تجاوز إلى المحتوى

من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

شرح الجزء الثاني من الأمالي

أنشد أبو علي لمتتم بن نويرة شعرا، منه:

فقلت له إن إن الشجي يبعث الشجيفدعني فهذا كله قبر مالك

ع قد مضى ذكر متمم، ويروى: إن الأسى والأسى الحزن، وكلا المعنيين واحد، يقول: إذا رأيت محزونا أذكرني حزني، أو قبرا أذكرني قبر أخي، وهذا قريب من قولهم: العاشية تهيج الآيية ويروى: إن الأسى - بضم الهمزة - يبعث الأسى بفتحها، وهذه رواية أبي تمام، ولها وجهان، أحدهما: أن يكون الأسى جمع أسوة وهي التعزية، يقول: تعزيتكم تبعث حزني، ويجوز أن يكون قيل له لك اسوة في فلان وقد قتل أخوه، وفي فلان وقد قتل حميمه، فعرف فضل أخيه على المفقودين فبعث ذلك حزنه.

ويقوي هذه الرواية قوله في البيت الأول:

لقد لامني عند القبور على البكا

ويروي:

لقبر ثوى بين اللوى فالدوانك

وهذه مواضع في ديار بني أسد، وكذلك الملا المذكور في أول الحديث، قال متمم أيضاً:

قاظت أثال إلى الملا وتربعتبالحزن عازبة تسن وتودع

وأنشد أبو علي لفاطمة بنت الأحجم:

قد كنت لي جبلا ألوذ بظله

ع قال السكري هذا الشعر لليلى بنت يزيد بن الصعق، ترثي ابنها قيس بن زياد ابن أبي سفيان ابن عوف بن كعب، وقال الأخفش: إنه لامرأة من كندة. وأوله في رواية من رواه لفاطمة كما قال أبو علي:

يا عين جودي عند كل صباحجودي بأربعة على الجراح
للشاعر فاطمة الزهراء، من قصيدة «قد كنت لي جبلا ألوذ بظله»

والجراح: زوجها.

وفيه:

وإذا دعت قمرية شجناً لها

أخبرني غير واحد عن أبي العلاء المعري أنه كان يرد هذه الرواية ويقول: إنها تصحيف وينشده:

وإذا دعت قمرية شجباً لها

يعني فرخها الهالك وهو الهديل، والشجب: الهلاك، والشجب: الهالك. وهذه رواية حسنة مقبولة، والحق أحق أن يتبع. وكان الأحجم بن دندنة أحد سادات العرب. ويقال الأجحم بتقديم الجيم، قال ابن دريد جحم إذا فتح عينيه كالشاخص، وبذلك سمى الرجل أجحم، وقال الخليل الأجحم: الشديد حمرة العين مع

سعة وكان الأجحم قد تزوج خالدة بنت هاشم بن عبد المطلب، وهي أم فاطمه هذه.

وأنشد أبو علي للنابغة الجعدي:

ألم تعلمي أني رزئت محارباً

قد مضى ذكر الجعدي. وتمام الشعر وهو كله مختار:

يقول لمن يلحاه في بذل مالهأأنفق أيامي وأترك ماليا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «ألم تسأل الدار الغداة متى هيا»
يدر العروق بالسنان ويشتريمن الحمد ما يبقى وإن كان غاليا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «ألم تسأل الدار الغداة متى هيا»

وحوح: هو وحوح بن عبد الله أخو النابغة لأمه. ومحارب: هو محارب بن قيس بن عدس من أشراف قومه. وهي كلمة.

وأنشد أبو علي:

أبا عمرو لم أصبر ولي فيك حيلةولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر

ع هو لعبد الله بن أراكة الثقفي يرثي أخاه عمرو بن أراكة، وكان ابن عباس قد استخلفه على اليمن، وشخص إلى علي رضوان الله عليه، فوجه معاوية إلى اليمن ونواحيها بشر بن أرطاة أحد بني عامر بن لؤي، فقتل عمرا، فجزع عليه أخوه ورثاه بشعر منه هذان البيتان، وفيلهما مما ينتظم به المعنى:

لعمري لئن أتبعت عينيك ما مضىمن الدهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستنفدن ماء الشؤون بأسرهولو كنت تمريهن من ثبج البحر

أيا عمرو ولم أصبر وأنشد أبو علي لكعب بن زهير:

لقد ولى أليته جوىمعاشر غير مطلول أخوها
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «لقد ولى أليته جؤي»

ع قد مضى ذكر زهير ابن أبي سلمى. ويكنى ابنه كعب أبا المضرب، وهو شاعر مخضرم أدرك النبي ﷺ، ومدحه بقصيدته المشهورة:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

وبعد قوله: فإن تهلك حوى:

وما ساءت ظنونك يوم تولىبأرماح وفي لك مشرعوها
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «لقد ولى أليته جؤي»

وآخر الشعر:

فما عتر الظباء بحي كعبولا الخمسون قصر طالبوها
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «لقد ولى أليته جؤي»

وكان حوى هذا قال لقاتليه وقد أسروه: والله إن قتلتموني ليقتلن منكم خمسون رجلا، فبلغ ذلك قومه فبروا يمينه وصدقوا قوله. وأما قوله: فما عتر الظباء فإن العتيرة: ذبيحة كانوا يذبحونها لأصنامهم من الغنم، وربما ضنوا بالغنم، فصادوا مكانها ظباء اتخذوها عتائر، يقول: أرقنا دماء قاتليه، ولم يفادوا بالظباء ولا وفوا بها كما كانت العرب تفعل في نذورها وعتائرها بالغنم تفديها بالظباء. وقال يعقوب كان من خبر هذا الشعر: أن الأوس من الأنصار كانوا حلفاء مزينة، فمر رجل من مزينة يقال له حوى ويقال جوى بالجيم على الأوس والخزرج، وهم يقتتلون في حرب بعاث، فدخل مع حلفائه فأصيب، فمر ثابت أبو حسان الشاعر فقال: يا أخا مزينة ما طرحك هذا المطرح؟ إنك لمن قوم ما يحمدونك. فقال حوى وهو يجود بنفسه: أعطى الله عهدا أن يقتل بي منكم خمسون ليس فيهم أعور ولا

أعرج، فسارت كلمته حتى أتت عمق، وهي أرض مزينة، فثاروا، فبلغ ثابتا أن مزينة قد أتتهم تطلب بدم حوى، فقال ثابت:

جاءت مزينة من عمق لتقرعنافرى مزين وفي أستاهك الفتل

فتلقتهم مزينة ورئيسهم مقرن بن عائذ أبو النعمان بن مقرن فاقتتلوا، فقتل من الأنصار عشرة، وأسر ثابت، فآلى مقرن أن لا يفديه إلا بتبيس أجم أسود، فغضبت الأنصار من ذلك وأبوه، فلما رأوا أنه ليس من ذلك بد أتوا ثابتا، فقالوا ما ترى؟ فقال ادفعوا إليهم أخاهم يعني التيس، وخذوا أخاكم يعني نفسه. وقال في ذلك مقرن أبياتا منها:

وعن اعتناقي ثابتا في مشهدمتنافس فيه الشجاعة للفتى
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «هلا سألت وأنت غير عيية»
فشريته بأجم أسود حالكوكذاك كان فداؤه فيما مضى

وقال الحسن بن علي النمري

حي كعب قبيلة لحوى.

وأنشد أبو علي:

رأيت رباطا حين تم شبابهوولى شبابي ليس في بره عتب
للشاعر أبو الشغب العبسي، اقرأ القصيدة

ع قال الرياشي هذا الشعر لأبي الشغب، واسمه عكرشة العبسي. وقوله:

إذا كان أولاد الرجال حزازةفأنت الحلال الحلو والبارد العذب
للشاعر أبو الشغب العبسي، اقرأ القصيدة

الحزازة: الغيظ. ورواه الترمذي: إذا كان أولاد الرجال حرارة برائين مهملتين، ورواه السكري مرارة؛ وهو أحسن في صناعة الشعر لقوله: فأنت الحلال الحلو. وقد مضى القول في معنى الحلال حيث أنشد أبو علي: ألا ذهب الحلو الحلال الحلاحل.

وفيه:

كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب

البارح: الريح الحارة، وإنما أراد الشاعر أن الغصن في ذلك الزمان ألين منه في الشتاء.

وأنشد أبو علي لأطارة بن سهية يهجو شبيب بن البرصاء:

من مبلغ فتيان مرة أنههجاني ابن برصاء العجان شبيب
فلو كنت مرياً عميت فأسهلتكداك ولكن المريب مريب

قال أبو علي: سألت ابن دريد عن هذا البيت، فقال: كان أبوه أعمى وجده أعمى وجد أبيه أعمى، يقول فلو لم تكن مدخول النسب كنت أعمى كآبائك.

ع لأبي على سهوان فيما رواه أحدهما: إنشاده

فلو كنت مريا

وإنما هو: فلو كنت عوفيا لأن أرطاة وشبيبا مريان على ما نورده، والعمى إنما هو فاش في بني عوف من بني مرة إذا أسن الرجل منهم عمي وقل من يفلت فيهم من ذلك، ولو قال: فلو كنت مريا لكان هو أيضا قد انتفى من نسبه، لأنه مرى ولم يكن أعمى. وأما السهو الثاني: فإنشاده الأربعة الأبيات لأرطاة، وإنما الآخران لشبيب، يرد على أرطاة، وهو الأصح، لأن شبيبا كان أفضل من أرطاة بيتا، وكان أرطاة أفضل منه نفسا، فعمى شبيب بعد موت أرطاة، فكان يقول: ليت ابن سهية كان حياً فيعلم أني عوفي. وهذان شاعران مقدمان إسلاميان من بني مرة غلبت عليهما أمهاتهما، وهو أرطاة بن زفر بن عبد الله بن مالك، وأمه سهية بنت زامل، وقيل إنها سبية من كلب كانت لضرار بن الأزور، ثم صارت إلى زفر وهي حامل، فجاءت بأرطاة. وأما شبيب فهو شبيب بن يزيد بن حمزة، ويقال جبرة، وأمه قرصافة

بنت الحارث بن عوف ابن أبي حارثة، وهو ابن خالة عقيل بن علفة، أم عقيل عمرة بنت الحارث، لقبت البرصاء لشدة بياضها ولم يكن بها برص، ولذلك قال شبيب:

أنا ابن برصاء بها أجيبما في هجان اللون ما تعيب
للشاعر شَبيب بن البَرصاء، اقرأ القصيدة

وقيل إنما سميت بذلك لبرص حدث بها، وذلك أن النبي ﷺ خطبها إلى أبيها فقال: إن بها وضحاً، فأصابها ذلك ولم يكن بها.

وذكر أبو علي خبر سالم بن قحفان العنبري، وقوله لامرأته: هاتي حبلا، فقالت: ما عندي حبل.

ع قال غير أبي علي: فأعطته خمارها، فأنشأ سالم يقول:

لقد بكرت أم الوليد تلومنيولم أجترم جرما فقلت لها مهلا
ولا تعذليني في العطاء ويسريلكل بعير جاء طالبه حبلا

وذكر باقي الشعر. قال فأجابته امرأته:

وتقسم ليلى يا ابن قحفان بالذيتكفل بالأرزاق في السهل والجبل
تزال حبال مبرومات أعدهالها ما مشي يوما على خفه جمل
فأعط ولا تبخل لمن جاء طالبافعندي لها خطم وقد زاحت العلل
للشاعر ليلى بنت مرداس، اقرأ القصيدة

وفي شعر سالم:

فإني لا تبكي على إفالها

هذا من قول ضمرة بن ضمرة، وهو:

أرأيت إن صرخت بليل هامتيوخرجت منها بالباً أثوابي
للشاعر ضَمرَةُ النَهشَلي، اقرأ القصيدة
هل تخمشن إبلي على وجوههاأو تعصبن رؤسها بسلاب
للشاعر ضَمرَةُ النَهشَلي، اقرأ القصيدة

والسلاب: عصائب سود، يقال امرأة مسلبة: إذا لبست السواد محدا، وفيه: أصاخت فلم تأخذ سلاحا ولا نبلا يقول لم تمتنع من نحري لها وإعطائي إياها لحسنها

وسمنها، ولا رغبني ذلك فيها فيكفني عن بذلها، وهذا كما قال الفرزدق:

فمكنت سيفي من ذوات رماحهاغشاشاً ولم أحفل بكاء رعائيا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمرك ما تجزي مفداة شقتي»

قالوا رماحها: سمنها الذي تتقي به النحر، لأن صاحبها إذا رآها نفيسة ضن بها، وقال النمربن تولب:

أيام لم تأخذ إلى سلاحهاإبلى بجلتها ولا أبكارها

جلتها: سمانها. وأبكارها: التي لم تحمل، وقيل التي حملت بطنا، وقال آخر:

إذا سمعت إبلي خواتة سائلأصاخت فلم تأخذ سلاحا ولا نبلا

النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة (١٣٥٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.