تجاوز إلى المحتوى

من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

خبر حضرميّ بن عامر وابن عمّه جزء

ومن الرواة من يقول حصن بن عامر، كذلك قال ابن الأعرابيّ. فأما جزء فهو جزء من فاتك الأسدي.

وأنشد أبو علي "، " ليزيد بن الحكم الثقفيّ:

تكاشرني كرهاً كأنك ناصحوعينك تبدي أنّ صدرك لي دو
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

القصيدة إلى آخرها.

ع هو يزيد بن الحكم بن عثمان ابن أبي العاص الثقفي وعثمان صاحب رسول الله ﷺ هكذا نسبه ابن الأعرابيّ. وقال غيره إنه يزيد بن الحكم ابن أبي العاص وأن عثمان الصاحب عمّه ويكنى يزيد أبا خالد. وقوله: أن صدرك لي دو هو فعل من الدوي وهو المرض، وليس من لفظ الداء لأن الفعل من الداء داء يداء داء فهو داء مثل قولك كبش صاف. وقال الشاعر في الدوي الذي هو المرض:

باض النعام به فبقّر أهلهإلاّ المقيم على الدوي المتأفّن

وللكاشرة المضاحكة ومنه قول أبي الدرداء: إنا لنكشّر في وجوه قوم وإن قلوبنا لتقليهم. وقوله: فليت كفافاً كان خيرك كله البيت: قال ابن جني في المسائل الحلبيّات يريد فليته أو فليتك. وقوله كفافاً خبر كان وهذا كما قال:

إنّ من يدخل الكنيسة يوماًيلق فيها جآذراً وظباء
للشاعر الأخطل، اقرأ القصيدة

قال ويروى البيت برفع الماء ورفع الشرّ ونصبه، فإذا نصب شرّك رفع الماء. ومرتو أيضاً مرفوع لأنه خبر شرّك المنصوب بليت والماء مرفوع على هذا بفعله الذي

هو ارتوى: أي ما ارتوى شارب الماء. وإذا رفع شرّك عطفه على قوله خيرك، ورفعه بكان ونصب مرتو: أي ليتك كان شرّك عني مرتوياً أي مقلعاً فيستغني عنه كما تقول رويت رويت من كذا أي انصرفت عنه وزالت حاجتي إليه، فينتصب هنا على أنه خبر كان كما ارتفع هناك على أنه خبر ليت والماء مرفوع أيضاً بفعله كالوجه الأول. وأما ما ارتوى الماء مرتو بنصب الماء ورفع مرتو فلا نظر فيه. قوله ما ارتوى الماء مرتو. يقال روى الرجل لأهله وارتوى إذا استقى لهم الماء. وروى غير أبي علي بعد قوله:

فكلّ مجتو قرب مجتو

لعلّك أن تنأى بأرضك نيّةوإلاّ فإنيّ غير أرضك منتو
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

وقوله:

وكم موطن لولاي طحت كما هوىبأجرامه من قلّة النيق منهو
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

لا يجيز المبرّد لولاي ولولاك، ولا يجوز عنده إلاّ على الانفصال لولا أنا، ولولا أنت، وسيبويه يجيز فيه الاتّصال، وزعم أن الكاف في موضع جرّ، وإذا أظهرت كان ما بعد لولا مرفوعاً. وقال ابن كيسان: الكاف في موضع رفع لا جرّ قال: والضمير إذا علم موضعه ساغ فيه ذلك، ألا ترى أنك تقول أنا كأنت فأنت وهو ضمير رفع في موضع خفض، فكذلك يكون ضمير الخفض في موضع رفع إذا امن فيه اللبس. وقوله أو أخو مغلة لو: يقال لوى يلوي لوى، وهو أن يلتوي مصرانه فلا يحدث. وقوله: فياشر من يدحو الدحو البسط، يقال دحا يدحو ويدحي، والمدحاة خشبة يدحى بها. وقوله كما كتمت داء ابنها أمّ مدّو: فسّره أبو علي تفسيراً غير مقنع وأيّ نسبة بين دواية اللبن

واللجام في اللفظ أو في المعنىوما يجعل ذلك إلى هذا وإنما أرادت أمّه أن تلبس على أمّ خطبه وتوهما أنه أراد بقوله أدّوي أخرج إلى الدوّيّة، فأجابته على هذا المعنى تعلمه موضع اللجام ليرى أنه صاحب ركوب وصيد، وفهم الغلام غرض أمّه فاستمرّ لما لحنت له به. وهذا من المعارض الحسنة. وروى قتادة عن مطرّف عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: " في المعارض مندوحة عن الكذب " ومن أحسن ما ورد في ذلك أن النبي ﷺ لقي طلائع المشركين وهو في نفر يسير من أصحابه. فقال المشركون ممن أنتم. فقال النبي ﷺ: نحن من ماء من المياه، فنظر بعضهم إلى بعض وقال: أحياء البادية كثير وانصرفوا. أراد النبي ﵇ قول الله ﷿: " فلينظر الإنسان ممّ خلق خلق من ماء دافق ". ودخل بعض الزهّاد على بعض الجبابرة فأحضر له اللهو والمغنّين، فجعل الزاهد يقول للمغني كلما فرغ من غناء أحسنت ليرفع عن نفسه شرّ ذلك الجبّار. فلما خرج الزاهد قيل له في ذلك. فقال إنما كنت أقول أحسنت إذا سكت. وأراد رجل الوصول إلى المأمون في ظلامة فلم يصل إليه، فقال على الباب: أنا أحمد النبيّ المبعوث، فكتب بذلك صاحب الخبر يذكر أن رجلاً تنبّأ فأدخل على المأمون فقال له ما تقول فذكر ظلامته. فقال له ما تقول فيما حكى عنك؟ قال وما هو؟ قال ذكروا أنك تقول إنك نبيّ قال معاذ الله إنما قلت إني أحمد النبيّ المبعوث أفلست يا أمير المؤمنين ممن يحمده قال نعم، واستظرفه ونظر في أمره.

وأراد بعض الأمراء أن يولّي إبراهيم النخعيّ القضاء وعلم أنه لا يتخلّص منه بالإباء من

ذلك فقال له: والله ما أبصر إلاّ ما بصّرني غيري يعني الله ﵎ يوهمه العمى فتخلّص منه. وخرج شريح من عند زياد وهو يجود بنفسه، فقيل له كيف تركت الأمير؟ قال: تركته يأمر وينهي يوهمهم أنه لا بأس عليه فلم يلبثوا أن نعى لهم، فقيل له في ذلك فقال: نعم تركته يأمر بالوصيّة وينهى عن البكاء.

وقال أبو علي "، " دخل الأحوص على يزيد بن عبد الملك فقال له يزيد: لو لم تمتّ إلينا بحرمة، ولا جدّدت لنا مدحاً غير أنك مقتصر على بيتيك لاستوجبت عندنا جزيل الصلة ثم أنشد يزيد:

وإني لأستحييكمو أن يقودنيإلى غيركم من سائر الناس مطمع
وأن أجتدي للنفع غيرك منهموأنت إمام للبريّة مقنع
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «وإني لأستحييكم أن يقودني»

ع قد تقدم ذكر الأحوص، وإنما قال هذا الشعر في عمر بن عبد العزيز لا في يزيد بن عبد الملك. ونظم أبو تمام هذا المعنى في أحسن نظام فقال:

رأيت رجائي فيك وحدك همّةولكنّه في سائر الناس مطمع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»

وقال آخر وأظنه إبراهيم بن العبّاس:

إذا طمع يوماً غزاني منحتهكتائب يأس كرّهاً وطرادها
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
سوى طمع يدني إليك فإنهيبلّغ أسباب العلا من أرادها
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

وقال الخريمي في نحوه:

عطاؤك زين لامرئ إن أصبتهبخير وما كلّ العطاء يزين
وليس بعار بامرئ بذل وجههإليك كما بعض السؤال يشين

وقال أبو الطيّب:

وقبض نواله شرف وعزّوقبض نوال بعض الناس ذام

وأنشد أبو علي "، ":

إني رأيتك كالورقاء يوحشهاقرب الأليف وتغشاه إذا نحرا

ع فسّر أبو علي معناه ولم يبيّنه. وقال الورقاء: ذئبة تنفر من الذئب وهو حيّ، وتغشاه إذا رأت به الدم. وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي قول العجّاج في مثله:

ولا تكوني يا ابنة الأشمّورقاء دّمي ذئبها المدميّ

قال ابن الأعرابي قال لي أبو المكارم: إن الذئاب إذا رأت ذئباً قد عقر وظهر دمه أكبّت عليه تقطّعه وتمزّقه وأنثاه معها، فيقول هذا لامرأته لا تكوني إذا رأيت الناس

قد ظلموني عليّ معهم فتكوني كهذه الذئبة، وهذا هو التفسير الصحيح لا ما ذكره أبو علي من أن الذئبة تنفر من الذئب وهي حيّ، وهذا خلاف المعهود المعقول، وكيف يسمّى أليفاً من يوحش قربه وإنما الأليف من يوحش بعده ويؤنس قربه. ومثل هذا قول الفرزدق:

وكنت كذئب السوء لما رأى دماًبصاحبه يوماً أحال على الدم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وقائلة والدمع يحدر كحلها»

وقول العجير:

فتى ليس لابن العمّ كالذئب إن رأىبصاحبه يوماً دماً فهو آكله
للشاعر زينب بنت الطثرية، اقرأ القصيدة

وأنشد أبو علي "، " لأبي حيّة النميريّ:

بدا يوم رحنا

وأوّل القصيدة على ما أنشده جماعة من الرواة أثبتها لجودتها:

ألا يا غراب البين فيم تصيحفصوتك مشنوء إليّ قبيح
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
وكلّ غداة تنتحي لك تنتحيإليّ فتلقاني وأنت مشيح
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
تخبّرني أن لست لاقي نعمةبعدت ولا أمسي لديك نصيح
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
وإن لم تهجني ذات يوم فإنهستغنيك ورقاء السراة صدوح
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
تذكّرت والذكرى شعوف لذي الهوىوهنّ بصحرا الخبيت جنوح
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
حبيباً عداك النأي عنه فأسلبتعلى النحر عين بالدموع سفوح
إذا هي أفنت ماءها اليوم أصبحتغداً وهي ريّاً المئقيين نضوح
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
لعيناك يوم البين أسرع واكفاًمن الفتن الممطور وهو مروح
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
ونسوة شحشاح غيور يهبنهأخي حذر يلهون وهو مشيح
ظللت وقد ولّوا بليل وقلّصتبهم جلّة فتل المرافق روح
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
فلاقيتهم يوماً على قطريّةوللعيس مما في الخدور دليح
فقلن ولم يشعرن أني سمعتهوهن بأبواب الخدور جنوح
أهذا الذي غنّى بسمراء حقبةأتاح له منها السقام متيح
وقائلة أولينه البخل إنهلما شاء من ذرو الكلام فصيح
وقائلة لولا الهوى ما تجشّمتبه نحوكم عبر السفار طليح
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

جرى يوم سرنا عامدين لأرضنا. على التوالي إلى قوله وقالوا دم. المشيح والشحشاح والشحشحان: المواظب على الشيء المجدّ فيه. وكذلك رواه غير أبي علي: من ذرو الكلام: أي شئ تسمعه خفيّ. وقطريّة: إبل منسوبة إلى قطر وهي بالبحرين. ودليح: ثقيل يقال مرّ يدلح إذا مرّ متثاقلاً. وقوله أو لينه البخل: هذه النون هي نون جمع المؤنث كما تقول ارمينه يا نسوة. وعقاب بإعقاب: بالكسر بخطّ أبي عليّ. وقوله: ودام لنا حلو الصفاء صريح: حلو الصفاء: هو نعت لشيء محذوف ولولا ذلك مانعته بعد بصريح كأنه عهد حلو الصفاء أو ودّ.

وأبو حيّة: هو الهيثم بن الرّبيع بن كثير بن جناب النميري من شعراء الدولتين وهو شاعر محسن على لوثة كانت فيه.

وأنشد أبو علي "، " لابن أبي فنن:

ولما أبت عيناي أن تملكا البكاوأن تحبسا سحّ الدموع السواكب
تثاءبت كي لا ينكر الدمع منكرولكن قليلاً ما بقاء التثاؤب
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

هو أحمد ابن أبي فنن، واسم أبي فنن صالح مولى للربيع بن يونس، يكنى أحمد أبا عبد الله وكان أسود، وهو شاعر مجيد من شعراء بغداد وكانت له أغراض مستطرفة ومعان مستحكمة منها قوله:

وحياة هجرك غير معتمدإلاّ رجاء الحنث في الحلف
ما أنت أحسن ما رأيت ولاكلفي بحبّك منتهى كلفي

أراد أنها أحسن من رأى وأن كلفه بها فوق كل كلف، فأقسم بحياة هجرها وتوخيّ الخلاف في الجواب لعل الهجر يموت وإن كان ابن المعتزّ قد أشار إلى هذا المعنى بقوله:

وحياة عاذلتي لقد صارمتهوكذبت بل واصلته وحياته
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «نطقت مناطق خصره بصفاته»

إلاّ أن ذلك أحسن وقائله أقدم والفضل للمتقدم لأن ابن أبي فنن إنما شهر بالشعر في أيام المتوكّل، واستفرغ شعره في الفتح بن خاقان.

وأنشد أبو علي "، " متّصلاً بما ذكرنا شعراً أوله:

يقولون ليلى بالمغيب أمينةله وهو راع سرّها وأمينها
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «يقولون ليلى بالمغيب أمينة»
فإن تك ليلى استودعتني أمانةفلا وأبى أعدائها لا أخونها

ع هذا قسم إن كان على مذهب ابن أبي فنن فإنه سيخونها وإن كان على حقيقة القسم فأي حقّ لأبي أعدائها. وقد قال بعضهم إن حيّ الشاعر كانوا حرباً لحيّ المرأة وأبو أعدائها أبو حيّ الشاعر نفسه.

قال أبو علي "، " في قول إسحاق:

إن ترى شيباً علاني فإنّيمع ذاك الشيب حلو مزير

وفيه قول رابع قيل إذا كان الرجل شديد القلب رابط الجأش فهو مزير. وهذا التبيين أوقع هنا لقوله بعده:

قد يفلّ السيف وهو جرازويصول الليث وهو عقير
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

وأنشد أبو علي "، " للجعديّ:

يصممّ وهو مأثور جرازإذا جمعت لقائمه اليدان

ع قبله:

وقد أبقت صروف الدهر منّيكما يبقي من السيف اليماني

يصمّم. وبعده:

مضى عصر وما يشرى بمالولو سيقت به مائتا هجان

ورواية أبي علي عن إبراهيم بن محمد بن عرفة: تحسّر وهو مأثور جراز. كذا نقلته من خطّ أبي عليّ. وقوله تحسّر أي نحل ورقّت حديدته. مأثور فيه أثر والأثر الفرند. وقوله إذا جمعت بقائمه اليدان: يريد اليد العضو والأيد القوّة فثنّى على الأخفّ. فقال اليدان لأن اليد لا تغني إلاّ بالشدّة.

قال:

وترى الحسام على جرآءة حدّهمثل الجبان بكفّ كل جبان

وقال أبو الطيّب:

وما السيف إلاّ بزّغاد لزينةإذا لم يكن أمضى من السيف حامله

وقال أبو تمام:

وقد يكهم السيف المسمّى منيّةوقد يرجع المرء المظفّر خائبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أأيامنا ما كنت إلا مواهبا»
فآفة ذا أن لا يصادف مضرباًوآفة ذا أن لا يصادف ضارباً

وما يشري: أي لا يباع. ويشرى يكون أيضاً بمعنى يشتري وكذلك بعت يكون بالمعنيين. مائتا هجان: يعني الإبل الكرام البيض. وهجان يقع على الواحد والجميع.

والنابغة هذا هو قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة يكنى أبا ليلى صحب النبي ﷺ وروى عنه ومدحه ودعا له رسول الله ﷺ على بعض ما استحسنه من شعره وهو قوله:

ولا خير في حلم إذا لم تكن لهبوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي عوجا ساعة وتهجرا»
ولا خير في جهل إذا لم يكن لهحليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي عوجا ساعة وتهجرا»

فقال لا يفضض الله فاك فعاش مائتين وعشرين سنة لم تنقضّ له ثنيّة أي لم تتحرّك عاش ثلاثة قرون والقرن ثمانون سنة وقال في ذلك:

صحبت أناساً فأفنيتهموأفنيت بعد أناس أناسا
ثلاثة أهلين أفنيتهموكان الإله هو المستآسا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لبست أناسا فأفنيتهم»

وتحنّف في الجاهلية وهجر الأوثان والأزلام وكان يصوم ويستغفر قال:

الحمد لله لا شريك لهمن لم يقلها فنفسه ظلما
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «الحمد لله لا شريك له»

وأنشد أبو علي "، " للأسود بن يعفر:

وكنت إذا ما قرّب الزاد مولعاًبكلّ كميت جلده لم يوسّف
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «ليبك عقالاً كل كسر مؤربٍ»

ع قال الأسود يهجو عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع وكان عقال قد أضاف طهويّاً فنحر له وجعل ذلك اللحم خزيراً فأكثر عقال من الأكل فعيّره الأسود ذلك فقال:

ليبك عقالاً كل كسر مؤرّبمذاخره للآكل المتحيف
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «ليبك عقالاً كل كسر مؤربٍ»
فتجعل أيد في حناجر أقنعتلعادتها من الخزير المغرّف
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «ليبك عقالاً كل كسر مؤربٍ»

وكنت إذا ما قرّب الزاد مولعاً

هكذا الرواية في أماليّ أبي علي وكنت بالضمّ وكذلك الرواية في شعر الأسود يصف نفسه أنه يكتفي في زاده بالتمر عن الخزير وعن أكسار البعير يقال كسر مؤرّب أي عظيم تامّ لحمه. وقد رواه قوم بفتح التاء.

وهو الأسود بن يعفر ويقال يعفر بضم الياء والعين هكذا مختار بعض اللغويين ابن عبد الأسود بن جندل بن نهشل بن دارم شاعر جاهليّ يكنى أبا نهشل.

وأنشد أبو علي "، " لهدبة بن خشرم:

طربت وأنت أحياناً طروبوكيف وقد تعلاّك المشيب
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
يجدّ النأي ذكرك في فؤاديإذا ذهلت عن النأي القلوب
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

ع عن هنا بمعنى من أجل. وفيها:

ألا ليت الرياح مسخّراتبحاجتنا تباكر أو تؤوب
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

وبخطّ أبي عليّ تصبّح أو تؤوب. وقوله:

فإنا قد حللنا دار بلوى

هذا الشعر وغيره يقوله في سجن عثمان بالمدينة لأنه أصاب دم رجل من قومه يقال له زيادة بن زيد وكان لزيادة ابن صغير يسمّى المسور، فلم يزل هدبة مسجوناً حتى أدرك المسور فبذل له أشراف أهل المدينة عشر ديات في أبيه ليخلّصوا هدبة فأبى إلاّ القود، وكان زيادة أبوه كلما نازع هدبة فيما كان بينهما قال:

سأجزيكمو ما دمت حيّاً فإن أمتفيوم لكم نحس إذا شبّ مسور

فكان كما قال قتله مسور صبراً. قال ابن المسيّب هدبة أول مصبور بالمدينة بعد عهد رسول الله ﷺ ولهم خبر طويل. وهو هدبة بن خشرم بن كرز بن حجير

من سعد هذيم وهو سعد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة.

وأنشد أبو علي "، " للمتلمّس:

ألم تر أن الجون أصبح راسياً

صلته:

وما الناس إلاّ ما رأوا وتحدّثواوما العجز إلاّ أن يضاموا فيجلسوا
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»
ألم تر أنّ الجون أصبح راسياًتطيف به الأيام ما يتأيّس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»
عصى تبّعاً أيام أهلكت القرىيطان عليه بالصفيح ويكلس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»

الجون: حصن اليمامة سمّي بذلك للونه، ويزعمون أن تبّعاً لمّا غزا القرى أعياه هذا الحصن. وروى الأصمعي:

يطان على صمّ الصفيح ويكلس

يقول فالناس على خلاف ذلك ليسوا حجارة، فلا ينبغي لهم قبول الضيم رجاء الحياة.

واسم المتلمّس جرير بن عبد المسيح بن عبد الله من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان. ولقّب المتلمّس ببيت قاله في هذا الشعر وهو:

فهذا أوان العرض حيّ ذبابهزنابيره والأزرق المتلمّس

وأنشد أبو علي "، " للطريف العنبريّ:

إن قناتي لنبع ما يؤيّسهاعضّ الثقاف ولا دهن ولا نار

ع وبعده:

وإن جاري لا يرضى لمنعتهبأن يكون له من غيرنا جار

وهو طريف بن تميم العنبري يكنى أبا عمرو فارس من فرسان بني تميم شاعر مقلّ جاهليّ قتله حمصيصة الشيبانيّ بشراحيل الشيباني من بني أبي ربيعة.

وقال أبو علي "، " اجتمع طريف بن العاصي الدوسي وهو جدّ طفيل ذي النور ابن عمرو بن طريف والحارث بن سفيان بن لجإ بن منهب عند بعض مقاول حمير فتفاخرا، فقال الملك للحارث: يا حار ألا تخبرني بالسبب الذي أخرجكم عن قومكم وذكر الحديث إلى آخره.

ع هو الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاصي بن ثعلبة بن سليم بن فهم الدوسيّ وفد على رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله: إن قومي غلب عليهم الزنا فادع الله عليهم. فقال: اللهم اهد دوساً. فقال يا رسول الله: اجعل لي آية يهتدون بها. فقال: اللهم نوّر له: فسطع نور بين عينيه. فقال: يا رب أخاف أن يقولوا مثلة، فتحوّل إلى طرف سوطه، فلما وفد على قومه بالسراة جعلوا يقولون إن الجبل ليلتهب ناراً، وكان أبو هريرة ممن اهتدى بتلك العلامة في بعض الحديث. وفيه: " واسم صاحبهم عنقش " عنقش النون فيه زائدة، يقال عقشت بالشيء: جمعته، وعقشت العود: ثنيته، فجمعت طرفيه وأنكر الخليل عنقشاً وقال: إنه مصنوع. وأنشد في الخبر:

وإن كلام المرء في غير كنههكالنّبل تهوي ليس فيها نصالها
للشاعر هبيرة بن أبي وهب المخزومي، اقرأ القصيدة

إذا لم يكن عليها نصال طاشت فلم تقرطس وعارت يميناً وشمالاً. فضرب ذلك مثلاً للكلام في غير كنهه كما قال المتوكل:

الشعر لبّ المرء يعرضهوالقول مثل مواقع النبل
للشاعر المتوكل الليثي، اقرأ القصيدة
منها المقصّر عن رميّتهونوافذ يذهبن بالخصل
للشاعر المتوكل الليثي، اقرأ القصيدة

" ومثل هذا قول الآخر:

وإنما الشعر لبّ المرء يعرضهعلى المجالس إن كيساً وإن حمقاً "
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «وإنما الشعر لب المرء يعرضه»

وأنشد أبو علي "، " للبيد:

رعى خرزات الملك عشرين حجّة

وصلته:

وغسّان زلّت يوم جلّق زلّةبسيّدها والأريحي الحلاحل
رعى خرزات الملك عشرين حجّةوعشرين حتى فاد والشعب شامل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»
فأضحى كأحلام النيام نعيمهموأيّ نعيم خلته لا يزايل

ويروى وسيّدها. قوله: رعى خرزات الملك: يريد تاج الملك أي ساس الملك أربعين سنة. وذكر أبو عبيدة أن الملك كان إذا مضى لملكه عام زاد في تاجه خرزة فكان يعلم سنو ملكه بعدد خرزاته. وقوله:

وأي نعيم خلته لا يزايل

هذا كقوله في استفتاح القصيدة:

ألا كل شيء ما خلا الله باطلوكل نعيم لا محالة زائل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»

وأنشد أبو علي "، " للأعشى:

جيادك في الصيف في نعمةتصان الجلال وتنطي الشعيرا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «غشيت لليلى بليل خدورا»

ع وبعده:

سواهم جذعانها كاجلامأقرح منها القياد النسورا
ينازعن أرسانهنّ الرواةشعثاً إذا ما علون الثغورا

قال ثعلب في قوله: جيادك في الصيف يضعّف هذا البيت من شعر الأعشى ويستهجن وهو يمدح به هوذة بن عليّ أحد الملوك المتوّجين وقد كتب إليه رسول الله ﷺ كما كتب إلى الملوك. ونظيره في الهجنة قول النابغة الذبياني يمدح النعمان:

ويأمر لليحموم كلّ عشيّةبقتّ وتعليق وقد كاد يسنق
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أرقت وما هذا السهاد المؤرق»

والجلام: تيوس من الظباء. والرواة: الخدّام الذين يشدّون بالأروية.

وأنشد أبو علي "، ":

الباغي الحرب يسعى نحوها ترعاًحتى إذا ذاق منها جاحماً بردا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ألباغي الحرب يسعى نحوها ترعا»

قوله برد: معناه ثبت، ومنه قولهم برد فلان كذا: أي ثبت. قال الراجز:

اليوم يوم بارد سمومهمن جزع اليوم فلا ألومه

أي ثابت حرّه وشدّته.

وأنشد أبو علي "، " للأعشى أيضاً:

حتى إذا لمع الدليل بثوبه

ع قبله:

طال القياد لها فلم تر تابعاًللخيل ذا رسن ولا أعطى لها
وسمعت أكثر ما يقال لها اقدميوالنصّ والإيجاف كان صقالها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»
حتى إذا لمع الدليل بثوبهسقيت وصبّ رواتها أشوالها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

يقول بعدت الغارة حتى أزحفت الخيل فرسنوا منها ما يطمعون في انقياده وعطّلوا بقيّتها، فربما تبع المرسنون وربما قام فترك. وقوله والنصّ والإيجاف كان صقالها هذا مثل قول علقمة:

تراد على دمن الحياض فإن أبتفإن المندّى رحلة وركوب

ثم قال: فلما لمع الربيء وساروا إلى الغارة سقوا خيلهم ثم صبّوا بقيّة الماء ليقاتلوا على ماء القوم كما فعل قيس بن عاصم يوم مسلّحة.

وأنشد أبو علي "، " لذي الرمّة:

يقطّع موضوع الحديث ابتسامها

ع صلته:

من الواضحات البيض تجري عقودهاعلى ظبية من رمل فاردة بكر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أتعرف أطلالا بوهبين والحضر»
تبسّم إيماض الغمامة جنّهارواق من الظّلماء في منطق نزر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أتعرف أطلالا بوهبين والحضر»
يقطّع موضوع الحديث ابتسامهاتقطّع ماء المزن في نزف الخمر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أتعرف أطلالا بوهبين والحضر»

يريد على ظبية بكر من رمل فاردة أي رملة انقطعت من معظم الرمل. وقوله: تبسّم إيماض الغمامة: يقول كأن ابتسامها لمع برق في غمامة. وجنّها رواق من الظلماء: أي ألبسها يعني لعس شفتيها ولمى لثاتها كما قال ابن المعتزّ:

لما تفرّى أفق الضياءمثل ابتسام الشفة اللمياء

فجعل الشفة بإزاء الليل، واللعس بإزاء الصبح، وكأن ابن المعتز إنما أخذ هذا من قول أبي تمام في المديح بثبات الجنان في الحرب فنقله إلى النسيب:

أنسى ابتسامك والألوان كاسفةتبسّم الصبح في داج من الظلم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أبا سعيد وما وصفي بمتهم»

وقوله في منطق نزر: كأنه مع قلّة كلام كما قال في أخرى:

لها بشر مثل الحرير ومنطقرخيم الحواشي لا هواء ولا نزر

وقال ابن أحمر:

تضع الحديث على مواضعهوكلامها من بعد ذا نزر
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عوجوا فحيوا أيها السفر»

موضوع الحديث: مخفوضه. يقول: تبسّم في خلال حديثها، فيقطع ذلك التبسّم حديثها فشبّه طيب حديثها بطيب ماء السماء ممزوجاً بالخمر، والخمر إذا شجّت بالماء تقطّعت وعلاها حباب ثم سكنت.

وأنشد أبو علي "، " لأبي ذؤيب:

يقولون لما جشّت البئر أوردوا

ع قال أبو ذؤيب يصف القبر وما يؤول إليه أمره من إيراده إيّاه:

وقد بعثوا فرّاطهم فتأثّلواقليباً سفاها كالإماء القواعد
يقولون لّما جشّت البئر أوردواوليس بها أدنى ذفاف لوارد
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أعاذل إن الرزء مثل ابن مالك»
فكنت ذنوب البئر لّما تبسّلتوسربلت أكفاني ووسّدت ساعدي
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أعاذل إن الرزء مثل ابن مالك»

شبّه الذين يتقدّمون لحر قبره بالفرّاط الذين يتقدّمون لإصلاح الحياض والدلاء، وجعل القبر كالقليب الذي ينبط وهو البئر، والتذكير في القليب أعرف. وسفاهاً: مدرها. وجعلها كالإماء القواعد لأنهن مستوفزات للخدمة لسن بمطمئنّات ولذلك خصّ الإماء. وجشّت: كبست وأصلحت. ثم كان هو ذنوب تلك البئر التي تورد فيها. وتبسّلت: كره منظرها. والذفاف: البلل اليسير السريع الجفوف، وأصل الذفّ السرعة.

وأنشد أبو علي "، " لسوّار بن حبّان المنقريّ:

ونحن حفزنا الحوافزان بطعنةكسته نجيعاً من دم الجوف أحمرا

ع هذا وهم من أبي علي أو ممّن أنشده البيت، وإنما هو من دم الجوف أشكلا.

وبعده:

وحمران قيس أنزلته رماحنافعالج غلاّ في ذراعيه مقفلا
قضى الله أنّا يوم نقتسم العلاأحقّ بها منكم فأعطى وأفضلا

وهو سوّار بن حبّان المنقري شاعر جاهلي إسلاميّ. وحمران الذي ذكر هو حمران

بن عبد عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد. يقول هذا الشعر في يوم جدود.

وأنشد أبو علي "، " للكميت:

وجاءت حوادث في مثلها.

ع صلته:

فهذا لهذا ولما رأتأن ليس عن رحلة مزحل
وجاءت حوادث في مثلهايقال لمثلي ويهاً فل
جعلت المطيّ دواء الهموموذو الطبّ يعلم ما يجعل
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «فهذا لهذا ولما رأيت»

يقول هذا الكلام لما أنبأتك به. وفل أراد يا فلان فحذف الألف والنون وترك ما بقي اسماً على حياله يعمل فيه الإعراب قال الراجز:

في لجّة أمسك فلاناً عن فل

ولو كان قول الكميت على الترخيم لقال فلا لأنك إذا رخّمت اسماً قبل آخر حرف منه ياء ساكنة أو واو ساكنة أو ألف حذفتها مع آخر حرف منه إذا كان ما يبقى على ثلاثة أحرف أو أكثر، فإن كان ما يبقي حرفين لم تحذفها تقول في عباد يا عبا وفي زياد يا زيا وفي ثمود يا ثمو وفي سعيد يا سعي.

وأنشد أبو علي "، ":

واهاً لريّا ثمّ واهاً واهايا ليت عينيها لنا وفاها

ع وتمامه:

بثمن نرضي به أباها

وأنشد أبو علي "، " للعجّاج:

عف فلا لاص ولا ملصيّ

ع وقبله:

إني امرؤ عن جارتي كفيّعن الأذى إنّ الأذى مقليّ
وعن تبغّي سرّها غنيعفّ فلا لاص ولا ملصيّ

كفيّ: أي غنيّ يقول لا أوذيها لأن الأذى مقليّ. وعن تبغّي سرّها: السرّ النكاح ويكبون ما استسرّ به أي لا أطلب أخبارها. لا لاص ولا ملصيّ: يقول لست بشاتم ولا مشتوم.

أنشد أبو علي "، " لرجل من بني كلاب شعراً فيه:

أصدّ عن البيت الذي فيه قاتليوأهجره حتى كأنّي قاتله

ع ومثل هذا قول ابن الدمينة:

وإنّك من بيت إليّ لمعجبوأحسن في عيني من البيت عامره
أصدّ حياء أن يلجّ بي الهوىوفيك المنى لولا عدوّ أحاذره
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «ألا حب بالبيت الذى أنت هاجره»

وقال آخر:

أمرّ مجنّباً عن بيت ليلىولم ألمم به وبي الغليل
أمرّ مجنّباً وهواي فيهفطرفي عنه منكسر كليل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أمر مجنيا عن بيت ليلى»
وقلبي فيه معتقل فهل ليإلى قلبي وساكنه سبيل

وأحسن ما ورد في هذا المعنى قول الأحوص:

يا بيت عاتكة الذي أتعزّلحذر العدا وبه الفؤاد موكّل
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يا بيت عاتكة الذي أتعزل»
إنّي لأمنحك الصدود وإننيقسماً إليك مع الصدود لأميل

يعني عاتكة بنت عبد الله بن معاوية ابن أبي سفيان وعبد الله هو الذي يلّقب بمنقّث.

وكانت عاتكة هذه عند يزيد بن عبد الملك بن مروان. وأم يزيد هذا عاتكة بنت يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان. ولهذا البيت الأول خبر طريف يدخل في باب التعريض اللطيف واللحن الخفيّ الظريف. وذلك أن المنصور أبا جعفر لما أتى البصرة اختار رجلاً من أهلها أديباً فصيحاً عالماً بأهلها وأخبارهم ليقفه على دور أشراف أهل البصرة ويعلمه أخبارهم،

فكان يركب معه البصريّ ليلاً، فإذا مرّ المنصور بدار فسأل عن صاحبها قال يا أمير المؤمنين هذه دار فلان، وكان من خبره كذا وكذا وكان من أمره كذا، وكان البصري لأدبه لا يبدؤه بلفظ حتى يكون جواباً لسؤاله، فأمر له المنصور في بعض تلك الليالي بصلة فتعقّب عليها فيها المأمور بها وهو الربيع بن يونس وقال لابدّ من معاودته فأمسك البصريّ عن ذلك وتمادى على حاله من مسايرة المنصور ومسامرته. فمرّ في بعض تلك الليالي بدار عاتكة. فقال مبتدئاً: يا أمير المؤمنين وهذه دار عاتكة التي يقول فيها الأحوص:

يا دار عاتكة التي أتعزّل

وسلّم وانصرف. فأنكر المنصور هذا من حاله ومن ابتدائه بذكره وفكّر في أمره، فعرض الشعر على نفسه فإذا فيه يمدح عمر بن عبد العزيز:

وأراك تفعل ما تقول وبعضهممذق الحديث يقول مالا يفعل
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «زايلت ما صنعوا إليك برحلة»

قال يا ربيع أدفعت إلى الرجل ما أمرنا له به. فقال لا يا أمير المؤمنين. قال: فليدفع إليه مضاعفاً، وهذا من تعريض هذا البصري كقول الشاعر:

ألا ربّ من أطنبت في ذمّ غيرهلديه على فعل أتاه على عمد
ليعلم عند الفكر في ذاك أنّنينصحت له فيما أتيت به جهدي

وأنشد أبو علي "، " لزهير:

كما استغاث بسيء فزّغيطلةخاف العيون فلم ينظر به الحشك

ع وقبله. قال وذكر القطاة:

حتى استغاثت بماء لا رشاء لهمن الأباطح في حافاته البرك
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا»
مكلّل بأصول النبت تنسجهريح خريق لضاحي مائه حبك
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا»
كما استغاث بسيء فزّغيطلةخاف العيون فلم ينظر به الحشك

السيء: ما كان من اللبن قبل أن تدرّ الناقة. والحشك:

الناقة بلبنها فحرّك الشين ضرورة. يقول يخاف الفصيل أن ينظر إليه الراعي فلا يدعه يشرب فانتهز فرصته.

وهو زهير ابن أبي سلمى واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح المزنيّ من مزينة مضر وزهير شاعر جاهليّ يكنى أبا بجير. وأكثر الناس يقول إنه أشعر الشعراء.

وأنشد أبو علي "، " لأيمن بن خريم:

وصهباء جرجانيّة لم يطف بهاحنيف ولم تنغر بها ساعة قدر
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

قال المؤلف: والصحيح أن هذا الشّعر للأقيشر كذلك قال ابن قتيبة وغيره وهو ثابت في ديوان شعره.

والأقيشر: لقب غلب عليه لأنه كان أحمر أقشر. واسمه المغيرة بن أسود بن وهب من بني أسد بن خزيمة يكنى أبا معرّض ويقال أبا معرض مخفّف شاعر إسلاميّ.

فأما أيمن فهو أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي وخريم له صحبة وهو ممّن اعتزل الجمل وصفّين وما بعدهما من الأحداث وهو منسوب إلى جدّه الأعلى لأنه خريم بن الأخرم بن شدّاد بن عمرو بن فاتك، وكان أيمن فارساً شريفاً، وكان يتشيّع، وكان به وضح، وقوله فيها:

أتاني بها يحيى وقد نمت نومةوقد غابت الشّعرى وقد جنح النسر
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

روى غيره وقد غابت الشعرى وقد طلع النسر، وهو الصحيح لأن الشعرى العبور إذا كانت في أفق المغرب كان النسر الواقع طالعاً من أفق المشرق على نحو سبع درجات وكان النسر الطائر لم يطلع، وإذا كانت الشعرى الغميصاء في أفق المغرب كان النسر الواقع حينئذ غير مكبّد فكيف أن يكون جانحاً، وكان النسر الطائر حينئذ في أفق المشرق طالعاً على نحو سبع درجات أيضاً، فرواية أبي علي لا تصحّ عند التدبرّ ألبتّة، فكأن النسر الواقع نظير للشعرى العبور. قال الشاعر:

وإنّي وعبد الله بعد اجتماعنالكالنسر والشعرى بشرق ومغرب

يلوح إذا غابت من الشرق شخصهوإن تلح الشعرى له يتغيّب

وقال أبو نواس:

وخمّارة نبّهتها بعد هجعةوقد لاحت الجوزاء وانغمس النسر
فقالت من الطرّاق قلت عصابةخفاف الأداوي يبتغي لهم الخمر

والشعرى سابقة في الطلوع للجوزاء ولذلك سمّيت كلب الجبّار والجبّار اسم للجوزاء. ويروى:

وقد لاحت الشعرى وقد جنح النسر.

وقوله:

ولم يحضر القسّ المهينم نارها.

الهينمة، والهتملة: الكلام الخفيّ. قالت الكميت:

ولا أشهد الهجر والقائليهإذا هم بهينمة هتملوا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «ولا أشهد الهجر والقائلية»

وقوله:

فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأىوإن مدّ أسباب الحياة له العمر

يقال نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة، ونفست عليه به إذا لم تره أهلاً له، ومثل هذا المعنى قول الأعور الشّنيّ:

إذا ما المرء قصّر ثم مرّتعليه الأربعون من الرجال

ويروى من الخوالي.

ولم يلحق بصالحهم فدعهفليس بلاحق أخرى الليالي

ويروى هذا الشعر ليزيد بن خذّاق.

وأنشد أبو علي "، " لابن الدمينة شعراً فيه:

وكم لائم لولا نفاسة حبّهاعليك لما باليت أنّك خابره

ع يحتمل أن يريد لولا نفاسة حبّها لصرت إلى ما يدعوني إليه من هجرها حتى أختبر ذلك ويحتمل أن يريد لولا نفاسة حبّها ما كنت أبالي أن يراها فيهيم بها ويعذرني في حبّها، ولكني أنفس عليه ذلك فيكون كقول بعض المحدثين وهو ابن وكيع:

أبصره عاذلي عليهولم يكن قبل ذا رآه
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
فقال لي لو هويت هذاما لامك الناس في هواه
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
قل لي إلى من عدلت عنهفليس أهل الهوى سواه
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
فصار من حيث ليس يدرييأمر بالحبّ من بهاه

وينظر إلى هذا المعنى قول القائل وهو علي بن عبد الله الجعفري من ولد جعفر ابن أبي طالب:

ولما بدا لي أنها لا تودّنيوأنّ هواها ليس عني بمنجل
للشاعر أبو الحسن الجعفري، اقرأ القصيدة
تمنّيت أن تبلى بغيري لعلّهاتذوق حرارات الهوى فترقّ لي

وهذا مذهب مهجور فيه ما فيه. ويروى بيت ابن الدمينة وكم قائل فيكون الضمير على هذا في قوله خابره عائداً على حبها، والمعنى لولا أنك تنفس حبّها على نفسك إن جادت لك بالوصال لما باليت أن تنال لذّتك منها، ويقوّي هذا التأويل وهذه الرواية قوله موصولاً بالبيت:

أحبّك يا ليلى على غير ريبةوما خير حبّ لا تعفّ سرائره
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «ألا حب بالبيت الذى أنت هاجره»

وفيه:

فماذا الذي يشفي من الحبّ بعدماتشرّبه بطن الفؤاد وظاهره
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «ألا حب بالبيت الذى أنت هاجره»

هذا مثل قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:

شققت القلب ثم ذررت فيههواك فليم فالتأم الفطور
للشاعر عبيد الله بن مسعود الهذلي، اقرأ القصيدة

وابن الدمينة هو عبد الله بن عبيد الله أحد بني عامر بن تميم الله وأمّه الدمينة بنت حذيفة السلوليّة شاعر متقدم من شعراء الدولة الأمويّة.

وأنشد أبو علي "، " لأبي الطريف:

أتهجرون فتى أغرى بكم تيهاً

ع هو أبو الطريف علي بن سليمان السلميّ اليماميّ شاعر مطبوع وبخط أبي علي شيّعتهم فاسترابوا بي بالباء ويعلو كذا صعداً وصعدا معاً و " قلت التنفّس للإدلاج نحوكمو "

و " ماء عيني جار " هذا كله بخطّه. وهذا الشعر الذي نسبه إلى أبي الطريف هو ثابت في ديوان شعر خالد الكاتب وأوّله هناك:

زمّوا المطيّ غداة البين وارتحلواوخلّفوني على الأطلال أبكيها

وأنشد أبو علي "، " لأبي بكر ابن دريد:

قلب تقطّع فاستحال نجيعاًفجرى فصار مع الدموع دموعاً
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «قلب تقطع فاستحال نجيعا»

ع قد كرّر هذا المعنى فقال:

لا تحسبي دمعي تحدّر إنمانفسي جرت في دمعي المتحدّر
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «ليس المقصر وانيا كالمقصر»

وأول من سبق إلى هذا المعنى أبو حيّة النميري قال:

نظرت كأنّي من وراء زجاجةإلى الدار من ماء الصبابة أنظر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
فعيناي طوراً تغرقان من البكافأعشى وطوراً تحسران فأبصر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وليس الذي يهمي من العين دمعهاولكنه نفس تذوب فتقطر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة

وفيه:

عجباً لنار ضرّمت في صدرهفاستنبطت من جفنه ينبوعا
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «قلب تقطع فاستحال نجيعا»

نبّهه على هذا المعنى أبو تمّام بقوله في صفة برق:

يا سهم للبرق الذي استطاراثاب على رغم الدّجى نهارا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا سهم للبرق الذي استطارا»
آض لنا ماء وكان ناراأرضى الثرى وأسخط الغبارا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا سهم للبرق الذي استطارا»

وأصحاب المعاني ينشدون في مثله:

نار تجدّد للعيدان نضرتهاوالنار تلفح عيدانا فتحترق

وسيأتي هذا الشعر بكماله إن شاء الله "، ".

وأنشد أبو علي "، ":

نسى الأمانة من مخافة لقّح

وهو للراعي وقد مضى ذكره. وقبل البيت قال يشكو إلى عبد الملك بن مروان المصدّقين:

إن الذين أمرتهم أن يعدلوالم يفعلوا مما أمرت فتيلا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ما بال دفك بالفراش مذيلا»
أخذوا المخاض من العشار غلبّةظلماً وتكتب للأمير أفيلا
أخذوا العريف فقطّعوا حيزومهبالأصبحيّة قائماً مغلولا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «مَا بَالُ دَفِّكَ بالْفِرَاشِ مَذِيلاَ»
حتى إذا لم يتركوا لعظامهلحماً ولا لفؤاده معقولا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ما بال دفك بالفراش مذيلا»
نسي الأمانة من مخافة لقّحشمس تركن بضيعه مجزولا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ما بال دفك بالفراش مذيلا»

وأنشد أبو علي "، ":

تربّعت في حرض وحمض

ع هو لأبي محمد الفقعسيّ وقد مضى ذكره وبعدها أو بعد أشطار منها:

كأن صوت شخبها المرفضّكشيش أفعى أجمعت لعضّ

فهي تحكّ بعضها البعض

يصف غزرها وصوت شخبها لكثرة لبنها بكشيش الأفعى وكشيشها بجلدها وفحيحها بفيها.

وأنشد أبو علي "، " لسلمى بن ربيعة:

حلّت تماضر غربة فاحتلّتفلجاً وأهلك باللوى فالحلّة
للشاعر عِلباء بن أرقم، اقرأ القصيدة

ع هكذا رواه أبو عليّ سلمى ولم يختلف الرواة أنه سلميّ بضم السين وتشديد الياء وهو سلميّ بن ربيعة بن زبّان بن عامر من بني ضبّة شاعر جاهلي، وابناه أبيّ وغويّة شاعران. وفلج: واد بطريق البصرة إلى مكّة. والحلّة: بفتح الحاء موضع حزن وصخور متصل رمل بجلد في بلاد بني ضبّة. وقوله:

وكأن في العينين حبّ قرنفلكحلت به أو سنبلا فانهلّت

هكذا رواه أبو تمام وهي أحسن من رواية أبي علي، لأنه يلزمه على روايته أن يقول كحلت بهما وقال كحلت به ولم يقل كحلتا ولا انهلّتا لأن الشّيئين إذا اصطحبا وقام كل واحد منها مقام صاحبه جرى كثيراً عليهما ما يجري على الواحد كما قال:

لمن زحلوفة زلّبها العينان تنهلّ

ولم يقل تنهلاّن. وقال الفرزدق:

ولو بخلت يداي بها وضنّتلكان عليّ للقدر الخيار

وقوله:

يسدد أبينوها الأصاغر خلّتي

إنما أضاف الخلّة إلى نفسه لأنه كان يسدّها وقوله:

تربت يداك وهل رأيت لقومهمثلي على يسري وحين تعلّتي
للشاعر عِلباء بن أرقم، اقرأ القصيدة

رجلاً إذا ما النائبات غشينه

قوله مثلي يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون مفعول رأيت فينتصب رجلا حينئذ على التمييز كقولك: لي مثله عبداً تقديره وهل رأيت مثلي من الرجال الذين إذا غشوا كفوا، والآخر أن يكون أراد هل رأيت رجلامثلي، فلما قدّم مثلي وهو نكرة نصب على الحال. واللام في قوله: له معلّقة بنفس رأيت كقولك: رأيت لبني فلان نعماً. ومناخ نازلة: يعني الأضياف. والجمى والمطا: عرق في الظهر. وقوله: واستعجلت هزم القدور فملّت، وروى غير أبي علي نصب القدور، والمعنى أنها للجوع لم تنتظر الطبيخ فملّت اللحم على النار. واللتيّا والّتي: كناية عن الداهية. والتزم هذا الشاعر اللام قبل التاء من هذه الأبيات وليست بواجبة لأن الرويّ إنما هو التاء، وقد يلتزم المدلّ مالا يجب عليه ثقة بنفسه وشجاعة في لفظه، وذلك موجود كثير.

وأنشد أبو علي "، " للأعشى:

غير ميل ولا عواوير في الهيجا

ع قبله:

جندك التالد العتيق من الساداتأهل القباب والآكال
غير ميل ولا عواوير في الهيجاولا عزّل ولا أكفال
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ما بكاء الكبير بالأطلال»
ودروع من نسج داود في الحيّوسوقاً يحملن فوق الجبال

يمدح بهذا الشعر الأسود بن المنذر. وذكر أبو علي الأكشف والأميل ولم يذكر الذي لا رمح له وهو الأجمّ، ولا الذي لا قوس معه وهو الأنكب، ويروى في الهيجا وسوقاً، والوسوق: الأحمال واحدها وسق.

وأنشد أبو علي "، " شعراً منه:

إذا قيل أين المشتفي بدمائهموأين الروابي والفروع المعاقل

المشتفي بدمائهم فيه معنيان أحدهما: أنه من أصاب منهم واحداً بثأره فهو له شفاء ولقتيله بواء، والدم الكريم هو الثأر المنيم كما قال الشاعر أنشده الأشناندانيّ:

لا يشربون دماءهم بأكفّهمإن الدماء الشافيات تكال

يقول إذا قتل منهم قتيل لم يأخذوا ديته إبلاً فيشربوا ألبانها. وقوله:

إن الدماء الشافيات تكال

يقول لا يرضى فيها إلا بالمكايلة وأخذ دم كما قال الآخر وهو أبو قيس ابن الأسلت الأنصاري:

لا نألم القتل ونجزى به الأعداء كيل الصّاع بالصّاع
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «قالت ولم تقصد لقول الخنا»

والمعنى الآخر: أنهم كانوا يرون أن الرجل إذا عضّه الكلب الكلب ففصد له شريف القوم نفسه وشرب من دمه شفي كما قال الشاعر وهو الحطئة:

بناة مكارم وأساة كلمدماؤهم من الكلب الشفاء
للشاعر الحصين بن حمام الفزاري، من قصيدة «بناة مكارم وأساة كلم»

وقال الفرزدق في ذلك:

ولو شرب الكلمى المراض دماءناشفتها وذو الداء الذي هو أدنف

وفيها قبل هذا:

وإذ لا ترود العين عنّا لبغيةولا يتخطّانا المروع الموائل

يقال فلان يوائل من كذا: أي ينجو منه. قال الشماخ:

توائل من مصكّ أنصبتهحوالب أسهريه بالذنين
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كلا يومي طوالة وصل أروى»

وفيه:

فأصبحت مثل النسر تحت جناحهقوادم صارتها إليه الحبائل

صارتها: أي أمالتها وضمّتها. قال الله سبحانه: " فصرهن إليك " وفيه:

ولكنّ قومي عزّهم سفهاؤهمعلى الرأي حتى ليس للرأي حامل

هذا كقول الأفوه:

لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهمولا سراة إذا جهّالهم سادوا

وقال أبو فراس الحمداني فأحسن:

كيف يرجى الفلاح من أمر قومضيّعوا الحزم فيه أيّ مضاع
بمطاع المقال غير سديدوسديد المقال غير مطاع

وأنشد أبو علي "، ":

تودّ عدوّي ثم تزعم أننيصديقك إنّ الرأي منك لعازب
للشاعر النابغة الشيباني، من قصيدة «تود عدوي ثم تزعم أنني»
وليس أخي من ودّني رأي عينهولكن أخي من ودّني وهو غائب

ع قد نسب هذان البيتان إلى بشار وما أحسن قول الآخر في معناهما:

أخوك الذي إن سرّك الأمر سرّهوإن غبت عنه ظلّ وهو حزين
يقرّب من قرّبت من ذي مودّةويقصي الذي أقصيته ويهين

وقال آخر:

وإن معشر دبّت إليك عداوةعقاربهم دبّت إليهم عقاربي
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «نشدتك بالله الذي حول بيته»

وقال ابن المعتزّ:

لم يبق مما فاتني كسبهإلا فتى يسلم لي قلبه
ينأى فلا يذهله نأيهعني ولا يفسده قربه
يكون حسبي من جميع الورىفي كل حال وأنا حسبه

وقال آخر:

فإنّ من الخلاّن من تشحط النوىبه وهو راع للحفاظ أمين
ومنهم كعبد القين أمّا لقاؤهفحلو وأمّا غيبه فظنون

وقال آخر:

عليّ لأخداني رقيب من الصفاتبيد الليالي وهو ليس يبيد
وإنّي لأستحي أخي أن أبرّهقريباً وأن أجفوه وهو بعيد

وقال المغيرة بن حبناء:

أخوك الذي لا ينقض الدهر عهدهولا عند صرف الدهر يزورّ جانبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أخوك الذي لا ينقض الدهر عهده»
وليس الذي يلقاك بالبشر والرضىوإن غبت عنه لسّعتك عقاربه
للشاعر الزبرقان بن بدر، اقرأ القصيدة

وأنشد أبو علي "، ":

أحبّ بلاد الله ما بين منعجإليّ وسلمى أن يصوب سحابها
للشاعر جمل السلمية، اقرأ القصيدة

ع وهما لامرأة من طئ وقبلهما:

ألم تعلمي يا دار بلجاء أنّنيإذا أخصبت أو كان جدباً جنابها

أحبّ بلاد الله

وتقدير الكلام في هذين البيتين أحبّ صوب سحاب بلاد الله إلى سحاب بلاد بها عقّ الشباب تمائمي ما بين سلمى ومنعج: يريد وسط سلمى ومنعج. فأحبّ ابتداء وأن يصوب بدل منه، وما بين ظرف وبلاد خبر الابتداء. ورواية أبي علي حلّ الشباب تمائمي. ورواه غيره: عقّ الشباب تمائمي. وقال ابن ميّادة في معناهما فأحسن:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةبحرّة حزوى حيث ربّتني أهلي
بلاد بها نيطت عليّ تمائميوحلّلن عني حين أدركني عقلي

وأنشد أبو علي "، ":

منعّمة يحار الطرف فيهاكأن حديثها سكر الشباب

يريد أنها تصبي بحديثها فيحدث لسامعه من التصابي والجذل مثل سكر الشباب، لأن الشباب في بلهنية. وفيه:

من المتصديّات لغير سوءتسيل إذا مشت سيل الحباب

ع ويروى الحباب بفتح الحاء، وكان أبو القاسم ابن الإفليليّ يأبى إلاّ ضمّها.

وتشبيه المشي بالحباب حباب الماء أفشى وأعرف. قال امرؤ القيس:

سموت إليها بعد ما نام أهلهاسموّ حباب الماء حالاً على حال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

وقال ابن الروميّ:

قضيت ذلك من قولي إلى فنقتلهو بمكتحل طوراً ومختضب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ما أنس لا أنس هنداً آخر الحقبِ»
جاءت تدافع في وشى لها حسنتدافع الماء في وشى من الحبب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ما أنس لا أنس هندا آخر الحقب»

وقال الراجز:

مالك لا تذكر أو تزوربيضاء بين حاجبيها نور

تمشي كما يطّرد الغدير

وقال ابن أبي ربيعة في مشية الحباب الحيّة:

فلمّا فقدت الصوت منهم وأطفئتمصابيح شبّت بالعشاء وأنوّر
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «أَمِنْ آلِ نُعْمِ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ»
وغاب قمير كنت أرجو غيوبهوروّح رعيان ونوّم سمّر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أمن آل نعم أنت غاد فمبكر»
وخفّض عني الصوت أقبلت مشيةالحباب وركني خيفة القوم أزور

هكذا نقلته من كتاب أبي علي الذي بخطّ ابن سعدان، وفي الطرّة: " الحباب الحيّة " وأنشد أبو علي "، ":

حديث لو أنّ الميت يوحي ببعضهلأصبح حيّاً بعد ما ضمّه القبر

هذا من قول توبة بن الحميّر، وقد تقدّم إنشاده وخبره " ص ":

ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت

ومن قول الأعشى. وقال العلماء: إنه أكذب بيت قالته العرب:

لو أسندت ميتاً إلى صدرهاعاش ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس ممّا رأوايا عجباً للميّت الناشر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»

وأنشد أبو علي "، ":

وحديثها كالقطر يسمعهراعي سنين تتابعت جدبا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «وحديثها كالقطر يسمعه»

ع ورواية أبي علي: تتايعت بالياء وهي رواية جيّدة لأن التتايع أخصّ بالشرّ.

وأنشد أبو علي "، " لابن الروميّ شعراً منه:

شرك العقول ونزهة ما مثلهاللمطمئنّ وعقلة المستوفز

ع روى غيره ونهزة ما مثلها.

وأنشد أبو علي "، " لبشّار:

وكأن رفض حديثهاقطع الرياض كسين زهراً

ع كان بشار قد وعدته هوى له أن تزوره ليلة فأخلفته فكتب إليها:

يا ليلتي تزداد نكراًمن حبّ من أحببت بكرا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ليلتي تزداد نكرا»
حوراء إن نظرت إليكسقتك بالعينين خمرا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا ليلتي تزداد نكرا»

وكأن رفض حديثها

ورفض حديثها: قطعه ومتفرّقه. ورفوض الناس فرقهم. قال الراجز:

من أسد أو من رفوض الناس

وروى غير أبي علي:

وكأنّ نبذ حديثها.

وأنشد أبو علي "، " لأبي علي البصير:

غناؤك عندي يميت الطربوضربك للعود يحيي الكرب
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة

ع أبو علي البصير: هو الفضل بن جعفر بن الفضل شاعر ظريف محسن من شعراء الدولة الهاشميّة وبليغ مفتنّ. وقال بعض الشعراء في مثل هذا المعنى:

ومغنّ كلّما غنّاكصوتاً قلت أشرك
فحزناً إذ تغنيّوطربنا حين أمسك

ومثل قوله:

ولو مازج النار في حرّهاحديثك أطفأ منها اللهب

ما أنشده عبد الصمد الكوفي. قال أنشدني الصنوبريّ:

إذا جواريك غنّوافاطرح علينا دثارا
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
واريتهم وحقيقلقبحهم أن يوارى
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
قد قلت إذ قال صحبيلم يضربون ستارا
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
" لو اطّلعت عليهمولّيت منهم فرارا "
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

وقال كشاجم:

غناء فريج بأرض الحجازيطيب وأمّا بحمص فلا
لبرد الغناء وبرد الهواءفإن جمعاً خفت أن يقتلا

وقال ابن الروميّ:

غنّى فلم يبق لنا جبّةمحشوّة إلاّ لبسناها
فلو ترانا لو نرى جمرةمن شدّة البرد أكلناها

وقال أبان اللاحقيّ في قيان أبي النضير

قيان أبي النضير مثلّجاتغناء مثل شعر أبي النضير
فإن رمت الغناء لديه فاصبرإذا ما جئته للزمهرير

وأنشد أبو علي "، " للأشتر النخعيّ:

بقيت وفري وانحرفت عن العلاولقيت أضيافي بوجه عبوس

ع الأشتر: اسمه مالك بن الحارث بن عبد يغوث فارس شاعر أدرك الجاهليّة

والإسلام وهو أحد أصحاب عليّ ﵁ وذوي النصرة والحميّة. واتفق العلماء أن هذا الاستفتاح أحسن قسم أقسم به شاعر وبعده قول الآخر في رواية من ينشده كما أنا ذاكره:

وإذا تأمّل شخص ضيف مقبلمتسربلاً أثواب محل أغبر
أومي إلى الكوماء هذا طارقفعقرت ركن المجد إن لم تعقري

ورواية أبي علي "، ":

نحرتني الأعداء إن تنحري

وقد تقدم فيما سلف من الكتاب ومن حسن القسم في النسيب قول ابن الروميّ:

لا وألحاظ العيون الساهرهبين أهداب الجفون الفاتره
ما تولّى آل وهب دولةفرآها الله إلاّ ظاهره
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لا وألحاظ العيون الساحره»

وقول البحتري وهو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد من بحتر بن عتود بن عنيز بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طئ سميّ بذلك لأنه أول من طوى المناهل:

أما وضحكتها عن واضح رتلتنبي عوارضه عن بارد شبم
للشاعر البحتري، من قصيدة «نشدتك الله من برق على إضم»
لقد كتمت هواها لو يطاوعنيدمع لجوج ووجد غير منكتم

ومن القسم في الهجاء قول دعبل فأفرط وتعدّى:

أيشتمني من حيّ كلب عبيدهاوحيّ كلاب تقطع الصلوات
فإن أنا لم أعلم كلاباً بأنّهاكلاب وأن الموت من نقماتي
فكان إذن من قيس عيلان والديوأميّ إذن من نسوة الحبطات

وأنشد أبو علي "، ":

ولكنّ عبد الله لمّا حوى الغنىوصار له من بين أخوته مال
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

ع قال الأصبهاني: إنهما لإبراهيم بن العباس الصولي يقولهما في عبد الله أخيه، وكان قاسمه ماله.

النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة (١٣٥٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.