من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
خبر أبي جويرية مع خالد بن عبد الله
ع هو أبو جويرية عيسى بن أوس العبدي أحد بني عبد الله بن مالك بن عامر بن الحارث بن أنمار بن عامر بن ربيعة بن نزار شاعر محسن. وجنيد الممدوح هو الجنيد بن عبد الرحمن بن عمرو من ولد سنان ابن أبي حارثة المرّي. والشعر ثلاثة أبيات آخرها:
لم تزل غاية الكرام فلمّامتّ مات الندى ومات الكرام
وقوله:
لو كان يقعد فوق النجم من كرمقوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا
اهتدمه ابن أبي حفصة فقال:
لو كان يعقد فوق النجم من كرمقوم لقيل اقعدوا يا آل عبّاس
وقول أبي جويرية:
لو خلّد الجود أقواماً ذوي حسبفيما يحاول من آجالهم خلدوا
أراد فيما يحاول من إتيان آجالهم وأخذه من قول زهير:
فلو أنّ مجداً يخلد المرء لم يمتولكنّ مجد المرء ليس بمخلد
فأما قوله:
جنّ إذا فزعوا إنس إذا أمنوا
فقد تقدّم القول فيه وفي أمثلته وأنشد أبو علي "، " للشمّاخ:
أعاش ما لأهلك لا أراهم
ع قد فسّر أبو علي معناهما وقال الفارسي في كتاب الحجّة أن لا في قوله: لا أراهم زائدة. فالمعنى على هذا أن الشاعر ابتدأ المرأة بهذا المقال وليس بجواب فغيرها إضاعة أهلها
المال وتفريطهم في إصلاحه. وزعم ابن الأعرابي أن عائشة هذه هي بنت عثمان بن عفّان كان الشمّاخ يأتيها فيحدّثها فربما وجد عندها من لا يقدر على محادثتها من أجله فكنى بالهجان هنا عن عائشة فقال: مالي لا أرى أهلك يضيّعونك؟ أي لا يغفلونك، ثم قال متعجباً! وكيف يضيع مضيع مالا يضيع إن أغفله كهذه الإبل التي هذه صفتها فهي إن أغفلها صاحبها لم تستضرّ بالصقيع وشدّة الزمان الذي يهلك الهزلي في مثله، يعني أن هذه المرأة كريمة فكرمها حافظ لها من أن تأتي سوءاً وإن لم يكن لها حفيظ.
وقال أبو علي "، " إن أصل المثل في قولهم: " سبق السيف العذل " للحارث بن ظالم وهذا وهم. وإنما أصله لضبّة بن أدّ والمقتول الحارث بن كعب، وكان لضبّة ابنان سعد وسعيد فخرجا في بغاء إبل فكان ضبّة كلما رأى شخصاً قال " أسعد أم سعيد " فرجع سعد ولم يرجع سعيد، فبينا ضبّة يسير مع الحارث بن كعب في الشهر الحرام إذ قال له قتلت في هذا المكان فتى من هيئته كذا، قال ناولني سيفه فناوله فقال: " الحديث ذو شجون " وضربه حتى قتله فليم على قتله في الشهر الحرام فقال: " سبق السيف العذل " وقال الفرزدق:
فلا تأمننّ الحرب إن استعارهاكضبّة إذ قال الحديث شجون
فضبّة كلّها ترجع إلى سعد. وكان لضبّة ابن ثالث يسمىّ باسلاً وهو أبو الديلم وقال جرير فنظم هذا المثل:
تكلّفني ردّ العواقب بعدماسبقن كسبق السيف ما قال عاذله
وأنشد أبو علي "، " للشماخ:
إذا ما استافهنّ ضربن منهمكان الرمح من أنف القدوع
وأنشد أبو علي "، " لعبد الصمد بن المعذّل في أخيه أحمد بعد أن كتب إليه أحمد كتاباً ذكره:
أطاع الفريضة والسّنّةفتاه على الإنس والجنّة
هما ابنا المعذّل بن غيلان بن الحكم عبديّ من بني عبد القيس وهما شاعران من شعراء الدولة الهاشميّة وعبد الصمد أشعر وأحمد فقيه مالكي وله كتاب سمّاه بكتاب العلّة ينصر فيه مذهب مالك. وذكر علي بن الحسين أنه كان معتزليّاً، ويكنى أحمد أبا الفضل
ويكنى عبد الصمد أبا القاسم. ويروى في كتاب أحمد زيادة بعد قوله: وعمّ أذاك: " وصرت كالإصبع الزائدة إن قطعت آلمت، وإن تركت شانت، وصرت كأبي العاقّ ". وبلغ أحمد عن أخيه شيء غّمه وأوجعه. فقال: ما عسيت أن أقول في من لفح بين قدر وتنوّر، وربّي بين زقّ وطنبور. وكانت أم عبد الصمد طبّاخة.
وأنشد أبو علي "، " للأضبط:
لكم همّ من الهموم سعهوالمسي والصبح لا فلاح معه
ع هو الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد رهط الزبر قان بن بدر جاهليّ قديم، وهو الذي أساء قومه مجاورته فانتقل عنهم إلى آخرين ففعلوا مثل ذلك فقال: " أينما أوجّه ألق سعداً ". وقال: " بكل واد بنو سعد ". وقال أبو الفرج: أنشد أبو عبيدة وخلف الأحمر شعر الأضبط هذا فلم يعرفا منه إلا قوله:
واقنع من الدهر ما أتاك بهمن قرّ عيناً بعيشه نفعه
وعجز بيت آخر وهو قوله:
يا قوم من عاذري من الخدعة
والخدعة قوم من سعد بن زيد مناة بن تميم. وفيه:
وصل حبال البعيد إن وصلالحبل وأقص القريب إن قطعه
قال أبو عليّ: قال أبوالعباس ثعلب وكان الأصمعي ينشده:
فصلنّ البعيد إن وصل الحبل
ع هذا الإنشاد الذي نسبه إلى الأصمعيّ لا يجوز لأن البيت يكون حينئذ من العروض الخفيف والشعر من المنسرح والأصمعي لا يجهل هذا. ويروى في هذا الشعر بيت زائد وهو:
قد يرقع الثوب غير لابسهويلبس الثوب غير من رقعه
والفلاح في قوله لا فلاح معه: البقاء والعيش قال عبيد بن الأبرص:
أفلح بما شئت فقد يدرك بالضعف وقد يخدع الأريب
والفلاح: الفوز ومنه قولهم في الأذان حيّ على الفلاح. وقوله:
وصل حبال البعيد إن وصلالحبل وأقص القريب إن قطعه
أخذه الأعشى فقال:
ولا تدن وصلاً من أخ متباعدولا تنأ عن ذي بغضة إن تقرّبا
فإنّ القريب من يقرّب نفسهلعمر أبيك الخير لا من تنسّبا
وأنشد أبو علي "، " لأبي النجم:
أغد لعنّا في الرهان نرسله
ع وصلته:
فقلت للسائس قده أعجلهواغد لعنّا في الرهان نرسله
فظلّ مجنوباً وظلّ جملهبين شعيبين وزاد يزمله
أغرّ في البرقوع باد حجلهتعلو به الحزن وما يسهّله
قوله أعجله: أراد أعجله فلما وقف على الهاء فسكّنها ألقى حركتها على اللام. وقوله فظلّ مجنوباً: لا يركب. وجمله يزمل: أي يحمل الزاد والعلف. واسم أبي النجم الفضل بن قدامة بن عبيد الله عجليّ من بني عجل بن لجيم بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل.
وأنشد أبو علي "، " لمحمود الورّاق:
فاجاك من وفد الشباب نذيروالدهر من أخلاقه التغيير
هو محمود بن الحسن الورّاق البغدادي مولى بني زهرة يكنى أبا حسن، شاعر كثير الشعر جيّده وعامّته في الحكم والمواعظ والزهد.
أنشد أبو علي "، " لداود بن جهوة:
أقاسي البلى لا أستريح إلى غدفيأتي غد إلاّ بكيت على أمس
هكذا ثبت عن أبي علي ابن جهوة وأنشد ابن الجرّاح وغيره هذا الشعر لداود بن جمهور لم يختلفوا في ذلك، ولم أر جهوة اسماً إلاّ هذا فإن كان معلوماً فهي من أجهى الطريق
إذا استبان والجهوة والجهوة: الدبر لغة يمانية يقال فتح الله جهوته. قال الراجز:
شرّ قرين للكبير نعلتهتولغ كلباً سؤره أو تكفته
وتدفع الشيخ فتبدو جهوته
وأخذ ابن الرومي معنى قول الشاعر:
وأنكرت شمس الشّيب في ليل لمّتيلعمري لليلى كان أحسن من شمسي
فقال:
وجار على ليل الشباب فضامهنهار مشيب سرمد ليس ينفد
وعزّاك عن ليل الشباب معاشروقالوا نهار الشيب أهدى وأرشد
وكان نهار المرء أهدى لرشدهولكنّ ظلّ الليل أندى وأبرد
وهذه القصيدة كثيرة النوادر قليلة الحشو على طولها وينتهي عدد أبياتها إلى أربعمائة بيت يمدح فيها صاعداً ويذكر الموفّق وصاحب الزنج. فمن النادر فيها قوله يصف الدنيا:
لما تؤذن الدنيا به من صروفهايكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنّهالأوسع مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنّهبما سوف يلقى من أذاها يهدّد
ومن ذلك قوله في المديح:
تراه عن الحرب العوان بمعزلوآراؤه فيها وإن غاب شهد
كما احتجب المقدار والحكم حكمهعلى الناس طرّاً ليس عنه معرّد
فتى روحه ضوء بسيط كيانهومسكن ذاك الروح نور مجسّد
صفا ونفى عنه القذى فكأنّهإذا ما استكفّته العقول مصعّد
كأنّ أباه حين سمّاه صاعداًرأى كيف يرقى في المعالي ويصعد
وأنشد أبو علي "، " للعكوّك:
جلال مشيب نزلوأنس شباب رحل
ع هو عليّ بن جبلة بن عبد الرحمن الأبناوي من أبناء الشيعة الخراسانيّة يكنى أبا الحسن، والأصمعيّ لّقبه بالعكوّك بين يدي الرشيد، وذلك أن عليا دخل على الرشيد فأنشده شعراً حسناً فحسده الأصمعيّ لما رأى من إقبال الرشيد عليه فقال له: إيه يا عكوّك. فقال له على في مجلس أمير المؤمنين: تلّقب الناس يا ابن راعي الضأن العشرين ألست من باهلة. والعكوّك في كلام العرب: الغليظ السمين. وكان على إذا ذكر الأصمعي بمحضره سبّه. وكان العكوّك ضريراً أبرص. وكان شاعراً مطبوعاً عذب اللفظ جزله.
وأنشد أبو علي "، " لأبي دلف:
نظرت إليّ بعين من لم يعدللمّا تمكّن طرفها من مقتلي
ع أبو دلف هو القاسم بن عيسى بن إدريس أحد بني عجل بن لجيم بن صعب بن عليّ بن بكر، وهو ممن جمع إلى محلّه الشامخ في الشجاعة وعظيم الغناء في المشاهد حسن الأدب وجودة الشعر ومحض الجود. ومن مختار شعره في الشيب أيضاً قوله:
في كل يوم أرى بيضاء قد طلعتكأنّما طلعت في ناظر البصر
لئن قصصتك بالمقراض عن بصريلما قرضتك عن همّي ولا فكري
ومن مختار ما ورد في قرض طلائع المشيب قول كشاجم:
نظرت إلى المرآة فروّعتنيطلائع شيبتين ألمّتا بي
فأمّا شيبة ففزعت منهاإلى المقراض من حبّ التصابي
وأما شيبة فعفوت عنهالتشهد بالبراءة من خضابي
فيالك من مشيب قد تبدّيأقمت به الدليل على شبابي
وأنشد أبو عليّ "، ":
حنتني حانيات الدهر حتىكأنّي خاتل أدنو لصيد
ع هذا الشعر لأبي الطمحان وهو حنظلة بن الشرقيّ أحد بني القين بن جسر من قضاعة وهو شاعر جاهليّ إسلاميّ وكان نديماً للزبير بن عبد المطلّب وترباً له، وكان خبيث الدّين جيّد الشعر. ومثل هذا المعنى قول سلمىّ بن غويّة بن سلميّ بن ربيعة الضّبيّ:
هزئت زنيبة أن رأت ثرمىوأن انحنى لتقادم ظهري
حتّى كأنّي خاتل قنصاًوالمرء بعد تمامه يحري
وقول ربيعة بن مقروم:
ودلفت من كبر كأنّي خاتلقنصاً يدبّ لصيد وحش مختل
والعرب تقول لمن انحنى ظهره من الكبر " قد قاد العنز " و " رقع الشنّ ".
" وحمل رميح أبي سعد " قال راجزهم:
يا ويح هذا الرأس كيف اهتزّاًوحيص موقاه وقاد العنزا
يقول ضعف بصره فإذا أراد أن ينظر خرّز عينيه فكأنّهما مخيطتان.
وأنشد أبو علي "، " غير منسوب:
وعائب عابني بشيبلم يعد لمّا ألمّ وقته
ع وهما لمحمد بن عبد الملك الزيّات وزير الواثق ذكر ذلك الصوليّ وغيره. أخذه من قول يونس النحوي وقد لقيه رجل كان يتّهم مودّته ويونس قد كبر وهو يهادي بين رجلين. فقال له: يا أبا عبد الرحمن أبلغت ما أرى. قال: هو ما ترى فلا بلغته.
وأنشد أبو علي "، " لدعبل:
أهلاً وسهلاً بالمشيب فإنّهسمة العفيف وحلية المتحرّج
ع هو دعبل بن علي بن رزين بن سليمان خزاعيّ يكنى أبا عليّ كوفيّ شاعر
مبرّز من شعراء الدولة الهاشمية. ومن مختار شعره في المشيب وهو مضادّ لهذا في المعنى قوله:
أين الشباب وأيّة سلكالا أين يطلب ضلّ بل هلكا
لا تعجبي يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
قد كان يضحك في شبيبتهفأتى المشيب فقلّما ضحكا
وأحسن ما ورد في الترحيب بالشيب على مذهب الشعر الأول قول أحمد بن زياد الكاتب:
ولمّا رأيت الشيب حلّ بياضهبمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا
ولو خلت أنّي إن كففت تحيّتيتنكّب عنّي رمت أن يتنكّبا
ولكن إذا ما حلّ كره فسامحتبه النفس يوماً كان للكره أذهبا
وقال مسلم بن الوليد في نحوه:
الشّيب كره وكره أن يفارقنيأعجب بشيء على البغضاء مودود
يمضي الشباب وقد يأتي له خلفوالشيب يذهب مفقوداً لمفقود
وأنشد أبو علي "، " لأبي هفّان:
تعجّبت درّ من شيبي فقلت لهالا تعجبي فبياض الصبح في السّدف
أبو هفّان هو عبد الله بن أحمد بن حرب المهزميّ العبدي، راوية عالم بالشعر والغريب وشعره جيّد إلاّ أنه مقلّ، وهو من شعراء الدولة الهاشميّة ومثل قوله:
وزادها عجباً أن رحت في سملوما درت درّ أنّ الدّرّ في الصدف
قوله أيضاً:
لعمري لئن بيّعت في دار غربةثيابي أن ضاقت عليّ المآكل
فما أنا إلاّ السّيف يأكل جفنهله حلية من نفسه وهو عاطل
وأنشد أبو علي "، " لرجل من خزاعة:
قد كنت أرتاع للبيضاء أبصرهامن شعر رأسي فقد أيقنت بالبلق
ع هذا الشعر لأبي الأسود الدؤليّ كذلك قال محمد بن يزيد وغيره وهو ثابت في ديوان شعر أبي الأسود. ورواه محمد:
قد كنت أرتاع للبيضاء في حلكفالآن أرتاع للسوداء في يقق
وهذه هي الرواية الجيّدة التي لا يجهل فضلها منتقد. أخذ هذا المعنى أبو تمام فقال:
شاب رأسي وما رأيت مشيب الرأس إلاّ من فضل شيب الفؤاد
طال إنكاري البياض وإن عمّرت شيئاً أنكرت لون السواد
وحسّنه أبو الطيّب فقال:
راعتك رائعة البياض بعارضيولو أنّها الأولى لراع الأسحم
لو كان يمكنني سفرت عن الصبيفالشيب من قبل الأوان تلثّم
وفيه:
شيب تغيّبه عمن تغرّ بهكبيعك الثوب مطويّاً على خرق
ظاهره أنه غير صحيح المقابلة، وصحّة مقابلة التشبيه فيه أن يقول كطيّك الثوب على خرق عند البيع. وتوجيه ذلك أنه لما كان البيع سبباً لطيّه على الخرق وقع التشبيه عليه.
وأنشد أبو علي "، " لمنصور النمريّ:
ما واجه الشيب من عين وإن ومقتإلاّ لها نبوة عنه ومرتدع
ع لم ينشد أبو علي غيره وبعده:
ما كنت أوفى شبابي كنه غرّتهحتّى انقضى فإذا الدنيا له تبع
وهو منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك من النمر بن قاسط، وهو تلميذ كلثوم العتّابي وراويته وبمذهبه تشبّه في الشعر. وشعره هذا من أحسن ما بكى به الشباب. ومن أحسن ما قيل في ذلك أيضاً قول محمد بن حازم الباهليّ:
لا تكذبنّ! فما الدنيا بأجمعهامن الشباب بيوم واحد بدل
كفاك بالشيب ذنباً عند غانيةوبالشبّاب شفيعاً أيّها الرجل
وأبكى بيت ورد في فقد الشّباب قول أبي الغصن الأسدي أو غيره:
أتأمل رجعة الدنيا سفاهاًوقد صار الشّباب إلى ذهاب
فليت الباكيات بكلّ أرضجمعن لنا فنحن على الشّباب
وأنشد أبو علي "، ":
والشّيب إن يحلل فإنّ وراءهعمراً يكون خلاله متنفّس
ع قال الأصمعي: دخلت على الرشيد وهو ينظر إلى شيبه في مرآة فأنشدته، وذكر هذين البيتين فقال: ما صنع شيئاً إنما أخذه من قول امرئ القيس:
ألا إن بعد العدم للمرء قنوةوبعد المشيب طول عمر وملبساً
ومن جيّد ما ورد في هذا المعنى قول ابن مقبل:
وتنكّرت شيبي فقلت لهاليس المشيب بناقص عمري
سيّان شيبي والشّباب إذاما كنت من أجلي على قدر
فهذا مذهب من لم يحفل بحلوله. وقال رجل من الأزد في ذلك:
ولقد أقول لشيبة أبصرتهافي مفرقي فمنحتها إعراضي
عنّي إليك! فلست منتهياً ولوعمّمت منك مفارقي ببياض
هل لي سوى عشرين عاماً قد مضتمع ستّة في إثرهن مواض
ولقلّما أرتاع منك وإنّنيفيما هويت وإن وزعت لماض
فعليك ما اسطعت الظّهور بلّمتيوعليّ أن ألقاك بالمقراض
وقال أبو نواس:
وإذا عددت سنّي كم هي لم أجدللشّيب عذراً أن يلمّ براسي
وقال إبراهيم بن المهديّ ونسبها أبو تمام إلى ابن مفرّغ:
يقولون هل بعد الثلاثين ملعبفقلت وهل قبل الثلاثين ملعب
لقد جلّ قدر الشيب إن كان كلمابدت شيبة يعرى من اللهو مركب
وقال حفص العليميّ:
أقول لحلمي لا تزعني عن الصبىوللشيب لا تذعر عليّ الغوانيا
طلبت الهوى العذريّ حتّى وجدتهوسيّرت في نجديّه ما كفانيا
وقول أبي الطيّب في الشيب حكمة بالغة:
مشبّ الذي يبكي الشباب مشيبهفكيف توقيّه وبانيه هادمه
وتكملة العيش الصبى وعقيبهوغائب لون العارضين وقادمه
وما خضب الناس البياض لأنّهقبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
وأنشد أبو علي "، ":
وليس صرير النعش ما تسمعونهولكنّه أصلاب قوم تقصّف
ع هذا الشعر للعطويّ أبي عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عطيّة الكنانيّ مولى لهم بصرى. قال أبو يعقوب توفيّ أحمد ابن أبي دؤاد. فقال العطوى يرثيه من قصيدة ارتجلها وأنشد البيتين: وأنشد أبو علي "، " لبعض العرب:
دببت للمجد والساعون قد بلغواجهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
ع هذا الشعر لحوط بن رئاب الأسديّ شاعر إسلاميّ وأحسبه أدرك الجاهلية. ورواية ابن الأعرابي دببت للمجد: يعني نفسه كذلك نقلته من نوادره بخطّ الحامض أبي موسى أصل أبي عليّ. وقوله:
وألقوا دونه الأزرا
يعني دون أن يبلغوه تخفّفاً للجري فلم ينالوه. وبخطّ أبي عليّ في الكتب التي أملى منها النوادر فكابدوا المجد بالفاء.
قال أبو علي "، ": أنشدني غير واحد من أصحاب أبي العبّاس قال: أنشدنا أبو العبّاس المبرّد لابن المعذّل:
سألنا عن ثمالة كلّ حيّفقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهمفقالوا زدتنا بهم جهاله
ع المبرّد هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمير بن حسّان ثماليّ وثمالة هو أسلم بن أحجن بن كعب بن حارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد يكنى أبا العباس. وقال أبو بكر ابن أبي الأزهر كان أبو العباس من العلم وغزارة الأدب وكثرة الحفظ وفصاحة اللسان وبراعة البيان وملوكيّة المجالسة وكرم المعاشرة وبلاغة المكاتبة وحلاوة المخاطبة وعذوبة المنطق وصحّة النظر وحسن الخطّ على ما ليس عليه أحد ممّن تقدّمه أو تأخّر عنه. قال عليّ بن حمزة: كان أبو العباس يروي ما هجى به من مثل هذا وشبهه ليثبت نسبه في ثمالة.
وأنشد أبو علي "، ":
فلو أبصرت دارك في محلّيحلّ الحزن فيه والسرور
ع هما لسليمان ابن أبي دباكل الخزاعي. وقد تقدم له من هذا الشعر أبيات " ص "
"
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة (١٣٥٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع