشرف الهندي يسقى بهأخضر مطوثاً بماء الخريص

المشرف: إناء كانوا يشربون فيه. والمطموث: الممسوس. والخريص: السحاب. ووجه الخطأ وصفه الخمر بالخضرة، وما وصفها بذلك أحد غبره، ولا كانت العرب تعرف هذا اللون للخمر.

(ومن قبيله) قول المرار:

وخال على خدّيك يبدو كأنّهسنا البدر في دعجاء باد دجونها
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

فوصف الخال بالبياض، والوجه بالسواد، وهو خلاف المتعارف، اللهم إلا أن يكون حكى الواقع، ولو كان كذلك ما عابه عليه أئمة الأدب ونقده الشعر كالمرزباني وأبي هلال وقدامة وغيرهم.

(ومما أخطأوا) فيه جريراً قوله:

لمّا تذكرت بالديرين أرّقنيصوت الدجاج وقرع بالنواقيس
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الهدملة من ذات المواعيس»

فقالوا: غلط مرتين فإن الدجاج لا تصيح، وإنما الديوك تصيح، والأرق في أول الليل، والديوك تصيح عند الصباح.

قلنا: الدجاج تطلق على الديوك أيضاً، وإنما الوهم في الثاني، وقد تكلف له بعضهم وجهاً فقال: إنما أراد أرقني انتظار صوت الدجاج والنواقيس.

(ومن عيوب) المعاني أن ينسب الشيء إلى ما ليس منه، كما قال خالد بن صفوان:

فإن صورة راقتك فأخبر فربّماأمرّ مذاق العود والعود أخضر

قال قدامة والمرزباني: ((كأنه يومئ إلى أن سبيل العود الأخضر في الأكثر أن يكون عذباً أو غير مر، وهذا ليس بواجب، لأنه ليس العود الأخضر بطعم من الطعوم أولى منه بالآخر)).

(ومن عيوب) المعاني قول الحكم الخضري:

كانت بنو غالب لأمّتهاكالغيث في كلّ ساعة يكف

وليس في المعهود أن يكون الغيث واكفاً في كل ساعة.

(ومنها) قول الحطيئة:

ومن يطلب مساعى آل لأىتصعّده الأمور إلى علاها
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ألا هبت أمامة بعد هدء»

قال أبو هلال: ((كان ينبغي أن يقول: من طلب مساعيهم عجز عنها وقصر دونها، فأما إذا تناهى إلى علاها فأي فخر لهم، فإن قيل: إنه أراد به يلقى صعوبة، كما يلقى الصاعد من أسفل إلى غلو، فالعيب أيضاً لازم له، لأنه لم يعبر عنه تعبيراً مبينا)) ونحوه في الموشح للمزرباني.

قلنا: البيت على القول الأول أشبه بالهجاء عنه بالمدح، لأنه أراد أن يعظم شأنهم فصغره وحقره، وقد وقع الأخطل فيما يشبهه، فإذا أراد مدح سماك الأسدي وكان قومه يلقبون بالقيون ويعيرون بذلك فقال:

قد كنت أحسبه قيناً وأنبؤهفاليوم طيّر عن أثوابه الشَّررُ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «نعم المجير سماك من بني أسد»

أي فاليوم نفى ذلك عن نفسه وذهب عنه هذا اللقب، فنبه في محده له على شيء يعير به، وكان له في ضروب الممادح متسع. ويروي: أنه لما أنشده سماكاً قال له: أردت أن تمدحني فهجوتني كان الناس يقولون قولاً فحققته.

وأراد الأخطل أن يهجو سويد بن منجوف، فأتى بما يدل على مدحه في قوله:

وما جذع سوء خرّب السوس أصلهلما حمّلته وائل بمطيق

فجعله لا يطيق ما خملته وائل من أمورها، فأثبت له نباهة وسؤدداً، وجعله من تعصب به الحاجات. وفي الأغاني: أنه لما هجا سويداً بهذا الشعر قال له: يا أبا مالك، ما تحسن تهجو ولا تمدح، لقد أردت مدح الأسدي فهجوته، يعني قوله: (قد كنت أحسبه قيناً وأنبؤه) وأردت هجائي فمدحتني، جعلت وائلاً حملتني أمورها، وما طمعت في بني تغلب فضلاً عن بكر.

قلنا: وقد سبقه زهير إلى المدح بما يشبه الهجاء في بيت لم نر من تنبه لما فيه غير ابن شرف القيرواني فقال عنه ما نصه: ((وقال زهير_ وهو من أطيب شعره أملحه عند العامة، وكثير من الخاصة، فهاهنا تحفظ وتأمل، ولا يهلك ذلك منهم الحق أبلج_قال:

تراه إذا ما جئته متهللاًكأنك تعطيه الذي أنت سائله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

مدح به شريفاً، أي شريف، فجعل سروره بقاصده كسروره بمن يدفع شيئاً من عرض الدنيا إليه، وليس من صفات النفوس العازفة السامية، والهمم الشريفة العالية، إظهار السرور إلى أن تتهلل وجوههم، وتسر نفوسهم بهبة الواهب، ولا شدة لابتهاج بعطية المعطى، بل ذلك عندهم سقوط همة، وصغر نفس)) إلى أن قال: ((هذا نقض البناء، ومحض الهجاء، والفضلاء يفخرون بضد هذا)).

(وعابوا) على الفرزدق قوله:

ومن يأمن الحجّاج والطير تتّقىعقوبته إلاّ ضعيف العزائم

وزعموا أن الحجاج قال له: ما عملت شيئاً، إن الطير تتقى الصبي والثوب وتنفر من الخشبة، ولا نخال الفرزدق أراد ذلك، وإنما مراده أن القريب والبعيد يتقيه حتى الطائر في الجو، ولكنه قصر في البيان.

(ومن عيوب المعاني) فساد التقسيم، وهو إما أن يكون بالتكرير كقول هذيل الأشجعي:

فما برحت تومي إليه بطرفهاوتومض أحياناً إذا خصمها غفل
للشاعر الهذيل الأشجعي، من قصيدة «فما برحت تومي إليه بطرفها»

فإن تومي وتومض متساويان، فكأنه قال: ما برحت تومي إليه أحياناً وتومي أحيانا. وإما أن يكون بدخول أحد القسمين في الآخر، كقول القائل:

أبادر إهلاك مستهلكلمالي أو عبث العابث
للشاعر عبيد الله بن مسعود الهذلي، اقرأ القصيدة

فإن عبث العابث داخل في إهلاك المستهلك.

ومثله قول أمية بن أبي الصلت:

لله نعمتنا تبارك ربّناربّ الأنام وربّ من يتأبّد

فمن يتأبد: أي يتوحش داخل في الأنام، ولا يجوز أن يكون أراد به الوحش لأن من لا تقع على غير العاقل.

ومنه أن يكون القسمان مما لا يجوز دخول أحدهما في الآخر كقول أبي عدي القرشي:

غير ما أن أكون نلت نوالاًمن نداها عفواً ولا مهنيا

فإن العفو قد يكون مهنيا، والمهنى قد يكون عفوا، وهو مثل ما حكى أن أنوك سأك مرة فقال: علقمة بن عبدة جاهلي أو من بني تميم.

ومثله قول عبد الله بن سليم الغامدي:

فهبطت غيثاً ما يفزّغ وحشهمن بين سرب ناوئٍ وكنوس

فإن الناوئ: أي السمين يجوز أن يكون كانساً أو راتعاً، والكانس يجوز أن يكون سميناً أو هزيلاً، وإما أن يكون بترك ما يحتمل الواجب تركه، كقول جرير في بني حنيفة:

صارت حنيفة أثلاثاً فثلثهممن العبيد وثلث من مواليها
للشاعر جرير، من قصيدة «قد غلبتني رواة الناس كلهم»

قيل: إن هذا الشعر أنشد في مجلس ورجل من بني حنيفة حاضر فيه فقيل له: من أيهم أنت؟ فقال: من الثلث الملغى ذكره. انتهى ملخصاً من نقد الشعر والموشح.

(ومن عيوب المعاني) الإخلال، قال قدامة والمرزباني: ((هو أن ترك من اللفظ ما يتم به المعنى، مثال ذلك قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:

أعاذل عاجل ما أشتهىأحبّ من الأكثر الرائث

فإنما أراد أن يقول: عاجل ما اشتهى مع القلة أحب إلي من الأكثر المبطئ، فترك مع القلة وبه يتم المعنى.

ومثل ذلك قول عروة بن الورد:

عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهمومقتلهم عند الوغا كان أعذرا

فإنا أراد أن يقول: عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم في السلم، ومقتلهم عند الوغا أعذر فترك في السلم.

ومن هذا الجنس قول الحارث بن حلزة:

والعيش خير في ظلال النوك ممن عاش كدّا

فأراد أن يقول والعيش خير في ظلال النوك من العيش بكد في ظلال العقل، فترك شيئاً كثيراً، وعلى أنه لو قال ذلك لكان في الشعر خلل آخر، لأن الذي يظهر أنه أراده هو أن يقول إن العيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال العقل، فأخل بشيء كثير.

ومن هذا الجنس نوع آخر، وهو كما قال بعضهم:

لا يرمضون إذا حرّت مشافرهمولا ترى منهم في الطعن ميّالا
ويفشلون إذا نادى ربيئهمألا اركبنّ فقد آنست أبطالا

الربئي: الطليعة، فأراد أن يقول: ولا يفشلون، فحذف (لا) فعاد المعنى إلى الضد)) انتهى.

(ومن اضطراب) المعنى قول أبي دؤاد الإيادي

لو أنها بذلت لذي سقمحرض الفؤاد مشارف القبض
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
حسن الحديث لظلّ مكتئباًحرّان من وجد بها مضّ

قال أبو هلال: ((وكان استواء المعنى أن يقول: لبرأ من سقمه)).

(ومن الإحالة) قول ابن مقبل:

أما الأداة ففينا صنعٌجردٌ عواجرُ بالألباد واللُّجم
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة
ونسج داود من بيض مضاعفةمن عهد عاد وبعد الحيّ من إرم
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

قال ابن رشيق: ((فكيف يكون نسج داود من عهد عاد اللهم إلا أن يريد فينا ضمر صنع من عهد عاد، فذلك له على سبيل المبالغة، مع أن الإحالة لم تفارقه، وكم بين قيس عيلان وبين عاد فضلاً عن بني العجلان)) انتهى. والصنع من قولهم: صنع فرسه: إذا أحسن القيام عليه، فهو فرس صنيع. والعواجر: التي تقمص. وجاء في اللسان عن البيت الأول: ((رويت بالحاء والجيم في اللجم، ومعناه: عليها ألبادها ولحمها، يصفها بالسمن، وهي رافعة أذنابها من نشاطها)).

قلنا: والذي انتقده قيه ابن رشيق يصح على القول الأول أن يجاب عنه بأنه أراد ما يشبه نسج داود في الجودة، فيستقيم به المعنى، وأما إنكاره في القول الثاني بقاء هذه الخيل من عهد عاد إلى زمان الشاعر، فلا ريب في أن ابن مقبل لم يرد بقاءها بأعيانها، وإنما أراد بقاء ما تناسل منها زمناً بعد زمن، فليس فيه غير المبالغة.

(ومن الخطأ) قول بعضهم:

كأنه سبط من الأسباط

قال في اللسان نقلاً عن ابن سيده: إنه ظن السبط الرجل فغلط. وفي المزهر: ((ظن أن السبط الرجل، وإنما السبط واحد الأسباط من بني يعقوب)).

(ومثله) قول الآخر:

نقضّ أم الهام والترائكا

قالوا: الترائك: بيض النعام. فظن الشاعر أن البيض كله ترائك.

قلنا: لم يخطئ الشاعر. فإن بيضة الحديد التي للرأس يقال لها أيضاً: تريكة على التشبيه ببيضة النعامة.

(ومن وضع) كلمة موضع أخرى قول امرئ القيس:

إذا ما الثريّا في السماء تعرضتتعرّض أثناء الوشاح المفصّل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

قالوا: غلط فذكر الثريا، وهو يريد الجوزاء، لأن الثريا لا تتعرض، وهو قول الجمحي. وقال بعضهم: تعرض الثريا أنها إذا بلغت كبد السماء أخذت في العرض ذاهبة ساعة، كما أن الوشاح يقع مائلاً إلى أحد شقي المتوشحة به.

(ومما أدركه) بعضهم على لبيد قوله:

نحن بني أم البنين الأربعةونحن خير عامر بن صعصعهْ

أراد بأم البنين: جدته ليلى، وكانت ولدت أباه ربيعة بن مالك، وأعمامه: عامراً ملاعب الأسنة، وطفيلاً فارس قرزل، ومعاوية معود الحكماء، وعبيدة الوضاح، فكانوا خمسة لا أربعة كما قال، ولهذا حمل بعضهم قوله أربعة على الضرورة الشعرية.

والأكثرون على أنه لم يخطئ لأنه قال ذلك بعد موت أبيه. قال السهيلي: ((وإنما قال أربعة لأن أباه كان مات قبل ذلك، لا كما قال بعض الناس، وهو قول يعزى إلى الفراء أنه قال: إنما قال أربعة ولم يقل خمسة من أجل القوافي، فيقال له: لا يجوز للشاعر أن يلحن لإقامة وزن الشعر، فكيف بأن يكذب لإقامة الوزن)).

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أوهام شعراء العرب في المعاني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.