تجاوز إلى المحتوى

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)

الجزء الثاني (٦)

ثم يقول مخبراً عنه: إنه فتى لا يرى جليل إحسانه، وكثير إفضاله، وإن بلغ فيه أبلغ غاياته، مستكملاً متمماً، حتى يكون شاملاً في ذاته، عاماً في حقيقته.

إذَا العَرَبُ العَرْبَاء رَازَتْ نُفُوسَهافأَنْتَ فَتَاها والمليكُ الحُلاحِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال: إذا العرب العرباء الصرحاء، والجلة منهم الكرماء، رازوا أنفسهم،

وحصلوا (أمرهم)؛ علموا أنك فتاهم جوداً ونجدة، ومليكهم الحلاحل إقداماً ورفعة.

أَطَاعَتْكَ في أَرْواحِها وَتَصَرَّفَتْبأَمْرِكَ والتَفَّتْ عَلَيْها القَبائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال: أطاعوك في أرواحهم وأنفسهم، وتصرفوا على أمرك في إيرادهم وإصدارهم، والتفت قبائلهم على نصرتك، ودانوا أجمعين بالخضوع لطاعتك.

وَكُلُّ أَنَابِيبِ القَنَا مَدَدُ لَهُوَمَا تَنْكُتُ الفُرْسَانَ إلاَّ العَوامِلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم يقول له، مؤكداً لما ذكره من التفاف العرب عليه، وانقيادها له: وكل أنابيب الرمح مما يمده ويعضده، ويعينه ويؤيده، ولكن العوامل منها، بها ينكت الفرسان، وبها يكون الطعان. فجعل موضع سيف الدولة

من العرب، وإن كانت مدداً له، ومثبتة به، موضع الرمح الذي به يكون الطعن، وإليه من بين سائر الأنابيب الفعل.

رَأَيْتُكَ لَوْ لَمْ يَقْتَضِ الطَّعْنُ في الوَغَىإِليكَ انْقِياداً لاْقَتضَتْهُ الشَّمَائِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال، مخاطباً له: رأيتك لو لم يقتض الطعان في الحرب انقياد أعدائك لك، وخضوعهم لأمرك، وحاولوا مدافعتك بمبلغ جهدهم، وراموا ذلك بظاهر فعلهم، لاقتضت انقيادهم لك شمائلهم، ولقصرتهم على ذلك طبائعهم؛ لأن جبلتهم توجب خضوعهم لطاعتك، وأنفسهم تلزمهم الاعتراف برئاستك.

وَمَنْ لم تُعَلَّمْهُ لكَ الذُّلَّ نَفْسُهُمن النَّاسِ طُرَّاً عَلَّمَتْهُ المَنَاصِلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

ثم قال: ومن لم تعلمه نفسه الذل لك، وترشده إلى الاعتلاق بك، علمته ذلك مناصلك، وأجبرته عليه جيوشك وكتائبك، فمن لم يطعك بالاعتراف والرغبة، أطاعك بالاقتدار والغلبة.

وورد عليه رسول سيف الدولة برقعة فيها هذا البيت:

رَأَى خَلَّتي من حيثُ يَخْفَي مكانُهافكانتْ قَذَى عَيْنَيهِ حتى تَجَلَّتِ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

وسأله إجازته، فأثبت تحته في الرقعة:

لَنَا مَلِكُ ما يَطْعَمُ النَّومَ هَمُّهُمماتُ لَحِيَّ أو حَياةُ لَمِيَّتِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَيَكْبُرُ أَنْ تَقْذَى بِشَيءٍ جُفُونُهُإذا مَا رَأَتْهُ خَلَّةُ بِكَ فرَّتِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لنا ملك لا يطعم النوم همه»
جَزَى اللَّهُ عَنَّي سَيْفَ دَوْلَةِ هَاشمٍفإنَّ نَدَاهُ الغَمْرَ سَيْفِي ودَوْلَتي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لنا ملك لا يطعم النوم همه»

ولما وافى رسول ملك الروم، رأى سيف الدولة يتشكى، فقال: أتراه يفرح بعلتنا، فقال أبو الطيب:

فُديتَ بِماذا يبشَّر الرَّسولوأَنْتَ الصَّحيحُ بذا لا العَلْيلُ
عَوَاقِبُ هذا تَسوءُ العَدوَّوتَثْبُ فيك وهذا يَزولُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أحدثت بنو كلاب حدثاً بنواحي بالس، وسار سيف الدولة خلفهم وأبو الطيب معه، فأدركهم بعد ليال بين مائين يعرفان بالغبارات والخرارات من جبل البشر، فأوقع بهم فقتل، وملك الحريم فأبقى عليه، وأحسن إليه، فقال أبو الطيب في ذلك بعد رجوعه من هذه الغزاة، فقال أبو الطيب في ذلك بعد رجوعه من هذه الغزاة، أنشدها إياه في جمادي الآخرة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة.

بِغَيْرِكَ رَاعِيَاً عَبِثَ الذّئَابُوَغَيْرَكَ صَارِمَا ثَلَمَ الضَّرَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

يقول، مخاطباً لسيف الدولة: بغيرك من الأمراء، وقادة الناس الرؤساء، عبثت ذئاب المخالفين، وعلى غير رعاياك أقدم شرار العصاة المتمردين، وغيرك من السيوف ثلمه الضرب، وأكله الحرب.

وَتَمْلِكُ أَنْفُسَ الثَّقلينِ طُراًفَكيفَ تُحوزُ أَنْفُسَها كِلاَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال، مخاطباً له: وتملك أنفس الثقلين بجلالة سلطانك، وشمول إحسانك، فكيف تختار كلاب، هذه القبيلة، أنفسها عنك من بين سائر الثقلين، فتخالف أمرك، وتنكر فضلك، هذا أمر لا يمكن، ومحال لا يحسن.

وَمَا تَرَكُوكَ مَعْصِيَةً وَلَكِنْيُعَافُ الوِردُ والموتُ الشَّرابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال: وما تركوك في فرارهم معصية لك، ولا رحلوا من بين يديك جهالة، بك، ولكنهم حذروا مطوعتك، وملكتهم هيبتك، فعادوا بالزوال، واعتصموا بالفرار، ويكره الورد إذا كان الموت شرابه، ويحذر إذا كان الحتف ماله.

طَلَبْتَهُمْ على الأَمْواهِ حَتَّىتخوَّفَ أن تُفَتَّشَهُ السَّحَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم يقول له: طلبت بني كلاب على الأمواه التي هي مظان الأعراب في ارتحالها، ومنازلها عند انتقالها، فبلغت غايات تلك الفلوات النائية، ودوخت أقاصي تلك الرمال الشاسعة، وقرب عليك منها ما يقرب مثله، وفعلت في التوصل إليها ما لا يمكن غيرك فعله، ونلت من ذلك ما ليس السحاب بأبعد منالاً منه، ولا يخرج بشدة الامتناع عنه. ودل بقوله:

(تخوف أن تفتشه السحاب) على هذه العبارة.

فَبِتَّ لَيالِباً لا نَوْمَ فيهاتخُبُّ بكَ المُسَوَّمَةُ العِرَابُ

ثم قال: فبت ليالياً في طلبك لهم، وأنت ساهر لا ترقد، وراحل لا تسكن، تخب بك وبمن معك الخيل المسومة، والعراب الفره المطهمة.

يَهُزُّ الجَيْشُ حَوْلَكَ جَانَبِيْهِكَمَا نَفَضَتْ جَنَاحَيْها العُقَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم يقول، مخاطباً له، ومشيراً إلى قوة طلبه لبني كلاب: يهز الجيش مجنبته حولك، امتثالاً لسيرك، واقتداء بفعلك، كما هزت العقاب جناحيها طائرة، ونهضت بهما إلى ما تعتمده قاصدة.

وَتَسْأَلُ عَنْهُمُ الفَلَواتِ حَتَّىأَجَابَكَ بَعْضُها وَهُمُ الجَوَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال: وتسأل الفلوات عنهم بطلبك لهم، ويكشفها فيهم تهممك بهم، حتى أجابك بعض تلك الفلوات بالإظهار عليهم، وأسعدك بالإرشاد إليهم، وهو الجواب الذي أقنعك سماعه، والمطلوب الذي أرضاك بلوغه.

فَقَاتَلَ عَنْ حَرِيمهم وَفَرُّوانَدَى كَفَيْكَ والنَّسبُ القُرَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم يقول: فقاتل عن حريم بني كعب لما فروا عنك، ولم يكن لهم قبل بك، ندى كفيك الذي حسن لك الإعراض عن أموالهم، وخفف عليك تعويض الجند من أنهابهم، ونسبهم القريب الذي راعيت حرمته، وحفظت ذمته.

وَحِفْظُكَ فِيهم سَلَفَيْ مَعَدٍّوأَنَّهُمُ العَشَائِرُ والصَّحَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال، مؤكداً لما قدمه: وقاتل عنهم حفظك فيهم للسلفين من معد؛ وهما ربيعة ومضر، ربيعة جد سيف الدولة، ومضر أخوه، وبنو كلاب أعقابه.

فيقول لسيف الدولة: إنه حفظ فيهم هذه القرابة القريبة، وإنهم عشائره وأهله وأنصاره وحزبه، وأصحابه في وقائعه، وأجناده في ملاحمه.

تُكَفْكِفُ عَنْهُمُ صُمَّ العَوَاليوَقَدْ شَرِقَتْ بِظُعْنِهمُ الشَّعَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم يقول له: تدفع عن بني كلاب صم الرماح، إبقاء عليهم، وتحرجا من الإيقاع

بهم، قد شرقت الشعاب بنسائهم، وعجزوا عن حماية حريمهم.

وَأُسْقِطَتِ الأَجِنَّةُ في الوَلاَياوأُجْهِضَتِ الحَوَائِلُ والسَّقَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال، مؤكداً لما ذكره من شدة حالهم: وأسقطت نسائهم الأجنة في ولايا الرحال، مهملات لا يحفظن، ومعجلات عن أن ينزلن، وأجهضت النوق ما في بطونها من الإناث الحوائل، والذكور السقاب. يشير بهذه الحال في النساء والنوق إلى ما صار إليه بنو كلاب من الفرار الشديد، ومطالبة الشأو البعيد، وأن ذلك مع إسرافهم فيه لم يعصمهم، وأن فرارهم مع شدته لم ينفعهم.

وَعَمْروُ وفي مَيَامِنِهمْ عُمُورُوَكَعْبُ في مَيَاسِرِهِمْ كِعَابُ

ثم يقول: إن سيف الدولة لحق بني كلاب، وهم على ما ذكروه من الرعب، والاجتهاد في الفرار، والتناهي في سوء الحال، وإن بني عمرو كانوا متيامنين منهم في حين هربهم، وهم عمور. يشير إلى افتراقهم وتقطعهم، وأن البطن منهم صار بطوناً، بما لحقهم من الخوف، ونالهم من الذعر، وكذلك كانت بنو كعب متياسرين منهم، لحقهم من الافتراق والخوف كالذي لحقهم، فصاروا كعوباً. يشير إلى انصداع جمعهم، وافتراق شملهم. وأن القبيلة منهم صارت قبائل؛ بتحزبهم في هربهم، وتقطعهم في سيرهم.

وَقَدْ خَذَلَتْ أَبُو بَكْرٍ بَنْيِهاوَخَاذَلَها قُرْيطُ والضَّبابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم أكد ذلك، فقال: إن أبا بكر، هذا البطن، تخاذل فضيع الآباء منهم أبناءهم، والرؤوس المرتفعة فضائلهم، وكذلك خذلتهم ضباب وقريط، وهم اخوتهم وعشائرهم.

إذا ما سِرْتَ في آثارِ قَوْمٍتَخَاذَلتِ الجَمَاجِمُ والرَّقَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم أكد ما قدمه، فيما أحاط بهذه القبائل من مخافة سيف الدولة، فقال مخاطباً له: إذا ما سرت في طلب قوم يهربون عنك، تخاذلت أعضاؤهم

المتصلة، فكيف تظن

بعشائرهم المقتربة؟ وأشار بما ذكره من تخاذل الجماجم والرقاب إلى هذه الحال، ودل على أن سيف الدولة قادر على من يطلبه، مؤيد في جميع ما يقصده.

فَعُدْنَ كَمَا أُخِذْنَ مُكَرَّمَاتٍعَليهِنَّ القَلاَئِدُ والمَلاَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم يقول: إن نساء بن كلاب عدن إليهم بعد ظهور سيف الدولة عليهم، مكرمات بما أحاط ببني كلابٍ من عفوه، لم تنلهن معرة الجيش، ولا لحقهن امتهان السبي، بل عدن إليهم، لم ينهب حليهن، ولا تغير طيبهن. وأشار إلى هذا بذكره القلائد والملاب، ودل على ما كان عليه هؤلاء النساء من الصيانة وظاهر الكرامة.

يُثِبْنَكَ بالَّذي أَوْلَيْتَ شُكْراًوَأَيْنَ مِنَ الَّذي تُولي الثَّوَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال، يخاطب سيف الدولة، ويخبر عن هؤلاء النسوة: يثبنك في رجوعهن شكراً عن عفوك، وثناء جميلاً عن فضلك، وأين ثواب شكرهن من جليل إنعامك، وما أحاط بهن من تطولك وإحسانك؟

وَلَيْسَ مَصِيرُهُنَّ إِلَيْكَ سَبْياًولا في صَوْنِهِنَّ لَدَيْكَ عابُ

ثم يقول: وليس مصير هؤلاء النسوة إليك سبياً نالهن، ولا مكروهاً حل بهن، لأنك سيد العرب، والمنفرد عليهم بالنعم، ومثلك لا يخاف على تضييع حرمهم، ولا يظن به تناهي ذممهم، وليس في صونك لنسائهم، وتغلبك على حريمهم ما يعابون به، ولا يألمون له، لأنك سيد عشائرهم، ومشيد فضائلهم.

ولا في فَقْدِهِنَّ بني كِلاَبٍإذا أَبْصَرْنَ غُرَّتَكَ اغْتِرابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال: ولا في فقد هؤلاء النسوة لبني كلاب، الذين هم حرمهم، اغتراب يلحقهن، إذا أبصرن غرتك، وتبوأن محلك؛ لأنهن مشمولات بكرامتك، محفوظات بصيانتك.

وَكَيْفَ يَتِمُّ بَأْسُكَ في أُنَاسٍتُصِيُبُهمُ فَيُؤْلُمِكَ المُصَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال: وكيف يتم بأسك في بني كلاب، ومصابهم يؤلمك، وما تنالهم به من

العقاب يوجعك؛ لأن لهم إليك ماتةُ القرابة، ويتوسلون بحرمة الصنيعة، فإن أغضبوك بمعصيتهم لك، فسيعطفك عليهم استحكام ثقتهم بك.

تَرَفَّقْ أَيُّها المَوْلَى عَلَيْهمفإن الرَّفْقَ بالجاني عِتَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم يقول له: ترفق أيها المولى ببني كلاب صنائعك، فإن الرفق يكشف للجاني من سوء فعله، كالذي يكشف له العتاب الذي يربخ فيه بذنبه.

وإِنَّهْم عَبِيْدُكَ حَيْثُ كَانواإذا تَدْعُو لِحَادِثَةٍ أجَابوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال: وهم حيث كانوا عبيد نعمتك، وأنصار دعوتك، إذا دعوتهم أسرعوا نحوك، وإذا أمرتهم امتثلوا أمرك.

وَعَيْنُ المُخْطِئينَ هُمُ وَلَيْسُوابأَوَّلِ مَعْشَرٍ خَطِئُوا فَتَابُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم يقول له: وبنو كلاب عين المخطئين في الإقدام على معصيتك، مع الإقرار بسالف نعمتك، وليسوا بأول من أثم فتاب عن إثمه، وغوى فاستبصر ورجع عن غيه.

وأَنْتَ حَيَاتُهُمْ غَضِبَتْ عَلَيْهمْوَهَجْرُ حَيَاتِهم لَهُمُ عِقَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال له: وأنت لهم كالحياة التي لها يسعون، وبها يعيشون، وهجر حياتهم لهم عقاب عما جنوه، وجزاء بالغ فيما أتوه.

وما جَهِلَتْ أَيَادِيكَ البوَاديوَلكِنْ رُبَّما خَفِي الصَّوَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال له: وما جهل أهل البادية من الأعراب فضلك عليهم، وآثارك المشكورة فيهم، ولكن حرموا الصواب في فعلهم، والسداد في أمرهم، وقد يخفي الصواب على قاصده، ويبعد السداد على طالبه.

وَكَمْ ذَنْبٍ مُوَلَّدُهُ دَلاَلُوكَمْ بُعْدٍ مُوَلَّدُهُ اقتِرَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال، مشيراً إلى ثقة بني كلاب بتجاوز سيف الدولة عنهم، أخرجهم إلى ما أنكره منهم: ورب ذنب قاد الدلال إليه، وقرب ضر صاحبه فأحدث البعد عليه.

وَجُرْمٍ جَرَّهُ سُفَهَاءُ قَوْمٍوَحَلَّ بِغَيْرِ جَارِمِهِ العَذَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال: ورب جرم أحدثه سفهاء قوم على ساداتهم، وخالفوا فيه رأي جماعتهم، فطولب رؤساؤهم بما جناه سفهاؤهم، فنالهم العذاب مع البراءة، وحل بهم العذاب مع السلامة، وأشار إلى أن القوم الذين أوقع بهم سيف الدولة من رؤساء بني كلاب لم يشركوا السفهاء منهم في خروجهم من طاعته، وإظهارهم الإقدام على معصيته.

فإنْ هَابُوا بِجُرْمِهِم عَلَّياًفَقَدْ يَرْجُو عَلَّياً مَنْ يَهَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم يقول: فإن هاب بنو كلاب علياً؛ سيف الدولة، بذنبهم الذي أتوه، وجرمهم الذي جنوه، فليس ذلك مما يقطع رجاءهم فيه، ويرد وسائلهم إليه، فسائر رعاياه يرجونه ويهابونه، ويؤملونه ويخافونه.

وإِنْ يَكُ سَيْفَ دَوْلَةِ غَيْرِ قَيْسٍفَمِنْهُ جُلُودَ قَيْسٍ والثَّيَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال: وإن كان سيف الدولة منسوباً إلى بني العباس بالخدمة، ومآلهم إلى خندف، وإلى بني تغلب بالنسبة، ومالهم إلى ربيعة، وقيس بين القبيلتين فقد قربت منه قيس بإحيانه إليهم، واتصلوا به بما أسلفه من صنائعه الجميلة فيهم، فجلودهم من نعمه، وثيابهم من هباته وخلعه.

وَتَحْتَ رَبَابِهِ نَبَتُوا وأَثُواوفي أَيَّامهِ كَثُروا وَطَابوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم يقول: أن بني كلاب صنائع سيف الدولة، أنبتتهم سحائب نعمه، (وعمتهم) سوالف سننه، فكثر عددهم في أيامه، وطاب خبرهم بما شملهم من إنعامه.

وتَحتَ لِوائِهِ ضَرَبوا الأَعَاديوَذَلَّ لَهُمْ من العَرَبِ الصَّعابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال، مؤكداً لما قدمه، من ذكر اتصالهم به: وتحت لوائه ضربوا من أعاديه من خالفه وعصاه، وأذل بهم من العرب من استصعب عليه ونواه.

وَلَوْ غَيْرُ الأَمِيرِ غَزَا كِلاَباثَنَاهُ عَن شُمُوسِهمُ ضَبَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم يقول: ولو غير سيف الدولة غزا كلابا؛ هذه القبيلة، لأَعياه أمرهم، ولأفزعه بأسهم، ولثناه عن الاستضاءة بشموس بلادهم عجاج كتائبهم، وساطع رهج مواكبهم، وجمع الشمس على التجوز، كأنه جمع شمس كل يوم شمساً على حيالها، وأشار بالضباب إلى الرهج.

وَلاَقى دُونَ ثَأيِهمُ طِعَاناًيُلاَقي عِنْدهُ الذَّئْبَ الغُرَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال: ولاقى دون بيوتهم، وأشار إليها بالثأي؛ لأنها إنما تكون

بقربها، قتالاً صادقاً، وطعاناً نافذاً، يكثر القتل به، وتعظم الوقائع فيه، ويلتقي عنده الذئاب والغربان، يشير إلى ما كان يعتمد القتلى من سباع البر وطيور الجو.

وَخَيْلاً تَغْتَدي ريحَ المَوامِيِوَيَكْفِيها مِنَ الماءِ السَّرَابُ

ثم قال: ويلاقي من خيولهم خيلاً، لا تماثل في سرعتها، ولا تقاوم في شدتها، تغتدي في الفلوات برياحها، وترتوي في الهواجر بسرابها. يشير إلى أنها تجتزي بألبان الإبل عن العلف والماء، وكذلك تكون خيل الأعراب.

وَلَكِنْ رَبُّهُمْ أَسْرَى إِليهمفَمَا نَفَعَ الوُقُوفُ ولا الذَّهابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم يقول، مشيراً إلى سيف الدولة؛ ولكن بنو كلاب مع منعتهم، لما أسرى إليهم مالكهم، خضعوا لأمره، وعجزوا عن حربه، فلم ينفع الواقف وقوفه؛ للغلبة المحيطة به، ولا نفع الذاهب ذهابه؛ للطلب المدرك له.

ولا لَيْلُ أَجَنَّ ولا نَهَارُوَلاَ خَيْلُ حَمَلْنَ وَلا رِكَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم يقول، مؤكداً لما قدمه: ولا الليل أجن من حاول الاستتار به، ولا النهار نفع من رام الفرار فيه، ولا الخيل حملت من ركبها لسرعتها، ولا الركاب أقلته لقوتها، يريد: أن جيش سيف الدولة أدرك جميعهم، وملك حريمهم.

رَمَيْتَهُمْ بِبَحْرٍ مِنْ حَديدٍلَهُ في البرَّ خَلْفَهُمُ عُبَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم يقول لسيف الدولة: رميتهم من جيشك ببحر من حديد؛ لكثرة السلاح فيه، أحاط

بهم أوله، وزخر خلفهم معظمه.

فَمَسَّاهُمْ وَبُسْطُهُمُ حَريرُوَصَبَّحَهُمْ وَبُسْطُهُمُ تُرابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال: فأتاهم أول الجيش مساء، والحرير بسطهم، والرفاهية حالهم، ووافتهم جملته نهاراً؛ وهم أسارى منهوبون؛ التراب بسطهم، والخضوع شأنهم.

وَمَنْ في كَفَّهِ مِنْهُمْ قَنَاةُكَمَنْ في كَفَّهِ مِنْهُمْ خِضابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم أكد ذلك، فقال: ومن يحمل قناة للقتال من رجالهم، كمن يستعمل خضاباً للزينة من نسائهم، قد تساووا بالتحكيم في أنفسهم، وتماثلوا في الإلقاء بأيديهم، وصار رجالهم كنسائهم وأشداؤهم كضعفائهم.

بَنُو قَتْلَى أَبِيْكَ بأرضِ نَجْدٍوَمَنْ أَبْقَى وَأَبْقَتْهُ الحِرابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم يقول لسيف الدولة: إن بني كلاب الذين أوسعتهم عفوك، قد أوقع أبوك بأرض نجد بآبائهم، وعفا بالقدرة عن أسلافهم، ففعل فيهم

كفعلك، وبذل لهم كالذي بذلته من فضلك.

عَفَا عَنْهُمُ وَأَعْتَقَهُمْ صِغاراًوفي أَعْنَاق أَكْثَرِهِمْ سِخَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال: شملهم عفوك، ونال جميعهم عتقه، وهم صغار في أسنانهم، أطفال في أحوالهم، تتخذ لهم السخاب والتمائم، وتعلق عليهم المعاذات والقلائد.

وَكُلُّكُمُ أَتَى مَأْتَى أَبِيهِفَكُلُّ فِعَالِ كُلَّكُمُ عُجَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم يقول لسيف الدولة: وكلكم حكى أباه في فعله، وتلاه فيما أسلفه من فضله، فكل أفعال كلكم عجيب عند سامعه، جليل عند ذاكره.

كَذَا فَلْيَسْرِ مَنْ طَلَبَ الأَعاديوَمِثْلَ سُرَاكَ فَلْيَكُنِ الطَّلابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

ثم قال، مخاطباً له: (كذا) فليسر من طلب أعاديه، وحاول عقاب مخالفيه، ومثل سراك على بني كلاب، فليكن الطلب والعزم، ومثل نفاذك فيهم فليكن النفاذ والحزم.

وسار سيف الدولة نحو ثغر الحدث لبنائها، وكان أهلها أسلموها بالأمان إلى الدمستق سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، فنزلها سيف الدولة يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة من سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، فبدأ في يومه فخط الأساس، وحفر أوله بيده ابتغاء ما عند الله، فلما كان يوم الجمعة نازله ابن الفقاس؛ دمستق النصرانية، في خمسين ألف فارس وراجل، من جموع الروم والأرمن والروس والبلغر والصقلب والجزرية. ووقعت المصافة يوم الاثنين، انسلاخ جمادى الآخرة، من أول النهار إلى وقت العصر، وأن سيف الدولة حمل عليه بنفسه في نحو خمس مائة من غلمانه، وأصناف رجاله، فقصد موكبه وهزمه، وأظفره الله

به، وقتل نحو ثلاثة آلاف رجل من مقاتلته، وأسر خلقاً من اسخلاريته وأراخنته فقتل أكثرهم، واستبقى البعض، وأقام (على الحدث) حتى بناها، ووضع بيده آخر شرافة منها، يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب فقال أبو الطيب، أنشدها سيف الدولة بعد الوقعة بالحدث:

عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأْتيِ العَزَائِمُوَتَأْتي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المكَارِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

يقول: على قدر العزم من الملوك، وما يكونون عليه من نفاذ القدرة، وتظاهر العلو والرفعة، تكون عزائمهم في نفاذها، وبصائرهم في قوتها وثباتها، وعلى قدر الكرام في منازلهم، واستبانة فضائلهم، تكون مكارمهم في جلالتها، وأفعالهم في قوتها وفخامتها.

وَتَعْظُمُ في عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُهاوَتَصْغُرُ في عَيْنِ العَظِيمِ العَظَائِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال: وبحسب ذلك، يعظم في عين الصغير صغير ما يفعله، ويكبر عنده قليل ما يدركه، وتصغر في عين العظيم الأمور العظيمة، والأفعال الجليلة. يشير إلى سيف الدولة، وما أبانته الوقعة التي ذكرها من نفاذ عزمه، وجلالة قدره.

يُكَلَّفُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ الجيشَ هَمَّهُوَقَدْ عَجَزتْ عَنْهُ الجُيوشُ الخَضَارمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم يقول: يكلف سيف الدولة جيشه استيفاء ما تبلغه همته، وتنعقد عليه نيته،

والجيوش الخضارم تعجز عن ذلك ولا تدركه، وتقصر عنه ولا تلحقه.

وَيَطْلُبُ عِنْدَ النَّاسِ مَا عِنْدَ نَفْسِهِوَذَلِكَ مَا لاَ تَدَّعِيهِ الضَّرَاغِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال: ويطلب أصحابه وأتباعه ما عنده من البأس والنجدة، والإقدام والشدة، وذلك ما لا تبلغه الأسود العادية، ولا تدعيه الضراغم الباسلة.

تُفَدَّي أَتَمُّ الطَّيْرِ عُمْراً سِلاحَهُنُسُورُ المَلاَ أَحْدَاثُها والقَشَاعِمُ

ثم يقول: يفدي سلاح سيف الدولة أطول الطير مدة، وأكثرها للدهر خبرة، وبين هذا الصنف، فقال: أصاغر النسور وأكابرها، وأحداثها وقشاعمها، لما هي عليه من الخصب في وقائعه، والاستبشار في كثرة ملاحمه.

وَمَا ضَرَّهَا خَلْقُ بِغَيْرِ مَخَالِبِوَقَدْ خُلِقَتْ أَسْيَافُهُ والقَوَائِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم يقول: وما كان يضرها أن تخلق بغير مخالب، تستعملها فيما تأكله، وتصرفها فيما تنشبه؛ لأن سيوفه تبلغها في ذلك ما ترغبه، وتفعل لها منه ما تريده وتطلبه. وأشار إلى مداومة سيف الدولة للقتال والقتل، ومواصلتهم للوقائع والحرب.

هَلْ الحَدَثُ الحمراءُ تَعْرِفُ لَوْنَهاوَتَعْلَمُ أَيُّ السَّاقِيِيْنِ الغَمَائمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم يقول: هل الحدث الحمراء، بما سفك سيف الدولة فيها من الدم، تعرف لونها، وتتيقن حالها؟ جعل صفتها الحمرة، إشارة إلى ما أحدث فيها سيف الدولة من هذه الوقعة، وهل تعرف هذه المدينة أي ساقييها الغمام؟ وهل تنقصل عندها؟ فرق ما بين المطر الساقي، لها، والدماء المسفوكة بها،

يشير إلى كثرة ما أجري فيها سيف الدولة من دماء الروم، وأنها ساجلت بكثرتها الأمطار الوابلة، وشاكلت الغيوث الساجمة.

سَقَتْهَا الغَمَامُ الغُرُّ قَبْلَ نُزولُهِفَلَمَّا دَنَا مِنْها سَقْتَها الجَمَاجُم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال: سقتها الغمام الغر قبل نزول سيف الدولة بها، وجادتها قبل حلوله فيها، فلما احتلها أوقع فيها بالروم الذين حاولوا منعه من بنيانها، ودفعه عن تسكينها،

فقتلهم جيوشه، وفلقت هامهم سيوفه، فسفك فيها من دمائهم، ما ماثل المطر الذي جادها به السحاب في كثرته، وقاومه في جملته.

بَنَاهَا فَأَعْلَى وَالْقَنَا يَقْرَعُ القَنَاوَمَوْجُ المَنَايا حَوْلَهَا مُتَلاَطِمُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم يقول: بني سيف الدولة مدينة الحدث على الروم، وقد أذلهم بالإيقاع بهم، وقهرهم بالاستيلاء عليهم، بعد أن تقارع القنا من حربهم، وتلاطم موج الموت في حين منازلته لهم. يشير إلى أنه بنى هذه المدينة بعد الوقعة التي أثخنت الروم بالقتل، وألبستهم ثياب الذل.

وَكَانَ بِهَا مِثْلَ الجُنُونِ فأَصْبَحَتْوَمِنْ جُثَثِ القَتْلَى عَلَيْها تَمَائِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال: وكان بهذه المدينة، في حين خلاء أهلها، وامتناع المسلمين من البنيان لها، كالجنون لمخافة الروم، وتهيب أمرهم، وكراهتهم، والفرق من ملكهم، فسكن سيف الدولة تلك المخافة، وأذهب تلك المهابة، وترك

حول هذه المدينة من جثث قتلى الروم ما قام لها مقام التمائم، وأمنها جميع المحاذير.

طَرِيدةُ دَهْرٍ سَاقَها فَرَدَدْتَهاعلى الدَّين بالخَطَّي والدَّهْرُ رَاغِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال، مخاطباً لسيف الدولة: وكانت هذه المدينة طريدة دهر، أخرجها عن مدن الإسلام، وأزعجها من بينها بعدم العمران، فرددتها على الاسم بتسكينكَ لها، واغتصبتها من الروم بدفعهم عنها، وغالبت الدهر الذي أسعدهم عليها فغلبته، وقارعته دونها فأرغمته.

تُفِيتُ اللَّيِالي كُلَّ شَيءٍ أَخَذْنَهُوَهُنَّ لَمِا يَأْخُذْنَ مِنْكَ غَوارِمُ

ثم يقول له: أنت لسعادة جدك، وتأييد الله لك على أمرك، لا تنقض الليالي عليك ما تفعله، ولا تسترد منك ما تأخذه، وهن يصرفن ما أخذنه منك، ويغرمن ما فوتنه عنك.

إذَا كَانَ ما تَنْوِيه فِعْلاً مُضَارِعاًمَضَى قَبْلَ أن تُلْقى عَلَيْهِ الجَوازِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم أكد ما ذكره من سعده، وإظهار الله له على قصده، فقال، مخاطباً له: إذا كان ما تنويه فعلاً مستقبلاً، ولفظ المستقبل يشترك ما بين الدائم الذي لم ينقطع، والمتأخر الذي لم يقع، صار ذلك الفعل ماضياً بوقوعه منك، ومتصرفاً بتمكنه لك، قبل أن تلحقه الجوازم، فتثبته فيما لم يجب، وتدخل عليه فتخلصه لما لم يقع. وأشار بهذا إلى أن ما ينويه فالله ييسره له، وما يريده فالأيام لا تمطله به.

وَكَيْفَ تُرَجَّي الرُّومُ والرُّوسُ هَدْمَهاوَذَا الطَّعنُ أَسَاسُ لَها وَدَعَائُم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم يقول له: وكيف ترجي الروم والروس هدم هذه المدينة، وقد أسستها على الطعن الذي أعلمته فيهم، ودعمتها بالقتل الذي سلطته عليهم، فكيف يرومون هدمها، وهذه صورة بنيتها، وكيف يحاولون إخلاءها، وهذه حقيقة منعتها.

وَقَدْ حَاكَمُوها وَالمَنايا حَوَاكِمُفَمَا مَاتَ مَظْلُومُ ولا عَاشَ ظَالمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال: وقد حاكموها ظالمين، بما تعرضوا له من الحرب، وحاولوها متعدين، بما تكلفوه من الجمع، فما عاشوا مع ما حاولوه من الظلم لها، ولا مات ذكر هذه المدينة مع ما أرادوه من الخراب بها، بل نصر الله فيها سيف الدولة، فهزم جيوشهم، وأظهره عليهم، ففرق جموعهم.

أَتَوْكَ يَجُرُّونَ الحَدِيدَ كأَنَّهُمْسَرَوْا بِجِيادٍ مَا لُهنَّ قَوَائِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم يقول لسيف الدولة، وهو يخبر عن الروم: أتوك قد لبسوا الدروع، ولبست خيلهم التجافيف، فصاروا يجرون الحديد، وقد سترت التجافيف قوائم خيلهم، وشملت السلاح جميعهم جيشهم، حتى كأنهم سروا بجياد لا قوائم لها، لكثرة ما تكلفوه من تشبث التجافيف بها.

إذَا بَرَقُوا لَمْ تُعْرفِ البِيْضُ مِنْهُمُثِيَابُهُمُ من مِثْلِها والعَمَائِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم أكد ذلك، فقال: إذا زحفت كتائب جميعهم، وبرقت أسلحة جيشهم، لم تعرف السيوف المصلتة بينهم؛ لأن عمائمهم البيض، والمغافير ثيابهم، وما يشمل خيلهم

الدروع والتجافيف، وكل ذلك يماثل السيوف، ولا يبعد عنها، ويشاكلها ولا ينفصل منها. وأشار بما وصف من كثرة سلاح هذا الجيش إلى قوته، وبما ذكره من هذه الهيبة إلى شدته.

خَمِيسُ بِشَرقِ الأَرْضِ والغَربِ زَحْفُهُوفي أُذُنِ الجَوْزَاءِ مٍنْهُ زَمَامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم يقول: إن هذا الخميس لعظم أمره، وكثرة أهله، يملأ ما بين الشرق والغرب، ويعمهما زحفه، ويكون فيهما سيره. وفي أذن الجوزاء من أصوات أهله زمازم لا تتفسر، وأخلاط لا تتبين. وقال: أذن الجوزاء؛

على سبيل الاستعارة، وأشار بذكرها إلى أن هذه الأصوات تبلغ السماء بكثرتها، وتقطع أبعد المسافات بشدتها.

تَجَمَّعَ فِيهِ كُلُّ لِسْنٍ وأُمَّةٍفما تُفْهِمُ الحُدَّاثَ إلاَّ التَّرَاجِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال: تجمع في هذا الجيش كل لسن من الأمم المختلفة، والطوائف المفترقة، فما تتفاهم الحداث منهم إلا بتراجم تتكلف لهم، وتفاسير تستعمل بينهم، وأشار بهذا إلى عظم الجيش وحفله، وكثرة ما تضمن من حشده.

فَللهِ وَقْتُ ذَوَّبَ الغِشَّ نَارُهُفَلَمْ يَبْقَ إلاَّ صَارِمُ أو ضُبَارِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم يقول: فلله وقت تلك الوقعة التي أذهبت شدة الحرب فيها تمويه الفرسان، وذوبت نارة غشهم، وتبينت أمرهم، فلم يبق من السيوف إلا الصارم، ومن الرجال إلا الضبارم يريد: أن السيوف الكليلة تقطعت، وجماعة الرجال الجبناء تفرقت، فلم يبق من السيوف إلا ما كرم، ومن الرجال إلا من قوي وشجع.

تَقَطَّعَ ما لا يَقْطَعُ الدَّرْعَ والفَتَىوَفَرَّ مِن الفُرْسَانِ مَنْ لاَيُصَادِمُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم أكد ذلك، فقال: أكرهت السيوف بشدة الضرب، فتقطع منها

ما لا يقطع الدرع والفتى اللابس له، ويفري الحديد والشجاع المستتر به، وفر من الفرسان من لا يصادم لشدته، ويعانق الأبطال مدلاً بقوته.

وَقَفَتَ وَمَا في المَوْتِ شَكُّ لِوَاقِفٍكَأَنَّكَ في جَفْنِ الرَّدَىَ وَهو نَائِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم يقول لسيف الدولة: وقفت غير متهيب، وأقدمت غير متوقع، والموت لا شك فيه عند من وقف موقفك، وتقدم تقدمك، كأنك من الردى في أمكن مواضعه، وهو معرض عنك فيما يتكلف من شدائده. وأشار بجفن الردى إلى عظيم ما اقتحم سيف الدولة، وبنومه إلى إعراضه مع ذلك عنه، فألطف الإشارة، وأحسن الاستعارة.

تَمُرُّ بِكَ الأبْطَالُ كَلْمى هَزِيْمَةًوَوَجْهُكَ وَضَّاحُ وَثَغْركَ بَاسِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال مؤكداً لما قدمه: تمر بك الأبطال جرحى منهزمين، وكلمي مستسلمين، وذلك لا يثني عزمك، ولا يضعف نفسك، بل كنت حينئذ ضحاكاً غير متوقع، وبساماً غير متضجر، قد وثقت من الله بعاجل نصره، وتيقنت ما وصله منك بجميل صنعه.

تَجَوَزْتَ مِقْدَارَ الشَّجاعةِ والنُّهىَإلى قَوْل قَوْمٍ أَنْتَ بالغَيْبِ عالمُ

ثم يقول لسيف الدولة: تجاوزت في شجاعتك مقدار الشجاعة، وفي

عقلك ومعرفتك مقدار الفعل والمعرفة، وأظهرت من إقدامك وجرأتك، وسماحتك بمهجتك ما سبق معه إلى (قول) قوم فيك؛ إنك علمت غيب مال أمرك في الظفر، فلم تحفل بشدة الحرب، وتيقنت ما ختم الله به لك من التأييد، فأمنت مخاوف القتل.

ضَمَمْتَ جَنَاحَيْهِمْ على القَلْبِ ضَمَّةًتَمُوتُ الخَوافِي تَحْتَها وَالْقَوَادِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال: ضممت جناحي جيش الروم، على القلب منه ضمة منكرة، وشددت في الجيش شدة صادقة، مات بها من الروم من كانت منزلته في إنهاض تلك الجهتين، والاستقلال بتلك الناحيتين، بمنزلة الخَوافي والقوادم من الجناحين، والأوائل والأواخر من هذين العضوين. ولما استعار الجناحين لمجنبتي الجيش، وصل الاستعارة في الخوافي والقوادم، فأشار بها إلى فرسان المجنبتين الذين باتوا يقلون

الجهتين، وينهضون الناحيتين.

بِضَرْبٍ أَتى الهاماتِ والنَّصْرُ غَائِبُوَصَارَ إلى اللَّبَّاتِ والنَّصرُ قَادِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال، مؤكداً لما قدمه، من شدة حملات سيف الدولة: بضرب

قرع رؤوس الروم، والحرب متكافئة، والكتائب متزاحفة، والنصر متأخر عن الفئتين، والصبر قد أفرغ على الطائفتين، وقد ذلك الضرب أرؤس الروم، وبلغ لباتهم، وتمكنت سيوف أصحاب سيف الدولة فيهم، وجيشهم مهزوم، وجمعهم مغلوب، والنصر الغائب قد قدم، والظهور المنتظر قد التأم. وأشار بما ذكره إلى أن هزيمة الروم لم تكن إلا بعد مجالدة، وغلبة سيف الدولة لهم لم تكن إلا بعد مقاومة.

حَقَرْتَ الرُّدَيْنَّيِاتِ حَتىَّ طَرَحْتَهاوَحَتىَّ كَأَنَّ السَّيْفَ للرُّمحِ شَاتِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم يقول لسيف الدولة: حقرت الرماح، واستقللت فعلها، فطرحتها مستصغراً لها، ونبذتها غير حافل بها، وعدلت إلى السيوف عالماً بفضلها، واعتمدتها لخبرتك بأمرها، فكأنها شتمت الرماح بتصغيرها لشأنها، وأهانتها لسخطها بفعلها.

وَمَنْ طَلَبَ الفَتْحَ الجَلِيلَ فَإنَّمامَفَاتِيحُهُ البْيِضُ الخِفَافُ الصَّوَارِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال: ومن طلب الفتح الجليل وحاوله، وارتقب النصر البين وطالبه، فإنما مفاتيح ذلك السيوف الصارمة، وأسبابه البيض الخفاف الماضية.

نَثَرْتَهُمُ فَوْقَ الأُحَيْدِبِ كُلَّهِكما نُثِرَتْ فَوْقَ العَرُوسِ الدَّرِاهِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم يقول لسيف الدولة: نثرت الروم على الأحيدب؛ هذا الجبل، بهزيمتك لهم، ووقيعتك التي أوقعتها بهم، كما تنثر الدراهم على العروس لتنتهب، وتفرق عليها لتؤخذ وتسلب. فأشار إلى أن سيف الدولة يحكم في الروم بالقتل والأسر، ونثرهم فوق الأحيدب أبلغ النثر.

تَدُوسُ بِكَ الخيلُ الوُكُورَ على الذُّرَىوَقَدْ كَثُرَتْ حَوْلَ الوُكُورِ المَطَاعِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال مخاطباً له: تدوس بك الخيل في آثار الروم وكور الطير على رؤوس

الجبال، وقنن الأوعار، وقد كثرت المطاعم حول تلك الوكور؛ بكثرة من قتلته هنالك خيلك، ومن أدركه من الروم جيشك. وأشار بما ذكره إلى كثرة الجثث حول وكور الطير مع انتزاح مواضعها، وامتناع أماكنها، إلى ما كان عليه الروم من شدة الهرب، وما كان أصحاب سيف الدولة عليه من شدة الطلب، وأنهم أدركوهم على رؤوس الجبال، وقتلوهم في أبعد غايات الأوعار.

تَظُنُّ فِراخُ الفُتْخِ أَنَّكَ زُرْتَهابأُمَّاتِهَا وَهِي العِتَاقُ الصَّلادِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم يقول لسيف الدولة: تظن فراخ الفتخ، لكثرة ما صيرت

حولها من جثث قتلى الروم، وأنك زرتها بأماتها، وأمددتها بمطاعمها وأقواتها، وإنما فعل ذلك صلادم خيلك، وكثر القتلى كتائب جيشك.

إذَا زَلِقَتْ مَشَّيْتَها بِبُطُونهاكما تَتَمَشَّى في الصَّعِيدِ الأَرَاقُمِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال، مؤكدا لما من اقتحام الخيل على الروم في تلك الأوعار، وتسرعها إليهم في قنن الجبال: إذا زلقت لصعوبة ما تحاوله، وكبتت لتعذر ما تقتحمه، مشيتها على بطونها مكرهة، وأنهضتها على تلك الحال متسرعة، كما تتمشى الأراقم في الصعيد على بطونها، وتسير في متمكنة في مسيرها.

أفي كل يوم ذا الدمشق مقدمقفاه على الإقدام للوجه لائم

ثم يقول، زارياً على الدمشق، وموبخاً له، بتعرضه لسيف الدولة: أفي كل يوم يقدم هذا الدمشق على الحرب مواجهاً لها، ويقتحمها متمرساً بها، وقفاه فيها لائم لوجهه، وأصحابه غير مستشكرين من فعله؛ لأن

عادته أن يفر فيصير قفاه وقاية لوجهه، ويلك أصحابه بما ينالهم من مكروه فعله.

أيْنكُر ريحَ الليث حَتَّى يذوَقهُوْقد َعَرفَتْ ويحُ اللُيوث الَبَهائُم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال، مشيراً إلى سيف الدولة: أينكر ويح الأسد حتى يذوقه، ويباشر بأسه حتى يناله، والباهم تعرف ريح الليث فتحذره، وتشعر به فتتوقعه.

وَقَدْ فَجَعَتْهُ بابْنهِ وابنِ صهْرهوبالصَّهْر حَمْلاَتُ الأَميرِ الغَواشِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال: وقد فجمعت الدمشق بابنه وبصهره حملات سيف الدولة الغواشم للأقران، الغاصبة لأنفس الفرسان، فما للدمشق لا يكفه عن التعرض له بما سلف لسيف الدولة من الإيقاع به؟

مَضى يَشْكُرُ الأَصحابَ في فَوْته الظَّبالما شغلتها هامهم والمعاصم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم يقول: مضى الدمستق فاراً بنفسه، على وجهه، يشكر أصحابه الذين شغلوا عنه السيوف بجماجمهم، واتقوها دونه

بمعاصمهم، وأمكنه مع ذلك ما حاوله من الهرب، استعمل فيه من الطلب

ويفهم صوت المشرفية فيهمعلى أن أصوات السيوف أعاجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال: ومضى وهو يفهم أصوات السيوف في أصحابه، ويتبين استعمالها في أشياعه، ويعلم أن تلك الأصوات تخبر عن إتلاف أنفسهم، واستنفاد أكثرهم، فأفادته أصوات السيوف هذه المعرفة، مع أن تلك الأصوات عجم لا تفهم، والسيوف خرس لا تتكلم.

يسر بما أعطاك لا عن جهالةولكن مغنوماً نجا منك غانم قال: يسر بما أعطاك

من نفسه، وبما أهلكته من جيشه غير جاهل بما عليه في ذلك من عظم المصيبة، وجليل الرزية، ولكن من غنمته ففاتك بنفسه، وطلبته ولم تنله بحتفه، مستغرب في دهره، غانم في حقيقه أمره.

ولست مليكاً هازماً لنظيرهولكنك التوحيد للشرك هازم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم يقول مخاطباً له: ولست مليكاً يهزم ملكاً مثله فيناله عز تلك الغلبة في خاصته، ويعتد بها في رفعته، ولكنك سيف الإمام، ومقيم أود الإيمان وملك الروم الذي واجهك عماد أهل الكفر، وعليه فيهم مدار الأمر، فهزيمتك له هزيمة التوحيد للشرك، عليه ظهور أهل الحق على أهل الإفك.

وورد على سيف الدولة فرسان طرسوس وآذنه والمصيصة ومعهم رسول ملك الروم في طلب الهدنة، يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت منى المحرم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة فقال أبو الطيب، أنشده إياها بحضرتهم وقت دخولهم:

أراع كذا كل النام هماموسح له رسل المليك غمام

يقول: أراع، كمثل ما نحن فيه، كل الأنام، ملك قبل سيف الدولة؟ فخضعوا له واستجاروا به، وتتابعت رسلهم عليه، حتى كان غماماً أمطرهم بحضرته، وسحابا سح بهم في بلدته.

ودانت له الدنيا فأصبح جالساًأيامها يريد قيام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

ثم قال: ودانت الدنيا لأمره، وبلغ أبعد غاياتها بعفوه، والأيام قائمة فيها يبغه، مجتهدة فيها يحاوله وينويه.

إذا زار سيف الدولة الروم غازياًكفاها لمام لو كفاه لمام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول: إذا زار سيف الدولة الروم غازياً لأرضهم، ومزمعاً على حربهم، تمنوا أن تكون ملازمته لهم لماما، وإقامته في أرضهم إغباباً، وليس يكفيه من ذلك ما يكفيهم، ولا يقنعه ما يقنعهم ويرضيهم.

فَتَىً يَتْبَعُ الأَزْمَانُ في النَّاسِ خَطَوةُلِكُلَّ زَمانٍ في يَدَيْهِ زِمَامُ

ثم قال: فتى يتبع الأزمان في الناس خطوة، ولا يخالف فيهم رأيه وحكمه، حتى كأن لكل زمان في يديه زماماً يملكه به، وخطاماً يذلله له. يشير إلى قوة سعده، وإقبال جده، وما يصله الله له من جميل صنعه.

تَنَامُ لَدَيْكَ الرُّسْلُ أَمْنَاً وغِبْطةًوأَجْفَانُ رَبَّ الرُّسْلِ لَيْسَ تَنَامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

ثم يقول لسيف الدولة: تنام الرسل لديك أَمناً، بتفيؤ ظلك، مستبشرة بمشاهدة فضلك، وأجفان الملوك الموجهين لهم ساهرة، لما يتوقعونه من خيبة رسلهم، وأن تتمادى بصيرتك في حربهم.

حِذَاراً لُمعْروْريِ الجِيادِ فُجَاَءةًإلى الطَّعْنِ قَبْلاً ما لَهُنَّ لَحامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»
تَشَرَّفُ عَدْنَانُ بِهِ لا رَبِيْعَةُوَتَفْتَخِرُ الدُّنيا بِهِ لا العَوَاصِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال: تشرف بك عدنان، فضلاً عن ربيعة، وآل عدنان مآل قريش، وسائر قبائل أكثر العرب، فأشار إلى أن جميع العرب يتشرفون بسيف الدولة، وإن بعد كثير منهم عن نسبه، كما أن الدنيا تفتخر به بلادها، وإن بعد أكثرها عن بلده.

لك الحمد في الدار الذي لي لفظهفإنك معطيه وإني ناظم

ثم يقول له: لك الحمد في شعري الذي هو حسنه، وبراعة وصفه، فإنما لي لفظه وأنت معطيه، وأنا أنظمه وأنت تنشئه؛ لأني إنما أصف في مكارمك، وأقيد به فضائلك، فأن كنت ناظم لفظه، فمآثر جوامع حسنه.

وإني لتغدوني عطايات في الوغىفلا أَنَا مَذْمُومُ ولا أَنْتَ نَادِمُ

ثم قال: وإني لأَرْكَبُ ما تَهب لي من الخيل في الحرب، فتغدو بي سائرة، وأقحمها في تلك الغمرات ناهضة، فما أنا مذموم بما أفعله من التقدم، ولا أنت حينئذ نادم على ما تخصني به من التفضل.

عَلىَ كُلَّ طَيَّارٍ إليها بِرِجْلهِإذَا وَقَعتْ في مَسْمَعَيْهِ الغَمَاغِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال: على كل طيار إلى الحرب، وجناحه رجله، وطيرانه عدوه، إذا وقعت في مسمعيه غماغم الأبطال، وكثر فيها تصاول الأقران. فدل

بإسراعه إلى الحرب على ما له فيها من النهضة، وببداره نحوها على ما به عليها من القوة.

أَلاَ أَيُها السَّيْفُ الذي لَسْتَ مُغْمَداًوَلاَ فِيْكَ مُرْتَابُ ولا منكَ عاصمُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم يقول له: ألا أيها السيف الذي لا ينبو له حد، ولا يتضمنه غمد، ولا فيه لمبصره ريبة، ولا يعصم من اعتمده جنة؛ لأن مقاصده موصولة بالنصر، ومساعيه مكنونة بجميل الصنع.

هَنيئَاً لِضَرْبِ الهامِ والمَجْدِ والعُلاَوَرَاجِيْكَ والإسْلاَمِ إِنَّكَ سَالِمُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال: هنيئاً لضرب الهام الذي أنت أحذق الناس به، وللمجد الذي أنت أكسب

الناس له، وللعلا الذي أنت جامع شملها، ولراجي مكارمك التي لا تمطل بفضلها، وللإسلام الذي أعززت دعوته، وأملحت على الأشرار حجته. إنك سالم منسأ عمرك، مملك متبوع أمرك.

وَلْمِ لاَ يَقِي الرَّحْمَنُ حَدَّيكَ مَا وَقَىوَتَفْلِيقُهُ هَام العِدى بِكَ دائِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

ثم قال: ولم لا يقي الرحمن حديك ما وقاهما من النبو عن ضرائبهما، والتأخر عن النفاذ في مقاصدهما، وتفليق هام أعدائه دائم بهما، وإعزاز حزب شريعته خالص لهما.

ثم قال مخاطباً له: (لا ينامون) حذاراً منك لملك شديد بأسه، قوي جيشه، تتسابق فرسانه إلى الحرب عند مفاجأتها لهم على أعراء الخيل، فيستقبلون بها الطعان غير ملجمة، ويجالدون عليها الأقران غير مسرجة. يشير إلى أن لهم في الحرب أعظم دربة، وهم بكرم خيلهم على أتم ثقة.

تُعَطَّفُ فيه والأَعِنَّةُ شَعْرُهَاوَتُضْرَبُ فيه والسَّيَاطُ كَلامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

ثم قال، مؤكداً لما قدمه: تعطف تلك الخيل عند ذلك الطعن بشعرها، فتطيع مثانية، وتضرب في ذلك المجال بسياط الكلام، فتسابق متبارية. وأشار بسياط الكلام إلى الزجر على طريق الاستعارة.

وما تَنْفَعُ الخَيْلُ الكِرَامُ ولا القَنَاإذَا لم يَكُنْ فَوْقَ الكِرَامِ كِرَامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.