من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)
باب الصفات
وقال البعيث الحنفي إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وهاجرة تشوي مهاها سمومهاطبخت بها عيرانة واشتويتها
الهاجرة قبل انتصاف النهار، طبخت بها أي بالهاجرة، عيرانة أي ناقة تشبه صلابة العير صلابة، واشتويتها أي أنضجتها.
مفرجة منفوجة حضرميةمساندة سر المهارى انتقيتها
مفرجة: واسعة الخطو، منفرجة أي عظيمة الجوف، مساندة أي قوية، وسر الشيء خياره.
فطرت بها شجعاء قرواء جرشعاإذا عد مجد العيس قدم بيتها
فطرت بها يعني بهذه الناقة بهذه الناقة أي حملتها لى السير السريع، والشجعاء الجريئة، والقرواء طويلة الظهر، والذكر أقرى والجرشع الضخمة الصدر، قال ابن دريد: هي المنتفخة الجنبين، وقوله: قدم بيتها، استعارة لأن الإبل لا بيت لها.
وجدت أباها رائضيها وأمهافأعطيت فيها الحكم حتى حويتها
يعني نجابة أبويها أغنتها عن رياضة الرائض، وأعطيت بائع هذه الناقة حكمه فيها ولم أماكسه مخافة فوتها حتى حويتها.
وقال عنترة بن الأخرس الطائي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لعلك تمنى من أراقم أرضنابأرقم يسقى السم من كل منطف
تراه بأجواز الهشيم كأنماعلى متنه أخلاق برد مفوف
تمنى تختبر وتمتحن، من كل منطف أي موضع سم، نطف إذا قطر، والمفوف الذي فيه طرائق ونقط، والأخلاق جمع خلق، شبه تنقيط الحية ببرد مفوف.
كأن بضاحي جلده وسراتهومجمع ليتيه تهاويل زخرف
ضاحي جلده ظاهره، وسراته ظهره، والليتان صفحتا العنق، والتهاويل ما يعلق على الرحال من الصوف الملون.
كأن مثنى نسعة تحت حلقهبما قد طوى من جلده المتغضف
إذا أنسل الحيات بالصيف لم يزليشاعرنا في جلبة لم تقرف
المتغضف: المثنى، يشاعرنا يكون معنا قريباً منا، ويروى "يشاغرنا" بالغين أي معنا لا يفارقنا، ويروى "يساعرنا" بالسين أي يؤذينا، والجلبة اليابسة، لم تقرف لم تتقشر ويروى "لم تقرف" أي لم تقشر. المعنى: قيل: إنه يهدد في
الأبيات صاحبه بنفسه، وعبر عنها بالأرقم أي أنا في المضرة للعدو بمنزلة الحية، ثم أبدع في وصف الحية كما بينا، ولا يمتنع أن يكون يتمنى هلاكه من لدغ حية كما وصفها.
وقال ملحة الجرمي، إسلامي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
أرقت وطال الليل للبارق الومض .. حبياً سرى مجتاب أرض إلى أرض
نشاوى من الإدلاج كدري مزنهيقضي بجدب الأرض ما لم يكد
الحبي: سحاب معترض في الآفاق، سمي به لأنه دنا من الأرض، نشاوى سكارى. يقضي أن هذا السحاب الذي سرى طول ليله وجعله نشوان، على المجاز إذا قابل أرضاَ لم يفارقها بمطره حتى يهريق بها من الماء ما يكون فيه عهد وولي في مطرة واحدة، وفراغه من هذا لا يكون سريعاً كأن حاجة السحاب في الأرض المجدبة إحياؤها وإخصابها، فلما فعل ذلك قضى وطره، ولم يكد يقضيه إلا بعد بطء.
تحن بأجواز الفلا قطراتهكما حن نيب بغضهن إلى بعض
كأن الشماريخ الألي من صبيرهشماريخ من لبنان بالطول والعرض
حنينها: رعدها، والقطرات جمع قطر، وقطر جمع قطار، وهو قطار الإبل، جعل ذلك للسحاب لورود بعضه في أثر بعض، وقول الديمرتي القطرات جمع قطر أي الناحية ليس بمرض لأن القطر جمعه أقطار، ومن روى "قطراته" جمع قطرة، وجعل لها حنيناً لشدة وقعها، فما أخطأ، والنيب جمع ناب وهي المسنة من
النوق, المعنى: شبه في قوله تحن بأجواز الفلا صوت رعده بحنين غبل حنت أواخرها إلى أوائلها، والصبير السحاب الثابت، شبه فروع السحاب بفروع جبل لبنان.
يباري الرياح الحضرميات مزنهبمنهمر الأرواق ذي قزع رفض
ويروى "بمنهمر الأوداق" يعني بسائل الأمطار، الواحدة ودق فأما الأرواق فمن قولهم: ألقى عليه أرواقه أي ثقله، والقزع قطع السحاب، الواحدة قزعة والرفض المتفرق المرفض.
يغادر محض الماء ذو هو محضهعلى إثره إن كان للماء من محض
يغادر يعني السحاب يترك محض الماء في الأرض، ذو هو محضه أي الذي هو محضه، إن كان للماء من محض أي إن كان للماء محض وهو اللبن، يريد به ماء القطر. وروى بعضهم "مخض" بالخاء معجمة، وما أراه صحيحاً، وفسر ما يخرجه الماء، كما يخرج المخض الزبد.
يروي العروق الهامدات من البلىمن العرفج النجدي ذو باد والحمض
أي يروي السحاب العروق الباليات من العرفج النجدي، بنبت في نجد ذو باد يعني الذي بلي وبطل.
وبات الحبي الجون ينهض مقدماكنهض المدانى قيده الموعث النقض
الجون الأسود أي بات السحاب الأسود يسير بطيئاً كنهض أي كسير البعير المقيد المقصور، ولم يقنع بذلك بل جعله موعثاً، وهو الذي وقع في وعث من الأرض أي صعب ولم يرض به حتى جعله نقضاً وهو الهزيل الذي أتعب في السفر، وجمعه أنقاض. المعنى: يصف في الأبيات سحاباً ذا رعد وبرق كثير الماء.
وقال آخر:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
إذا ما هبطن المحل قد مات عودهبكين به حتى يعيش هشيم
المعنى: يصف سحائب ماطرة، يقول: إذا نزلت الأرض الجدبة قد يبس عودها مطرن به حتى ينبت النبت البالي.
النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع