من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
خبر مقّاس العائديّ مع هشام بن عبد الملك
ع قال الأخفش هو مقاس بن عمرو بن عثمان بن ربيعة بن عائدة قريش، وبنو عائدة يقولون إنه خزيمة بن لؤيّ بن غالب بن فهر. فهم عائدة قريش وهم في بني أبي ربيعة ابن ذهل بن شيبان. ومقّاس لقب واسمه مسهر ويكنى أبا جلدة وزعم صاعد بن الحسن أنه مسهر بن النعمان بن عمرو من أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان فهو على قوله حليف لعائذة
قريش ولذلك قيل له عائذيّ وهذا خطأ. وقال ابن الكلبي اسمه يعمر بن عمرو لقب مقّاساً بقوله:
مقست لهم ليل التمام بفتيةإلى أن بدا خيط من الفجر طالع
ويروى:
مقست بهم ليل التمام مشمرّا
مقست بهم بمعنى دخلت بهم. وذكر اللغويون أن اشتقاق اسمه من قولهم مقست نفسه وتمّقست أي غثت. وهو شاعر مجيد مقلّ قال:
ثم زادوني عذاباًنزعوا عني طساسي
قال أبو علي قال لي أبو الميّاس: الطساس الأظفار ولم أجد أحداً من مشايخنا يعرفه.
قال المؤلف قد عرفه الوليد بن يزيد بن عبد الملك فقال:
كأن الحميم على جسمهاإذا اغترفته بأطساسها
جمان يجول على فضّةجلته حدائد دوّاسها
يعني إذا كفّته بأطراف أصابعها وأظفارها تطرحه عن جسمها. وأكثر الناس يمرّ على هذا البيت صفحاً ولا يدري ما معنى إذا اغترفته بأطساسها. وإنما نبّه الوليد على هذا التشبيه امرؤ القيس بقوله:
إذا ما استحمّت كان فضل حميمهاعلى متنتيها كالجمان على الحال
أنشد أبو علي "، " لدكين الراجز:
لم أر بؤساً مثل هذا العام
ع هود كين بن رجاء الفقيمي راجز إسلاميّ. وقوله: " أرهنت ورهنت يقالان " قال غيره يقال رهنت في الرهن وأرهنت في القمار والمخاطرة ففرّق بينهما ويقال أرهنتك الشيء أعطيتكه لترهنه وأرهنت بالسلعة: غاليت بها.
قال أبو علي: الحتامة البقيّة من كل شيء.
ع والمعروف أن الحتامة ما بقي على المائدة من الطعام يقال: تحتّمت أكلت الحتامة وفي الحديث: من أكل وتحتّم دخل الجنة. وهي الحثالة أيضاً.
وأنشد أبو علي "، " للشمّاخ:
فإن كرهت هجائي فاجتنب سخطي
ع وصلته:
نبّئت أن ربيعاً أن رعى إبلاًيهدي إليّ خناه ثاني الجيد
وإن كرهت هجائي فاجتنب سخطيلا يدركنّك إفراعي وتصعيدي
وإن أبيت فإني واضع قدميعلى مراغم نفّاخ اللغاديد
يعني ربيع بن علباء السلميّ. أن رعى إبلاً أي: كثرت إبله ليس أنه يرعاها بنفسه. واللغاديد تنتفخ من الإنسان عند الغضب. ومثل قوله: أن رعى إبلاً قول البعيث يهجو جريراً:
أأن أمرعت معزي عطيّة وارتعتتلاعاً من المرّوت أحوى جميعها
تعرّضت لي حتى صككتك صكّةعلى الرأس يكبو لليدين أميمها
وأنشد أبو علي "، ":
نفرعه فرعاً ولسنا نعتله
ع هو لأبي النجم في أرجوزته المشهورة في الرهان وصلته:
يبري لنا طاو كريم أبجلهتبوّع الذئب خبيباً عسله
نفرعه فرعاً ولسنا نعتلهمرّاً نفدّيه ومرّاً نعذله
نعتله: أي نتلّه كما يتلّ الرجل إلى السلطان ونعذله لنشاطه وإتعابه لنا.
وأنشد أبو علي "، " للأعشى:
صددت عن الأعداء يوم عباعبصدود المذاكي أفرعتها المساحل
ع قبله:
متى تأتنا تعدو بسرجك لقوةصيود تجنّبنا ورأسك مائل
صددت عن الأعداء
يقوله الأعشى لقيس بن مسعود بن خالد الشّيبانيّ، ويعيّره فرار اليوم المذكور.
وأنشد أبو علي "، " لأوس بن حجر:
وشبّه الهيدب العبام
ع قبله:
والحافظ الناس في تحوط إذالم يرسلوا خلف عائذ ربعاً
وعزّت الشمأل الرياح وقدأمسى كميع الفتاة ملتفعا
وشبّه الهيدب العبام من الأقوام سقباً مجلّلاً فرعا
السّنة إذا عمّت بالجدب فهي تحوط. واللفاع اللحاف. يقول أمسى كميع الفتاة مجانباً لها لا يريدها من الجهد وشدّة الزمان. والهيدب الذي عليه أهدام أي خلقان تذبذب
كأنه هيدب السحاب. والعبام الكليل اللسان وقيل العبام الغليظ الخلقة في حمق. وقوله مجلّلاً فرعا ويروى ملبّساً فرعا يريد جلد فرع تلبسه سقباً آخر لكي تدرّ أمّه عليه فشبّه الرجل بما عليه من تلك الأهدام والثياب لشدّة البرد بهذا السقب المجلّل بهذا الجلد. ومثل قوله مجلّلاً فرعاً قول الراجز:
كأن خزّاً تحته وقزّاًأوفرشاً محشوّة إوزّاً
أراد ريش إوزّ.
أنشد أبو علي "، " للهذليّ:
يقرّبه النهض النجيح لما يرىومنه بدوّ مرّة ومثول
ع هذا البيت لخويلد بن مرّة يكنى أبا خراش يصف صقراً يصيد أرنباً وبعده:
فأهوى لها في الجوّ فاختلّ قلبهاصيود لحبّات القلوب قتول
وأنشد أبو علي "، " للنابغة الذبياني:
وكلّ مدجّج كالليث يسمو
ع صلته:
وهم زحفوا لغسّان بزحفرحيب السرب أرعن مرثعن
بكلّ مجرّب كالليث يسموعلى أوصال ذيّال رفنّ
وضمر كالقداح مسوّماتعليها معشر أشباه جنّ
قال أبو علي: ذيّال طويل الذنب يعني بها بني أسد وكانوا حلفاء بني ذبيان. رحيب السرب: أي واسع الطريق حيث سرب يعني كثرته. والمرثعنّ الثقيل لا يكاد يبرح من كثرته. وقال أبو عمر مرثعنّ: مضطرب من كثرته. والمدجّج: الفارس المتكفّر في شكّته مأخوذ من الدجّة وهي الظلمة، وليل دجوج وديجوج. وقوله أشباه جنّ: يريد في المضاء والجرأة وأنّهم لا يتهيّبون شيئاً والعرب إذا بالغت في الصفة بالشهامة أو بالحسن جعلته من الجنّ كأنه خارج عن حدّ الآدميّين، ألا تسمع قول قيس بن زهير، وقيل بل قاله حاتم الطائي في بني زياد الكملة من فاطمة بنت الخرشب:
بنو جنّيّة ولدت سيوفاًقواطع كلّها ذكر صنيع
وقال أبو الطيب في النسيب:
إنسيّة الأنساب إن هي حصّلتجنّيّة الأبوين ما لم تنسب
وقال آخر في الجرأة والشدّة وهو أبو جويرية:
جنّ إذا فزعوا إنس إذا أمنوامرزّؤون بهاليل إذا احتشدوا
وقال الفرزدق:
أحلامنا تزن الجبال رزانةوتخالنا جنّاً إذا ما نجهل
وقول أبي علي: ذيّال طويل الذنب قول محذوف لا يكون ذيّالاً حتى يكون طويلاً طويل الذنب فإن كان قصيراً طويل الذنب فهو ذائل، أو ذيّال الذنب فيضيفون.
وأنشد أبو علي "، " لذي الرمّة:
إذا ابن أبي موسى بلالاً بلغتهفقام بفأس بين وصليك جازر
ع وقبله:
أقول لها إذ شمّر الليل واستوتبها البيد واستنّت عليها الحرائر
تشمير الليل: ذهابه وقلوصه. واستوت بها البيد: أي سارت في سوائها ومعظمها، يخاطب بهذا ناقته وبئس ما جزاها كما قال رسول الله ﷺ للمرأة التي هاجرت إليه من مكة على ناقة فقالت: إني نذرت إن بلّغتني إليك أن أنحرها. فقال بئس ما جزيتها. وإنما تبع ذو الرمّة في هذا الشماخ فإنه قال يمدح عرابة بن أوس:
إذا بلغتني وحملت رحليعرابة فاشرقي بدم الوتين
فنعم المرتجى رحلت إليهرحى حيزومها كرحى الطحين
وغرض الشاعر في ذلك أنه لا يبالي لأن الممدوح يحمله ويعطيه. والمذهب الأحمد في ذلك قول عبد الله بن رواحة حين خرج في جيش مؤتة:
إذا بلّغتني وحملت رحليمسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي وخلاك ذمّولا أرجع إلى أهلي ورائي
وتبعه داود بن سلم فقال يمدح قثم بن العبّاس:
نجوت من حلّ ومن رحلةيا ناق إن قرّبتني من قثم
إنك إن بلّغتنيه غداعاش لنا اليسر ومات العدم
وتبعهما أبو نواس فقال وأحسن:
وإذا المطيّ بنا بلغن محمّداًفظهورهن على الرجال حرام
قربننا من خير من وطئ الثرىفلها علينا حرمة وذمام
وأنشد أبو علي "، " لامرئ القيس:
فيالك من ليل كأن نجومه.
ع صلته:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلبصبح وما الإصباح فيك بأمثل
فيالك من ليل كأن نجومهبكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
كأن الثريّا علّقت في مصامهابأمراس كتّان إلى صمّ جندل
قوله ألا انجل: العرب إذا برمت بشيء أو ضجرت منه خاطبته بمثل هذا وإن كان
لا يجدي وإنما ذلك استراحة حتى قال بشر وهو يصف ثوراً قد تقوّض عليه كناسه في ليلة قرّة مطيرة:
فبات يقول أصبح ليل حتىتجلّى عن صريمته الظلام
كأن الثور من ضجره بطول الليل يخاطبه بهذا. والمصام المكان الذي لا تبرح منه كمصام الفرس وهو مربطه وأصله من صام إذا قام ولم يرم موضعه. وهذه المعاني مما سبق إليها امرؤ القيس فتبعه الناس قال الطرمّاح في معنى البيت الأول:
ألا أيها الليل الطويل ألا اصبحببمّ وما الإصباح فيك بأروح
على أن للعينين في الصبح راحةبطرحهما طرفيهما كلّ مطرح
وقال آخر في معنى البيت الثاني:
أراقب في السماء بنات نعشولو أسطيع كنت لهن حادي
كأن الليل أوثق جانباهوأوسطه بأمراس شداد
وأنشد أبو علي "، " للأعشى:
نبيّ يرى ما لا ترون وذكرهأغار لعمري في البلاد وأنجدا
وقبله:
متى ما تناخى عند باب ابن هاشمتريحي وتلقي من فواضله ندا
نبيّ يرى ما لا ترون إلخ.
له صدقات ما تغبّ ونائلوليس عطاء اليوم مانعه غدا
يمدح بهذا الشعر النبيّ ﷺ حين قدم مكة يريد المدينة والوفود على النبيّ ليسلم فقالت له كفّار قريش ما قد تقدم ذكره " ص " وأنشد أبو علي "، " للهذليّ:
ماذا يغير ابنتي ربع عويلهمالا ترقدان ولا بؤسي لمن رقدا
ع هو لعبد مناف بن ربع الهذليّ وهو أول الشعر وبعده:
كلتاهما أبطنت أحشاؤها قصباًمن بطن حلية لا رطباً ولا نقدا
إذا تجاوب نوح قامتا معهضرباً أليماً بسبت يلعج الجلدا
يقوله في أختيه وبكائهما على أبيهما يقول كأن في أجوافهما قصبالمزامير من شدة البكاء. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ: كان يبكي في صلاته حتى يسمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل. ويلعج: أي يحرق.
أنشد أبو علي "، " لعديّ بن زيد:
ربّ نار بتّ أرمقها
ع وصلته:
يا لبيني أوقدي الناراإنّ من تهوين قد حارا
ربّ نار بتّ أرمقهاتقضم الهنديّ والغارا
عندها ظبي يؤرّثهاعاقد في الجيد تقصارا
شادن في عينه حوروتخال الوجه دينارا
الهندي يعني الألنجوج ويؤرّثها أي يوقدها ويشبّها. والتقصار القلادة.
وهو عديّ نب زيد بن حمار بن أيوب من بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم جاهلي
ّ من أهالي الحيرة يكنى أبا عمير. وأيّوب جدّه أوّل من سمّى من العرب بأيّوب. وقال ابن دريد: وإنما قيل لقوم عديّ العباد لأنهم قوم شتّى اجتمعوا على النصرانيّة وأنفوا من أن يقل لهم العبيد فتسمّوا بالعباد. وقال الطبري في قوله تعالى: " وقومهما لنا عابدون " معناها مطيعون ومنه قيل لأهل الحيرة العباد لأنهم كانوا طاعة لملوك العجم، والعرب تقول رجل عابد إذا دان للملك. وقال أحمد بن أبي يعقوب إنما سميّ نصارى الحيرة العباد لأنه وفد على كسرى خمسة منهم فقال للأول: ما اسمك؟ قال: عبد المسيح. وقال للثاني: ما اسمك؟ قال: عبد ياليل. وقال للثالث: ما اسمك؟ فقال: عبد عمرو. وقال للرابع: ما اسمك؟ قال: عبد ياسوع. وقال للخامس: ما اسمك؟ قال: عبد الله. فقال: أنتم عباد كلّكم فسمّوا عباداً. قال كراع: معنى عبد ياسوع عبد الله قال القطاميّ:
وقد كنت تدعى عبد ياسوع مرّةفأخلفت والإخلاف من سيّئ الذكر
وأنشد أبو علي "، " لبشر:
فعدّ طلابها وتعزّ عنهابحرف قد تغير إذا تبوع
وبعده:
عذافرة تخيّل في سراهالها قمع وطلاّع رفيع
كأن الرحل منها فوق جأبشنون حين يقرعها القطيع
عذافرة: شديدة. تخيّل في سراها من النشاط. والقمع: السنام. وجاب: أي غليظ يعني حمار وحش. والسنون: بين السمين والمهزول. والقطيع: السوط.
وأنشد أبو علي "، " لكثيّر:
إذا قلت أسلو غارت العين بالبكا
ع صلته:
إذا ذكرتها النفس ظلّت كأنّماعليها من الورد التهاميّ أفكل
وظلّت دموع العين تجري كأنهابوادي القرى من يابس الثغر تكحل
إذا قيل مهلاً غارت العين بالبكاغراء ومدّتها مدامع حفّل
ورواية اليزيدي عن محمد بن حبيب:
وآدتها مدامع بهّل
يقول كأن عينيه كحلتا بثغر فهي تسيل. والثغر: ضرب من النبت فيه حرارة يلذع العين إذا أصابتها، ثم قال: وإذا نهى عن البكاء غارت عينه من الغراء وهي الملاجّة، يقال غاراني فلان إذا لاججته فصنع مثل ما تصنع. ومن روى آدتها: فمعناه أعانتها ومدّتها. وبهّل: مطلقة من قولهم ناقة باهل إذا لم يكن لها صرار.
وأنشد أبو علي "، " للهذليّ:
فرميت فوق ملاءة محبوكة
ع البيت لساعدة بن العجلان من بني تميم بن سعد بن هذيل وقبله:
يا رمية ما قد رميت مرشّةأرطاة ثم عبأت لابن الأجدع
فرميت فوق ملاءة محبوكةوأبنت للأشهاد حزّة أدّعى
مرشّة لها رشاش من الدم أي نضح وقيل أراد بها الدرع وصحيح عبارة الحزّة القطعة من الوقت لأن الحزّ القطع.
وأنشد أبو علي "، ":
فقد أودى إذا بلغ النسيس
ع هو لأبي زبيد وصلته:
ولكنّي ضبارمة جموحعلى الأعداء مجترئ خبوس
متى تضمم يداه إليه قرناًفقد أودى إذا بلغ النسيس
الخباسة: الغنيمة، والخبوس: الكثير الغنم. وقيل في النسيس أنه الجهد، وقيل النسيس أصل كل شئ.
قال أبو علي "، " لما مات حصين بن الحمام سمعوا صارخاً يصيخ من جبل ويقول:
ألا ذهب الحلو الحلال الحلاحلومن عنده حزم وعزم ونائل
ومن عنده فضل إذا القوم أفحمواتصيب مرادي قوله ما يحاول
ع إذا قالت العرب فلان حلال فإنما يريدون أنه ليس عليه أليّة في ماله يحرم بها عليه بذله من قولك رجل حلال إذا خرج من إحرامه، وكذلك الشهر الحلال الذي ليس من الأشهر الحرم ومثل هذا البيت قول الآخر وهو عكرشة أبو الشغب:
رأيت رباطاً حين تمّ شبابهوولّى شبابي ليس في برّه عتب
إذا كان أولاد الرجال مرارةفأنت الحلال الحلو والبارد العذب
وقال جرير فبيّن ما ذكرته:
ولا خير في مال عليه أليّةولا في يمين عقّدت بالمآثم
وأنشد ابن الأعرابي لرجل يخاطب امرأة:
فلا وأبيك لا أولى عليهافتمنع طالباً منيّ يمين
فإني لست منك ولست منّيإذا ما طار من مالي الثمين
وقال الأقرع بن معاذ في مثله:
إنّ لنا صرمة تلفي محبّسةفيها معاد وفي أربابها كرم
تسلّف الجار شرباً وهي حائمةولا يبيت على أعناقها قسم
ونسبهما صاعد إلى الحكم الخضريّ وقال بشّار يهجو بخلاف ذلك:
إذا جئته في حاجة سدّ بابهفلم تلقه إلاّ وأنت كمين
فقل لأبي يحيى متى تدرك العلاوفي كل معروف عليك يمين
ويرويه أبو علي: ألا ذهب الحلو الخلال الحلاحل على الإضافة بالخاء معجمة جمع خلة. وقوله: تصيب مرادي قوله ما يحاول. المرداة حجر يرمى به يقال رديت الرجل أرديه إذا رميته، والمرداة أيضاً حجر يكون عند جحر الضبّ، يقال في المثل " كل ضبّ
عند مرداته " أي يقرب منه حتفه لأنه يرمي به فيقتل. ومعنى المثل لا تأمن الآفات والغير فإن الآفات معدّة مع كل أحد، والضبّ سيء الهداية فذلك الحجر يهتدي به إليه ويقال راديت الرجل ورادسته إذا راميته.
والحصين المؤبّن بهذا الشعر هو الحصين بن الحمام بن ربيعة بن مساب مرّيّ من بني سهم بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان وهو سيّد بني سهم، وكان شاعراً فارساً وهو جاهلي وزعم أبو عبيدة أنه أدرك الإسلام وكان يقال له مانع الضيم وقدم ابن ابنه على عبد الملك بن مروان، فاستأذن عليه وقال: أنا ابن مانع الضيم، فقال هذا لا يكون إلاّ ابن حصين بن الحمام أو ابن عروة بن الورد.
وأنشد أبو علي "، ":
يقرّ بعيني أن أرى من مكانهذرى عقدات الأبرق المتقاود
ع هذا الشعر لنبهان بن عكّيّ العبشميّ. وقوله فيه:
وألصق أحشائي ببرد ترابه
هذا مذهب لكثير من الشعراء الاستشفاء بالملامسة وإلصاق الأحشاء بمواطن الأحبّة، وقد أنشد أبو علي متّصلاً بهذا لّما كان مجانساً له:
أمسّ العين ما مسّت يداهالعلّ العين تبرأ من قذاها
وقال المدائني: رئى عروة بن حزام عند حياض عفراء وقد ألصق قلبه بأرجائها كالمستشفي بذلك. فقال له رجل ما هذا الذي تصنع بنفسك؟ فأجابه:
بي اليأس أو داء الهيام أصابنيفإيّاك عني لا يكن بك ما بيا
لمّا رآه جاهلاً بدائه دعا له أن لا يبتلي به ولم يؤاخذه بعتابه. وقال أبو الطيّب:
وليلاً توسّدنا الثويّة تحتهكانّ ثراها عنبر في المرافق
بلاد إذا زار الحسان بغيرهاحصى تربها ثقبّنه للمخانق
صار الثرى عنده عنبراً، والحصى جوهراً والملمس الخشن ليّناً، والمشمّ التفل طيبّاً. وما أحسن ما نظم بعض المحدثين معنى بيت أبي الطيب. فقال في صفة روضة وهو المنازيّ كاتب أبي مروان صاحب ميّا فارقين:
وقانا وقدة الرمضاء روضوقاه مضاعف الظل العميم
قصدنا نحوه فحنا عليناحنوّ الوالدات على اليتيم
يراعى الشمس أنّى قابلتنافيحجبها ويأذن للنسيم
وسقّانا على ظمإ زلالاًألذّ من المدام مع الكريم
تروع حصاه حالية العذارىفتلمس جانب العقد النظيم
فهذه أبرع عبارة وأبزغ إشارة. ومن استشفاء الأحبّة بما ماسّ المحبوب قول أعرابي من بني كلاب:
ماذا عليك إذا خبّرتني دنفارهن المنيّة يوماً أن تعوديني
فتجلى نطفة في القعب باردةفتغمسي فاك فيها ثمّ تسقيني
وأنشد أبو علي "، ":
آل ليلى إنّ ضيفكموضائع في الحيّ مذ نزلا
ع أنشدهما ابن مقسم في نوادره لأبي العتاهية وفي أخبار ابن عيينة أن الشعر له وقبل البيتين في رواية من ذكر أنه لابن عينية:
أقبلت دنيا فواجذلاجذل الغازي إذا قفلا
وإذا ولّت فواحزناحزن الوالي إذا عزلا
وأنشد أبو علي "، ":
إن كان غرّك إطراقي أبا حسنفالسيف يطرق حيناً قبل هزّته
ع إطراقه أنّه لا يضطرب قبل أن يهزّ.
وأنشد أبو علي "، ":
يا مرّ يا خير أخنازعت درّ الحلمة
الشعر لسالم بن دارة قاله ابن الأعرابي في كتاب الألفاظ وأنشده:
يا قرّ يا خير أخ
هكذا في أصل أبي علي في كتاب النوادر لابن الأنباري بخطّ أبي علي:
يا عمرو يا خير فتى
وروى ابن الأنباري:
يا خير من أوقد للأضياف ناراً جحمه
ضيفك لا يشقى بهإلاّ العسير السنمه
بخطّ أبي علي في ذلك الكتاب: العسير الناقة التي لم ترض، والأشبه أن تكون العسير هنا الناقة التي لم تكمل سنتها فذلك أقوى لها وأكثر لنقيها وهو لا يعقر إلاّ خيارها
أو تكون التي شالت بذنبها للّقاح لأن النفس أشحّ عليها. ورزمة لها رزمة: أي صوت من شدّة المطر. والينمة: نبت طيّب الريح وأنشد ثعلب:
يا رب بيضاء على مهشّمهأعجبها أكل البعير الينمه
مهشّمة: موضع. وأعجبها: أصارها إلى التعجّب منه.
وأنشد أبو علي "، " للأخطل:
أضماً وهزّ لهنّ رمحي رأسه
وصلته قال يصف الثور والكلاب:
حتى إذا ما الثور أفرخ روعهوأفاق أقبل نحوها يتذمّر
فعرفن حين رأينه متحمّساًيمشي بنفس محارب ما يذعر
أضماً يهزّ لهن رمحي رأسهأن قد أتيح لهنّ موت أحمر
أفرخ روعه: أي ذهب فزعه. ويتذمّر: أي يهمهم كذلك قال أبو عبيدة وقال غيره يتذمّر: أي يحضّ نفسه على الإقدام يقال تذامر القوم إذا حضّض بعضهم بعضاً، وذمرته أنا حضضته. ومتحمّس: متشدّد. وحمس الوغا: أي اشتدّ، والموت الأحمر الشديد. وفي الحديث: كنّا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول الله ﷺ فلم يكن أحد أقرب إلى العدوّ منه، أي اشتدّ البأس، وقال قوم: الموت الأحمر هو القتل لما فيه من الدم، والموت الأغبر: هو الموت جوعاً وذلك أنه يغبرّ في عينه كلّ شيء.
وأنشد أبو علي "، " للهذليّ:
كأن محرّباً من أسد ترج
ع الشعر لأبي ذؤيب خويلد بن خالد بن محرّث الهذلي جاهلي إسلامي وقبل البيت:
فإنك إن تنازلني تنازلفلا تكذبك بالموت الكذوب
كأن محرّباً من أسد ترجينازلهم لنابيه قبيب
يريد لا تكذبك نفسك وهي الكذوب، ومثله قول العبديّ:
فأقبل نحوي على قدرةفلّما دنا أكذبته الكذوب
وقبيب: صوت وهو القبقبة وأنشد:
قبقبة الجرّ بكفّ المستقي
يريد صوت الجرّة.
وأنشد أبو علي:
ومؤتضم عليّ لأن جدّييبذّ جدوده المتقدمينا
وأنشد أبو علي "، " لرؤبة:
وطامح النخوة مستكتّ
قبله:
فإن تريني أحتمي بالسكتفقد أقوم بالمقام الثبت
أشجع من ذي لبد بخبتيدقّ صلبات العظام رفتي
وطامح النخوة مستكتّطأطأ من شيطانه التعتيّ
صكّي عرانين العدى وصتّيحتى ترى البيّن كالأرتّ
قوله أحتمي بالسكت: يقول أمتنع من أن أتكلّم لأني قد كبرت فأخاف أن أفنّد. وخبت: موضع بعينه مأسدة. والرّفت الدقّ والكسر. وقال الأصمعي: المستكتّ العظيم في نفسه وقيل هو الغضبان. وروايته طأطأ من شيطانه المعتّي من العتوّ وهو الصحيح وتوجّه رواية أبي علي على أنه أراد ذي التعتّي فحذف. وقال الأصمعي الصتّ الصكّ ولا يصرف. وقال غيره: الصتّ والصّيت الجلبة والصياح. وقيل الصت الرفع. وقيل الضرب باليد.
وأنشد أبو علي "، " لرؤبة:
وقد ترى ذا حاجة مؤتضّا
ع قبله:
داينت أروى والديون تقضيفمطلت بعضاً وأدّت بعضا
وهي ترى ذا حاجة مؤتضّاذا معض لولا يردّ المعضا
المؤتضّ الملجأ المضطرّ يقال أضّني ذلك الأمر يؤضّني. وقال الأصمعي: المعض الكراهية يقال معض يمعض معضاً ومعضا. وقال ابن دريد: يقال أمعضه الأمر ومعضه إذا مضّه.
وأنشد أبو علي "، ":
أبصرت ثمّ جامعاً قد هرّا
ع جامع اسم رام. وهي للمرّار الفقعسي وهو المرّار بن سعيد بن حبيب بن خالد بن نضلة الأشجّ ابن جحوان بن فقعس يكنى أبا حسّان شاعر إسلاميّ. والمرّارون من الشعراء سبعة، المرّار الفقعسي هذا، والمرّار العدويّ، والمرّار العجلي، والمرّار الطائيّ، والمرّار الشيبانيّ، والمرّار الكلبي، والمرّار الحرشي، وقد جمعتهم في كتاب الإحصاء لطبقات الشعراء.
وأنشد أبو علي "، ":
إذا رآني قد أتيت قرطباوجال في جحاشه وطرطبا
وأنشد أبو علي "، " لذي الرمّة:
ظلّت تفالي وظلّ الجون مصطخماًكأنّه بتناهي الرّوض محجوم
ع وبعده:
حتّى إذا حان من خضر قوادمهذي جدتين يكفّ الطرف تغييم
خلّي لها سرب أولاها وهيّجهامن خلفها لاحق الصقلين همهيم
يعني العير والأتن. ورواية أبي العباس:
وظلّ الجأب مكتئباًكأنه عن سرار الأرض محجوم
ظلّت تفالي يفلي بعضها بعضاً، والحمار مكتئب لأنها تضرحه من أجل أنها حوامل. وسرار الأرض أكرمها وأخلقها للنبات. يقول منعه إفراط العطش أن يأكل لأنه إنما يأكل اليبيس فصار بمنزلة المحجوم من الإبل وهو المكموم الفم. وخضر قوادمه: يعني الليل والأخضر الأسود عند العرب، قال سبحانه في صفة الجنّتين بشدّة الخضرة: " مدهامّتان ". وقوادمه: أوائله. والجدّة: طريقة ممتدّة مثل الطرّة. وجعل إلباس الليل الأرض بمنزلة الغيم. خلّي لها سرب أولاها: أي خلاّها تتبع أواخرها سوابقها لما أرادت من الورد. وهيّجها: حثّها لطلب الماء. وهمهيم: ذو هماهم يردّدها في صدره. والتناهي في رواية أبي علي جمع تنهية وهي مواضع تنهبط ويجتمع إليها ماء السيل.
وأنشد أبو علي "، ":
قوم إذا اشتجر القناجعلوا القلوب لها مسالك
اللابسين قلوبهمفوق الدروع لدفع ذلك
هذه إشارة إلى أنهم يقدّمون المدافعة بجنن الرأي والسياسة قبل المدافعة بجنن السلاح والبزّة لّما كان الحزم والتدبير وصحّة النظر في الأمور إنما تكون بالعقل والقلب هو الذي يعقل به كما قال الله سبحانه: " أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها " وقد بيّن هذا المعنى ابن نباتة بقوله:
لبسوا القلوب على الدروع حزامةمنهم فليس تقلّم الأظفار
وقال أبو تمام:
من كل أروع ترتاح المنون لهإذا تجرّد لا نكس ولا جحد
إذا رأوا للمنايا عارضاً لبسوامن اليقين دروعاً مالها زرد
فاليقين هنا بإزاء الحزامة في قول ابن نباتة والرأي هو المقدّم في الحروب كما قال أبو الطيّب:
الرأي قبل شجاعة الشجعانهو أوّل وهي المحلّ الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس مرّةبلغت من العلياء كلّ مكان
وقول ابن نباتة:
فليس تقلّم الأظفار
يعني لا يفلّ لهم حدّ ولا تخضد لهم شوكة كما قال الذبياني:
وبنو فزارة لا محالة أنهمآتوك غير مقلّمي الأظفار
وقال معن بن أوس:
وذي رحم قلّمت أظفار ضغنهبحلمي عنه وهو ليس له حلم
عليّ غلام من بني أسد إلى آخره.
ع قال بعض الرواة: ضريّة التي نسب إليها الحمى ضريّة بنت نزار بن معدّ بن عدنان. وقيل هي خندف زوج اليأس بن مضر وأم طابخة ومدركة وقمعة. وخندف: لقب. والخندفة مشية الذي يقلّب قدميه كأنه يعزف بهما ولتلقيبهما خبر، والصحيح أن اسم خندف ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وقوله حريقيص: الحرقوص دويّبة مجذّعة تشبّه بها أطراف السياط، يقال لمن يضرب أخذته الحراقيص وقيل الحرقوص شبيه بالبرغوث وربما نبت له جناحان فطار. وقال أبو عمر المطرّز وهي دويّبة تألف أرحام الأبكار. قال الراجز في ذلك:
ويلك يا حرقوص مهلاً مهلاًأإبلاً أعطتني أم نخلا
وقال آخر:
مالقي الأبكار من حرقوصمن مارد لصّ من اللصوص
يدخل بين الغلق المرصوصمن غير مهر غال أو رخيص
والحرقوص أيضاً: نواة البسرة الخضراء، والحرقوص أيضاً: طرف السوط، يقال للمضروب أخذته الحراقيص، وبكل ذلك يحتمل أن يسمّي الرجل. وقال محمد بن يزيد: كان اسم ذي الثديّة الذي أنذر به النبيّ ﷺ وقتله عليّ ﵁ حرقوصاً، وأنشد للرهين المراديّ الخارجيّ:
وأسأل الله بيع النفس محتسباًحتى ألاقي في الفردوس حرقوصا
وفي الخبر: أنشدك لمرّارنا، قد تقدّم ذكر المرّارين وهو الأسديّ منهم وهو الفقعسيّ وفي الشعر:
سكنوا شبيثاً والأحصّ وأصبحتنزلت منازلهم بنو ذبيان
وفيه:
وإذا فلان مات عن أكرومةرقعوا معاوز فقده بفلان
هذا مثل قول نهشل بن حرّيّ:
وليس يهلك منا سيّد أبداًإلاّ افتلينا غلاماً سيّداً فينا
وقول أوس بن حجر:
إذا مقرم منا ذرى حدّ نابهتخمّط فينا ناب آخر مقرم
وقول أبي الطمحان:
وإنّي من القوم الذين همو هموإذا مات منهم سيّد قام صاحبه
" قلت وقول السموأل:
إذا سيّد منا خلا قام سيّدقؤول لما قال الكرام فعول "
وأنشد أبو علي "، " للأعشى:
زنادك خير زناد الملوكصادف منهن مرخ عفارا
ع بعده:
فإن يقدحوا يجدوا عندهازنادهمو كابيات قصارا
ولو رمت تقدح في ليلةحصاة بنبع لأوريت نارا
يقال في المثل: " أرخ يديك واسترخ إن الزناد من مرخ " يضرب لمن طلب حاجة فيؤمن أن لا يلحّ فيها فإن صاحبه كريم. والكابية من الزناد التي لا توري. وروى أبو عبيدة:
ولو بتّ تقدح في ظلمة صفاة بنبعوالصفا لا توري وكذلك النبع
قال أبو علي: الأعلى زند والأسفل زندة.
وقد جعل أميّة ابن أبي الصلت الزندة طروقة فقال:
والأرض نوّخها الإله طروقةللماء حتى كلّ زند مسفد
وأنشد أبو علي "، " للعجّاج:
عاين حيّاً كالحراج نعمه
وقبله قال وذكر جيشاً غزاهم:
بات يقاسي أمره أمبرمهأعصمه أم السحيل أعصمه
حتى إذا الليل تجلّت ظلمهعاين حيّاً كالحراج نعمه
يكون أقصى شلّه محر نجمه
المبرم المفتول. والسحيل خيط واحد غير مفتول، يقول بات يقاسي أن يشنّ الغارة عليهم ولا يتمكّث ولا ينظر وهو السحيل أو يمكث وهو المبرم. وقد فسّر أبو علي باقيه. ومثله لزهير:
إذا شلّ رعيان الجميع مخافةنقول جهاراً ويحكم لا تنفّروا
على رسلكم إنا سنعدي وراءكموتمنعكم أرماحنا أو سنعذر
يعني نعدي خيلنا.
"
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة (١٣٥٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع