من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
خبر الأعرابيّ المسترفد
ع ومن فصيح ما ورد لهم في ذلك ما رواه ابن الأعرابيّ. قال: وفد أعرابي فقال: يا أهل الغضارة حقب السحاب، وانقشع الرباب، واستأسدت الذئاب، وزرم الثمر، وباد الولد وكنت كثير العفاة، صخب السقاة، عظيم الدلاة، لا أتضاءل إلى الزمان، ولا أحفل بالحدثان، حيّ حلال، وعدد ومال، ثم تقرّقنا أيدي سبا، بعد فقد الآباء والأبناء، وكنت
حسن الشارة، خصيب الدارة، سليم الجارة. وكان محلى حمى، وفرسي أساً، قضى الله ولا رجعان لما قضى سواف المال، وشتات الرجال، وتغيّر الحال، فأعينوا من شخصه شاهده، وفقره سائقه وقائده.
وأنشد أبو علي "، " للتغلبيّ:
خلع الملوك وسار تحت لوائه
ع هو مهلهل بن ربيعة وقد زعم بعضهم أنه لشرحبيل بن مالك أحد بني عصم ذكر ذلك يعقوب، وقد رأيته منسوباً إلى عمرو بن الأيهم التغلبي. وقد تقدّم ذكر مهلهل " ص " وذكر ابن الأيهم " ص " وقبل البيت:
وأغرّ من ولد الأراقم ماجدصلت الجبين معاود الإقدام
خلع الملوك وسار تحت لوائهشجر العرى وعراعر الأقوام
وهذه كناية عن شداد الرجال الصابرين على اللأواء ومضض الحروب، ويروى: وعراعر بالفتح وهو جمع عراعر: يعني سادة القوم وأعلامهم مأخوذ من عرعرة الجبل. والأراقم: هم جشم ومالك وعمرو وثعلبة والحارث ومعاوية بنو بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل. ومرّ كاهن بأمّهم وهم ستّة في قطيفة لها فقالت له: انظر إلي بنيّ هؤلاء فنظر وقال: لكأنّما رموني بعيون الأراقم. وأمّهم مارية بنت حمار من بني عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان.
وأنشد أبو علي "، " لرؤبة:
أو كاحتلاق النورة الجموش
ع قال يصف سنة جدب:
حصّاً تنقّى المال بالتحويشدقّاً كرفش الوضم المرفوش
أو كاحتلاق النورة الجموش
حصّا: تحصّ المال أي تحلقه. والتحويش: التنقّص. والوضم: اسم من أسماء الخوان ثم سميّ به كلّ ما طرح عليه اللحم. والرفش: كل ما يؤكل على الخوان، وأصله حطم الأكل.
وأنشد أبو علي "، ":
عداني أن أزورك أنّ بهميعجايا كلّها إلاّ قليلا
قد رأيت هذا البيت منسوباً إلى أرطاة بن سهيّة المرّيّ.
وأنشد أبو علي "، ":
قريب ثراه لا ينال عدوّهله نبطاً عند الهوان قطوب
ع هذا البيت لكعب بن سعد الغنويّ. وقد أنشد أبو علي القصيدة بكاملها "، " والصحيح آبي الهوان قطوب لأنه إذا قال عند الهوان يكون قد
أثبت أنّه مهان مذال وإنما يقطب عند نزول ذلك به، وهم يقولون في المديح: فلان آبى الضيم وآبى الهوان وآبى الظلم، ومن هذا قولهم: رجل أبيّ. وقال معبد بن علقمة:
فقل لزهير إن شتمت سراتنافلسنا بشتّامين للمتشتّم
ولكنّنا نأبى الظلام ونعتصيبكل رقيق الشفرتين مصمّم
وتجهل أيدينا ويحلم رأيناونشتم بالأفعال لا بالتكلّم
وأنشد أبو علي "، ":
إذا جعجعوا بين الإناخة والحبس
ع اختلف في عزو هذا البيت فقيل هو لعمرو بن معدي كرب، وقيل هو لأوس بن حجر. فمن عزاه إلى أوس أنشده:
أجاعلة أمّ الحصين خزايةعليّ فراري أن لقيت بني عبس
ورهط بني عمرو وعمرو بن عامروتيماً فجاشت من لقائهم نفسي
كأنّ جلود النمر جيبت عليهمإذا جعجعوا بين الإناخة والحبس
ومن نسبه إلى عمرو أنشده:
أجاعلة أمّ الثوير خزاية
لقونا فضمّوا جانبينا بصادقمن الطّعن حشّ النار في الحطب اليبس
لقيت أبا شأس وشأساً ومالكاًأولئك جاشت من لقائهم نفسي
كأنّ جلود النمر جيبت عليهمإذا جعجعوا بين الإناخة والحبس
وما بالفرار اليوم عار على الفتىإذا عرفت منه الشجاعة بالأمس
ويروى:
وليس يعاب المرء من جبن يومهإذا عرفت
منه الشجاعة بالأمس
والقول الأول في بيت الشاهد أثبت. يقول إذا تحيّر الناس في أن ينيخوا ثابتين أو يشلّوا ناجين، فهم من الجرأة كأن جلود النمر جيبت عليهم أي هم نمور. والحبس: أن يحبس على غير علف. وقوله:
كأن جلود النمر جيبت عليهم إلخ
كما تقول فلان شابّ في مسك شيخ، وكما قال شرحبيل بن مالك التغلبي:
أبينا أبينا أن تغنّوا بعامركما قلتم زبّان في مسك ثعلب
يريد كما قلتم إنّ زبّان جبان روّاغ كأنه ثعلب. وقال آخر:
فيوماً ترانا في مسوك جيادناويوماً ترانا في مسوك الثعالب
يريد فيوماً ترانا في طباع الخيل من الشدّة والجرأة والإقدام والصبر، ويوماً نروغ ونجبن إذا كان ذلك أحزم. وهذا البيت أعني قول عمرو:
وما بالفرار اليوم عار على الفتىإذا عرفت منه الشجاعة بالأمس
مثل قوله أيضاً:
ولقد أجمع رجليّ بهاحذر الموت وإني لفرور
ولقد أعطفها كارهةحين للنّفس من الموت هرير
وقال عامر بن الطفيل:
أقول لنفس لا يجاد بمثلهاأقليّ الشكوك إنني غير مدبر
وقال آخر:
أقاتل ما كان القتال حزامةوأنجو إذا لم ينج إلا المكيّس
وأنشد أبو عليّ "، ":
وغملي نصيّ بالمتان كأنّهاثعالب موتي جلدها قد تزلّعا
ع هذا البيت للراعي وقبله:
إذا أخلف الصوب الربيع وصالهاعراد وحاذ ملبس كلّ أجرعا
وغملي نصيّ. وصالها: أي اتّصل. والعراد والحاذ: ضربان من النبات وهما من الحمض. والأجرع والجرعاء: الرملة الليّنة. وغملي نصيّ: بعضه على بعض. والغميل: المكان الممتلئ من الحليّ ويقال رجل مغمول ومغمون إذا غطّي ليعرق، وبسر مغمول إذا ألقي عليه ماء وغطّي ليدرك. والنصيّ: رطب الحليّ فإذا جفّ فهو الحليّ وهو من أفضل المراعي فشبّه سنمته لحمرتها بأوبار الثعالب. وهذا البيت الشاهد اهتدمه الراعي من قول طفيل الغنوي، قال طفيل:
ابت إبلي ماء الحياض وآلفتتفاطير وسميّ وأحناء مكرع
وغملي نصيّ بالمتان كأنّهاثعالب موتى جلدها لم ينزّع
تفاطير: نبذ من نبت الوسميّ، يقال ظهر في وجه الرجل تفاطير الشباب: أي نبذ من بثر.
وأنشد أبو عليّ "، ":
متى تأته تعشو إلى ضوء نارهتجد خير نار عندها خير موقد
ع هو للحطئة يمدح بعض آل شمّاس، ولما أنشد عمر بن الخطاب هذا البيت
قال: تلك نار موسى ﵇. وقبله:
يرى البخل لا يبقي على المرء مالهويعلم أنّ المرء غير مخلّد
كسوب ومتلاف إذا ما سألتهتهلّل واهتزّ اهتزاز المهنّد
متى تأته تعشو إلى ضوء نارهتجد خير نار عندها خير موقد
وأنشد أبو عليّ "، ":
اقبلن من أعلى جفاف بسحريحملن صلالاً كأعيان البقر
وأنشد أبو علي "، " لزيد الخيل:
نصول بكلّ أبيض مشرفيّعلى اللاتي بقي فيهن ماء
وذكر الافتظاظ.
ع وكانوا إذا أرادوا توغّل الفلوات التي لا ماء فيها سقوا الإبل على أتمّ أظمائها ثم قطعوا مشافرها لئلا ترعى أو خزموها فإذا احتاجوا إلى الماء افتظّواكروشها فشربوا ثميلتها. قال أبو اللّحّام التغلبيّ.
سقينا الإبل عشراً بعد غبّووكّرنا المزاد من الجلود
وقطّعنا مشافرها وخفناأجرّتها فما اجترّت بعود
وقال مالك بن نويرة في ذلك:
إن لا كن لاقيت يوم مخطّطفقد خبّر الرّكبان ما أتودد
يخال لهم إذ يعصرون فظوظهابدجلة أو فيض الأبلة مورد
إذا ما استبالوا الخيل كانت أكفّهموقائع للأبوال والماء أبرد
وأنشد أبو علي في مثل ذلك "، ":
وشربة لوح لم أجد لسقائهابدون ذباب السيف أو شفرة حلاّ
ع ويروى: لشقائها عن غير أبي علي. ومثله لآخر:
ويهماء يستاف الدليل ترابهاوليس بها إلاّ اليمانيّ مخلف
بستافه: يشمّه هل به أثر لراكب أو واطئ. والمخلف: المستقي. يقول لا يوصل فيه إلى استقاء ولا سقي إلا بالسيف اليمانيّ. وأنشد ابن الأعرابي في معناه لعلقمة بن عبدة:
وقد أصاحب فتياناً شرابهمخضر المزاد ولحم فيه تنشيم
خضر المزاد: يعني الكروش لمّا حملت الماء سمّاها مزاداً. وتنشيم: تغيّر.
وأنشد أبو علي "، ":
أحقاً عباد الله أن لست ناظراًإلى قرقري يوماً وأعلامها الغبر
كأنّ فؤادي كلّما مرّ راكبجناح عقاب رام نهضاً إلى وكر
إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقةدعاك الهوى واهتاج قلبك للذكر
فيا راكب الوجناء أبت مسلّماًولا زلت من ريب الحوادث في ستر
إذا ما أتيت العرض فاهتف بجوّهسقيت على شحط النوى سبل القطر
فإنّك من واد إليّ مرجّبوإن كنت لا تزدار إلاّ على عفر
خلّط أبو عليّ في هذا الشعر وهو من شعرين مختلفين لرجلين، فثلاثة الأبيات منها ليحيى بن طالب على ما أنا ذاكره، وثلاثة الأبيات منها لقيس بن معاذ. وكان يحيى بن طالب الحنفيّ سخيّاً كريماً يقري الأضياف ويطعم الطعام فركبه الدين الفادح فجلاً عن اليمامة إلى بغداد يسأل السلطان قضاء دينه، فأراد رجل من اليمامة الشخوص من بغداذ إلى اليمامة فشيّعه يحيى بن طالب، فلمّا جلس في الزورق ذرفت عيناه وأنشأ يقول:
أحقاً عباد الله أن لست ناظراًإلى قرقري يوماً وأعلامها الخضر
إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقةدعاك الهوى واهتاج قلبك للذكر
أقول لموسى والدموع كأنّهاجداول ماء في مساربها تجري
ألا هل لشيخ وابن ستّين حجّةبكى طرباً نحو اليمامة من عذر؟
كأن فؤادي كما مرّ راكبجناح غراب رام نهضاً إلى وكر
يزهدني في كلّ خير صنعتهإلى الناس ما جرّبت من قلّة الشكر
فيا حزناً ماذا أجنّ من الهوىومن مضمر الشوق الدخيل إلى حجر
تعزّيت عنها كارهاً فتركتهاوكان فراقيها أمرّ من الصبر
هكذا صحّة إنشاده الخضر لا الغبر كما أنشده أبو علي، وكيف يحنّ إلى أوطان يصفها بالجدب والاغبرار. وقد ذكر أبو عليّ خبر يحيى هذا "، " وأنشد له هذا الشعر ولكنه نسي ولولا نسيانه لاعتذر. قال علي بن الحسين: يحيى بن طالب من أهل اليمامة من بني حنيفة، شاعر مقلّ من شعراء الدولة العباسية، قال ولم يقع إليّ نسبه وزاد في آخر هذه الأبيات:
مداينة السلطان باب مذلّةوأشبه شيء بالقنوع وبالفقر
إذا أنت لم تنظر لنفسك خالياًأحاطت بك الأحزان من حيث لا تدري
وأما أبيات قيس بن معاذ فإنها:
فيا راكب الوجناء أبت مسلّماًولا زلت من ريب الحوادث في ستر
إذا ما أتيت العرض فاهتف بجوّهسقيت على شحط النوى سبل القطر
فإنّك من واد إليّ مرجّبوإن كان لا تزدار إلا على ذكر
لعلّ الذي يقضي الأمور بعلمهسيصرفني يوماً إليه على قدر
فتفتر عين ما تملّ من البكاويسكن قلب ما ينهنه بالزجر
وقد اختلف في اسم المجنون واسم أبيه أشدّ اختلاف، فقيل قيس بن معاذ، وقيل قيس بن الملوّح وقيل إن الملوّح هو معاذ، وقال أبو عبيدة: اسم المجنون البختري بن الجعد، وقال أبو العالية: اسمه الأقرع، وقال أبو الفرج: الصحيح أنه قيس بن مرّ بن قيس بن عدس أحد بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقال الأصمعي: رجلان ما عرفا في الدنيا إلاّ بالاسم: مجنون بني عامر وابن القريّة. وقد أخبر غير واحد أنه رآه وخاطبه، وقد رآه نوفل بن مساحق في استيحاشه واستنشده:
أتبكي على ليلى ونفسك باعدتمزارك من ريّا وشعباً كما معا
ع وأعصر هو منبّه بن سعد بن قيس عيلان وإنما سميّ أعصر بقوله:
قالت عميرة ما لرأسك بعد مافقد الشباب أتى بلون منكر
أعمير إنّ أباك غيرّ لونهمرّ الليالي واختلاف الأعصر
والأصمعي هو عبد الملك بن قريب بن أصمع، واختلف فيما بعد أصمع باهليّ، وباهلة هو سعد مناة بن مالك بن أعصر غلبت عليه أمّه باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة من مذحج، وأصيب أصمع بالأهواز وكان قد أدرك النبي ﷺ.
وقال في الحديث " فجاء بصيدانة " الصيدان: برام حجارة، والصيدان: ضرب من حجر الفضّة، والقطعة منه صيدانة، وبيت أبي ذؤيب:
وسود من الصيدان فيها مذانب النّضار إذا لم نستفدها نعارها
يروى بفتح الصاد وكسرها، فمن رواه بالفتح جعله جمع صيداء، وهي البرمة من الحجارة، والصيداء: الصخرة، ومن رواه الصيدان بالكسر جعله جمع صاد وهو النحاس والصفر كما يقال تاج وتيجان. واستدلّ أبو الفتح على أن عين الصيدان ياء وليست كياء عيدان برواية من روى صيدان بالفتح. والصيدان: الملك. والصّيدان: من أسماء الثعلب.
وأنشد أبو علي في الحديث شعراً منه:
وفيهنّ من بخت النساء سبحلةتكاد على غرّ السحاب تروق
ع البخت من أكرم الإبل وأعظمه أجساماً فاستعاره للنساء، والمرأة تشبّه بالسحابة لفتور مشيها وعلوّ قدرها وامتناعها ممن أراد نيلها، ولما يرجى من صوبها كما يرتجي من هذه وصلها، والشعر للشّمردل بن شريك اليربوعي.
وأنشد أبو علي "، " لمسكين الدارميّ:
ربّ مهزول سمين عرضهوسمين الجسم مهزول الحسب
ع وبعده البيت:
كسبته الورق البيض أباًولقد كان وما يدعى لأب
أصبحت صاحبتي طمّاحةقرمت بل هي وحمى للصخب
أصبحت تتفل في شحم الذراوتعدّ اللّوم درّاً ينتهب
لا تلمها إنّها من نسوةملحها موضوعة فوق الركب
كشموس الخيل يبدو شغبهاكلّما قيل لها هال وهب
وهذه الأبيات المعنويّة قد أنشدها أبو علي "، " وفسّرها. وأخذ معنى البيت الأول ابن المعتزّ فقال:
إذا كنت ذا ثروة من غنىفأنت المسوّد في العالم
وحسبك من نسب صورةتخبّر أنّك من آدم
ومن أمثال العرب " وجدان الرقين يغطّي أفن الأفين " أخذه حسّان فقال:
ربّ علم أضاعه عدم المال وجهل غطى عليه النعيم
وقال آخر:
كأنّ الغنى في أهله بورك الغنىبغير لسان ناطق بلسان
ومرّ رجل غنيّ على ابن شهاب فتحرّك له وأكرمه فلما انصرف قيل له: أكانت لك إليه حاجة؟ قال: لا ولكّني رأيت المال مهيباً.
وأنشد أبو علي "، " لحسّان:
فإنّ أبي ووالده وعرضيلعرض محمّد منكم وقاء
ع قال حسّان من قصيدة يخاطب أبا سفيان ابن الحارث بن عبد المطّلب ويهجوه:
هجوت محمداً فأجبت عنهوعند الله في ذاك الجزاء
فإنّ أبى ووالده وعرضيلعرض محمد منكم وقاء
أتهجوه ولست له بكفءفشرّكما لخيركما الفداء
وروى أن حسّان لما أنشد النبيّ ﷺ هذا الشعر قال له لما أنشد الأول من هذه الأبيات: جزاؤك على الله الجنة، وقال له لما أنشد الثاني: وقاك الله حرّ النار، فأما البيت الثالث فهو أنصف بيت قالته العرب، وكذلك قول الحصين بن الحمام المرّي:
نطاردهم نستودع البيض فيهمويستودعونا السمهريّ المقوّما
وأنشد أبو علي "، " لذي الرمّة:
أدنى تقاذفه التقريب أو خببكما تدهدى من العرض الجلاميد
ع وصلته قال وذكر الحمار والأتن:
حتى إذا ما استقلّ النجم في غلسوأحصد البقل ملويّ ومحصود
راحت يقحّمها ذو أزمل وسقتله الفرائش والسلب القياديد
أدنى تقاذفه التقريب أو خببكما تدهدى من العرض الجلاميد
أراد بالنجم الثريا وارتفاعها مكبّدة ذلك الوقت في آخر شهري ناجر. والملويّ: اليابس من البقل ويقحّمها: يدخلها من موضع إلى آخر. وأزمله: صوته. ووسقت: أي احتوت على مائه. والفرائش: جمع فريش وهي الحديثة النتاج. والسلب: جمع سلوب وهي التي اختلجت أولادها عنها. والقياديد: الطوال والواحدة قيدود.
وأنشد أبو عليّ "، " لرؤبة:
إنا إذا قدنا القوم عرضا
ع وبعده:
لم نبق من بغى الأعادي عضّانشّذب عن خندف حتى ترضى
وليس دين الله بالمعضّى
يقال للرجل إذا كان شديد المعارضة ألدّ الخصومة عضّ. ونشذب: ننفي كما يشذب عن الجذع كربه. وقوله بالمعضّى: هو من قول الله سبحانه " الذين جعلوا القرآن عضين ".
وأنشد أبو عليّ "، " لجرير:
أتذكر حين تصقل عارضيهابفرع بشامة سقي البشام
ع صلته:
بنفسي من تجنّبه عزيزعليّ ومن زيادته لمام
ومن أمسى وأصبح لا أراهويطرقني إذا هجع النيام
أتنسى إذ تودّعنا سليمىبفرع بشامة سقي البشام
هكذا رواه الزيادي عن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير.
وأنشد أبو عليّ "، ":
حمراء من معرّضات الغربانتقدمها كلّ علاة عليان
ع هذا وهم منه وإنما هو:
يقدمها كلّ علاة عليانحمراء من معرّضات الغربان
لا ترعوى لمنزل وإن حان
لأن الضمير في يقدمها راجع على رفقة ذكرها، ولو كانت هذه الحمراء يقدمها كل علاة عليان لم تكن من معرّضات الغربان لأنها حينئذ تكون متأخّرة. قال يعقوب: وقوله لا ترعوى لمنزل: يقول تتباعد من الحادي أبداً فتقع الغربان على حملها لأنها قد أمنت أن يحذفها الحادي. والعراضة: إطعامك الرجل شيئاً من ميرتك. ثم قال: لا ترجع نشاطاً
لنزول وإن حان نزولها. قال غيره: والحمر أجلد الإبل. والمعرّضات: الإبل التي تقدم الإبل فتقع الغربان عليها فتأكل مما تحمله، إذ ليس هناك من يطردها لبعد الحادي عنها فكأنها قد أهدت إلى الغربان العراضة، والعراضة: هديّة القادم خاصّة. والعلاة: الشديدة الصلبة مشبّهة بالعلاة وهي السندان. والعليان المشرفة. ومثله في المعنى قول الآخر:
قد قلت قولاً للغراب إذ حجلعليك بالقود المسانيف الأول
تغدّ ما شئت على غير عجلالتمر في البئر وفي ظهر الجمل
قال ثعلب: سألت ابن الأعرابي أيّ شيء يقول. قال: يقول يا غراب إن أفنيت ما عليها من التمر فإنّ الماء إذا استقى من البئر على ظهر الجمل ثم سقي به النخل خرج الرطب وجاء التمر. والرجز الذي أنشده أبو علي لرجل من غطفان كذلك نقل في كتاب البارع.
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة (١٣٥٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع