تجاوز إلى المحتوى

من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

حديث الأوس والخزرج

ع وهما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر مزيقياء ابن عامر ماء السماء ابن حارثة الغطريف ابن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد. فولد مالك بن أوس بعد هذا الحديث خمسة: عمراً وعوفاً ومرّة وجشم وامرأ القيس، وأمّهم هند بنت الخزرج.

قال أبو علي "، ": ومن أيمانهم: لا والذي شقهّن خمسا ع وزاد غير أبي علي " وألهمهنّ لمساً " قال: ويقولون لا والذي أخرج قائبة من قوب، يعنون فرخاً من بيضة.

ع قلب أبو علي قول العرب وإنما يقولون قوباً من قائبة أي فرخاً من بيضة. كذا حكاه الخليل. وقال ابن دريد: يقال تخلّصت قائبة من قوب أي بيضة من فرخ، فعبارتهما سواء وهذا هو الصحيح. وأصله من تقوّب الشيء إذا تقلّع وقوّبته تقويباً ومنه اشتقاق القوباء لتقلّع الجلد عنها. وإنما لبس على أبي عليّ قولهم " تخلّصت قائبة من قوب " وهو مثل من أمثالهم أي تخلّصت بيضة من فرخ.

وأنشد أبو علي "، " بيتاً لأبي ذؤيب قد تقدم موصولاً مفسّراً " ص " قال أبو علي: المقتفّ الآخذ بعجلة ومنه سميّ القفّاف.

ع وقال غيره: الاقتفاف في الطعام مثل الاشتفاف في الشراب، وهو أن يستقصي ما في الإناء حتى لا يترك فيه شيئاً فإذا استأصل ما على الخوان فهو الاحتفاف. فأما القفّاف فهو الذي يقفّ أي يسرق وآخر ينظر إليه والذي يقفّ لا يشعر به ذكر ذلك إبراهيم بن السريّ في كتاب فعلت وأفعلت. وقال غيره: القفّاف الذي يختان الدراهم بين أصابعه.

وأنشد أبو علي "، " للبيد:

نعلّهم كلّما ينمي لهم سلفبالمشرفيّ ولولا ذاك قد أمروا

ع وبعده:

والنيب إن تعر منّي رمّة خلقاًبعد الممات فإنّي كنت أتّئر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «راح القطين بهجر بعدما ابتكروا»

وقوله: نعلّهم يريد نعاودهم بالقتل، جعله مثل العلل في الشرب الذي هو بعد النهل. وقوله: والنيب إن تعر مني رمّة خلقاً قال أصحاب المعاني: إن الإبل لا تصيب عظماً إلاّ لاكته تتملّح بالعظم ومن أمثالهم: " لولا أن يضيّع الفتيان الذمّة لخبّرتها بما تجد الإبل في الرمّة " يقول فإن لاكت الإبل عظمي بعد موتي فإني كنت أنحرها وأطعمها وأعملها في طلب المكارم وأجهدها. والاتّئار لا يكون إلاّ بعد وقوع الشيء فجاء به مقدّماً قبل وجوبه لعلمه أنه لابدّ من كونه. وقيل المعنى إن أصبحت ميّتاً فبما كنت أتّئر في أعدائي وأدركه من المطالب. ويقال أتّئر بالتاء وأثّئر كما يقال يطّلم ويظّلم.

وأنشد أبو علي "، ": أمّ جوار ضنؤها غير أمر ع قال ابن الأعرابيّ: قال أعرابيّ يصف عجوزاً:

أمّ جوار ضنؤها غير أمرصهصلق الصوت بعينيها صبر
شائلة أصداغها ما تختمرتبادر الضيف بعود مشفترّ
تعدو عليهن بعود منكسرحتى يفرّ أهلها كلّ مفرّ
لو نحرت في بيتها عشر جزرلأصبحت من لحمهنّ تعتذر

بحلف سحّ ودمع منهمر

قوله صهصلق: أي صلبة الصوت شديدته، وقال صهصلق صخابة وفي صوتها بحّة من إتعابها له. بعينيها صبر: قال ابن الأعرابي: هي عمشاء، وقال غيره تتمارض عليه وتطلى حول عينيها صبراً. وقوله: شائلة أصداغها يقول: ممّا تهارش وتقاتل وتناصى جاراتها كما قال الآخر:

شائلة الأصداغ يهفو طاقهاكأنما ساق غراب ساقها

والطاق: الطيلسان. يهفو: يسقط ههنا وههنا من شغلها بالشرّ. وقوله بعود مشفترّ: أي منكسر من كثرة ما تضرب به وتقاتل. وقوله عليهن: يريد على صواحبها. وقال ابن الأعرابي أنشدني أبو المكارم: أم جواز ضنؤها غير أمر بكسر الضاد أي أصلها غير كريم.

وأنشد أبو علي "، ":

والإثم من شرّ ما يصال بهوالبرّ كالغيث نبته أمر
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «فيم لحت إن لومها ذعر»

قال أبو علي "، ": قال الله ﷿: " وإذا أردنا أن نهلك قرية آمرنا مترفيها " بالمد أي كثّرنا. وقال أبو عبيدة: " خير المال سكّة مأبورة أو مهرة مأمورة "

والمأمورة الكثيرة الولد من آمرها: أي كثّرها. وكان ينبغي أن يكون مؤمرة ولكنه أتبع مأبورة. والسكّة: السطر من النخل. والمأبورة: المصلحة، وقد قرئ أمرنا على مثال فعلنا.

ع هذا كلام من يعتقد أن القراءة المشهورة آمرنا بالمدّ ولا اختلاف بين السبعة الأئمة في أنها أمرنا بالقصر، وهذه هي القراءة المقدّمة والأصل. ويقال في غيرها من الشواذّ: " وقد قرئ بكذا " ومعناها أمرناهم بالطاعة ففسقوا كما تقول: أمرتك فعصيتني، وقد علم أن الله تعالى لا يأمر إلاّ بالعدل والإحسان كما قال في محكم كتابه. وقيل معنى أمرنا وآمرنا واحد: أي كثّرنا، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: " خير المال سكّة مأبورة ومهرة مأمورة " وهذا الحديث نسبه أبو علي إلى أبي عبيدة وهو للنبيّ ﵇ ولا ينبغي لعالم أن يجهل هذا، وقراءة الجماعة هي المرويّة عن الصحابة والتابعين إلا الحسن فإنه قرأ آمرنا بالمدّ، وكذلك قرأ الأعرج وإلاّ أبا العالية الرياحيّ فإنه قرأ أمّرنا بالتشديد وقد رويت عن عليّ بن أبي طالب، وهذه القراءة تحتمل وجهين أحدهما: أن يكون المعنى جعلنا لهم إمرة وسلطاناً، والآخر: أن يكون المعنى كثّرنا فتكون بمعنى آمرنا وبمعنى أمرنا على أحد الوجهين. وقال الكسائي: ويحتمل أن يكون أمرنا بالتخفيف غير ممدود بمعنى أمّرنا بالتشديد من الإمارة. فكانت هذه القراءة الاختيار لما اجتمعت فيها المعاني الثلاثة. ومترفوها فسّاقها، وقيل جبابرتها.

وأنشد أبو علي "، " لطرفة:

فالهبيت لا فؤاد له

ع صلته:

لا ترى إلا فتى بطلاًآخذاً قرناً فملتزمه
فالهبيت لا فؤاد لهواللبيب ثبته نقمه
للفتى لبّ يعيش بهحيث تهدي ساقه قدمه

قال أبو عمرو: الهبيت: المهبوت وهو المبهوت سواء. ويروى والثبيت ثبته نقمه. يقول من ثبت فقد انتقم، يريد أنه لا يقدر على أكثر من الثبوت وهو مثل ضربه لشدّة الحرب، ومن روى ثبته فهمه يريد أن فهمه يثبت عقله، ومن روى ثبته قيمه يريد قوامه وملاك أمره. ويروى قلبه قيمه. ثم قال: من كان لبيباً فتى متصرّفاً عاش حيثما نقلته قدمه من أرض غربة أو غيرها.

وهو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل شاعر جاهلي يكنى أبا عمرو، وهو المعروف بابن العشرين لأنه قتل وهو ابن عشرين عاماً. وقد تقدم ذكر مقتله عند ذكر المتلّمس ص وأنشد أبو علي "، " لطفيل:

وراكضة ما تستجنّ بجنّةبعير حلال غادرته مجعفل

ع وبعده:

فقلنا لها لمّا رأينا الذي بهامن الشرّ لا تستوهلي وتأمّلي

هذا الشعر قاله في يوم حرس يذكّر بلاء قومه بني جعفر ويعاتبهم. والراكضة

التي عنى هي بنت طفيل بن مالك فارس قرزل، وذلك أنها خرجت عريانة مذعورة فاعرورت بعيراً لها لتهرب عليه وغادرت حلالها مطروحاً وهو مركب من مراكب النساء فلم ترحله للعجلة والذعر. وقوله لا تستوهلي: أي لا تفزعي، والوهل: الفزع. وتأمّلي من يحميك: يعني قومه.

وأنشد أبو علي "، " للبيد:

فلم أر يوماً كان أكثر باكياً

ع هذا الشعر يذكر فيه من هلك من آبائه وأهل بيته فقال يذكر أباه ربيعة:

وأن ربيع المقترين رزئتهبذي علق فاقني حياءك واصبري

ثم قال:

فلم أر يوماً كان أكثر باكياًوحسناء قامت عن طراف مجوّر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «أعاذل قومي فاعذلي الآن أو ذري»
تبلّ خموش الوجه كلّ كريمةعوان وبكر تحت قرّ مخدّر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «أعاذل قومي فاعذلي الآن أو ذري»

ربيعة قتلته بنو أسد يوم ثنيّة ذي علق. وقوله عن طراف مجوّر: كان السيّد إذا قتل فيهم لم يبق لقومه بيت إلاّ هتك، ولما قتل بسطام بن قيس لم يبق في بكر بن وائل بيت إلاّ هجم أي هدم. والطراف لا يكون إلاّ من أدم. ولّما جاء نعيّ الحسين ﵀ ومن كان معه. قال مروان: " يوم بيوم الحفض المجوّر " أي يوم بيوم عثمان، ثم تمثّل بقول الأسديّ:

عجّت نساء بني زبيد عجّةكعجيج نسوتنا غداة الأرنب

وهذا يوم كان بين بني أسد وبين بني الحارث بن كعب ونهد وجرم فانتفجت يومئذ لبني الحارث أرنب فتفاءلوا بها وقالوا ظفرنا بهم. والقرّ: الهودج. والمخدّر الذي وضع عليه الخدر: أي ستر. هذا قول محمد بن حبيب في بيت الأسدي وسيأتي فيه غير هذا " ص

" وأنشد أبو علي "، " لابن قيس الرقيّات:

كالشارب النشوان قطّرهسمل الزقاق تسيل عبرتيه
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

ع وقبله:

إنّ المصائب بالمدينة قدأوجعنني وقرعن مروتيه
وأتى كتاب من يزيد وقدشدّ الحزام بسرج بغلتيه
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
ينعى أسامة لي وأخوتهفظللت مستكّاً مسامعيه
كالشارب النشوان قطّرهسمل الزقاق تفيض عبرتيه
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

يرثي به سعداً وأسامة ابني أخيه قتلا يوم الحرّة.

وأنشد أبو علي "، " لرؤبة:

ومن غمزنا عزّه تبركعا

صلته:

ومن همزنا عظمه تلعلعاومن أبحنا عزّه تبركعا
على استه زوبعة أو زوبعازحفي مزاحيف وصرعى خفّعا

تلعلع إذا ضعف من مرض أو تعب. وقال عبد الرحمن عن عمّه تلعلع: تكسّر واضطرب. وقال: الزوبعة داء يأخذ الفصال، فكأنه يريد صرع قال ويقال زوبعة: قصر في العرقوب هكذا أورده بالزاي كما رواه القاليّ. وقال ابن دريد في الاشتقاق: الروبع

بالراء المهملة: الرجل الضعيف واستشهد بهذا الرجز. وقال ثعلب في المجالس: الروبع وجع يأخذ في القوائم فيقعد. وقال غيره الروبع: الفصيل الذي لا ينبعث. والمعروف في الزوبعة بالزاي أنها ريح تدور في الأرض لا تقصد وجهاً واحداً وتحمل الغبار. والتزبّع: سوء الخلق وقلّة الاستقامة ومنه اشتقّ زنباع. ويقال انخفع الرجل على فراشه إذا اعتراه كالغشي من الضعف.

وأنشد أبو عليّ "، " لرؤبة أيضاً:

لواحق الأقراب فيها كالمقق

ع قال رؤبة يصف:

قبّ من التعداء حقب في سوقلواحق الأقراب فيها كالمقق
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة
سوّى مساحيهنّ تقطيط الحققتفليل ما قارعن من سمر الطرق
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

قبّ: ضمر من العدو، وكذلك لواحق الأقراب: وهي الخواصر. وقوله فيها كالمقق: الكاف زائدة كما قال أميّة ابن أبي عائذ:

وإني بليلى والديار التي أرىكالمبتلي المعنى بشوق موكّل
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «وإني بليلي والديار التي أرى»

أراد للمبتلي المعنى: وذهب أبو الحسن الأخفش في قول الله سبحانه: " أو كالذي مرّ على قرية " إلى زيادة الكاف. ومساحيهن: حوافرهنّ لأنهن يسحين بها الأرض أي يقشرنها وسكّن الياء ضرورة وقد مضت أمثلته. وأراد بتقطيط الحقق: أي كما تقطّ فلما سقط حرف الجرّ انتصب الفعل. والتفليل: هو الذي سوّاها. والطرق: جمع طرقة فأراد من شداد الأرض بعضها فوق بعض.

"

النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة (١٣٥٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.