من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)
الجزء الأول (٤)
الزرافات: الجماعات، والمواحيد: الأفراد واحدها موحد.
فيقول: أين كرم المفقود، وهباته التي كانت تعم وتخص، وتنال الجماعات فتعمهم. والآحاد فتغمرهم.؟
سَالِمُ أهلِ الوِدَادِ بَعْدَهُمْيَسْلَمُ للحُزْنِ لا لِتَخْلِيدِ
ثم قال: سالم أهل الوداد بعد من يفقدونه منهم، إنما يسلم للحزن والهم والتنغيص والألم، ثم الموت مآلهم، والخلود ممنوع منهم.
فَمَا تُرَجِّي النُّفُوسُ مِنْ زَمَنٍأحْمَدُ حَالَيْهِ غَيْرُ مَحْمُودِ
ثم قال: فماذا ترجيه النفوس من دهر غشوم، متعسف ظلوم، أحمد حاليه للمتمتع بالحياة فيه مذموم منكد، مكروه منغص، بعد حتف يرصده، وحميم يفقده.
إنَّ نُيُوبَ الزَّمَانِ تَعْرِفُنيأنَا الَّذي طَالَ عَجْمُها عُودي
نيوب الزمان: خطوبه، واحدها نائب، والعجم: العض والمضغ.
فيقول: إن نيوب الزمان تعرفه بتكررها عليه، وتعرضها كثيراً له، وإنها طال ما عجمت عوده، وقصدت بمكارهها نحوه.
وَفيَّ ما قًَارَعَ الخُطُوبَ ومَاأنَّسَني بالمصائِبِ المسُّودِ
ثم قال: وفي من الصبر والجلد، والحفاظ والكرم، ما مثله قارع الخطوب فغلبها، وأنسى بسود المصائب وهونها، وهونها، وحذف مما ذكرناه ما في قوة الكلام أن يدل عليه.
مَا كُنْتَ عَنْهُ إذا اسْتَغَاثَكَ ياسَيفَ بَنِي هَاشِمٍ بِمَغْمُودِ
وكان أبو وائل، هذا المرثي، قد أسره الخارجي بالشام، واستغاث سيف الدولة، فأسرى إلى الخارجي فقتله، واستنفذ أبا وائل، على ما تقدم في القصيدة التي أولها (إلام طماعية العاذل)، فيقول: ما كنت عنه إذ استغاثك من أسر الخارجي، يا سيف خلفاء بني هاشم، بمغمود عن نصره ولا يغافل عن أمره، بل أصرخت دعوته، وكشفت كربته.
يا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ يا أمْلَكَ الأَمْلاَك طُرَّاً يا أَصْيَدَ الصَّيدِ
الأصيد: الملك المعظم الذي لا يكاد يلتفت لعزته.
ثم قال مرفعاً بسيف الدولة؛ يا أكرم من نذكر من الأكرمين،
وأملك الملوك المعظمين، وأصيد الصيد منهم، وأعز ذوي العزة فيهم.
قَدْ مَاتَ مِنْ قَبْلِها فَأنْشَرَهُوَقْعُ قَنَا الخَطِّ في اللَّغَاديدِ
اللغاديد: واحدها لغدود، وهو ما بين أسفل اللحي من آخره، وموصل العنق في الرأس.
فيقول: قد مات أبو وائل قبل هذه الميتة بالأسر، فأحياه غياثك له، وأنشره إسراعك إليه، وطعن فرسانك برماحهم في مقاتل الآسرين له. وكنى باللغاديد عن ذلك.
وَرَمْيُكَ اللَّيْل بالجُنُودِ وَقَدْرَمَيْتَ أجْفَانَهُمْ بتَسْهيدِ
ثم قال: وإنك رميت الليل سارياً إليهم بجنودك، وقد أسكنت السهاد جفونهم، مسرعاً بهم غير متوقف، ومقدماً غير متخوف، فلو دوفع الموت لدافعته عنه على عادتك، ولو غولب لاستنقذته منه على سجينك. وهذه العبارة وإن لم تكن في لفظة، فقد دل عليها بإشارته.
فَصَبَّحَتْهُ رعَالُها شُزُباًبَيْنَ ثُبَاتٍ إلى عَبَاديدِ
الرعال: قطع الخيل، والشزب: الضامرة، والثبات: الجماعات المتآلفة، واحدتها ثبة، والعباديد: الجماعة المتفرقة.
فيقول واصفاً لاستنقاذ سيف الدولة لأبي وائل، وإيقاعه بالخارجي وأصحابه: فصبحتهم رعال الخيل ضامرة، لطول الركض، منها كتائب ثبات مجتمعة، وعباديد مفترقة.
تَحْمِلُ أغْمَادَها الفِداَء لَهُمفانْتَقَدوا الضَّرْبَ كالأخَادِيدِ
الأخاديد: حفر في الأرض.
ثم قال: تحمل إليهم عن الفداء الذي طلبوه من أبي وائل، سيوفاً مصلتة، ومنايا حاضرة، فانتقد أصحاب الخارجي عما طلبوه من الفداء، ضرباً أبقى في أجسادهم جراحاً كالأخاديد. يشير إلى شدته وثباته وقوته.
مَوْقِعُهُ في فَرَاشِ هَامِهمُوَريحُهُ في مَنَاخِرِ السِّيدِ
الفراش: طرائق في باطن عظم الرأس، والسيد: الذئب، وأشار به إلى النوع.
ثم قال: موقع ذلك الضرب في فراش رؤوسهم، وريحه في أنوف الذئاب التي تقصدهم. يشير إلى أن هذا الضرب لم يقصر بهم عن القتل،
وأن هذه الوقعة غادرتهم جزر السباع، تنهش أجسادهم، وتتقوت لحومهم.
أفْنى الحَياةَ التَّي وَهَبْتَ لَهُفي شَرَفٍ شَاكِراً وَتَسْويدِ
يقول: أفنى أبو وائل حياته، التي كانت هبتك له، في شرف بك وتسويد منك، شاكراً لك على نعمتك، قائلاً بفضل منتك.
سَقيمَ جِسْمٍ، صَحيحَ مَكْرُمَةٍمَنْجُودَ كَرْبٍ غيَاثَ مَنْجُودِ
المنجود: المغاث، يقال نجدت الرجل وأنجدته: إذا أغثته، والمنجود: المكروب.
سقيم الجسم بما شكاه من علته، صحيح الكرم بما استبان من سيادته، منجوداً بك عند كربه، غياث منجود يستغيث به.
ثُمَّ عَدَا قِدَّهُ الحِمَامُ وماتَخْلُصُ مِنْهُ يَمينُ مَصْفُودِ
القد: ستر من جلد غير مدبوغ يصفد به الأسير، والتصفيد: ربط اليد إلى العنق.
ثم إذا الموت له كالقد الذي يملك الأسير، فلم يمكنك فكه بقدرتك، ولا تأتي لك غياثه مع عظيم مملكتك، والموت قد لا يتخلص المصفود به، وأسر لا يتمكن غياث المعرض له. وجرى في هذا الكلام على الاستعارة، وذلك على ما قدمناه من بديع الكلام.
لا يَنْقُصُ الهَالِكُونَ مِنْ عَدَدٍمِنْهُ عَليُّ مُضَيَّقُ البِيْدِ
يقول: لا ينقص الهالكون وإن جل أمرهم، وعز فقدهم، من عدد قوم، علي سيف الدولة منهم، وهو الملك الذي تضيق اليد بجمعه، وتغص بجيشه، وكان أبو وائل ابن عمه، فيريد: أن موته لا يوجب نقصاً في عشيرته، وسيف الدولة رئيس جمعهم، ومؤثل مجدهم.
تَهُبُّ في ظَهْرِهَا كَتَائبهُهُبُوبَ أرْوَاحِها المَرَاويدِ
الرياح المراويد: التي تطلب غاياتها، واحدها مرواد. والريادة: الطلب.
ثم قال: تهب كتائبه في ظهور تلك البيد، ممتثلة لأوامره، فتشبه الرياح بسرعتها، وتغالبها بكثرتها.
أَوَلَ حَرْفٍ مِنِ اسمِهِ كَتَبَتْسَنابكُ الخَيْلِ في الجَلاَمِيدِ
السنابك: جمع سنبك، وهو مقدم حافر الفرس.
ثم قال: أول حروف اسمه، صورته صورة ما تثبته سنابك الخيل في ظهور الجلاميد.
يشير إلى أول حروف علي، وهو العين، فيقول: إنه كان فألا يؤذن بانقياد الخيل لأمره، وتصرفها على حكمه.
مَهْمَا يُعَزَّ الفَتَى الأَميرُ بهفلا بإقْدَامِهِ ولا الجُودِ
الفتى: الشاب المقتبل.
فيقول: مهما فقده الفتى الأمير فعزي به، يشير إلى رئاسته واقتبال شبيبته، فلن يفقد إقدامه وكرمه، وفيهما الخلف الكريم ممن يفقده، والعوض الجميل ممن يعز به.
وَمِنْ مُنانا بَقَاؤُه أَبداًحتى يُعَزَّى بِكُلَّ مَوْلُودِ
ثم قال: ونحن نتمنى له بقاء الخلود، حتى يعزي في كل كريم يولد، ويغنى عن كل فاضل يفقد.
وركب سيف الدولة لتشييع عبده يماك، لما نفذ في مقدمته إلى الرقة، وهاجت ريح شديدة، فقال أبو الطيب.
لا عَدِمَ اُلمشَيَّعُلْيتَ الَّرَياحَ صُنَّعُ ما تَصنَعُ
يقول: لا عدم سيف الدولة هذا العبد المحب، والوالي الناصح، ثم أقبل على سيف الدولة، فقال: ليت هذه الريح تحذو حذوك، وتفعل فعلك.
بكرن ضراً وبكرت تنفعوسجسج أنت وهن زعزع
وواحد أنت وهن أربعوأنت نبع والملوك خروع
السجسج: الريح الطيبة ما بين الحر والبرد، والزعزع: الريح الشديدة المؤذية، والنبع: شجر صلب العود يصنع منه القسي، والخروع: شجر ضعيف العود.
ثم قال: فقد بكرت بضرها، وبكرن بنفعك، وآذات بشدتها، وأحسنت برفقك، فقصرت عنك، وهي أربع، وأنت واحد، وهي كثيرة
وأنت مفرد، فمن شبه الريح بك في كرمك، فقد ظلمك، ومن أضافها إليك في فضلك، فقد جهلك، وكذلك أنت، إذا قرنت الملوك بك، كالنبع إذا قرن الخروع به، تضعف عند صلابة عودك، وتصغر عند جلالة أمرك.
وسايره وهو يريد الرقة، واشتد المطر في موضع يعرف بالثديين، فقال:
لِعَيْنِي كُلَّ يومٍ مِنْكَ حَظٌتَحَيَّرُ مِنْهُ في أمْرٍ عُجَابَ
جِمَالَهُ ذا الحُسامِ على حُسَامٍوَمَوْقِعُ ذا السَّحابِ على سَحَابِ
وزاد المطر، فقال:
تَجِفُّ الأَرضُ من هذا الرَّبابِوَيُخْلِقُ ما كَسَاهَا من ثِيَابِ
وما يَنْفَكُّ مِنْكَ الدَّهْرُ رَطْبَاًوَلاَ يَنْفكُّ غَيْثُكَ في انسِكَابِ
وتُسَايرُكَ السَّوَاري والغَواديمُسَايَرةِ الأَحِيَّاءِ الطَّرابِ
وتُفِيدُ الجودَ مِنْكَ فَتَحْتَذِيهوَتَعْجِرُ عن خلائِقِكَ العِذَابِ
الحمالة: علاقة السيف، والرباب، السحاب، والسواري من السحاب: التي تطرق بالليل، للغوادي التي تنشا بالصباح.
فيقول: في كل يوم أردد عيني منك في منظر يعجب بحسنه، ويعجز اللسان عن وصفه، ولا يحط العقل بحقيقته؛ لأنك أجل السيوف، وتشرف السيف بحمله، وجودك أنفع من السحاب: ويعتادك السحاب بوجله، فحملك للسيف إِفضال عليه؛ لأنك غني عنه، واستصحابك للسحاب إزراء عليه، لأنك أعم نفعاً منه.
ثم قال الزيادة:
إن سيف الدولة يعمر السحاب بجوده، ويعلمون بفضله؛ لأن السحاب يمطر ويقشع، ويسكب ويقلع، وما يظهر على الأرض من زهراته يذوي ويذبل، ويحل ويرحل، وجود سيف الدولة لا يقلع وبلة، ولا يفتر سكبه، وآثار إحسانه ظاهرة لا تعدم، وشواهده دائمة لا تنصرم، ثم قال: تسايرك السحاب على اختلاف أوقاتها، وتصرف أحوالها، مسايرة من يطرب لصحبتك، ويشاق إلى غرتك. ثم قال: فتشهد من جودك ما لا تعلمه، ويتبين لها من كرمك ما لا تبلغه، فتتلوك ممتثلة لك، وتحكيك مقتدية بك، وتعجز عن شرف خلائقك، ولا تبلغ عذاب شمائلك.
وأجمل سيف الدولة ذكره، فقال أبو الطيب:
أنَا بالوُشاةِ إذا ذَكَرْتُكَ أشْبَهُتَأتي النَّدَى وَيُذَاعُ عَنْكَ فَتَكْرَهُ
وإذا رَأيْتُكَ دُونَ عِرْضٍ عَارِضاًأيْقَنْتُ أنَّ اللهَ يَبْغِي نَصْرَهُ
يقول لسيف الدولة: أنا فيما أنشره من فضلك، وأقول به من كرمك، شبيه بالواشي بك؛ لأني أظهر ما تبغي ستره، وأنشر ما تأبى ذكره، وأنت لا تباهي بإنعامك، ولا تريد سمعة بإحسانك، وإنما كرمك طبيعة منك، وفضلك جبلة فيك، ثم قال: وإذا رأيتك معترضاً دون عرض تحفظ حرمته، وتحمي جهته، أيقنت أن الله يحميه ويحفظه ويقيه؛ لأنه ناصر من تنصره، حافظ من تحفظه.
وأجمل أيضاً ذكره، فقال:
رُبَّ نَجِيْعٍ بِسَيْفِ الدَّوْلَةِ انْسَفَكاوَرُبَّ قَافيةٍ غَاضَتْ بِهِ مَلِكَا
مَنْ يَعْرِفِ الشَّمْسَ لا يُنْكِرْ مَطَالِعِهِاأَوْ يُبْصِرِ الخَيْلَ لا يسْتَكْرِمِ الرَّمَكَا
تَسُرُّ بالمالِ بَعْضَ المالِ تَمْلِكُهُإنَّ البلادِ وإنَّ العِالَمينَ لَكَا
النجيع: الدم، والرمك: جمع رمكة، وهي الفرس التي تتخذ للنتاج دون الركوب.
فيقول: رب مخالف عصى سيف الدولة، فسفك دمه، ورب معاند له من الملوك سمع شعري فيه، فغاظه حسنه، ثم ضرب لسيف الدولة مثلاً في اختياره لقصده، ومعرفة سيف الدولة بقدره، فقال: من عرف الشمس لم ينكرها، لاختلاف مطالعها، ومن عرف سيف الدولة لم ينكره، لاختلاف مقاصده، وتباين مواضعه، ومن أبصر عتاق الخيل لم يستكرم هجان الرمك، وذلك شأن سيف الدولة في اصطناعه لأبي الطيب، وإعراضه عن حساده؛ لأن موقعه منهم هذا الموقع.
ثم قال: تسر بما تهينه من مالك من تهبه له من قصادك وخولهم، وهم في وقوعهم تحت ملكك، وتصرفهم تحت أمرك، على حسب نهبك وأمرك، كمالك الذي تنفرد بملكه، وتتحكم في أمره، فأنت تسر بمالك مالك، ويوقرك من لا يخرج عن ملكك، فالأرض في قبضتك، وعمروها أهل طاعتك.
وسايره وهو يريد آمد، وتوسط الأجبال، فقال له:
يُؤَمِّمُ ذا السَّيْفُ آمالَهُفَلاَ يَفْعَلُ السَّيْفُ أفْعَالَهُ
إذَا سَارَ في مَهْمَةٍ عَمَّهُوإنْ سَارَ في جَبَلٍ طَالَهُ
وأنْتَ بِمَا نِلْتَنا مَالِكُيُثَمِّرُ مِنْ مالهِ مالَهُ
كأنَّكَ ما بَيْنَنَا ضَيْغَمُيُرَشَّحُ للْفَرْسِ أشْبَالَهُ
المهمة: القفر، والضيغم: الأسد والفرس: دق العنق، والأشبال: جمع شبل، وهو ولد الأسد، والترشيح: التهيئة.
فيقول: يقصد هذا الملك، الذي يشبه السيف به، إلى ما يريده ويأمله، ويعتقده، فلا يفعل السيف في استعجال ذلك فعله، ولا يلحق في إدراكه كشأوه، فإن سار في مهمة بكثرة جيشه، وإن سار في جبل بعلو مجده.
ثم قال، مخاطباً له: وأنت بما نلتنا به من فضلك، وتابعه لنا من بذلك، مالك يثمر ماله بماله، ويحوط ملكه بملكه؛ لأننا لك في وقوعنا
تحت أمرك، وما يحيط بنا من ملكك، كالمال الذي تحويه وتضبطه، وتحوزه وتملكه.
ثم قال: كأنك فيما تسبقنا إليه من مقارعة الأبطال، وما تنفرد به دوننا من مغازلة الأقران، أسد ينهج لأشباله ما يفعله، ويضربها على ما تأتيه وتمثله.
ودخل على سيف الدولة بميافارقين في يوم شديد المطر والبرد، وهو على الشراب، فقال له سيف الدولة: عاب عليك يا أبا الطيب إنسان قولك:
لَيْتَ أنَّا إذا ارتَحَلْتَ الخَيْلُوأنَّا إذا نَزَلْتَ الخِيامُ
وقال: إنه جعل الخيام فوقك، وأومأ إلى بعض من حضر، فقال أبو الطيب؛ وأراد قطع الكلام:
لَقد نسَبُوا الخِيامَ إلى عَلاءِأبَيْتُ قَبُولَهُ كُلَّ الإبَاءِ
وما سَلَّمْتُ فَوقَكَ للثُّرياولا سَلَّمْتُ فَوْقَكَ للسَّمَاءِ
يقول: لقد نسبوا الخيام من الرفعة، وأوجبوا لها من علو الرتبة، ما أباه ولا أسلمه، وأنفه ولا أثبته، ثم قال: وما سلمت للثريا أن لا تفوقها بمجدك، ولا للسماء ألا تبلغها بشرفك وفضلك.
وقد أوْحَشْتَ أرضَ الشَّامِ حَتَّىسَلَبْتَ رُبُوعَهَا ثَوْبَ البَهاءِ
تَنَفَّسُ وَالعَوَاصِمُ مِنْكَ عَشْرُفَيُعْرَفُ طِيْبُ ذَلِكَ في الهَوَاَء
يقول: وقد أوحشت أرض الشام برحيلك عنها، وسلبت ربوعها ثوب البهاء بخروجك منها.
ثم قال: تتنفس وأنت بأرض الجزيرة، والعواصم منك على سير عشر ليال، فيعرف ذلك أهل الشام في هوائهم، ويتبينون الفوح في بلادهم، ويؤكد لهم أمثال ذلك استشرافهم إلى أوبتك، واشتياقهم إلى غرتك.
وذكر سيف الدولة لأبي العشائر جده وأباه، وجد أبي العشائر الحسين ابن حمدان، عم سيف الدولة، فقال أبو الطيب:
أغْلَبُ الحَيِّزَيْنِ ما كُنْتَ فيهوَوَليُّ النَّماءِ مَن تَنْمِيِهِ
ذا الذَّي أنتَ جَدُّهُ وأبوهدِنْيَةً دونَ جَدِّهِ وأبيهِ
يقول لسيف الدولة: أغلب فروع نسبك على الشرف الحيز الذي أنت فيه، وولي الكثرة في المفاخر والحسب من تنميه، يريد بذلك: ما عرف به سيف الدولة أبا العشائر من شرف أبيه وجده. ثم قال لسيف الدولة: هذا أبو العشائر، أنت جده وأبوه، لأن شرف ك أنهض به من شرفهما، وسلطانك أظهر عليه من سلطانهما، فأنت بما أحاط به من فضلك، وتجدد له من الشرف بك، جده وأبوه دنية، دون جده وأبيه.
وسأله سيف الدولة إجازة بيت، وهو:
وإني الممنوعُ المقَاتِلِ في الوغَىوإن كُنْتُ مَبْذُولَ المقاتِلِ في الحُبِّ
فقال:
فَدَيْنَاكَ أهْدَى النَّاسِ سَهْماً إلى قَلْبِوأقْتَلُهُمْ للدَّارعينَ بلا حَرْبِ
تَفَرَّدَ بالأحكَامِ في أهْلِهِ الهَوَىفأنْتَ جَميلُ الخُلْفِ مُسْتَحْسَنُ الكِذْبِ
الكذب، والكذاب والكذب كل ذلك بمعنى واحد.
فيقول: فديناك وإن كنت أثبت الناس إصابة للقلوب بسهامك دون رمي، وأقتلهم للدارعين بحبك دون حرب. ثم قال: وكذلك الهوى منفرد بالحكم في أهله، فمن هوي كان جميلاً خلقه، ومن عشق كان مستحسناً كذبه.
وإني لَممْنُوعُ المقاتِلِ في الوغىوإن كُنْتُ مَبْذُولَ المقَاتِلِ في الحُبِّ
ومَنْ خُلِقَتْ عَيْنَاكَ بَيْنَ جُفُونِهِأصابَ الحَدُورَ السَّهلَ في المُرْتَقَى الصَّعْبِ
يقول: وإني وأن استضعفت في الحب فأصيبت مقاتلي به، وقلت
مدافعتي فيه، لظاهرة في الحرب قوتي، وشديدة فيه منعتي، وبعيدة على الأقران إصابتي. ثم خاطب محبوبه، فقال: ومن خلقت بين جفونه عيناك، ورشق القلوب بسهامك، سهل عليه ما يصعب مثله، وقرب له ما يبعد تناوله.
وأذن المؤذن، فوضع سيف الدولة القدح من يده، فقال أبو الطيب:
إلا أذِّنْ فَمَا أذْكَرْتَ نَاسيولا لَيَّنْتَ قَلْبَاً وَهُوَ قَاسِي
ولا شُغِلَ الأمِيرُ عَن المعَاليوَلا عَن حَقِّ خَلِقِهِ بِكَاسِ
وركب سيف الدولة، وركب الجيش معه بالتجافيف والسلاح، فقال أبو الطيب يمدحه، ويصف الجيش:
إذا كَانَ مَدْحُ فالنَّسيبُ المُقَدَّمُأكُلُّ فَصِيحٍ قَالَ شِعْرَاً مُتَيَّمُ
يقول: إن الشعراء مجمعون على تقديم النسيب في أشعارهم، والاستفتاح به في مدائحهم، وليس كل فصيح منهم عاشقاً، ولا كل شاعر
سلف لهم متيماً، ولكن أخرهم في ذلك يتلو أولهم، حتى كأن ما يتناصفونه من الحب قد جعلوه فاتحة الشعر.
لَحُبُّ ابن عَبْد اللهِ أوْلَى فإنَّهُبِهِ يُبْدَأُ الذِّكْرُ الجَمِيلُ وَيُخْتَمُ
ثم قال: وإذا كان هذا، فلحب ابن عبد الله، يريد: سيف الدولة، أحق ما استفتح الشعر به، وأولى ما قدم الذكر له، فبسيف الدولة يبدأ الذكر الجميل ويختم، وبمجده يفتح ويتمم.
أطَعْتُ الغَوَاني قَبْلَ مُطْمَحِ نَاظِريإلى مَنْظَرٍ يَصُغُرْنَ عَنْهُ وَيَعْظُمُ
ثم قال: أطعت الغواني في التشبيب بهن، والإيثار لهن، قبل عند يطمح ناظري إلى ما شهدته من مملكه سيف الدولة، التي يقل حسنهن عند حسنها، ويصغر شأنهن عند شأنها. والطموح: الارتفاع.
تَعرَّضَ سَيْفُ الدَّولَةِ الدَّهْرَ كُلَّهُيُطَبِّقُ في أوْصَالِهِ ويُصَمِّمُ
التطبيق: إبانة القطع، والتصميم: النفاذ في الأمر.
فيقول: تعرض سيف الدولة الدهر كله متحكماً فيه، مستولياً عليه، يطبق منه فيما يقطعه، ويصمم إليه فيما يقصده. يشير إلى أن أموره فيه جائزة، وأحكامه عليه نافذة، وذكر التطبيق والتصميم على سبيل الإبداع فيما استعارة له من ذلك.
فَجَازَ له حَتَّى عَلَى الشّمْس حُكْمُهُوَبَانَ له حَتَّى عَلَى البَدْرِ مَيْسَمُ
الميسم: العلامة التي يضعها المالك على ما يملكه.
ثم قال: فجاز حكمه حتى حكم على ما لا يجوز الحكم عليه، وبان وسمه حتى وسم ما لا يبين الوسم فيه، وجعل ذكر الشمس والبدر كناية عن هذه العبارة، والعرب تفعل ذلك، تصف الممدوح بالقدرة على ما لا يقدر أحد عليه في الحقيقة، ليوجب له بذلك غاية القوة، وأبعد نهايات القدرة.
كَأنَّ العِدَى في أرْضِهم خُلَفَاؤُهُفإنْ شَاَء حَازُوها وإن شَاَء سَلَّموا
يقول: كأن أعاديه من الروم وغيرهم، خلفاؤه في بلادهم، وعماله في قواعدهم، فإن أعرض عنهم، استمتعوا بالبقاء فيها، وإن غزاهم
سلموها إليه بالخروج عنها. يشير إلى تصرف أعاديه تحت أمره، وعجزهم عن التعرض لحربه.
ولا كُتْبَ إلاَّ المشْرَفِيَّةُ عِنْدَهولا رُسْلُ إلا الخَميسُ العَرَمْرَمُ
المشرفية: سيوف منسوبة إلى المشارف، وهي مواضع تطبع فيها السيوف، والخميس، والعرمرم: الكثير.
ثم قال مؤكداً لما قدمه، من اقتداره عليهم: إنه لا كتب يستعملها إليهم غير سيوفه، ولا رسل يوجهها نحوهم غير جيوشه، فهم متصرفون على حكمه، عاجزون عن المخالفة لأمره.
فَلَم يَخْلُ من نَصْرٍ لَهُ مَنْ لَهُ يَدُولم يَخْلُ من شُكْرٍ لَهُ مَنْ له فَمُ
يقول مخبراً عن عظيم ملكه، وما ظهر من عموم فضله: فلم يخل من نصره أحد له يد يبطش بها؛ لوقوف جميع الناس عند أمره، ووقوعهم تحت طاعته وملكه، ولم يخل من شكره أحد له فم ينطق به، لما شملهم من إحسانه، وأحاط بهم من إنعامه. فبين أن طاعة الجميع له طاعة وداد ومحبة، لا طاعة استكراه وغلبة.
ولم يَخْلُ من أسْمَائِهِ عُودُ مَنْبَرٍولم يَخْلُ دِينَارُ ولم يَخْل دِرْهَمُ
ثم قال: ولم يحل من أسمائه عود منبر؛ يريد أن بلاد الأرض مضافة إلى ولايته، مختطب على منابرها له بلزوم طاعته، ولم يحل دينار، ولم يخل درهم؛ يريد: أن دنانير الآفاق ودراهمها مطبوعة باسمه، مسككة بذكره. يشير إلى عظم شأنه، واتساع أعمال سلطانه.
ضَرُوبُ وَمَا بَيْنَ الحُسامَيْن ضَيِّقُبَصيرُ وَمَا بَيْنَ مُظْلِمُ
يقول: إنه شديد الضرب، رابط الجأش، إذا ضاق ما بين الحسامين بتجالد الأبطال، وتقارب ما بين الأقران، وأنه بصير إذا أظلم ما بين الشجاعتين، بتمثل الموت لهما، وتيقن المنية عندهما، فهنالك يثبت نظره لقوة نفسه، ولا يشخص بصره لتمكن بأسه.
تُباري نُجُومَ القَذْفِ في كُلِّ لَيلَةٍنُجُومُ لَهُ مِنْهُنَّ وَرْدُ وأدْهَمُ
نجوم القذف: الشهب التي ترمي بها الشياطين.
ثم قال: تباري نجوم القذف مع سرعة انصبابها، وشدة انحدارها، خيول له كالنجوم في شدة عدوها، وسرعة جريها، منهن الورد والأدهم.
يَطأْنَ من الأبْطَالِ مَنْ لا حَمَلْنَهوَمِنْ قِصَدِ المُرَّانِ مَا لاَ يُقَوَّمُ
المران: الرماح، وقصدها: قطعها.
ثم قال: يطأن من الأبطال من لا حملنه؛ يريد: أن خيل سيف الدولة تطأ من الأبطال المقتولين في وقائعه من لا جعلها الله أن تحمل من يصير في حاله، ويؤول إلى مآله، وكذا تطأ في تلك الوقائع من قطع الرماح ما قد تدقق فلا يمكن تقويمه، وتكسر فلا يحاول تعديله.
فَهُنَّ مَعَ السَّيدَان في البَرِّ عُسَّلُوَهُنَّ مَعَ النِّيْنَان في الماء عُوَّمُ
السيدان: الذئاب، واحدها سيد، والعسل: المسرعة، واحدها عاسل، والنينان: الحيتان، واحدها نون.
فيقول: إن خيل سيف الدولة لكثرة غاراته، واتصال غزواته، تقطع الفلوات نحو أعاديه عسلاً مع الذئاب التي الفلوات مستقرها، وتعبر الأنهار نحوهم عائمة مع الحيتان التي الأنهار مواضعها.
وَهُنَّ مَعَ الغِزْلاَنِ في الوادِ كُمَّنُوَهُنَّ مَعَ العِقْبَانِ في النَّيقِ حُوَّمُ
النيق: ما استعلى من حروب الجبل، والوشيج: الرماح.
وكذلك تكمن عليهم مع الغزلان في الأودية التي فيها كنسها، وتقتحم عليهم رؤوس الجبال مع العقبان التي فيها وكورها، فأشار إلى أن سيف الدولة للقوة عزائمه، ونفاذه في مقاصده، قد استوى عند خيله، وفرسان جيشه؛ البر والبحر، والسهل والوعر، لا يبعد عليه مطلب، ولا يمتنع منه موضع.
إذَا جَلَبَ النَّاسُ الوَشِيجَ فإنَّهبِهِنَّ وفي لَبَّاتِهنَّ يُحَطَّمُ
ثم قال: إذا جلب الناس الرماح على سبيل الجمع لها، وحملوها على طريق التزين بها، فإن سيف الدولة في نحور الخيل يكسرها، وبوقائعه يفنيها يحطمها.
بِغُرَّتِهِ في الحرْبِ وَالسِّلمِ والحِجَىوَبَذْلِ اللُّهَى والحَمْدِ والمَجْدِ مُعْلِمُ
المعلم: الذي يسم نفسه بعلامة يعرف بها، واللهى: العطايا، واحدتها لهوة.
فيقول: إن سيف الدولة معلم بجمال وجهه، ووفور عقله، وعموم جوده، وجلاله مجده، وإجماع الناس على حمده، وإن هذه الخلال
تسمه في سلمه وحربه، وينفرد بها من بين أبناء دهره.
يُقِرَّ لَهُ بالفَضْلِ مَنْ لا يَوَدُّهُوَيَقضي لَهُ بالسَّعْدِ مَنْ لا يُنَجِّمُ
ثم قال: إن من لا يوده يقر بفضله، ولا يدفعه لبيانه، ومن لا ينجم يقضي بسعده، ولا ينكره لاتصاله.
أجارَ عَلَى الأيَّامِ حتَّى ظَنَنْتُهُتُطالبُه بالرَّدِّ عادَ وَجَرْهُمُ
ثم قال: إن سيف الدولة أجار على الأيام بكفه للحوادثها، وأنصف منها بإنقاذه من
مكارهها، حتى حسبت عاداً وجرهماً، هاتين القبلتين الفانيتين، والجماعتين الهالكتين، سيسئلانه ردهما، على بعد العهد، وما انصرم عليهما من تقادم الدهر، وأن سعادته إذا قربت ما كان يبعد، وسهلت ما كان يعسر، فما تمكن له من ذلك يوجب عليه أن يطلب بما لا يمكن فعله، ويسأل ما يمتنع مثله.
ضَلالاً لهذي الرِّيحِ ماذا تُريدهوهَدْياً لهذا السَّيلِ ماذا يُؤَمِّمُ
ثم دعا على الريح، ولم يدع لها، ودعا للسيل، ولم يدع عليه؛ لأن الريح اعترضت سيف الدولة في مسيره، ولم تسعده على شيء من أموره، والسحاب وإن كان رام ثنيه بوبله، ووعر طريقه بسيله، فإنما تلاه متعلماً من جوده، وصحبه مسعداً له على رأيه، قاضياً لذمام القبر الذي قصده، ومروضاً بسقياه للربع الذي اعتمده. فيقول: ضل سعي هذه الريح، ووفق لهداه هذا السيل، ماذا تريده هذه، وماذا يقصده هذا، حين يعترضان سيف الدولة في مسيره، ويجاهران بالخلاف على أمره.
ألم يَسْألِ الوَبْلُ الذي رَامَ تَيْنَنَافَيُخْبِرَهُ عَنْكَ الحَديدُ المُثَلِّمُ
ثم قال: ألم يسأل الوبل الذي رام ثنينا بسكنه، واعترضنا في طريقنا بسيله، كاشفاً عن أمره سيف الدولة، ومستفهماً عن حاله، فيخبره الحديد الذي ثلمته وقائعه، وكسرته بالجلاد كتائبه، ويعلمه بأنه الذي لا يرد عزائمه، ولا تواجه بالاعتراض مطالبه.
وَلَّمَا تَلَقَّاكَ السَّحَابُ بِصَوْبِهِتَلَقَّاهُ أعْلى منه كَعْباً وَأكْرَمُ
فَبَاشَرَ وَجْهاً طَالَ ما بَاشَر القَنَاوَبَلَّ ثِيَاباً طَالَ ما بَلَّها الدَّمُ
يقول: ولما تلقاك السحاب بصوبه، واعترضك في طريقك بسكبه، تلقاه منك من يعلوه برفعته، ويزري عليه بكرم راحته، فباشر وجهاً طال ما باشر الرماح، فلم تثنه مباشرتها، وبل ثياباً طال ما بلها الدم، ولم يعقه بللها، فكيف يهاب وقع المطر
من لا يهاب وقع الرماح، ويتألم بلل الماء من لا يتألم بلل الدم؟
تَلاَكَ وَبَعْضُ الغَيْثِ يَتْبَعُ بَعْضَهُمِنَ الشَّامِ يَتْلو الحَاذِقَ المُتَعَلِّمُ
يقول: تلاك الغيث والبعض يتبع كله، والشكل يألف شكله، وأنت الغيث بعموم جودك، وسابغ فضلك، فقفا أثرك من الشام، يتلوك كما يتلو المتعلم الحاذق، ويقفوك كما يقفو المتأخر الأول.
فَزَارَ التي زَارَتْ بِكَ الخَيلُ قَبْرَهاوَجَشَّمَهُ الشَّوقُ الذي تجَشَّمُ
التجشم: التكلف.
ثم قال: فزار الغيث المتوفاة التي زارت الخيل بك قبرها؛ يريد: أم
سيف الدولة، وجشمه شوقه إلى ذلك كالذي جشمك شوقك، وأسعدك الغيث قاضياً لحقك، وتبعك معظماً لقدرك، وعلم أن المتوفاة تلزم السحاب زيارتها، وتحق عليه كرامتها؛ لأنها كانت بجودها، وتزيد على صوبه بكرمها.
وَلَّما عَرَضْتَ الجَيْشَ كانَ بَهَاؤُهُعَلَى الفَارسِ المُرْخِي الذُّؤَابَةِ مِنْهُمُ
الذؤابة: الضفيرة من شعر الرأس، ويسمى بذلك ما سدل من فضل العمامة، وإلى هذا قصد أبو الطيب.
فيقول لسيف الدولة: ولما عرضت الجيش وتصفحته، كان بهاؤه على عظم شأنه، وتكاثر شجعانه، على الفارس المعتم بين جماعة المتجففين، المرخي ذؤابة عمامته من بين سائر المغتفرين. وهذا زي أمراء العرب في الحرب، وأشار بذلك إلى سيف الدولة.
حَوَالَيْهِ بَحْرُ للتَّجافيفِ مائجُيَسيرُ به طَوْدُ من الخَيْلِ أيْهَمُ
التجافيف: جمع تجفاف، وهو ضرب من السلاح تلبسه الرجال والخيل، والطود: الجبل، والأيهم: الطويل.
ثم قال: حواليه من تلألؤ السلاح، ولمعان التجافيف، ما بشبه البحر بكثرته،
ويحكيه ببريق جملته، ويسير بذلك البحر موكب من الخيل كالجبل الأيهم في اعتلائه وازدحامه، واكتنازه واتصاله.
تَسَاوَتْ بهِ الأقتارُ حَتَّى كَأَنَّهُيُجَمَع أَشْتَاتَ الجبِالِ
القتر: الغبار.
فيقول: تساوت بهذا الجيش العجابات، فصار ما يثور منها في الجبل الصلد، كالذي يثور منها في القرار الرخو، يشير إلى أن هذا الجيش يسحق الجبال بكثرته، ويحطمها بعظمه، فيستوي الرهج في السهل والوعر، وفي الصلب والرخو، ويشتمل العجاج على الجميع، حتى تصير الجبال كأنها في ذلك العجاج منتظمة، وبما غشيها من الجيش متصلة، وألم بقول النابغة.
جَيْشٌ يَظَلُّ به الفَضَاءُ مُعَضَلاًيَدَعُ الآكامَ كأنَّهُنَّ صَحَارى
وَكُلُّ فَتًى للحَرْبِ فَوْقَ جَبِيْنهِمن الضَّربِ سَطْرُ بالأسِنَّةِ مُعْجَمُ
العجم: الشكل والنفط.
ثم قال: وكل فتى؛ يريد: كل فتى، قد جرحته الحرب، ووسمه الطعن والضرب، ففي جبينه للسيوف آثار مستطيلة تشبه السطر، وللأسنة فيه نكت مجتمعة تشبه العجم، وأشار باعتماد الجراح لوجوههم، إلى شجاعتهم وبأسهم، وإقدامهم وصبرهم.
يَمُدُّ يَدَيِهِ في المُفاضَةِ ضَيْغَمُوَعَيْنَيْهِ مِنْ تَحْتِ التَّريكَةِ أرْقَمُ
المفاضة: الدرع، والضيغم: الأسد، والتريكة: البيضة، والأرقم: الحية.
فيقول: إن هؤلاء الفتيان الذين ذكرهم، كلهم أسد في شدته، أرقم أفعوان في بسالته، يمد في درعه يدي أسد؛ قوة وشدة، ويمد من تحت تريكته عيني أرقم؛ إقداماً وشجاعة.
كأجْنَاسِها رَاياتُها وشِعَارُهاوَمَا لَبِسَتْهُ والسَّلاحُ المُسَمَّمُ
الشعار: علامة ينادى بها في الحرب، والمسمم المحسن المزين.
ثم أشار إلى الخيل التي قدم ذكرها، فقال: كأجناسها في الفضل والكرم أجناس راياتها المؤيدة، وشعارها المنصور، وما لبسته من سلاحها الشاك، وحملته من حديدها الصقيل المحسن.
وأدَّبَهَا طُولُ القِتَال فَطَرْفُهُيُشيرُ إليها من بَعِيدٍ فَتَفْهَمُ
يقول: وأدب هذه الخيل طول ممارسة القتال، والتقلب في شدائد الحروب، ففارسها يشير إليها على بعد بما يقصده فتفهمه، ويومئ إليها بما يريده فتفعله.
تُجاوِبُهُ فِعْلاً وَمَا تَسْمَعُ الوَحَىويُسْمِعُهَا لَحْظَاً وَمَا يتكَلَّمُ
الوحى: الاستعجال.
ثم قال: يسمعها فارسها بلحظه دون أن يتكلم، وتجاوبه بفعلها دون أن تستعجل.
تَجَانَفُ عن ذَاتِ اليَمينِ كَأنَّهاتَرِقُّ لِمَيَّافارقيْنَ وَتَرْحَمُ
التجانف: الميل والعدول وميافارقين: مدينة من العواصم، كان عسكر سيف الدولة بقربها، فيقول: إن هذه الخيل تتجانف عن ذات اليمن، وهناك كانت هذه المدينة المذكورة، فكأنها تعدل عنها مشفقة، وتجانبها في سيرها مترحمة.
وَلٍوْ زَحَمَتْهَا بالَمنَاكِبِ زَحْمَةًدَرَت أَيُّ سُوْرَيْهَا الضِّعيفُ المُهَدَّمُ
ثم قال: ولو زاحمتها هذه الخيل بمناكبها، وصادمتها بمواكبها؛ لأيقنت أن سور هذه المدينة مع شدة قوته، وشهرة منعته، كان يعجز عن زحام سورة هذه الخيل وينخر، ويضعف دون ذلك ويتهدم. وأشار بهذا الوصف إلى عظم هذا الجيش، وجعل سوراً، أخبر عنه على طريق الاستعارة.
عَلَى كُلَّ طَاوٍ تَحْتَ طَاوٍ كَأنَّهُمِنَ الدَّمِ يُسْقَى أوْ مِنَ اللَّحْمِ يُطْعَمُ
الطاوي: الضامر البطن.
فيقول: إن فرسان هذا الجيش، كلهم طاو في خلقه، ضرب في
جسمه، على الخيل
كلها طاو بطنه، مجدول خلقه، كأنما يسقى من فهو يتجرعه ولا يستكثر، ويطعم اللحم، فهو يتبلغ به ولا يستبطن.
لها في الوَغَى زِيُّ الفوارسِ فَوْقَهافَكُلُّ حِصَانٍ دَارعُ مُتَلتَّمُ
وَمَا ذاكَ بُخْلاً بالنّفُوسِ عَلَى القَنَاوَلَكنَّ صَدْمَ الشَّرِّ بالشَّرَّ أحْزَمُ
الحصان: الذكر من الخيل.
ثم قال: وهذه الخيل بالدروع مشتملة، وفي الجواشن متلثمة، وفي زي فرسانها، وعلى حال ركبانها، وليس ذلك فرقاً من الموت، وتهيباً للسلاح، ولكن الحزم أن يصدم الشر بمثله، ويتقدم إليه بشكله.
أتَحْسِبُ بِيضُ الهِنْدِ أصْلَكَ أصْلَهاوأنَّكَ مِنها؟ سَاَء ما تَتَوَهَّمُ
يقول: أتحسب سيوف الهند مع جلالتها ورفعتها، ونفاذها وهيبتها، أنك منها، بمشاكلتها لك في الاسم، وموافقتها لك في اللقب؟ ساء ما ظنته، وخاب سعيها فيما توهمته! إن السيوف بعض آلاتك؛ تصرفها ولا تصرفك، وتستعملها ولا تستعملك.
إذا نحنُ سَمَّينَاكَ خِلْنَا سُيُوفَنَامِن التِّيهِ في أغْمَادِها تَتَبَسَّمُ
ثم قال: إذا نحن سميناك بسيف الدولة، خلنا سيوفنا في أغمادها تتبسم، مزدهية بك، وتتكبر بادعائها لك.
ولم نَرَ مَلْكاً قَطُّ يُدْعى بِدونِهِفَيَرْضَى وَلَكِنْ يَجْهَلونَ وَتَحْلُمُ
يقول: ولم نر ملكاً قبلك يدعى بدونه، بما يتواضع عن قدره فيرضى ويصبر، ويغضي ويغتفر، ولكنهم يجهلون وتحلم، ويقصرون عن حقيقة وصفك فتكرم.
أخذتَ على الأرواحِ كل ثنية من العيش تعطي من تشاء وتحرم الثنية: الطريق في رأس الجبل.
فيقول: أخذت على نفوس الناس بمجاميع الطرق. يشير بذلك إلى قوة ملكه، وتمكن أمره. فأنت تعطي من أطاعك ورجاك، وتحترم من خالفك وعصاك،
عالماً بما تفعله، قادراً على ما تقصده، تسعدك الأقدار على إرادتك، وتسهل لك وجوه رغبتك.
فَلاَ مَوْتَ إلاَّ مِنْ سِنَانِكَ يُتَّقَىولا رِزْقَ إلاَّ من يَمِينِكَ يُقْسَمُ
ثم قال: فلسنا نعلم قتلاً يتقى، إلا من سلاحك في وقائعك، ولسنا نعلم عطاء يقصد، من غير هباتك ومكارمك.
وضرب لسيف الدولة بميافارقين خيمة كبيرة، وأشاع الناس أن المقام يتصل. وهبت ريح شديدة، فسقطت الخيمة، وتكلم الحساد عند سقوطها، فقال أبو الطيب:
أيَنْفَعُ في الخَيْمَةِ العُذَّلُوَتْشَملُ مَنْ دَهْرَها يَشْملُ
يقول: أينفع في الخيمة أن تلام بفعلها، وتعذل على سقوطها؟ وعذرها بين، والموجب لفعلها ظاهر. كيف لها أن تشمل الدهر بسلطانه، ويجير عليه بإحسانه!
وِتَعْلُو الذي زُحَلُ تَحْتَهُمُحَالُ لَعَمْرُكَ ما تُسأَلُ
ثم قال: وكيف تعلو من يتواضع زحل عن رفعته، ويقصر دون بلوغ منزلته؟ محال ما تسأله، وممتنع ما تحمله.
فَلِمْ لا تَلُومُ الذي لاَمَهاوَمَا فَصُّ خَاتِمهِ يَذْبُلُ
ثم قال: ولم لا تلوم هذه الخيمة لائمها على سقوطها، والرئيس
الذي تهيبته، وأعجزها الاشتمال عليه، يقصر يذبل مع عظمه عن فص خاتمه، ويخف عند ركابته كخفته، ويقل عند جلالته كقلته؟
تَضِيقُ بِشَخْصِكَ أَرْجَاؤهاوَيَرْكُضُ في الوَاحِدِ الجَحْفَلُ
ثم قال، مخاطباً لسيف الدولة: تضيق أرجاء هذه الخيمة بشخصك إعظاماً له، وفي الواحد من تلك الأرجاء يركض الجيش العظيم، ويتصرف الجمع الكبير، فإنما ضاقت بك على طريق الإجلال لك.
وَتَقْصُرُ مَا كُنْتَ في جَوْفِهاوَيُرْكَزُ فِيها القَنَا الذُّبَّلُ
ثم قال: وتقصر عند كونك في جوفها، مكبرة للاشتمال عليك، وتضطرب مستعظمة للاستعلاء فوقك، وذلك لجلالتك لا لصغرها وقصرها، ولهيبتك لا لتطأطؤها؛ لأن القنا الذبل تركز فيها لعلوها، وتقصر عنها لارتفاعها.
وَكَيْفَ تَقُومُ عَلَى راحةٍكَأنَّ البِّحَارَ لها أنْمُلُ
ثم قال، باسطاً لعذر الخيمة في سقوطها: وكيف تقوم هذه الخيمة مشتملة على من البحار كالأنمل لراحته، يعمها بأيسر جوده، ويزيد عليها بأقل بذله؟
فَلَيْتُ وَقَارَكَ فَرَّقْتَهُوَحَمَّلْتَ أرْضَكَ مَا تَحْمِلُ
ثم قال: فليتك أيها الرئيس فرقت وقارك وقسمته، وشاركت فيه وبعضته، وحملت الأرض منه ما تحمله، وكلَّفتها ما تبلغه!
فَصَارَ الأنَامُ بهِ سَادَةًوَسُدْتَهُمُ بالذي تَفْضُلُ
ثم قال: فكان في ذلك ما يصير الأنام به سادة بمثله، ورؤساء بما يصل إليهم من فضله، وكان فيما يفضل عنهم ما تسود به جماعتهم، وتستحق معه رياستهم.
رَأتْ لَوْنَ وَجْهِكَ في لَوْنِهَاكَلَوْنِ الغَزَالَةِ لا يُغسَلُ
ثم قال: رأت هذه الخيمة لون وجه سيف الدولة في لونها، وتلألؤ حسنه في حسنها، كنور الشمس يشرق ولا يغسل، ويضيء ولا يغير.
وَأنَّ لها شَرَفاً بَاذِخَاًوَأنَّ الخِيَامَ بها تَخْجَلُ
ثم قال: ورأت أن لها به شرقاً باذخاً، واعتلاء ظاهراً، وأنها تخجل الخيام بعجزها، وتحقرها بجلالة قدرها.
فلا تُنْكِرَنَّ لها صَرْعَةًفَمِنْ فَرِحَ النَّفْسِ ما يُقْتُلُ
ثم قال: وغير بديع أن يصرعها طربها، ويستخفها فرحها، فمن الفرح ما يقتل بشدته، ومن الطرب ما يضر بزيادته.
وَلوْ بُلِّغَ النَّاسُ مَا بُلِّغَتْلَخَانَتْهُمُ حَوْلَكَ الأرْجُلُ
ثم قال: ولو بلغ الناس العقلاء ما بلغته هذه الخيمة، من الصيانة لك، والاتصال بك، والاشتمال عليك، لخانتهم أرجلهم، فلم تحملهم، وصرعهم فرحهم، ولم يحملهم.
وَلَما أمرتَ بِتَطْنِيْبِهاأشيْعَ بأنَّكَ لا تَرْحَلُ
ثم قال لسيف الدولة: ولما أمرت بنصب هذه الخيمة، ومد أطنابها، أشاع الناس أن ذلك لأمر وقفك عن الرحيل، وعذر ثبطك عن الغزو.
فما اعْتَمَدَ اللهُ تَقْويضَهاوَلَكِنْ أشِارَ بما تَفْعَلُ
فلم يكن سقوطها إرادة من الله، لحط ما رفعته منها، ولكن نبهك على الرحيل الذي أعرضت عنه، وأراك رشدك في النهوض الذي أخرت أمره.
وَعَرَّفَ أنَّكَ مِنْ هَمِّهوأنَّكَ في نَصْرِهِ تَرْفُلُ
ثم قال: وأبان أنه يذكرك راضياً عنك، وينصرك مانعاً منك، ففي نصره ترفل، وفي تأييده تتقلب.
فما العَانِدُون وما أثَّلُوا؟وَمَا الحاسِدونَ وما قَوَّلُوا؟
ثم قال: وما قدر العاندين وما جمعوه، وما بلغ حسدهم، ومبلغ ما اختلفوه، إذا اقترن ذلك بجلاله سلطانك، واستضاف إلى علو مكانك؟
هُمُ يَطْلُبونَ فَمَنْ أدَرَكوا؟وَهُمُ يَكْذبونَ فمن يَقْيْلُ؟
ثم قال: هم يجتهدون في الطلب، فسلهم أين منزلة من أدركوه من نظرائهم من منزلتك؟ وأين محلهم من علو رتبتك؟ وهم يكذبون، فسلهم عمن يقبل كذبهم، ويسمع إفكهم إلا طغام لا يحفل بهم، وهمج لا يعرج عليهم؟
وَهُمْ يَتَمَنَّوْنَ ما يَشْتَهُونَوَمِنْ دُونِهِ جَدُّكَ المُقْبِلُ
ثم قال: وهم يتمنون من الظهور عليك، بحسب ما تبلغه شهواتهم، ويعترضهم دون ذلك، إقبال جدك، وتمكن سعدك، وما يتكفل الله به من إعلاء أمرك.
وَمَلْمومَةٍ زَرَدُ ثَوْبُهاولكِنْهُ بالقَنَا مُخْمَلُ
يقول لسيف الدولة: ورب كتيبة لك، لباس فرسانها الدروع، حتى كأنها منها في ثوب شامل، ولباس سابغ، إلا أن ذلك الثوب محتمل بالرماح البادية منه، مشعب بالقنا المتشاجرة فيه.
يُفَاجِئُ جَيْشَاً بِهَا حَيْنُهُوَيُنْذِرُ جَيْشَاً بِهَا القَسْطَلُ
ثم قال: إذا فاجأت تلك الكتيبة جيشاً فاجأه بها حينه، وقابله منها حتفه، ويقدمها
عند إيقاعها به من عجاج خيلها، ورهج غبارها، ما ينذر غير ذلك الجيش بأمرها، ويهزمه بتوقع بأسها.
جَعَلْتُكَ بالقَلْبِ لي عُدَّةًلأنَّك باليَدِ لا تُجْعَلُ
ثم قال: جعلتك بالقلب لي عدة أعتدها، وعصمة أعتقدها؛ لأنك أرفع من أن تصرف فتنقل، وتتناول باليد فتجعل.
لَقَد رَفَعَ اللهُ من دَوْلةٍلَهَا مِنْكَ يا سَيْفَها مُنْصُلُ
ثم قال: لقد رفع الله شأن دولة صيرك سيفها، وأنت ملك الملوك (وجعلك) منصلها، وأنت أمير الأمراء.
فإن طُبِعَتْ قَبْلَكَ المُرْهَفَاتُفإنَّكَ مِنْ قَبْلِها المِفْصَلُ
يقول: فإن تقدمتك السيوف بزمان طبعها، وسبقتك بوقت صناعتها، فأنت تسبقها بنفاذ أمرك، وتتقدمها بمضاء عزمك.
وإن جَادَ قَبْلَك قَوْمُ مَضَوْافإنَّكَ في الكَرَمِ الأوَّلُ
ثم قال: وإن تقدمك أجواد سلفت أعمارهم، وتراخت مددهم، فأنت تتقدمهم بعموم جودك، وتسبقهم بسبوغ كرمك، فإن تقدموك بالزمان، فأنت تتقدمهم بالإحسان.
ثم قال: وكيف تقصر عن غاية من الفضل، ومنزلة من الكرم والبأس، والأسد ولدتك، وثديها أرضعتك؟
وَكَيْفَ تُقَصِّرُ عن غَايةٍوأمُّكَ مِنْ لَيْثِها مُشْبِلُ
وَقَدْ وَلَدَتْكَ فَقَالَ الوَرَىألم تَكُنِ الشَّمْسُ لا تَنْجُلُ
ثم قال: وقد ولدتك أمك، وهي الشمس في رفعة قدرها، وجلالة أمرها، فاستعظم الناس أن يكون مثلها يلد، ومن صار في مثل منزلتها ينسل، فكيف بك وأمك الشمس جلالة ورفعة، وأبوك الأسد صرامة وشدة؟
فَتَبَّاً لِدينِ عَبيدِ النُّجومِوَمَنْ يَدَّعي أنَّها نَعْقِلُ
ثم يقول: فأهلك الله أصحاب النجوم، والمصدقين بها، وعبيدها المعظمين لها، وأبعد الله القائلين: إنها عاقلة مميزة، وعالية مدبرة.
وَقَدْ عَرَفَتْكَ فَمَا بَالُهَاتَرَاكَ تَرَاهَا ولا تَنْزِلُ
وقد عرفتك وشاهدتك، وأبصرتك وتبينتك، فما بالها تراك تنظر إليها ولا تنزل خاضعة لك، وتنحط من أماكنها متواضعة عنك؟ وهي في الحقيقة لا تبلغ رتبة فضلك، ولا تقارب جلالة قدرك.
وَلَوْ بِتُّمَا عِنْدَ قَدْرَيْكُمالَبِتَّ وأعَلاكُمَا الأسْفَلُ
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع