من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
قول الأعرابي في صفة الفرس وإذا استدبر فهقل خاضب
قال المؤلف: تشبّه الخيل بالسباع لسعة أهبها وشدّة وثبها وبالظباء لطول أعناقها وجمال مقادمها وعرى قوائمها وتحديد عراقيبها وأطرها قال الشاعر:
إذا ردّ البصير الطرف فيهارأى خلق الظباء مع السباع
وقال الأجدع الهمداني:
والخيل تنزو في الأعنّة بيننانزو الظباء تحوّشت بالقاع
وقال امرئ القيس:
كتيس ظباء الحلّب انفرجت لهعقاب تدلّت من شماريخ ثهلان
وتشبّه بالظباء أيضاً لأن الظبي إذا مشى كأنه ينصبّ إلى ما بين يديه وكذلك الوعل قال الشاعر:
يبكون نضلة بالرماح علىجرد تكدّس مشية العصم
وقال مهلهل:
وخيل تكدّس بالدارعينمشى الوعول على الظاهره
وأما تشبيهها بالنعام فأكثر ما تشبّه بنعامتين متتابعتين لأنه إذا مشى ارتفعت عنقه مرّة وعجزه أخرى. وكذلك النعامتان إذا مشت المتقدّمة ارتفع الصدر وإذا مشت المتأخرّة ارتفع العجز. قال أبو دؤاد:
يمشي كمشي نعامتينتتابعان أشقّ شاخص
وقال آخر:
يمشي كمشي نعامة تبعتأخرى إذا هي راعها خطب
ومثل قول الأعرابي إذا استدبرته فهقل خاضب إلى آخره قول الآخر، وقد سئل أي الخيل أجود. فقال: الذي إذا استقبلته قعد، وإذا استدبرته ورد، وإذا استعرضته اطّرد. وسأل المهدي معن بن درّاج. أيّ الخيل أفضل؟ فقال: الذي إذا استقبلته قلت نافر، وإذا استدبرته قلت زاخر، وإذا استعرضته قلت زافر. ولاستحسانهم سعة جلودها يقول أبو الطيب ﵀:
وعيني إلى أذني أغرّ كأنهمن الليل باق بين عينيه كوكب
له فضلة عن جسمه في إهابهتجيئ على صدر رحيب وتذهب
وقال الجعدي:
ولوحاً ذراعين في بركةإلى جؤجؤ رهل المنكب
وأنشد أبو علي "، " لحسّان:
لعمرك إن إلّك من قريشكإلّ السقب من رأل النعام
ع هذا أو الشعر وبعده:
وأنت منوّط فيهم هجينكما نيط السرائح بالخدام
يقوله لأبي سفيان الحارث بن عبد المطّلب. والسرائح القدّ. وقد زعم بعضهم أن هذا الشعر يقوله حسّان لعقبة ابن أبي عمرو بن أميّة وذكروا أنه كان لزنية ولذلك قال له عمر حين أمر رسول الله بضرب عنقه فقال: أأقتل من بين قريش صبراً فقال
عمر: " حنّ قدح ليس منها " فقال: من للصبية يا محمد؟ فقال: النار. فولده يعرفون بصبية النار. وقد قيل في نفي عقبة عن نسبه غير هذا وإن رسول الله ﷺ قال له: وهل أنت إلاّ يهوديّ من صفورية. على ما يأتي بعد. وقد عاب ناس على حسّان هذا البيت وقالوا إنه أراد التبعيد فذكر شيئين قد يتشابهان من وجوه ألا تسمع قول الشاعر:
كمثل نعامة تدعى بعيراًتعاظمه إذا ما قيل طيري
وإن قيل احملي قالت فإنّيمن الطير المربّة بالوكور
وحسّان لم يرد التبعيد كما ظنّ هذا المنتقد وإنما أراد تضعيف نسبه في قريش وأنه حين وجد أدنى سبب اعتزى إلى ذلك النسب.
وهو حسّان بن ثابت بن المنذر الأنصاري يكنى أبا الوليد. قال القتبي ويكنى أيضاً أبا الحسام. وقال غيره إنما كان يلّقب الحسام وجرت عليه في الإسلام. وأمّه الفريعة خزرجية غلبت عليه، وهو جاهلي إسلامي متقدم الإسلام إلا أنه لم يشهد مع رسول الله ﷺ مشهداً لجبنه. عاش في الجاهلية ستّين سنة وفي الإسلام ستين سنة ومات في خلافة معاوية. واتّفقت العرب على أن أشعر أهل المدر أهل يثرب ثم عبد القيس ثم ثقيف
وعلى أن أشعر أهل يثرب حسّان. وقال الأصمعي الشعر نكر بابه الشرّ فإذا دخل في الخبر ضعف، هذا حسّان فحل من الفحول فلما جاء الإسلام سقط شعره.
وأنشد أبو علي "، ":
لمن زحلوفة زلّ
في كتاب الجمهرة في حرف أل ل أنه لامرئ القيس. قال ثعلب عن ابن الأعرابيّ: هذه لعبة للصبيان يجتمعون فيأخذون خشبة فيجعلوها على قوز من الرمل، ثم يجلس على أحد طرفيها جماعة وعلى الآخر جماعة فأي الجماعة التي كانت أثقل وأوزن شالت الأخرى حتى تخاف السقوط فينادون بأصحاب الطرف الآخر ألا خلّوا ألا خلّوا، أي تخفّفوا من عددكم حتى نساويكم، قال ومن رواه ألا حلّوا بالحاء فقد صحّف، قال وهذه أرجوحة عند العرب ومثلها الدوداة وهذه الزحلوفة مثلها قال: ثم يخرجون من هذه اللعبة إلى أخرى يقال لها: جلخ جلب. وقال بعض صبيانهم: لا أحسن اللعب إلاّ جلخ جلب أو أكل إنفحة بيضاء مصلحة في ضغن مقدحة قال ثعلب: ولم يأت على مثال جلخ جلب إلا إبل وإطل. والضغن الجانب. والمقدحة المغرفة. قال المؤلف: وكان شيوخنا يتلّقون هذا الرجز على أنه كناية عن القبر استعار له اسم الأرجوحة للاستفال فيه من العلوّ وهو موضع انهلال العين بالبكاء ولا موضع له في التفسير الآخر، ويصحّ على هذا التأويل الرواية ألا حلّوا بالحاء مهملة ويصحّ ترتيب الآخر والأوّل، فأما الترجّح على الخشبة فليس هنالك آخر ولا أول. وقال أبو الفتح ابن جني ويروى:
بها الفتيان تنسلّ
وهذا
أيضاً يقوّي التأويل الآخر ويؤيّده وقال:
بها العينان تهنلّ
ولم يقل تنهلاّن لمّا كانتا مصطحبتين وكانت كل واحدة منها لا تنفرد عن الأخرى كما قال سلميّ بن ربيعة:
فكأن في العينين حبّ قرنفلأو سنبلاً كحلت به فانهلّت
قال أبو بكر: قال الكلبي كل اسم في العرب في آخره إلّ أو إيل فهو مضاف إلى الله ﷿ نحو شرحبيل وشراحيل وشهميل، وما أشبه ذلك إلاّ زنجيلاً وهو الرجل النحيف قال:
لمّا رأت بعيلها زنجيلا
وقد خفف العرب الإلّ قال الأعشى:
أبيض لا يرهب الهزال ولايقطع رحماً ولا يخون إلا
وأنشد أبو علي "، " عن يعقوب:
مهر أبي الحبحاب لا تشلّىبارك فيك الله من ذي ألّ
ع وبعدهما:
ومن موصيّ لم يضع قولاً ليليس عليها مزيد
قال أصحاب أبي علي وقّفناه على قوله: بارك فيك الله من ذي ألّ فأبى الإكسر الكاف.
فقلنا هلاّ قال من ذات ألّ فقال: أخرج التذكير على الشيء أو الأمر ومثل هذا جائز وهو كثير. قال الأسود بن يعفر:
إن المنيّة والحتوف كلاهمايوفي المخارم يرقبان سوادي
فذكّر كلاهما على أن المعنى أن المنيّة والحتوف شيآن أو أمران قال: ومنه قول رؤبة:
فيها خطوط من سواد وبلقكأنّه في الجلد توليع البهق
قال أبو عبيدة قلت لرؤبة: إن أردت الخطوط فقل كأنها، وإن أردت البلق فقل كأنه قال فضرب بيده على كتفي وقال كأن ذلك توليع في الجلد ع والحجّة لأبي على المجانسة لما سئل عنه ووقف عليه ما أنشده الكوفيون:
قامت تبكّيه على قبرهمن لي من بعدك يا عامر
تركتني في الدار ذا غربةقد ذلّ من ليس له ناصر
قالوا: إنما قالت ذا غربة لأن الياء في قولها تركتني ونحوه تكون ضميراً للذكر والأنثى وكذلك الكاف في قوله بارك فيك عند الوقف وكسرها في الوصل فرق ضعيف وهذا لمراعاة اللفظ وإن كان المعنى مؤنثاً، كما راعوا اللفظ في نقيض هذا وإن كان المعنى مذكّراً. قال معقل بن خويلد:
ولا يستسقط الأقوام منينصيبهم ويترك لي نصيب
إذا ما البوهة الهوكاء أعيافلا يدري أيصعد أم يصوب
فإنما قال الهوكاء لتأنيث البوهة ولا يجوز أن يقال رجل هوكاء. وكذلك قول
شريح بن بجير الثعلبيّ:
وعنترة الفلحاء جاء ملأماًكأنك فند من عماية أسود
لو قال زيد أو عمرو مكان عنترة لم يجز أن يقول الفلحاء. ومن تأنيث اللفظ قول الشاعر يعني القراد:
وما ذكر فإن يكبر فأنثىشديد الأزم ليس بذي ضروس
يعني أنه إذا عظم قيل له حلمة والحلمة إنما هي مؤنثة اللفظ لا مؤنثة المعنى ومثله قول الآخر:
إنا وجدنا بني سلمى بمنزلةمثل القراد على حاليه في الناس
وهذا من أخبث الهجاء. يقول إنهم يولدون ذكراناً فإذا شبوّا صاروا إلى حال الإناث. والصحيح في الشطرين اللذين أنشدهما أبو علي: " لا تشلّ " بغير إثبات الياء و " بارك فيك الله " بفتح الكاف لقوله: من ذي ألّ. وقوله بعدهما: ومن موصّي لم يضع قولاً لي ولم يقل من موصّاة ولأن ترخيم المضاف لا يجوز وإن رخّم فإنما يلقى الترخيم على الاسم الثاني فلا يقدّر في قوله: مهر أبي الحبحاب أنه أراد مهرة أبي الحبحاب. قال ثابت بن محمد: روى الكوفيون هذا الرجز لا تشلّى مثبتة في الخطّ وبارك فيك بكسر الكاف على أنه يخاطب مهرة، ورواه البصريون: لا تشلّى بغيرياء وبارك فيك الله بفتح الكاف على أنه يخاطب مهراً ذكراً. وفي رواية الكوفيّين ضرورتان إحداهما ترخيم المضاف، والثانية تذكير المؤنث في قوله: من ذي ألّ وكان حقّه أن يقول من ذات ألّ. وأيضاً فإن من رخّم مضافاً فإنما ألقى الترخيم على الاسم الثاني ولم ير في شعر ترخيم الاسم الأول. أنشد سيبويه:
ألا يا أمّ فارع لا تلوميعلى شيء رفعت به سماعي
وقال زهير:
خذوا حظّكم يا آل عكرم واذكرواأواصرنا والرحم بالغيب تذكر
قال ثابت وهذا الذي ذكرته إنما وجدته عن أبي محمد السيرافيّ ولد أبي سعيد، وكان أعلم من أبيه.
وأنشد أبو علي "، " للأعشى:
تهادى كما قد رأيت البهيرا
صلته:
وتفترّ عن مشرق باردكشوك السيال أسفّ النؤورا
ويروى:
وتفترّ عن مشرق واضحكنور الأقاحي أسفّ النؤورا
كأن القرنفل والزنجبيلباتا بفيها وأرياً مشورا
وإن هي ناءت تريد القيامتهادى كما قد رأيت البهيرا
السيال شجر شديد بياض الشوك. والنؤور: شحم يحرق ويصيّر في الوشوم. وقال أبو عبيدة: نؤور مشتق من النار وهمزات الواو لضمّتها والعرب تستحسن اللعس في الشفاه واللثات، ولذلك كانوا يشمونها وقال النابغة:
تجلو بقادمتي حمامة أيكةبرداً أسفّ لثاته بالإثمد
كالأقحوان غداة غبّ سمائهجفّت أعاليه ند
وهذا أبدع ما ورد في معناه. وقوله تهادى: أي تتمايل في مشيتها بدنا ونعمة. ويروى تأتّي: أي ترفق وتأنّى أيضاً بالنون. وروى أبو عبيدة:
تنوء كما قد رأيت البهيرا
أي تنهض بثقل وهذا كما قال في أخرى:
غرّاء فرعاء مصقول عوارضهاتمشي الهوينا كما يمشى الوجى الوجل
كأن مشيتها من بيت جارتهامرّ السحابة لا ريث ولا عجل
يكاد يصرعها لولا تشدّدهاإذا تقوم إلى جاراتها الكسل
أنشد أبو علي "، ":
إذا ما اجتلى الراني إليها بطرفهغروب ثناياها أنار وأظلما
هذا البيت للحصين بن الحمام بن ربيعة المرّيّ شاعر جاهلي يكنى أبا يزيد، وزعم أبو عبيدة أنه أدرك الإسلام واحتجّ على ذلك بقوله:
أعوذ بربي من المخزياتيوم ترى النفس أعمالها
وخفّ الموازين بالكافرينوزلزلت الأرض زلزالها
ونادي مناد بأهل القبورفهبّوا ليبرز أثقالها
والثغر يوصف بالنور واللمعان ويشبّه بالمهي والبرق قال المسيّب بن علس:
إذ تستبيك بأصلتيّ ناعمقامت لتفتنه بغير قناع
ومها يرفّ كأنه إذ ذقتهعانيّة شجّت بماء يراع
يرفّ أي يبرق. وعانيّة خمر من خمر عانات. وماء يراع يعني ماء الأنهار لأنه أخفّ من ماء البئار واليراع ينبت على الأنهار. وقال السمهريّ في تشبيهه بالبرق:
وبيضاء مكسال لعوب خريدةلذيذ لدى ليل التمام شمامها
كأنّ وميض البرق بيني وبينهاإذا حان من خلف الحجاب ابتسامها
وقال الخبز أرزّي فأحسن:
ومن طاعتي إيّاه أمطر ناظريله حين يبدي من ثناياه لي برقا
كأن دموعي تبصر الوصل هارباًفمن أجل ذا تجري لتدركه سبقا
أخذه أبو الطيب فقال:
تبلّ خدّيّ كلّما ابتسمتمن مطر برقه ثناياها
ما نفضت في يدي غدائرهاجعلته في العبير أفواها
أنشد أبو علي "، ":
يا عمرو كم من مهرة عربيّةمن الناس قد بليت بوغد يقودها
قال المؤلف: في هذا الشعر تخليط فمنه أبيات من شعر ابن الدمينة الذي أوّله:
هل الله عاف عن ذنوب تسلّفتأوالله إن لم يعف عنها معيدها
وأبيات من شعر الحسين بن مطير الذي أوله في بعض الروايات:
خليليّ ما بالعيش عتب لو أنّناوجدنا لأيّام الحمى من يعيدها
وقد اختار العلماء والمؤلّفون من كلا الشعرين أبياتاً. وفي الشعر المذكور أبيات مجهولة لا يدري قائلها. وقوله:
يا عمرو كم من مهرة عربيّة
هو مثل قول هند بنت النعمان بن بشير الأنصاري في زوجها روح بن زنباع:
وهل هند إلاّ مهرة عربيّةسليلة أفراس تجلّلها بغل
فإن نتجت مهراً كريماً فبالحرىوإن يك إقراف فما أنجب الفحل
وقال الليثي إن اسمها حمدة أو حميدة وروايته وهل كنت إلاّ مهرة عربيّة. كانت عند روح بن زنباع هذا وهما يمانيّان يجمعهما النسب والدار ولو كانت نزارية وهو قحطانيّ قيل هذا لما بين نزار وقحطان، وروح سيّد يمانية الشأم يومئذ وقائدها وخطيبها ومحربها وشجاعها، وإنما قالت ذلك لأنه كان مسّه يوم المرج أسر وقيل بل مسّه قبل ذلك في حرب غسّان فافتدى فقالت له قول العربية الشريفة للمولى وعيّرته بالإقراف. وهذا مثل قول
عقيل بن علّفة أحد بني غيظ بن مرّة لعثمان بن حيّان المرّيّ وهو أحد بني مالك بن مرّة فهما ابنا عمّ حين قال له عثمان وهو أمير المدينة: زوّجني ابنتك. فقال: أناقتي أصلحك الله فظن أنه لم يسمع فرفع عثمان صوته: زوّجني ابنتك: فرفع عقيل صوته فقال: أناقتي أصلحك الله فقال: أنت أعرابي جاهل أحمق وأمر بإخراجه. وكان عثمان قد مسّه أو أباه أسر فأنشأ عقيل يقول:
كنّا بني غيظ رجالاً فأصبحتبنو مالك غيظاً وصرنا لمالك
لحي الله دهراً ذعذع المال كلّهوسوّد أستاه الإماء العوارك
وذكر علي بن الحسين أن حميدة هذه لما قالت في زوجها روح بن زنباع:
بكى الخزّ من روح وأنكر جلدهوعجّت عجيجاً من جذام المطارف
وقال العباء نحن كنّا ثيابهموأكسية كدريّة وقطائف
طلّقها روح وقال سلّط الله عليك بعلا يشرب الخمر ويقيؤها في حجرك فتزوجها بعده الفيض ابن أبي عقيل الثقفي، فكان يسكر ويقيء في حجرها فقالت فيه:
سمّيت فيضاً وما شيء تفيض بهإلاّ بسلحك بين الباب والدار
وقالت فيه وما أنا إلا مهرة عربية رجعنا إلى تفسير الشعر الأوّل قوله قد بليت أراد بليت فخّفف وغير أبي على يروي قد بلّت من قولهم: بللت به أبلّ بلالة وبلولا صليت به وهذه الرواية أحسن. وقوله مبتّلة الأعجاز الرواية في شعر الحسين بن مطير مخصّرة الأوساط وهو أحسن لقرب الأوساط
من الصدور التي هي مواضع العقود. وقوله ولي نظرة بعد الصدود من الهوى الرواية في شعر ابن الدمينة ولى نظرة لولا الصدود من الجوى. لقوله قبل هذا البيت:
إذا جئتها وسط النساء منحتهاصدوداً كأن القلب ليس يريدها
وقوله:
فلو أن ما أبقيت مني معلّقبعود ثمام ما تأوّد عودها
هو من بالغ ما ورد في صفة النحول لأن الثمام من أضعف النبت وأدقّه عوداً، ولذلك تقول العرب في الشيء تقرّبه " على طرف الثمام " وقول قيس بن معاذ من بالغ ما ورد في هذا الباب ويروى لمحمد بن نمير الثقفي:
ولم أر ليلى غير موقف ساعةببطن منى ترمي جمار المحصّب
ويبدي الحصا منها إذا قذفت بهمن البرد أطراف البنان المخضّب
فأصبحت من ليلى الغداة كناظرمع الصبح في أعقاب نجم مغرّب
ألا إنما غادرت يا أمّ مالكصدى أينما تذهب به الريح يذهب
ونظر المؤمّل إلى هذا المعنى فقال:
قد صرت من ضعفي إلى حالةتجري لها آماق حسّادي
يكاد جسمي من نحول الضنىيحمله أنفاس عوّادي
وقد أفرط المحدثون في هذا فقال التمّار:
قد كان لي فيما مضى خاتموالآن لو شئت تمنطقت به
أنحلني الحبّ فلو زجّ بيفي مقلة النائم لم ينتبه
وقال ابن دريد:
إن الذي أبقيت من جسمهيا متلف الصبّ ولم تشعر
صبابة لو أنّها قطرةتجول في جفنك لم تقطر
حتى أتى أبو الطيّب فقال:
أراك ظننت السلك جسمي فعقتهعليك بدرّ عن لقاء الترائب
ولو قلم ألقيت في شقّ رأسهمن السقم ما غيّرت من خطّ كاتب
فهذا معدوم ألبتّة غير موجود لأن أدقّ ما يكون من الشعر وأحقر ما تدركه حاسّة البصر يغيّر الخطّ.
وأنشد أبو علي "، ":
يلقي السيوف بوجهه وبنحرهويقيم هامته مقام المغفر
هذا الشعر ينسب إلى ابن المولى محمد بن عبد الله بن مسلم مولى بني عمرو بن عوف من شعراء الدولتين ويوصل به بيت خامس وهو:
وإذا الفوارس عدّدت أبطالهاعدّوه في أبطالهم بالخنصر
وأكثر مذاهب الشعراء المديح بلبس الدروع وشكّة السلاح وكمال البزّة. قال النابغة:
سهكين من صدإ الحديد كأنّهمتحت السنوّر جنّة البقّار
وقال مسلم بن الوليد يمدح بعض آل المهلّب:
تراه في الأمن في درع مضاعفةلا يأمن الدهر أن يأتي على عجل
فجعله ملتزماً للبسها وغير عار منها. وقال الأعشى فذهب مذهب الأوّل:
وإذا تجئ كتيبة ملمومةخرساء يغشى الذائدون نهالها
كنت المقدّم غير لابس جنّةبالسيف تضرب معلماً أبطالها
وعلمت أن النفس تلقى حتفهاما كان خالقها المليك قضى لها
يمدح بهذا الشعر قيس بن معدي كرب الكنديّ. ولما أنشد كثيّر عبد الملك بن مروان قوله:
على ابن العاصي دلاص حصينةأجاد المسدّي سردها وأذالها
" يؤود ضئيل القوم حمل قتيرهاويستضلع القرم الأشمّ احتمالها "
قال له عبد اللمك: هلاّ قلت كما قال الأعشى؟
كنت المقدّم غير لابس جنّة
فقال له كثيّر: كلاّ. إن الأعشى وصف صاحبه بالخرق ووصفتك بالحزم. وكان لرسول الله ﷺ درع إذا علّقت بزرافينها شمّرت وإذا أرسلت مسّت الأرض، وكان لا يشاهد الحروب إلاّ بها، وقد ظاهر في بعض تلك المواطن بين درعين وذلك يوم
أحد ومن أمثال العرب: " المستلئم أحزم من المستسلم " وأنشد أبو علي "، ":
لقد هزئت منّي بنجران أن رأتمقامي في الكبلين أمّ أبان
ع هو لعطارد بن قرّان قاله أبو عبيدة في كتاب الصعاليك، وفيها ولا رجلاً " يرمى به الرجوان " هذه كناية عمن عرض للاستقاء ثم جعل لكل مهنة وابتذال، وقيل إنه كناية عمن يعرّض للهلكة. وفيه لا يقضى لحين أوان. أي لا يهيّأ في الوقت الذي يراد.
وأنشد أبو علي "، " لعمرو بن الأيهم:
وتراهن شزّباً كسعالييتطلّعن من ثغور النقاب
ع هو عمرو بن الأيهم بن أفلت التغلبي نصرانيّ شاعر إسلاميّ، ويقال إن اسمه عمير وقيل للأخطل وهو يموت على من تخلّف قومك قال على العميرين يريد القطاميّ عمير بن أشيم وعمير بن الأيهم. وبعد البيت الشاهد:
ليس بيني وبين قيس عتابغير طعن الكلى وضرب الرقاب
قاتل الله قيس عيلان طرّاًمالهم دون غدرة من حجاب
وأول الشعر:
لمن الدار قد عفت ومحاهانسج ريح وصائبات السحاب
وأنشد أبو علي "، ":
ولست بصادر عن بيت جاريصدور العير غمّره الورود
ع الشعر لعقيل بن علّفة وقبله:
تناهوا فاسألوا ابن أبي لبيدأأعتبه الضبارمة النجيد
ولستم فاعلين إخال حتىينال أقاصي الحطب الوقود
وأبغض من وضعت إليّ فيهلساني معشر عنهم أذود
ولست بسائل جارات بيتيأغياب رجالك أم شهود
ولست بصادر عن بيت جاريصدور العير غمّره الورود
ولا ألقي لذي الودعات سوطيلألهية وريبته أريد
هكذا أنشده أبو تمام. وقال الرياشي هكذا جاء بها أبو تمام. وقوله ولست بسائل جارات بيتي وما بعده ليس لعقيل هو لابن أبي نمير القتّالي من بني مرّة. ولم يبيّن أبو علي معنى غمّره الورود وإنما أراد أنه لم يرو وصدر ملتفتاً إلى الماء فيقول لا ألتفت إلى بيت جارتي كما يلتفت الحمار إلى الماء إذا صدر غير ريّان. ويروى وربّته أريد وهو أحسن. وربّته أمه.
وهو عقيل بن علّفة بن الحارث بن معاوية ذبياني يكنى أبا العميس وأبا الجرباء.
شاعر مجيد من شعراء الدولة الأمويّة، وكان أهوج جافيا شديد الهوج والعجرفيّة لا يرى أن له كفؤاً وله في ذلك أخبار كثيرة.
وأنشد أبو علي "، " لمسكين الدرامي:
لا آخذ الصبيان ألثمهموالأمر قد يغزي به الأمر
هو ربيعة بن عامر بن أنيف ومسكين لقب ولذلك قال:
وسميّت مسكيناً وكانت لجاجةوإني لمسكين إلى الله راغب
وصلة بيته المذكور على ما أنشده ابن السكيت وغيره من روايات مختلفة:
ناري ونار الجار واحدةوإليه قبلي تنزل القدر
ما ضرّ جاراً لي أجاورهأن لا يكون لبابه ستر
لا آخذ الصبيان ألثمهموالأمر قد يغزي به الأمر
ومخاصم قاومت في كبدمثل الدهان فكان لي العذر
يغزى أي يقصد من قولهم قد عرفت مغزاك ويرى يغري به الأمر ويعنى به الأمر. الدهان الأديم الأملس أي مقاومته في مقام مزلّة فثبتت قدمي فيه. والكبد المشقّة والعذر النجح. وأنشد صاعد في مثل هذا المعنى:
إذا رأيت صبيّ القوم يلثمهضخم المناكب لا عمّ ولا خال
فاحفط ثيابك منه أن يدنّسهاولا يغرّنك حسن الحال والمال
وأنشد أبو علي "، " لعمارة بن عقيل:
لا شيء يدفع حقّ خصم شاغبإلاّ كحلف عبيدة بن سميدع
ع قوله إلا كحلف عبيدة هكذا الرواية بكسر الحاء وهو الصواب لأن هذا ما تنقل حركته عند التخفيف كما يقال في كبد كبد وفي عضد عضد هذا الأفصح، وقد قالوا كبد وعضد فتركوا حركة أولهما على حالها فيجوز على هذا إلا كحلف عبيدة. وقد وردت حروف
لا يجوز فيها غير النقل مثل قولهم في لعب لعب ولم يقولوا لعب وورد أيضاً ما لم يسمع فيه نقل مثل قولهم في تخفيف رجل رجل ولم يقولوا رجل. وقوله كاهتزاز الأشجع الأشجع الحية القصيرة الذنب الخبيث والأشجع أيضاً من الإبل السريع نقل القوائم وقيل هو الذي به جنون. وهذا الشعر من حسن ما ورد في اليمين الفاجرة وكذلك قول الشمّاخ:
يقولون لي فاحلف ولست بحالفأخادعهم عنها لكيما أنالها
ففرّجت همّ الصدر مني بحلفةكما شقّت الشقراء عنها جلالها
وقال ابن الروميّ في ذلك فأحسن:
وإني لذو حلف كاذبإذا ما استمحت وفي المال ضيق
وهل من جناح على معسريدافع بالله ما لا يطيق
وقال أيضاً أي ابن الرومي وأبدع ما شاء:
إذا حلّت على ضيق ديونيوباكرني التجار وخوّفوني
دفعتهم بمن لو شاء أدّىحقوقهم إليهم منذ حين
وقال آخر من المحدثين:
إذا حلّفوني بالغموس منحتهميميناً كأخلاق الرداء الممزّق
وإن حلّفوني بالطلاق رددتهاكأحسن ما كانت كأن لم تطلّق
وإن حلّفوني بالعتاق فعالمسحيم غلامي أنه غير معتق
أنشد أبو علي "، ":
إلاّ رواكد بينهن خصاصةسفع المناكب كلّهن قد اصطلى
ع وهذا الشعر للرخيم العبدي وفيه يقول:
ومجوّف بلقاً ملكت عنانهيعدو على خمس قوائمه زكا
وقد فسّر أبو علي معناه ومثله قول أبيتمّام ومنه أخذه:
صهصلق في الصهيل تحسبهأشرج حلقومه على جرس
تصيد عشراً من النعام بهبواحد الشدّ واحد النفس
وأنشد أبو علي "، " للأحوص شعراً فيه:
أو تدبري تكدر معيشتناوتصدّعي متلائم الشعب
ع يقال كدر الشيء يكدر وكدر يكدر. والشعب هنا الاجتماع ومنه شعبت الإناء أشعبه شعباً إذا لأمته ورأبته والمشعب المثقب الذي يثقب به والشعب أيضاً الافتراق ومنه قيل للمنيّة شعوب اسم من أسمائها لا تدخله الألف واللام. قال أبو بكر ابن دريد وليس هذا من الأضداد إنما هي لغة لقوم.
وأنشد أبو علي "، ":
ترى الرجل النحيف فتزدريهوفي أثوابه أسد هصور
اختلف العلماء في عزو هذا الشعر فأنشده أبو تمام لعباس بن مرداس السلميّ ونسبه ابن الأعرابي والرياشيّ إلى معوّد الحكماء. وقال عمرو ابن أبي عمرو النوقانيّ وقد نسب إلى ربيعة الرقّيّ والصحيح من هذا والله أعلم أنه لمعوّد الحكماء وهو معاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب سميّ معوّد الحكماء بقوله:
سأعقلها وتحملها غنيّوأورث مجدها أبداً كلابا
أعوّد مثلها الحكماء بعديإذا ما معضل الحدثان نابا
ومعاوية خامس خمسة من إخوته كلهم ساد ووسم بخصلة حميدة عرف بها وأمهم أم البنين بنت عمرو بن عامر فارس الضحياء واسمها الحيا وهي التي يضرب بها المثل فيقال: " أنجب من أمّ البنين " ولدت لمالك بن جعفر عامراً ملاعب الأسنّة أبا براء وطفيل الخيل فارس قرزل والد عامر بن الطفيل وربيع المقترين ربيعة والد لبيد ونزّال المضيق سلمى
ومعود الحكماء معاوية. وقيل بل التي ولدتهم بنت رياح بن خالد الجرميّ. وقال لبيد يفخر بها:
نحن بنو أمّ البنين الأربعة
إنما قال أربعة وهم خمسة لأن وزن الشعر لم يطّرد له إلاّ بالأربعة. قال ابن دريد لا يعرف الخلاف في الجاهلية إلا في نفر يسير منهم أبو جهل ابن هشام ولهذا قيل له " مصفّراً استه " وقابوس بن المنذر عمّ النعمان ويلّقب جيب العروس وطفيل بن مالك هذا. وقال قطرب في قول المخبّل:
يحجّون سبّ الزبرقان المزعفرا
نسبه إلى الأبنة وأول الشعر في رواية ابن الأعرابيّ:
يفاخر بكثرتها قريطوقبلك والد الحجل الصقور
شرار الطير أكثرها فراخاًوأمّ الصقر مقلات نزور
فإن أك في عديدكمو قليلاًفإني في عدوّكمو كثير
وأنشده أبو تمام كما أنشده أبو علي إلاّ أنه قال:
يصرّفه الصبيّ لكلّ وجهويحبسه على الخسف الجرير
وروى فلا غير لديه ولا نكير. وزاد في آخره.
فإن أك في شراركمو قليلاًفإني في خياركمو كثير
وفيه فيخلف ظنّك الرجل الطرير وهو ذو المنظر والهيئة وأصله التحديد يقال طررت السكّين إذا أحددتها. ومثله قول طرفة:
وكائن ترى من يلمعيّ محظربوليس له عند العزائم جول
وأنشد أبو علي "، " لعبد الله بن سبرة:
ويل أمّ جار غداة الروع فارقنيأهون عليّ به إذ بان فانقطعا
وهو عبد الله بن سبرة الحرشي ثم القيسيّ. وكان من خبر هذا الشعر أنه خرج إلى أرض الروم مع المسلمين يتبعون جمعاً للروم هزموهم حتى انتهوا إلى جسر خلطاس فحمى
الروم قائدهم وتخلّف وراءهم فجعل لا يبرز له أحد إلاّ قتله فملما رأى عبد الله ذلك نزل إلى الروميّ، وقد نكل الناس عنه فلما رآه الروميّ مشى كل واحد منهما إلى صاحبه والناس ينظرون فبدره الروميّ إلى الضربة فأصاب يد ابن سبرة وعانقه ابن سبرة واعتقله فصرعه وقعد على صدره فناشدهم الله أن يمسكوا عنه حتى يقتله هو بيده ويتّئر منه فقتله وقال في ذلك الشعر. وقوله ولو تقارب مني الموت فاكتنعا معناه اقترب واجتمع. وامتصعا اجتلدا وهو المصاع. وذرّية رونقه. وقال النمريّ يعني فرنده نسبة إلى الذرّ ويروى عن درّيّة وهو اللمعان نسبة إلى الدرّ. والطبع الصدأ. واشتفّ شرب آخر نفسه. وقوله هدّاب مخملة يعني قطيفة. وأزرق أحمر نعت للروميّ. وروى أبو علي لم يمشط ورواه ابن الأعرابيّ لم يشمط وقد صلعا، وكذلك رواه قاسم بن أصبغ عن ابن قتيبة وهو الصحيح لأن المعنى حصّت البيضة هامته فصلع وليس ذلك من كبر يعني لم يصلع من كبر لأنه لم يشمط بعد. ومن روى لم يمشط فهو تصحيف لا محالة. وقال ثعلب الأطربون البطريق وقال ابن قتيبة: هو اسم رجل روميّ. والجذمور: أصل الإصبع، والجذمور والجذمار قطعة تبقى من السعفة إذا قطعت. وآنسوا: أبصروا. وأوصاله الواحد وصل وهو كل عضو تامّ. وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي في الجذمور أصل الإصبع بيتاً مجانساً لقول ابن سبرة، وهو من أبيات المعاني:
وكنت إذا أدررت منها حلوبةبجذمور ما أبقى لك السيف تغضب
قال هذا رجل قطعت أصابعه وبقيت أصولها فأخذ ديتها إبلاً فيقول متى تدرر منها حلباً تذكّر فاعل هذا بك فتغضب. ويروى:
لعلك يوماً إن أثرت خليّة
وأنشد أبو علي "، " لجرير الديلي:
كأنما خلقت كفّاه من حجرفليس بين يديه والندى عمل
ع ومثل هذا قول أبي الشمقمق في سعيد بن سلم:
هيهات تضرب في حديد باردإن كنت تطمع في نوال سعيد
والله لو ملك البحار بأسرهاوأتاه سلم في زمان مدود
يبغيه منها شربة لطهورهلأبي وقال تيمّمن بصعيد
وذكر أبو علي "، " عن يونس خبره مع شبيل بن عروة الضبعيّ عند أبي عمرو.
ع وكان شبيل نسّابة لغويّاً وهو صاحب القصيدة اللاميّة الطويلة، وكان رافضياً سبعين سنة ثم انتقل خارجيّاً صفريّاً. ويونس بن حبيب مولى لبني ضبّة يكنى أبا عبد الرحمن وكان من أهل جبل وكان النحو أغلب عليه أخذ عن أبي عمرو. وقال أبو زيد: ما رأيت أبذل للعلم من يونس. قال أبو علي أمليت خبر يونس بالمعنى ولم آت به على لفظه. ورواه قاسم بن ثابت عن محمد بن عبد الله العذري عن أبي حاتم عن أبي عبيدة عن يونس وزاد فيه قال يونس: فلما خرج شبيل عاتبني أبو عمرو وقال: ما أردت إلى رجل شريف تأبسه. قال: إني والله ما ملكت نفسي فقال: أما سلّطت على تقويم الناس! قال أبو زيد: أبسته ووقمته وقهرته بمعنى قال العجّاج:
ليوث غاب لم ترم بأبس
وأنشد أبو علي "، " للأحيمر السعدي:
وقالت أرى ربع القوام وشاقهاطويل القناة بالضحاء نؤوم
وهو الأحيمر بن فلان بن الحارث بن يزيد السعدي من شعراء الدولتين، وكان لصّاً خارجاً وهو القائل:
وإني لأستحي من الله أن أرىأجرّر حبلاً ليس فيه بعير
وأن أسأل الحبس اللئيم بعيرهوبعران ربيّ في البلاد كثير
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوىوصوّت إنسان فكدت أطير
وأنشد أبو علي:، ":
حللنا آمنين بخير عيشولم يشعر بنا واش يكيد
ع أنشدها أبو الفرج لبشّار وقد نسبت إلى عروة بن أذينة وهو بشّار بن برد مولى بني عقيل، ويقال مولى بني سدوس يكنى أبا معاذ ويلّقب بالمرعّث وكان أكمه وهو أشعر المحدثين، ورأس المطبوعين غير المكلّفين. واعتذاره من البكاء في هذا الشعر أحسن ما ورد في معناه ثم قول خالد الكاتب:
شيّعتهم فاسترابوابي فقلت لهمإنّي بعثت مع الأجمال أحدوها
وسينشدها أبو علي بعد هذا. وقال ابن المرزبان في كتابه في أخبار الشعراء أن أبا العتاهية زار بشّار بن برد. فقال له بشار: يا أبا العتاهية والله إنّي لأستحسن اعتذارك في البكاء إذ تقول:
كم من صديق لي أسارقه البكاء من الحياء
فإذا تأمل لا منيفأقول ما بي من بكاء
لكن ذهبت لأرتديفطرفت عيني بالرداء
فقال أبو العتاهية: ما غرفته إلاّ من بحرك وأنت المبرّ السابق حيث تقول:
وقالوا قد بكيت فقلت كلاّوهل يبكي من الطرب الجليد
ع أول من نطق بهذا المعنى وديعة بن درّة جاهلي قديم قال:
لقد قيل من طول اعتلالي بالبكاأجدّك لا تلقي لعينيك قاذيا
بلى إن بالجزع الذي بين منشدوموبولة لو كان يلقى مداوياً
أخذه الحطئة فقال:
إذا ما العين فاض الدمع منهاأقول بها قذى وهو البكاء
ثم أخذ المحدثون فحسّنوه منهم بشار وأبو العتاهية وخالد الكاتب في الأشعار المذكورة، ومنهم ابن أبي فنن فإنه قال:
ولمّا أبت عيناي أن تملكا البكاوأن تحبسا سحّ الدموع السواكب
تثاءبت كي لا ينكر الدمع منكرولكن قليلاً ما بقاء التثاؤب
"
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة (١٣٥٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع