من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
حديث ذي فائش وسؤاله لعلبة إلى آخره (٢)
قال أبو علي "، ":
وأرمك رادنيّ.
ع رادنيّ من قولهم ليل مردن. أي مظلم.
وأنشد أبو علي "، ":
معاوي إنّنا بشر فأسجحفلسنا بالجبال ولا الحديدا
ع الشعر لعقيّبة بن هبيرة الأسدي شاعر جاهلي إسلاميّ قال يخاطب معاوية:
معاوي إننا بشر فأشجحفلسنا بالجبال ولا الحديد
فهبها أمّة هلكت ضياعايزيد أميرها وأبو يزيد
أكلتم أرضنا فجردتموهافهل من قائم أو من حصيد
وأنشد النحويون:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
بالنصب والقوافي مخفوضة كما ترى وأنشد أبو علي "، " لرؤبة:
فبات والنفس من الحرص الفشق
قال رؤبة وذكر صائداً:
وقد بنى بيتاً خفيّ المنزبقمضطمراً كالقبر في البيت الأزق
أسّسه بين القريب والمعقفبات والحرص من النفس الفشق
في الزرب لو يمضغ شرياً ما بزقلمّا تسدّي في خفيّ المندمق
وأوفقت للرمي حشرات الرشقساوي بأيديها ومن قصد اللمق
مشرعة ثلماء من سيل الشدق
هكذا رواه الأصمعي وابن السكّيت " والحرص من النفس " وعلى هذه الرواية يصحّ تفسير أبي علي لأنه قال: بات هذا الصائد في القترة وهي الناموس وهي الزرب أيضاً، وقد أبصر وحشاً فانتشرت نفسه، يعني انتشرت حرصاً. فأما انتشار الحرص فهو عدمه يقال منه فشق يفشق فشقاً، ويقال أيضاً فشقت الشيء أفشقه فشقاً إذا كسرته وهو راجع إلى هذا لأن ما تكسّر فقد تفرّق وانتشر، ورواه ابن الأعرابي وغيره كما رواه أبو علي:
فبات والنفس من الحرص الفشق
وتخرّج رواية أبي عليّ على غير تفسيره، وهو ما ذكره وفسّره سلمة عن الفرّاء عن الزبيريّة قالت: الفشق أسوأ الحرص. والمنزبق: المدخل، ومنه قولهم زبقته في السجن: أي أدخلته، والزابوقة: ناحية البيت. والأزق: الضيق. يقال أزقت الشيء أي ضيّقته. والمعق البعد. يقول أسّسه بين هذين لم يدنه فتنفر الوحش منه ولم يبعد فتصيف سهامه ولا تدرك الوحش. وقوله لّما تسدّي يعني الصائد. والمندمق: المدخل. واوفقت أي وضع الفوق في الوتر صيّر الواو وهي عين الفعل فاء الفعل وكان الأصل أن يقول وأفوقت. والحشر الملزّق القذذ أي ألطف ريشه. ويقال قوس رشيقة إذا كانت سريعة السهم. والرشق: المصدر. والرشق: الوجه الذي يريده. وقوله
ساوي بأيديها. أي الصائد حيال أيديها. واللمق: الطريق. وقوله مشرعة ثلماء: أي حيث انثلم الوادي فالحمير تشرع فيه وتدخل منه، والمشرعة: الطريق إلى الماء. والشدق: الميل في الوادي.
أنشد أبو علي "، ":
نحن نطحناهم غداة الغرزينبالضابحات في غبار النقعين
ع اختلفوا في معنى الضبح في كتاب الله ﷿: " والعاديات ضبحاً "، فقال أبو عبيدة: الضبح والضبع سواء يقال ضبح وضبع إذا حرّك ضبعيه في مشيه، وقيل هو عدو فوق التقريب وقال قوم بل الضبح الخضيعة التي تسمع في جوف الفرس وأنشد أبو عبيدة شاهداً على ذلك قوله:
وشوازباً قبّ البطونعوابساً يعدون ضبحاً
والخضيعة هي الوقيب، وهي الوعاق والوعيق، والزّعاق والزعيق، ونقله أبو علي الزغاق والزغيق بغين معجمة. وقال أبو عبيدة يقال من الوقيب وقب ولا فعل من الخضيعة.
وأنشد أبو علي "، ":
إذا ما القلنسي والعمائم أخنست
ع صلة هذا البيت وهو للعجير السلوليّ وقد تقدم ذكره " ص ":
فجئت وخصمي يعلكون نيوبهمكما صرفت تحت الشفا جزور
لدي ملك يستنفض القوم طرفهله فوق أعواد السرير زئير
إذا ما القلنسي والعمائم أدرجتوفيهن عن صلع الرجال حسور
وظلّ رداء العصب ملقى كأنهسلا فرس تحت الرجال عقير
لو أنّ الصخور الصمّ يسمعن صلقنالرحن وفي أعراضهن فطور
قوله يستنفض القوم طرفه: أي إذا نظر إليهم أرعدوا من الفرق. ومعنى أخنست أزيلت وأخّرت وإنما يريد الخصام والجدال وعند الخصومة ما يكشف الرجل رأسه ويسقط رداؤه لأنه يزحف للخصام ويجثو للركب ويكثر الإشارة ويتابع الحركة ويعلك الأنياب كما قال:
فجئت وخصمي يعلكون نيابهم
وشبّه رداء العصب بالسلا لحمرته.
قال أبو علي "، " في خبر بعد هذا: " وشابّ جميل الوجه ملوّح الجسم ".
ع يقال لاحه الحزن والسقم ولوّحه إذا غيّره من هذا قوله سبحانه: " لوّاحة للبشر " أي مغيّرة محرقة. وقال ابن مقبل:
عقاب عقنباة كأنّ وظيفهاوخرطومها الأعلى بنار ملوّح
والملواح: الضامر، والملواح أيضاً: العريض الألواح كل عظم عريض.
وأنشد أبو علي "، ":
سقى بلداً أمست سليمى تحلّهمن المزن ما تروي به وتسيم
ع يقال سامت الماشية إذا دخل بعضها في بعض عند الراعي، وإنما يكون ذلك في الخصب وكثرة العشب. والسائمة: هي الراعية، وسام الرجل ماشيته إذا رعاها فهو
مسيم ولم يقولوا سائم خرج هذا من القياس، ويقال أسأم إذا كثرت سائمته وهو الذي أراد في البيت.
وأنشد أبو علي "، " لذي الرمة:
كأن عرى المرجان منها تعلّقت
ع صلته:
فما زلت أطوي النفس حتى كأنهابذي الرمث لم تخطر على قلب ذاكر
حياء وإشفاقاً من الركب أن يروادليلاً على مستودعات السرائر
لميّة إذ ميّ معان تحلّهفتاخ فحزوى في الخليط المجاور
إذا خشيت منه الصريمة أبرقتله برقة من خلّب غير ماطر
كأن عرى المرجان منها تعلّقتعلى أم خشف من ظباء المشاقر
بذي الرمث هو المكان الذي جمعهم فيه المرتبع. وقوله لميّة. أي هذه الأماكن لميّة. ومعان مكان تنزله ومعان مرفوع فتاخ. وتحلّه من صلة معان. وعرى المرجان يريد خروقه التي تكون فيها السلوك. والمرجان ما صغر من اللؤلؤ وهو أشدّ بياضاً وكذلك فسّر التنزيل.
وأنشد أبو علي "، " أيضاً لذي الرمّة:
قف العنس في أطلال ميّة فاسألرسوماً كأخلاق الرداء المسلسل
ع هذا أول الشعر وبعده:
أظن الذي يجدي عليك سؤالهادموعاً كتبديد الجمان المفصّل
وما يوم حزوي إن بكيت صبابةلعرفان ربع أو لعرفان منزل
بأوّل ما هاجت لك الشوق دمنةبأجرع مرباع مربّ محلّل
مربّ أي موضع إقامة وحلول يقال ربّ بالمكان وأربّ إذا أقام به.
وأنشد أبو علي "، " لكثيّرة:
فأسحق برداه ومحّ قميصه
ع صلته:
أمنّي صرمت الحبل لّما رأيتنيطريد خطوب طوّحته الطوائح
فأسحق برداه ومحّ قميصهفأثوابه ليست لهنّ مضارح
فأعرضت إن الغدر منكن شيمةوفجع الأمين بغتة وهو ناصح
فلا تجبهيه ويب غيرك إنّهفتى عن دنيّات الخلائق نازح
المضارع والموادع والمباذل واحد يقول ليس له ما يتبذّل به ويصون ثيابه، وهذا من قولهم:
إلبس جديدك إني لابس خلقيولا جديد لمن لا يلبس الخلقا
وقيل المضارح فضول الثوب. سميّت بذلك لأنها تضرح أي تدفع بالأرجل والضرح الدفع بالرجل خاصّة قال امرؤ القيس:
فاليد سابحة والرجل ضارحةوالعين قادحة والبطن مقبوب
وهي أول ما يخلق من الثوب.
وأنشد أبو علي "، " للعجّاج:
ما هاج أحزاناً وشجواً قد شجامن طلل كالأتحميّ أنهجا
ع هذان الشطران أول الرجز وبعدهما:
أمسى لعافي الرامسات مدرجاواتّخذته النائجات منأجا
واستبدلت رسومه سفنّجاكالحبشيّ التفّ أو تسبّجا
في شملة أو ذات زفّ عوهجا
الأتحمي موضع باليمن تعمل فيه البرود وتنسب إليه وهي برود عصب غير وشى وإنما شبّهه بالأتحميّ من أجل الخطوط التي فيه. والنائحات الرياح التي تمرّ مرّاً سريعاً يقال نأجت تنأج نأجاً والسفنّج الواسع الخطو وأراد به هنا الظليم. وتسبّجاً لبس سبجة وهي ثوب أسود من صوف وقيل هو مخطّط بسواد وبياض مثل البقيرة تلبسه الجواري، وقال الأصمعي تسبّجا لبس القميص وهو بالفارسية شبى، وقد صحّف أبو عبيدة في هذا الاسم فرواه السبجة وجمعها سباج ثياب من جلود وإنما هي السبحة بالحاء المهملة والسبحة بالحاء ثوب من جلود وهو الذي عنى الهذلي بقوله:
إذا عاد المسارح كالسباح
يريد عادت من الجدب ملساً لا نبات بها.
وأنشد أبو علي "، " للأعشى:
قالت قتيلة ما لجسمك شاحباًوأرى ثيابك باليات همّدا
ع وبعد البيت:
أذللت نفسك بعد تكرمة لهاأو كنت ذا عوز ومنتظرا غدا
أو غاب ربّك فاعترتك خصاصةفعل ربّك أن يعود مؤيّدا
وأول القصيدة:
أثوى وقصّر ليلة ليزوّدافمضى وأخلف من قتيلة موعدا
يقولها لكسرى حين أراد منهم رهائن وفيها:
آليت لا نعطيه من أبنائنارهناً فيفسدهم كما قد أفسدا
حتى يقيدك من بنيه رهينةنعش ويرهنك السماك الفرقدا
وأنشد أبو علي "، ":
أتيح لها أقيدر ذو حشيف
هو لصخر بن عبد الله الملّقب بصخر الغيّ الهذلي يرثي بهذا الشعر ابنه وأوله:
أرقت فبت لم أذق المناماوليلي لا أحسّ له انصراما
لعمرك والمنايا غالباتوما تغني التميمات الحماما
أرى الأيام لا تبقي كريماًولا العصم الأوابد والنعاما
ولا العصم العواقل في صخوركسين على فراسنها خداما
أتيح لها أقيدر ذو حشيفإذا سامت على الملقات سامي
خفيّ الشخص مقتدر عليهايسنّ على ثمائلها السماما
قوله أقيدر تصغير أقدر هو من الرجال القصير العنق، ومن الخيل الذي تقع رجلاه موضع يديه. وسامت: أي استمرّت في سيرها. والملقات: صخور ملس. والثميلة موضع الطعام وأصله بقيّة الطعام. ويسنّ يصبّ، وكذلك يشنّ بالسين والشين، وقد فرّق بينهما بعض أهل اللغة. فقال: السنّ بالسين المهملة فيما لا تفترق أجزاؤه والشّنّ بالشين المعجمة فيما افترقت أجزاؤه، تقول سننت الدرع على نفسي وشننت عليهم الغارة.
وأنشد أبو علي "، " للمتنخّل:
وقد حال دون دريسيه مأوّبةمسع لها بعضاه الأرض تهزيز
صلته:
لو جاءني بائس جوعان مهتلكمن بؤس الناس عنه الخير محجوز
قد حال دون دريسيه
لبات أسوة حجّاج وإخوتهفي مالنا أو له فضل وتمزيز
وفيها يقول:
لا درّ درّي إن أطعمت نازلكمقرف الحتيّ وعندي البرّ مكنوز
قوله تمزيز من قولهم هذا أمزّ من هذا أي أفضل منه. قال الأصمعي: ليس للعرب
زائية أفضل من قصيدة الشمّاخ، ولو طالت قصيدة المتنخّل لكانت خيراً منها، وقد تقدم نسب المتنخّل ويكنى أبا واثلة وحجاج وإخوته بنوه.
وأنشد أبو علي "، " لتأبط شرّاً
نهضت إليها من جثوم كأنهاعجوز عليها هدمل ذات خيعل
ع قبله:
ومرقبة يا أمّ عمرو طمرّةمذبذبة فوق المراقب عيطل
نهضت إليها من جثوم كأنهاعجوز عليها هدمها ذات خيعل
هكذا رواه أبو عبيدة هدمها والهدم الثوب الخلق. وقوله: مذبذبة يعني مشرفة والذبذبة التعلّق والاضطراب كأنها من طولها وإشراقها معلّقة أو متعلّقة فوق المراقب ويروى مذبذبة بالفتح. وقوله: من جثوم أي من بروك وكمون ورواية أبي عبيدة من جثوم بفتح الجيم وقال: هو من جثمت الطائر والتراب إذا جمعته. والخيعل قميص قصير من أدم يخاط أحد جانبيه ويترك الآخر.
واسم تأبّط شراّ ثابت بن جابر بن خالد بن سفيان أحد بني فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان يكنى أبا زهير. وقال ابن الأعرابي: هو أحد غربان العرب. وإنما لقّب
تأبط شرّاً لأن أمّه رأته قد وضع جفير سهامه تحت إبطه وأخذ القوس فقالت: لقد تأبّط شرّاً، وقال أبو عمرو: لقّب بذلك لأنهم زعموا أنه قتل الغول ثم جاء بها في جوف الليل إلى أصحابه وألقاها عندهم من تحت حضنه فقالوا له: لقد تأبّط شراً. فقال في ذلك جابر:
تأبّط شراً ثم راح أو اغتدىيطالع غنماً أو يسيف إلى ذحل
ويروى:
يوائم غنماً أو يسيف إلى ذحل
وقيل إن أمّه قالت له: مالك لا تأتينا بشيء كما يفعل أخوتك فصاد أفاعي وأتاها بها فقلن لها ما جاءك به متأبّطاً. فقالت شرّا.
وأنشد أبو علي "، " للكميت:
فأصبح باقي عيشنا وكأنهلواصفه هدم الخباء المرعبل
ع لم يقل المؤلف هنا شيئاً.
وأنشد أبو علي "، " لشاعر قديم:
وعاذلة هبّت بليل تلومنيولم يغتمزني قبل ذاك عذول
قال المؤلف: هذا الشعر لبعض فزارة ورأيت عن أبي تمام في نوادر ابن الأنباريّ بخطّ أبي علي ومن هناك نقله وعنه رواه: ولم تغتمزني قبل ذاك عذول بالتاء. والاغتماز
الاستضعاف وبخطه هناك: فلا تتبعي العين الغويّة. وبخطه فإنني له بالخصال الصالحات وصول. وروى أبو تمام: ولا خير في حسن الجسوم ونبلها. وقوله: فلا تتبعي العين الغويّة أي لا تتبعي عينك فيما تبعثك عليه من النظر إلى ذوي المناظر فربّ منظر لا حسب له ولا غناء عنده وفيه:
فإن لا يكن جسمي طويلاً فإنّنيله بالفعال الصالحات وصول
قال محمد بن الحسن الزبيدي: الجيّد الفعال بكسر الفاء جمع فعلة بفتح الفاء ولذلك قال الصالحات ولكن الرواية الفعال بالفتح.
وأنشد أبو علي "، " لابن الروميّ:
وذخرته للدهر أعلم أنه
ع هو علي بن العباس بن جريج الرومي وجريج مولى عبيد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور أبي جعفر وكان علي يتشيّع للطالبيّين ويبغض مواليه وهذا الشعر يرثي به محمد بن نصر بن بسّام. ومن مختاره:
أودي محمد بن نصر بعد ماضربت به في فضله الأمثال
ملك تنافست العلى في عمرهوتنافست في يومه الآجال
من لم يعاين سير نعش محمدلم يدر كيف تسيّر الأجبال
وذخرته للدهر أعلم أنهكالحصن فيه لمن يؤول مآل
وتمتّعت نفسي بروح رجائهزمناً طويلاً والتمتع مال
ورأيته كالشمس إن هي لم تنلفضياؤها والرفق منه ينال
لهفي لفقدك يا محمد إنّهفقدت به النفحات والأنفال
بالله أقسم أن عمرك م انقضىحتى انقضى الإحسان والإجمال
وقوله: من لم يعاين سير نعش محمد هذا المعنى أول من نطق به ابن المعتزّ في رثائه عبيد الله بن سليمان قال:
قد استوى الناس ومات الكمالوصاح صرف الدهر أين الرجال
هذا أبو القاسم في نعشهقوموا انظروا كيف تزول الجبال
وتلاه ابن الرومي بقوله هذا وتلاهما الرضى فقال في رثائه الصاحب:
أكذا المنون تقطّر الأبطالاوكذا الزمان يضعضع الأجبالا
جبل تسنّمت البلاد هضابهحتى إذا ملأ الأقالم زالا
وقوله ورأيته كالشمس إشارة إلى أنه لم يفد من نيله شيأ وشبيه به قول أبي تمام:
وآسى على جيحان لو غاض ماؤهوإن كان ذوداً غير ذودي ناهله
وأنشد أبو علي "، " لسعيد بن حميد:
أهاب وأستحي وأرقب وعدهفلا هو يبداني ولا أنا أسأل
هو الشمس مجراها بعيد وضوءهاقريب وقلبي بالبعيد موكّل
ع هو سعيد بن حميد بن سعيد بن بحر من الأولاد الدهاقين وأصله من النهروان، وكان يقول إنه مولى بني سامة بن لؤيّ ويكنى سعيد أبا عثمان وهو كاتب شاعر فصيح كان
أبوه حميد شاعراً أيضاً. وقد كرّر سعيد معنى هذا الشعر في أشعاره فقال: وقد دخلت عليه فضل الشاعرة فسألها أن تقيم فاعتذرت:
تقرّبنا الآمال ثم تعوقهامماطلة الدنيا بها واعتلالها
فأصبحت كالشمس المنيرة ضوءهاقريب ولكن أين منّا منالها
وقد كرّر الشعراء هذا المعنى فقال البحتري في المديح:
دنوت توضعاً وبعدت قدراًفشأناك انحدار وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تساميويدنو الضوء منها والشّعاع
ومما يجانس هذا في المعنى قول علي بن الجهم:
وقلن لنا نحن الأهلّة إنمانضيء لمن يسري إلينا ولا نقري
فلا بذل إلاّ ما تزوّد ناظرولا وصل إلا بالخيال الذي يسري
وأنشد أبو علي "، " لامرأة:
يا من بمقتله زهى الدهرقد كان فيك تضاءل الأمر
ع قولها زهى: تريد زهى لغة طائية، والمعنى أن الزمان زهى وانتخى بإصابته غرّة من هذا الميّت لأنه كان يجير على الدهور ويكفي خطوبه ويدفع مكروهه ويصرف صروفه، فكأن ذلك عناد بينهما وتضاد من أمرهما، وقد بيّن هذا بعض الشعراء فقال:
أسأت إلى النوائب فاستثارتفأنت قتيل ثأر النائبات
وكنت تجير من صرف اللياليفصار مطالباً لك بالترات
" والأصل فيه قول أبي نواس في آل برمك:
لم يظلم الدهر إذ توالتفيهم مصيباته دراكا
كانوا يجيرون من يعاديمنه فعاداهم لذا كا "
ولله درّ أبي الطيّب في قوله:
تفيت الليالي كلّ شيء أخذتهوهنّ لما يأخذن منك غوارم
إذا كان ما تنويه فعلاً مضارعاًمضى قبل أن تلقى عليه الجوازم
فجعل الممدوح والزمان كقرنين متساجلين وجعل للمدوح الغلبة والفلج. وأما قولها:
زعموا قتلت وما لهم خبر
فإنها تعني أصحابه الذين غادروه ونجوا واعتذروا في قتله، وزعموا أنهم لم يكن لهم خبر بأمره وقولها:
وإذا رقدت فأنت منتبه
تريد يقظته وشهامته كما قال تأبّط شراً
إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزلله كاليء من قلب شيحان فاتك
وقولها:
وإذا انتبهت فوجهك البدر
لأن المعهود في وجه الهابّ من نومته العبوس والبسور والكسل وقلّة النشاط.
وأنشد أبو علي "، " شعراً فيه:
قوم تخيّر طيب العيش رائدهمفأصبحوا يلحفون الأرض بالحلل
هذا كقول طرفة:
فإذا ما شربوها وانتشواوهبوا كلّ أمون وطمّر
ثم راحوا عبق المسك بهميلحفون الأرض هدّاب الأزر
وقال آخر:
أيّام ألحف مئزري عفر الملاوأغضّ كلّ مرجّل ريّان
وقال عروة المرّار أبو هانئ بن عروة:
أرجّل جمّتي وأجرّ ذيليوتحمل شكّتي أفق كميت
أمشّي في سراة بني غطيفإذا ما سامني ضيم أبيت
ودخل هانئ على معاوية ﵁ وهو لا يعرفه وكان نذر دمه لإجارته كثير بن شهبا المذحجيّ، وكان معاوية ولاّه خراسان فاختان مالاً كثيراً وهرب واستجار بهانئ فأجاره، فقال معاوية لهانئ: من أنت؟ قال: أنا هانئ بن عروة. قال: ليس هذا بيوم يقول فيه أبوك: ارجّل جمّتي قال هانئ: أنا اليوم أعزّ مني ذلك اليوم. قال بم ذلك؟ قال: بالإسلام يا أمير المؤمنين. قال: أين كثير بن شهاب؟ قال: عندي يا أمير المؤمنين.
قال: انظر ما اختاته فخذ منه بعضاً وسوّغه بعضاً. هذا كان مذهب العرب وبه كانوا يمتدحون حتى جاء الله بالإسلام. وقال رسول الله ﷺ: فضل الإزار في النار. فصار الفضل في التشمير. وقوله ﷺ: فضل الإزار في النار إنما ذلك لمن يسحبه خيلاء وكبراً، كما روى موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن أحد شقيّ إزاري ليسترخي إلاّ أن أتعاهد ذلك منه، فقال ﷺ: لست ممن يصنعه خيلاء. خرّجه البخاري وغيره. وكانت إزرة أصحاب رسول الله ﷺ إلى أنصاف سوقهم والقميص فوق ذلك. وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيّوب قال: كانت الشهرة فيما مضى في تذييلها، والشهرة اليوم في تقصيرها، وأبيح للمرأة إسبال الإزار وأن ترسله من ورائها ذراعاً لئلا ينكشف قدماها عند المشي. وروى أن عبد الله بن الزبير قاتل يوم أصيب حتى بقي وحده. فقالت له امرأته: ألا تخرج فأقاتل معك فأنشدها:
كتب القتل والقتال عليناوعلى الغانيات جرّ الذيول
وخرج هشام وهو سوقة إلى بيت المقدس فمرّ بدمشق فلقيه محمد بن الضحّاك بن قيس الفهري وهو واليها يومئذ وعلى هشام ثياب يجرّها. فقال له: أما رأيت أمير المؤمنين عبد الملك؟ يعرّض له بجرّ ثيابه. فقال هشام: بلى. قال: فيكف رأيته. قال: مهجّراً مشمّراً قال: فما بالك أنت؟ قال: فعلت هذا لقول الشاعر:
قصير الثياب فاحش عند بيتهوشرّ قريش مركّبا
يعرّض له بأن أباه الضحاك هجى بهذا الشعر.
وأنشد أبو علي "، ":
سأشكر عمراً ما تراخت منيّتيأيادي لم تمنن وإن هي جلّت
ع الشعر لأبي الأسود الدؤلي وكان عند عمرو بن سعيد بن العاص فبينا هو يحدّثه إذ ظهركمّ قميصه من تحت جبّته وبه خرق، فلما انصرف بعث إليه بعشرة آلاف درهم ومائة ثوب فقال هذا الشعر. وقال الليثي: الشعر لمحمد بن سعيد مولى. وذكر علي بن الحسين أن الشعر لعبد الله بن الزبير الأسديّ وأنه أتى عمرو بن أبان بن عثمان فسأله فقال لوكيله اقترض لنا مالاً فقال: ما يعطيناه التجّار. فقال: أربحهم فاقترض ثمانية آلاف باثني عشر ألفاً فهو أوّل من تعيّن فقال فيه ابن الزبير:
سأشكر عمراً ما تراخت منيّتي
وقوله:
رأى خلّتي من حيث يخفى مكانهاكان رأى تحت ثيابه ثوباً رثّاً
وأما الشعر الذي لأبي الأسود في هذا المعنى بلا اختلاف فقوله:
كساك ولم تستكسه فشكرتهأخ لك يعطيك الجزيل وياصر
وإنّ أحقّ الناس إن كنت مادحاًبحمدك من أعطاك والعرض وافر
ويروى: والوجه وافر. وكان من خبر هذا الشعر أن عبيد الله بن زياد وقيل: المنذر بن الجارود رأى علي أبي الأسود مقطّعة يطيل لبسها. فقال له في ذلك فقال: " ربّ مملوك لا يستطاع فراقه " فصارت مثلاً فأهدى إليه ثياباً. فقال أبو الأسود الشعر.
وأنشد أبو علي "، ":
إني حمدت بني شيبان إذ خمدتنيران قومي وفيهم شبّت النار
ع الشعر ليزيد بن حمار السّكوني. وقوله إذ خمدت نيران قومي: يريد نار الحرب لمدافعتهم عنه، ويحتمل أن يريد نار القرى لمّا ذكر المحل في البيت الثاني. وقوله حتى يكون عزيزاً من نفوسهم: يريد كأنه من عزّته من نفوسهم أي منهم لا جار لهم أو أن
يبين جميعاً: يريد موفور الماء مجتمعه وهو مختار لفراقهم لا من ضيم لحقه منهم ولا إخفار لذمّته فيهم.
وأنشد أبو علي ":
نزلت على آل المهلّب شاتياًغريباً عن الأوطان في زمن المحل
فما زال بي إحسانهم وافتقادهموبرّهمو حتى حسبتهمو أهلي
ع هذان البيتان لأبي الهنديّ وهو عبد الملك بن عبد القدّوس بن شبث بن ربعيّ الرياحي، وقال علي بن الحسين اسمه غالب بن عبد القدوس شاعر إسلاميّ وقد أدرك أوّل الدولة الهاشمية وقيل بل الشعر لبكير بن الأخنس بن شهاب.
"
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة (١٣٥٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع