تجاوز إلى المحتوى

من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)

باب السير والنعاس

وقال الحطيم بن نويرة العكلي، إسلامي كان في زمن معاوية:

[الثاني من الطويل والقافية من المتدارك]

وقال وقد مالت بنا نشوة الكرىنعاسا ومن يعلق سرى الليل يكسل
أنخ نعط أنضاء النعاس دواءهاقليلا ورفه عن قلائص ذبل
للشاعر الخَطيم العكلي المَحرِزي، اقرأ القصيدة
فقلت له كيف الإناخة بعدماحدا الليل عريان الطريقة منجلي
للشاعر الخَطيم العكلي المَحرِزي، اقرأ القصيدة

دواءها يعني النوم، حدا الليل ساقه، عريان الطريقة يعني الصبح، ومنجل هو الصبح أيضاً، وقد انجلى إذا انكشف وظهر، المعنى: يحكي أن صاحبه سأله النزول لتستريح الإبل، وأنه أجابه كيف ينزل وقد أصبحنا.

وقال أعرابي من بني أسد، إسلامي:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

وفتيان نصبت لهم ردائي علىأسيافنا وعلى القسي

أي كانوا يستظلون من الشمس بالأردية، ويعمدونها بالسيوف والقسي.

المعنى يقول: كم فتيان أظلهم ردائي فناموا في ظله.

فظلوا لائذين به وظلتمطاياهم ضوارب باللحي

يقول: ظلت المطايا من الاعياء تضرب أذنابها ولحاها بالأرض، واللحى جمع لحي.

فلما صار نصف الظل هناوهنا نصفه قسم السوي

يقول: انتصف النهار، وصارت الشمس في كبد السماء، قسم السوي انتصب على المصدر من المعنى لا من اللفظ.

دعوت فتى أجاب فتى دعاهبلبيه أشم شمردلي
فقام يصارع البردين لدنايقوت العين من نوم شهي

بلبيه أي بهذه الكلمة، وياء الإضافة فيه زائدة، ودخلت لتوكيد الصفة والشمردل الطويل الحسن الطول، فقام يصارع البردين أي يجرهما من النعاس لإتعاب السرى إياه، لدنا: يتثنى، وقوله يقوت العين من نوم شهي أي يعمهما شيئا بعد شيء، لا يروى من النوم، ويروى "من لذ شهي" أي لذيذ يريد النوم. المعنى: يقول: لما انتصف النهار دعوت صاحبي فأجاب دعائي وهو يتمايل من النوم.

وقاموا يرحلون منفهاتكأن عيونها نزح الركي

أي قاموا من نومهم يشدون الرحال على رواحلهم منفهات أي معيبات، والنافه والمنفه واحد، والنزح جمع نزوح، وهو حوض أو بئر نزح ماؤه، والركي جمع ركية، يصف مطاياه بالهزال وغؤور العين.

وقال رجل من بني بكر:

(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)

ولقد هديت الركب في ديمومةفيها الدليل يعض بالخمس
مستعجلين إلى ركي آجنهيهات عهد الماء بالإنس

الديمومة المفازة، ويعض بالخمس أي بأصابعه الخمس لأنه يتحير فيها، والركي حوض مستطيل، ويروى "بالأمس" وبالنون أجود. المعنى: يصف هدايته القوم في مفازة لا يهتدي فيها الدليل، ووصف قومه بالاستعجال إلى الماء لحاجتهم إليه، والماء بعيد العهد بالناس.

مستعجلين فمشتو ومعالجنقبا بخف جلالة عنس

فمشتو أي كلهم مستعجلون، منهم من يشتوي اللحم ولا يطبخه لأن الشواء أسرع إدراكا، والنقب أشد من الحفاء. المعنى: يصف استعجالهم أيضاً في أمر الطعام، وأنهم اشتووا ولم يطبخوا، لأن الموضع لم يكن موضع قرار، والجلالة الناقة العظيمة.

ومهوم ركب الشمال كأنمابفؤاده عرض من المس

المهوم: الذي غلبه النعاس فيهز رأسه، ركب الشمال نام عليها، العرض ما يعرض للإنسان من جنون. المعنى: يصف غلبة النعاس إياهم حتى كأن بهم الجنون من سكر النعاس.

وقال آخر:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

وهن مناخات يحاذرن قولةمن القوم أن شدوا قتود الركائب
تكاد إذا قمنا يطير قلوبهاتسربلنا ولثنا بالعصائب

قد تم الكلام عند قوله "من القوم" وأن شدوا يعني شدوا قتود الركائب، يطير قلوبها من شدة الفزع، والعصائب: العمائم، ولوثها كورها على الرأس، وقد لاث العمامة على رأسه يلوثها. المعنى: يصف إبلا معيية قد أنيخت فهي تخاف تأهب الناس للرحلة لما بها من الإعياء.

وقال بعضهم، إسلامي:

[من مشطور الرجز والقافية من المتدارك]

حبسن في قرح وفي داراتها

سبع ليال غير معلوفاتها

حتى إذا قضيت من بتاتها

وما تقضي النفس من حاجاتها

حملت أثقالي مصمماتها

غلب الذفارى وعفرنياتها

فانصلتت تعجب لانصلاتها

كأنما أعناق سامياتها

بين قرورى ومرورياتها

قسي نبع رد من سياتها

كيف ترى مر طلاسياتها

والحمضيات على علاتها

يبتن ينقلن بأجهزاتها

والحادي اللاغب من حداتها

قرح: بوادي قرى مدينتها، وداراتها دورها، غير معلوفاتها أي غير معلوفات فيها، والبتات الزاد، ومصمماتها أقواها وأمضاها، وعفرنياتها: جمع عفرناة وهي القوية الشديدة، والغلب الغلاط الرقاب، فانصلت أي أسرعت في السير، قرورى يعني شعثا -لا نبات فيه- وهي بين النقرة والحاجر، مروياتها صحار على طريق مكة من الكوفة، رد من سياتها أي عطف من أطرافها، والطلاحيات جمع طلاحية وهي التي تأكل الطلح، والحمضيات من أكل الحمض على غير قياس، على علاتها يعني على ما بها من الدبر والهزال، وما عليها من الأثقال، سريعة السير كثيرة النشاط، ينقلن بأجهزاتها يريد الأمتعة، جهاز وأجهزة مثل قذال وأقذلة ثم جمعه على أجهزات. المعنى: يصف حبس الإبل في الموضع الذي ذكره بلا علف إلى أن قضى حاجته بها، ثم ذكر ارتحاله منها، ووصف إبله بالغلب والقوة والخفة، وشبه أعناقها بالقسي المعطفة، والضمير في داراتها وبتاتها للقرح، والضمير في حاجاتها للنفس، وفي القوافي الأخر للإبل. ثم تعجب من سرعة سيرها مع ما بها من العلل التي ذكرها.

وقال حكيم بن قبيصة بن ضرار لابنه بشر وكان هاجر، إسلامي:

(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)

لعمر أبي بشر لقد خانه بشرعلى ساعة فيها إلى صاحب فقر
فما جنة الفردوس هاجرت تبتغيولكن دعاك الخبر أحسب والتمر

بشر هو ابن حكيم هذا، على ساعة فيها إلى صاحب فقر يعني: الكبر ومعناه فيها فقر إلى صاحب، وقوله فما جنة الفردوس يعني فما هاجرت ميتغياً جنة الفردوس، والفردوس قالوا هو البستان بلغة الروم. المعنى يذم ابنه في مهاجرته بالدين، ويقول: لم تهاجر للجنة ولكن هاجرت للخبز.

أقرص تصلي ظهره نبطيةبتنورها حتى يطير له قشر
أحب إليك أم لقاح كثيرةمعطفة فيها الجليلة والبكر

القرص جمع القرصة وهي الرغيف تصلي: أي تخبز وتشوي بالنار، وتحرق ظهره.

حتى يحمر وينتفخ فتصير عليه قشور، وقال نبطية لأن العرب لا تعرف الخبز.

كأن أداوى بالمدينة علقتملاء بأحقيها إذا طلع الفجر
كأن قرى نمل على سرواتهايلبدها في ليل سارية قطر

الأداوي جمع أداوة، والأحقي جمع الحقو، أراد الضروع شبهها في امتلائها بأداوي علقت بأحقيها صباحاً، وقوله كأن قرى نمل يريد ما تجمع حول حجر النمل من التراب، يلبدها أي يلبد القرى قطر، وذلك أنه ربما أصابها المطر فالتصق بعضها ببعض، شبه الأسنمة بقرى النمل ملبدة، والسروات جمع سراة وهي الظهر

وقال واقد بن الغطريف، الواقد من وقود النار، والغطريف البازي، والرجل مشبه به، والغطريف بن طريف بن مالك من طيء [كان مريضا] فحمي الماء واللبن.

(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)

يقولون لا تشرب نسيئاً فإنهوإن كنت حرانا عليك وخيم
لئن لن المعزى بماء مويسلبغاني داء إنني لسقيم

النسيء لبن المعزى المحض يصب عليه الماء وهو النسوء أيضاً، والحران العطشان، والوخيم الثقيل. المعنى: يشكو شهوته اللبن وقول الناس لا تشرب فإنه يضرك يقول: إن كان اللبن والماء يسقماني فإني سقيم لأني شديد الشهوة لهما.

وقال حندج بن الحندج المري، إسلامي، الجندح: كثيب صغير، ويقال: إنه رملة طيبة.

(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)

في ليل صول تناهى العرض والطولكأنما ليله بالليل موصول
لا فارق الصبح كفي إن ظفرت بهوإن بدت غرة منه وتحجيل
لساهر طال في صول تململهكأنه حية بالسوط مقتول
متى ارى الصبح قد لاحت مخايلهوالليل قد مزقت عنه السرابيل
ليل تحير ما ينحط في جهةكأنه فوق متن الأرض مشكول
نجومه ركد ليست بزائلةكأنما هن في الجو القناديل

صول موضع، وشبه نفسه بالحية المقتول بالسوط لأنه أطول ذاما، وأكثر حركة، والحية للذكر والأنثى، المعنى: يشكو طول الليل بصول وتمني الصبح وملازمته، وشكا تململه، وجعله الليل كأنه مقيد، والنجوم ثابتة غير سائرة، وشبهها بالقناديل المعلقة في الهواء.

ما أقدر الله أن يدني على شحطمن داره الحزن ممن داره صول
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة
الله يطوي بساط الأرض بينهماحتى يرى الربع منه وهو مأهول
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة

الحزن موضع، وبساط الأرض سعتها. المعنى: ما أقدر الله: ظاهر اللفظ تعجب ومعناه تمن، يقول الله قادر أن يجمع بين المحبين وإن كان ما بينهما بعيداً، وقوله: لله يطوي معناه دعاء ولفظه خبر.

وقال حميد الأرقط، إسلامي، ويقال: إنها لأبي النجم أنشدها أبو محضة أحد بني ربيع الجوع:

(من مشطور الرجز والقافية من المتدارك)

وقد أغتدي والصبح محمود الطرر

والليل يحدوه تباشير السحر

وفي تواليه نجوم كالشرر

بسحق الميعة ميال العذر

كأنه يوم الرهان المحتضر

قد بدا أول شخص ينتظر

دون أثابي من الخيل زمر

ضار غدا ينفض صئبان المطر

الطرر الجوانب، وفي تواليه يعني في أعقاب الليل، بسحق الميعة أي طويل النشاط، والعذر جمع عذرة وهي الخصلة من الشعر، وإنما جعله ميال العذر لكثرة شعره، والمحتضر يحضره الناس، ينظرون إلى الرهان، دون أثابي أي جماعات جمع أثبية، ضار من الضراوة أي العادة، وصئبان المطر صغار قطره، شبه بصئبان الرأس، وأراد بازيا اعتاد الصيد.

عن زرف ملحاح بعيد المنكدر

أقنى يظل طيره على حذر

يلذن منه تحت أفنان الشجر

من صادق الوقع طروح بالبصر

بعيد توهيم الوقاع والنظر

كأنما عيناه في حرفي حجر

بين مآق لم تخرق بالإبر

ملحاح أي شديد الإلحاح في طلب الصيد، بعيد المنكدر أي الانقضاض من الهواءعلى الصيد، طروح بالبصر أي يبصر من بعيد فيصطاد، والتوقيع أن يوقع همه على شيء، والوقاع جمع الوقعة، وقوله كأنما عيناه، أي هو غائر العينين، شديد الغؤور، وكلما كان كذلك كان أصح عتقا وأصدق نظرا وأشد بصرا، ولم تخرق بالإبر أي لم يصد فتخاط عينه ليأنس أي هو وحشي، والوحشي أقدر على الصيد وأضرى، ويروى "وقبي حجر" والوقب النقرة في الصخرة.

تم باب السير والنعاس

النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح حماسة أبي تمام»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.