من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
من حرّم الخمر في الجاهليّة
فذكر منهم عامر بن الظرب.
ع وهو أحد حكّام قيس في الجاهليّة. والثاني غيلان بن سلمة الثقفي. وحكّام قريش ثلاثة: عبد المطّلب، وأبو طالب، والعاصي بن وائل. وحكّام تميم أربعة: أكثم بن صيفيّ وحاجب بن زرارة، والأقرع بن حابس، وضمرة بن ضمرة إلاّ إن ضمرة حكم فأخذ رشوة فغدر. ولبني أسد حاكم واحد ربيعة بن حذار أحد بني سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد. وذكر فيهم قيس بن عاصم وهو شاعر فارس جاهليّ إسلاميّ، وهو أحد حلماء العرب
وسادتهم، وهو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر من بني سعد بن زيد مناة بن تميم يكنى أبا علي، وفد على رسول الله ﷺ بعد الفتح وأسلم وحسن إسلامه وروى عنه أحاديث.
وأنشد هناك "، " لصفوان بن أميّة:
رأيت الخمر صالحة وفيهامناقب تفسد الرجل الكريما
فلا والله أشربها حياتيولا أشفى بها أبداً سقيما
هكذا رواه أبو عليّ، وتقديم الكلام:
رأيت الخمر صالحة تفسد الرجل الكريم
وفيها مناقب فهما خبران. وروى غير أبي علي: وفيها:
معايب تفسد الرجل الكريما
فهذا بيّن مقبول.
وأنشد أبو عليّ "، " لامرئ القيس:
أيقتلني وقد شغفت فؤادها
ع قبله:
فأصبحت معشوقاً وأصبح بعلهاعليه القتام سيّئ الظنّ والبال
يغطّ غطيط البكر شدّ خناقهليقتلني والمرء ليس بقتّال
أيقتلني والمشرفيّ مضاجعيومسنونة زرق كأنياب أغوال
وليس بذي سيف فيقتلني بهوليس بذي رمح وليس بنبّال
أيقتلني وقد شغفت فؤادهاكما شغف المهنوأة الرجل الطالي
ويروى:
كاسف الوجه والبال
والبال: الحال. وهذه الرواية أشبه بقوله عليه القتام: أي الغبار، ووجه الكئيب المحزون مغبرّ، ووجه الجذل المسرور مسفر. قال الله سبحانه: " وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة " أي يعلوها سواد. وقوله غطيط البكر: يعني عند رياضته وهو مصعب. ومسنونة: يعني سهاماً محدّدة الأزجّة. وزرق: صافية مجلوّة. والأغوال: همرجة من همرجة الجنّ وإنما أراد التهويل. والنبّال: هو الذي يعمل النبل، وإنما أراد أن يقول وليس بنابل وهو صاحب النبل فلم يستقم له. ويروى:
وقد قطرت فؤادها
من القطران والمعنى فيهما واحد.
وأنشد أبو عليّ "، " للنابغة:
وقد حال همّ دون ذلك شاغلولوج الشغاف تبتغيه الأصابع
ع يليه:
وعيد أبي قابوس في غير كنههأتاني ودوني راكس فالضواجع
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلةمن الرقش في أنيابها السمّ قاطع
يسهّد من ليل التمام سليمهالحلى النساء في يديه قعاقع
دون ذلك: يعني دون الصبا والغزل. وقال أبو عبيدة: الشغاف في البيت وعاء القلب. وعيد أبي قابوس: هو الهمّ الذي ذكر. وأبو قابوس: النعمان بن المنذر. وكنهه: قدره، وقال ابن الأعرابيّ: حقيقة أمره، أي لم أكن بلغت ما يغضب عليّ فيه. وراكس: واد وقيل جبل في ديار بني مازن. والضاجعة والمحنية والحجون والجزع: كله منعطف الوادي مثل عراقيل دجلة. وقوله ضئيلة: يعني حيّة دقيقة قد اشتدّ سمّها وقلّ لحمها كما قال الراجز:
لميمة من حنش أعمى أصمّقد عاش حتى صار ما يمشي بدم
فكلّ ما أسار منه الدهر سمّ
والعرب تقول: " رماه الله بأفعى حارية ": أي قد رجعت من غلظ إلى دقّة. ويروى:
يسهّر في ليل التمام.
وإنّما يعلّق على السليم الحلى لئلاّ ينام فتسري فيه الحمة. وكان لحليهم جلاجل وجرس وصلصلة. قال الأعشى:
تسمع للحلى وسواساً إذا انصرفتكما استعان بريح عشرق زجل
وقال الصقيل العقيليّ: إنّما يعلّق عليه الحلى سبعة أيّام لتنفر عنه الحمة كما يفعل بالذي يشري جلده فيلبس المزعفر، وسميّ سليماً تفؤّلاً له بالسلامة. الفرّاء: بنو أسد يقولون إنما سمّي سليماً لأنه أسلم لما به.
وأنشد أبو عليّ "، " للحارث بن حلّزة:
طرق الخيال ولا كليلة مدلجسدكاً بأرحلنا ولم يتعرّج
ع وبعده:
أنّي اهتديت وكنت غير رجيلةوالقوم قد قطعوا متان السجسج
المدلج: الذي أسرى الليل كلّه. ولم يتعرّج: لم يأخذ يمنة ولا يسرة. وغير رجيلة: أي غير قويّة على المشي. ورجع بالمخاطبة على المرأة. والسجسج: المكان الواسع الصلب المستوي.
وأنشد أبو عليّ "، " لرؤبة:
والملغ يلكى بالكلام الأملغ
ع وقبله:
فلا تقسني بامرئ مستولغأحمق أو ساقطة مزغزغ
أسلغ يدعى للّئيم الأسلغوالملغ يلكى بالكلام الأملغ
مستولغ: كأنّه حرّض حتى جعل يلغ في كل شيء. ومزغزغ: هو المغموز.
وأنشد أبو عليّ "، " لكعب بن زهير:
دربوا كما دربت أسود خفيّة
وصلته:
من سره كرم الحياة فلا يزلفي مقنب من صالحي الأنصار
الذائدين الناس عن أديانهمبالمشرفيّ وبالقنا الخطّار
دربوا كما دربت أسود خفيّةغلب الرقاب من الأسود ضوار
وأنشد أبو عليّ "، " للعجّاج في لذم إذا لزم:
يقتسر الأقوام بالتغممّقسر عزيز بالأكال ملذم
ع هكذا رواه أبو عليّ بالتغمّم بالغين المعجمة لم تختلف الرواية عنه في ذلك وهو وهم، وإنما هو بالتقممّ بالقاف: أي الركوب والاعتلاء. كذلك رواه أبو حاتم وعبد الرحمن عن الأصمعيّ وفسّره بما ذكرته، وهو الذي لا يصحّ غيره. وصلة الشطرين:
إذا بذخت أركان عزّ فدغمذي شرفات دوسري مرجم
يقتسر الأقران بالتقمّمقسر عزيز بالأكال ملذم
إن أحجمت أقرانه لم يحجمولم يرضه رائض بمخطم
بذخت: ارتفعت. والباذخ: الجبل المرتفع. وفدغم: ضخم. ودوسري مثله. ومرجم: شديد الرجم. والتقمّم: الركوب والاعتلاء. والأقران: جمع قرن، وهذه أحسن من رواية أبي عليّ لأن الأقوام يقع على المسالم والمحارب، والأقران إنما تكون في الحرب وما أشبهها من المنافرات وطلب الطوائل. والأكال: الحظّ والنصيب. ويقال فلان ذو أكل أي ذو حظّ من الدنيا.
وأنشد أبو عليّ "، " لأوس بن حجر:
فما زال حتّى نالها وهو معصمعلى موطن لو زال عنها تفصّلا
ع قال أوس يذكر رجلاً توصّل إلى عود قوس في شاهق يقطعه:
ومبضوعة في رأس نيق شظيّةبطود تراه بالسحاب مكلّلا
ثم قال:
فويق جبيل شامخ الرأس لم يكنليبلغه حتى يكلّ ويعملا
وأبصر ألهاباً من الطود دونهاترى بين رأسي كلّ نيقين مهبلا
فأشرط فيها نفسه وهو معصموألقى بأسباب له وتوكّلا
وقد أكلت أظفاره الصخر كلّماتعايا عليه طول مرقى توصّلا
فما زال حتّى نالها وهو معصمعلى موطن لو زلّ عنه تفصّلا
هكذا الصواب لو زلّ عنه: عن الموطن وهو الموضع الذي صار إليه. ورواية أبي علي
لو زال عنها لا وجه لها. قوله: فويق جبيل صغّره لأنه قلّ عرضه ودقّ وذهب في السماء صاعداً وهو أشدّ لتوقله. والمهبل المهواة. وأشرط فيها نفسه: جعلها علماً للهلاك وأشراط الساعة علاماتها. وقوله: وقد أكلت أظفاره الصخر التذكير في الصخر أعرف.
قال أبو عليّ "، ": كتب رجل من أهل البصرة إلى صديق له وذكره إلى قوله: ومبالغتك في الاعتذار ع الاعتذار هنا الإعذار، وكذلك وقع في غير كتاب أبي عليّ، والإعذار: المبالغة في الطلب، والتعذير التقصير فيه. وفي آخره: ولا أصون عنك شكري. ويروى: ولا أصور بالراء. كذلك في كتاب الزبيديّ أي لا أميله ولا أعدل به عنك.
نغلي اللحم غريضا ونهينه نضيجا
ولم يفسّره. ع وإنّما تريد أنهم يغالون به في الميسر ثم يبذلونه ويقرونه طبيخاً. قال الشاعر:
وإنّي لأغلي اللحم نيئاً وإنّنيلممّن يهين اللحم وهو نضيج
وقال رجل من قيس:
نغالي اللحم للأضياف نيئاًونرخصه إذا نضج القدور
وقال زهير في المغالاة بالميسر:
هنالك إن يستخلبوا المال يخبلواوإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
وأنشد أبو عليّ "، ":
فتى لا يعدّ الرسل يقضي مذمّةإذا نزل الأضياف أو ينحر الجزرا
ع هذا من أوهام أبي عليّ إنما هو:
أو تنحر الجزر
وقوافي الشعر مرفوعة. وقبله:
فتى إن هو استغنى تخرّق في الغنىوإن قلّ مالاً لم يؤد متنه الفقر
فتى لا يعدّ المال ربّاً ولا ترىله جفوة إن نال مالاً ولا كبر
فتى لا يعدّ الرسل يقضي ذمامهإذا نزل الأضياف أو تنحر الجزر
والشعر للأبيرد اليربوعيّ يرثي أخاه بريداً. وهو الأبيرد بن المعذّر بن عمرو بن قيس من بني رياح بن يربوع بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، شاعر إسلاميّ في أول الدولة الأمويّة.
وأنشد أبو عليّ "، ":
لو أنّ حولي من تميم رجلا
ع كان صخر قد أغار على بني المصطلق وهم فخذ من خزاعة فأحاطوا به فجرح واستبطأ أصحابه فأنشأ يقول:
لو أنّ أصحابي بنو خناعهأهل الندى والجود والبراعه
تحت جلود البقر القرّاعهلمنعوا من هذه اليراعة
وقال أيضاً:
لو أنّ حولي من قريم رجلاًبيض الوجوه يحملون النبلا
لمنعوني نجدة أو رسلا
وقتل صخر في ذلك اليوم. قوله القرّاعة: يعني التراس الصلاب وأنشد:
ومجنإ أسمر قرّاع
وقريم: حيّ من هذيل كذلك رواه الأصمعي والسكّريّ، وتميم أيضاً منهم وهو تميم بن سعد بن هذيل.
وأنشد أبو عليّ "، " للأعشى:
سقى دياراً لها قد أصبحت غرضاًزوراً تجانف عنها القود والرسل
ع وقبله:
يا من رأى عارضاً قد بتّ أرمقهكأنّما البرق في حافاته الشعل
فقلت للركب في درنا وقد ثملواشيموا وكيف يشيم الشارب الثمل
قالوا نمار فبطن الخال جادهمافالعسجديّة فالأبلاء فالرجل
ثم ذكر مواضع وقال:
سقى دياراً لها قد أصبحت غرضاً
ويروى: قد أصبحت عزباً أي عازبة. والقود: الخيل. والرسل: الإبل.
وأنشد أبو عليّ "، ":
ذد الدمع حتّى يظعن الحيّ إنّمادموعك إن نمّت عليك دليل
هما للمجنون من كلمة له.
وأنشد أبو عليّ "، ":
وينظر من بين الدموع بمقلةرمى الشوق في إنسانها فهو ساهر
قال أبو علي عند قراءة البيت عليه أسكن الياء ضرورة ولا يجوز في غير الشعر. ع وغير أبي عليّ يرويه رمى الشوق بفتح الميم لغة لطئ ولا ضرورة فيه. قال زيد الخيل:
أفي كلّ عام مأتم تبعثونهعلى محمر ثوّبتموه وما رضى
يريد وما رضى. ومحمر: فرس هجين.
وأنشد أبو عليّ "، ":
نظرت كأنّي من وراء زجاجةإلى الدار من فرط الصبابة أنظر
ع وبعدهما:
فلا مقلتي من غامر الماء تنجليولا دمعتي من شدّة الوجد تقطر
هكذا أنشده إبراهيم ابن أبي عون وأنشده غيره:
وليس الذي يهمي من العين دمعهاولكنّه نفس تذوب وتقطر
والشعر لأبي حيّة النميري. ومثل قوله:
فلا مقلتي من غامر الماء تنجلي
قول البحتريّ:
وقفنا والعيون مشغّلاتيغالب دمعها نظر كليل
نهته رقبة الواشين حتّىتعلّق لا يغيض ولا يسيل
وقوله:
ولا دمعتي من شدّة الوجد تقطر
أول من ذكر أن شدّة الوجد يجمد الدّمع كثيّر قال:
أقول لدمع العين أمعن لعلّهبما لا يرى من غائب الوجد يشهد
فلم أدر أنّ العين قبل فراقهاغداة الشبا من لاعج الوجد تجمد
ولم أر مثل العين ضنّت بمائهاعليّ ولا مثلي على الدمع يحسد
نفسه فينا.
ع هذا الغلام هو عبّاس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة، وقيل ابن الأسود بن قدامة من بني عديّ بن حنيفة وقل من بني الديل بن حنيفة شاعر من شعراء الدولة الهاشميّة ولم يكن يتجاوز النسيب إلى مديح ولا هجاء، يكنى أبا الفضل.
وأنشد أبو عليّ "، ":
ومن طاعتي إياه أمطر ناظريله حين يبدي من ثناياه لي برقا
ع وهما للخبزرزّيّ وبعدهما:
سأستعمل البقيا على من أحبّهوإن كان ما أبقى عليّ ولا أستبقي
فلولا الهوى لم يملك الحرّ طائعاًولولا الهوى لم يغلب الباطل الحقّا
وإنما نهج له السبيل بعض المحدثين بقوله:
لّما بكيت استرابوني فقلت لهمسقوط نجم المعالي نوء أجفاني
والخبزرزّيّ هو أبو القاسم نصر بن أحمد بن نصر بصريّ الدار من شعراء الدولة الهاشميّة أحد المطبوعين المجوّدين، وكان لا يعدل به أحد في زمانه، وقد تقدّم أبا الطيّب الذي ألمّ فيه بهذا المعنى وهو:
كل جريح ترجى سلامتهإلاّ جريحاً دهته عيناها
تبلّ خدّيّ كلّما ابتسمتمن مطر برقه ثناياها
وإلى نحو هذا ذهب أصحاب المعاني في قول مجنون بني عامر:
فأصبحت من ليلى الغداة كناظرمع الصبح في أعقاب نجم مغرّب
وهو الساقط الذي له النوء: قال أبو علي "، " وكان ابن دريد يستحسن قول أبي نواس:
لا جزى الله دمع عيني خيراًوجزى الله كلّ خير لساني
ع وهذا الشعر للعباس بن الأحنف لا لأبي نواس بلا اختلاف.
وأنشد أبو عليّ "، ":
ولذّ كطعم الصرخديّ تركتهبأرض العدي من خشية الحدثان
ع ومن مختار ما ورد من أبيات المعاني في النوم أيضاً قول رجل من هوازن:
قاسمت جنّان الفلاة ففتّهمبمهجة نفسي واستبدّوا بصاحبي
ولم أحتمل عاراً ولكنّ نجدةغداري شقيق النفس بين السّباسب
وأنشد أبو عليّ "، ":
ومستنبح بات الصدى يستتيههفتاه وجوز الليل مضطرب الكسر
ع هو لرجل من بني الحارث بن كعب. وقوله وجوز الليل مضطرب الكسر: جوزه وسطه. وكسره جانبه. والكسر: أيضاً الشقّة السفلى من الخباء، يقال أرض ذات كسور: أي ذات صعود وهبوط وفيه:
وكادت تطير الشول عرفان صوتهولم تمس إلاّ وهي خائفة العقر
ع ظاهر قوله وكادت تطير الشول عرفان صوته أنه يريد سروراً بقدومه، فلما نحرها وعقرها له عاد ذلك السرور خوفاً وحزناً، لأن المعروف أن يقال طار فرحاً ولا يقال طار فزعاً فإن كان مقولاً فهو وجه المعنى في البيت، وكان ينبغي أن يقول ولم تصبح إلاّ وهي خائفة العقر لأنه إنما نزل به ليلاً وقراه ليلاً ولا يجب أن يؤخّر النحر إلى الغد فإن ذلك لؤم. والمعلوم أن توصف الإبل بكراهة قدوم الضيفان، وإنما تحبّ ذلك الكلاب كما قال الآخر:
ومستنبح تهوي مساقط رأسهإلى كلّ صوت فهو للسمع أصور
حبيب إلى كلب الكريم مناخهكريه إلى الكوماء والكلب أبصر
ويروى:
بغيض إلى الكوماء
وقال ابن هرمة:
ومستنبح تسكشط الريح ثوبهليسقط عنه وهو بالثوب معصم
عوى في سواد الليل بعد اعتسافهلينبح كلب أو ليسمع نوم
فجاوبه مستسمع الصوت للقرىله مع إتيان المهبيّن مطعم
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلاًيكلّمه من حبّه وهو أعجم
المهبيّن: الأضياف الموقظون للنوّام. وقال ابن هرمة:
وفرحة من كلاب الحيّ يتبعهاشحم يزفّ به الراعي وترعيب
وما أحسن قول ابن هرمة أيضاً ويروى لغيره:
استوص خيراً به فإنّ لهعندي يداً لا أزال أحمدها
يدلّ ضيفي عليّ في غسقالليل إذا النار نام موقدها
قال أبو عليّ "، ": حكى عن بعضهم أنّه قال: دخلت على الناطفيّ فبشرني ببشر حسن ع هذا أبو خالد الناطفيّ صاحب عنان الشاعرة اليمامية، وكانت بارعة الأدب سريعة البديهة. كان فحول الشعراء يساجلونها فتنتصب منهم. واشتراها الرشيد بعد موت الناطفيّ في سوق من يزيد، وعليها رداء رشيديّ ومسرور الخادم يتزايد فيها مع الناس بمائتي ألف وخمسين ألفاً، وأولدها الرشيد ولدين ماتا صغيرين. وقالت عنان ترثي الناطفيّ:
يا موت أفنيت القرون ولم تزلحتّى سقيت بكأسك النطّافا
يا ناطفيّ وأنت عنّا نازحما كنت أوّل من دعوه فوافى
وأنشد أبو عليّ "، " عن اللحيانيّ:
خفاهنّ من أنفاقهن كأنماخفاهنّ ودق من سحاب مركّب
قال وغير اللحياني يرويه من سحاب مجلّب أي مصوّت. ع وقبله:
ترى الفأر في مستعكد الأرض لا حباًعلى جدد الصحراء من شد ملهب
يقول مرّ الفرس وله حفيف فخرجت الفأر من جحرتهنّ حسبنه مطراً. والمستعكد: الغلظ من الأرض ويقال مرّ يحلب إذا عدا. ويروى:
من عشى مجلّب
ومجلّب بالجيم أي له جلبة من شدّة المطر. والشعر لامرئ القيس.
وأنشد أبو عليّ "، ":
صوّى لها ذا كدنة جلذيّاأخيف كانت أمّه صفيّا
ع وبعدهما:
وقد رعى الربيع والربليّاوعمما من عامه عاميّا
التصوية: تحفيل الناقة بلبنها وهي هنا تحفيل الفحل بمائه للضراب. والكدنة: اللحم ويقال السنام. والجلذيّ: الشديد، ويقال جلذيّ بكسر الجيم وقال الراجز:
لتقربنّ قرباً جلذيّاً
أي شديداً. وكانت أمّه صفيّاً: أي كثرة الدر فهو أقوى له.
وأنشد أبو عليّ "، " للهذليّ:
فلا تقعدنّ على زخّةوتضمر في القلب وجداً وخيفا
ع هو لصخر الغيّ وقبله:
فإنّ ابن تربي إذا زرتكمأراه يدافع قولاً عنيفاً
قد أفنى أنامله أزمهفأمسى يعضّ عليّ الوظيفا
فلا تقعدن. ابن تربي: كأنّه يهجّن أمّه وهو تفعل من الرنوّ، والرنوّ: إدامة النظر أي ترنو ويربي إليها للريبة. والوظيف: هنا مثل وإنما يريد كفّه حين ذهبت أصابعه. والخيف: جمع خيفة من الخوف. قال أبو عليّ: ومنه قيل للمرأة مزخّة.
ع قال الراجز في المزخّة:
أفلح من كانت له مزخّةيزخّها ثمّ ينام الفخّة
أي ينام حتى يغطّ في نومه من الفخيخ وهو أرفع غطيط النائم.
قال أبو علي "، " قال خالد بن صفوان لبعض الولاة: قدمت فأعطيت كلاّ بقسطه من وجهك وكرامتك حتّى كأنّك لست من أحد أو حتى كأنّك من كل أحد.
ع قوله: حتّى كأنّك لست من أحد: يريد أنّه ليس للقريب عنده فضل على البعيد. وقوله: أو حتّى كأنك من كل أحد أي حتى كأنّ الناس أقاربك في إحسانك إليهم وعمومك بذلك لهم.
وأنشد أبو عليّ "، ":
ولّما أبى إلاّ جماحاً فؤادهولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل
ع هذا الشعر أنشده أبو تمّام وغيره غير منسوب، وقد رأيته منسوباً إلى الحسين بن مطير ولا أدري ما صحّة ذلك.
وأنشد أبو عليّ "، ":
ولقد أتاني عن تميم أنّهمذئروا لقتلى عامر وتغضّبوا
ع هو لعبيد بن الأبرص. وبعده:
رغم لعمر أبيك عندي ضائعأنّي يهون عليّ أن لا يعتبوا
وخبره أن أسداً وطئاً وغطفان أوقعت يوم النسار ببني عامر وبني تميم وهم حلفاء، ففرّت بنو تميم وثبتت بنو عامر فقتلوا قتلاً شديداً، وفي ذلك يقول عبيد من هذا الشعر:
ولقد تطاول بالنسار لعامريوم تشيب له الرؤوس عصبصب
والنسار عن يمين الحمي، فغضبت بنو تميم لبني عامر، فتجمّعوا ولقوا أسداً وحلفاءها يوم الجفار، فلقيت منهم أشدّ مما لقيت بنو عامر. فقال بشر ابن أبي خازم:
غضبت تميم أن يقتّل عامريوم النسار فأعتبوا بالصيلم
فقال ضمرة بن ضمرة النهشلي: الخمر عليّ حرام حتى يكون به يوم يكافئه، فأغار عليهم يوم ذات الشقوق وهي بديار بني أسد فقتلهم. وقال في ذلك:
ألآن ساغ لي الشراب ولم أكنآتي التجار ولا أشدّ تكلّمي
حتّى صبحت علي الشقوق بغارةكالتمر ينثر في جريم الجرّم
وأنشد أبو عليّ "، ":
الرمح لا أملأ كفيّ بهواللبد لا أتبع تزواله
ع وبعده:
والدرع لا أبغي بها ثروةكلّ امرئ مستودع ماله
آليت لا أدفن قتلاكموفدخّنوا المرء وسرباله
والشعر لعمرو بن الحارث بن همّام أحد بني تيم اللات بن ثعلبة، ويعرف عمرو بابن زيّابة قال:
يا لهف زيّابة للحارثالصابح فالغانم فالآئب
يعني أمّ نفسه. والحارث هو الحارث بن همّام تأسّف أن صبحهم فغنم وآب سالماً. وقال محمد بن داود: إنه ابن زبابة ببائين كلّ واحدة منهما معجمة بواحدة مخفّفتين. قال: والزبابة فأرة من فأر الحرّة. قال الحارث بن حلّزة:
وهم زباب حائرلا تسمع الآذان رعدا
والبيت الذي أنشدنا له آنفاً لا يستقيم على ما قال. وعمرو هذا شاعر جاهليّ. وقوله: الرمح لا أملأ كفّي به قد فسّره أبو عليّ. وفيه قول آخر: وهو أنّه أراد أطعن به اختلاساً كقول الفند الزمّانيّ:
وقد أختلس الضربةلا يدمي لها نصلي
وقال آخر:
ومدجّج سبقت يداي لهتحت العجاج بطعنة خلس
فأما قوله:
والدرع لا أبغي بها ثروة
والثروة: كثرة المال. يقول لا أبيع الدرع وإن أرغبت وأكثر لي ثمنها لأن المال وديعة تسترجع. قال الله ﷿: " وأنفقوا ممّا جعلكم مستخلفين فيه ". يقول علام أبيع درعي بما لا يبقي ولا أبقى عليه.
وأنشد أبو عليّ "، ":
قد قلت للبدر واستعبرت حين بدايا بدر ما فيك لي من وجهها خلف
تبدو لنا كلّما شئنا محاسنهاوالبدر ينقص أحياناً وينكسف
ع وقد رواهما غير أبي عليّ رويّ آخر فقال مكان من وجهها خلف بدل ومكان ينقص أحياناً وينكسف ويكتمل.
وأنشد أبو عليّ "، " لجميل:
فإنّ يك جثماني بأرض سواكموفإنّ فؤادي عندك اليوم أجمع
يروى بأرض سواكمو: على الإضافة وهذا بيّن، ويروى بأرض سواكمو: منوّن يريد بأرض سوى أرضكم فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
وأنشد أبو عليّ "، ":
ولمّا بدا لي منك ميل على العدىسواي ولم يحدث سواك بديل
ع روى غير أبي علي:
ميل مع العدى عليّ
كذلك أنشده أبو تمّام وغيره
وهو الصحيح. وسواي: على رواية أبي عليّ بمعنى قصدي. وأنشد اللغويّون في سوى بمعنى قصد:
فلأصرفنّ سوى حذيفة مدحتيلفتى العشيّ وفارس الأجراف
وأنا أشهد أن قائل هذا البيت إنما قال:
فلأصرفنّ إلى حذيفة
وسوى موضوع، وأنشدوا أيضاً:
لو تمنّت حبيبتي ما عدتنيأو تمنّيت ما عدوت سواها
وأنا أقول: إن سواها بمعنى غيرها ليس إلاّ.
وأنشد أبو عليّ "، " للحسن بن وهب:
بأبي كرهت النار لّما أوقدتفعلمت ما معناك في إبعادها
ع والحسن هو الحسن بن وهب بن سعيد الحارثيّ الكاتب يكنى أبا علي، شاعر محسن وبليغ مفتنّ. كتب الحسن للخلفاء ولم يزر، ووزر أخوه سليمان بن وهب للمعتزّ والمهتدي.
وأنشد أبو عليّ "، " لأبي الشيص:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخّر عنه ولا متقدّم
وأبو الشيص لقب. والشيص: رديء التمر. وهو كوفيّ من مقدّمي شعراء عصره وإنما أخمل
ذكره وقوعه بين مسلم بن الوليد وأشجع وأبي نواس، ولو لم يكن له إلاّ هذا الشعر لاستحقّ به التقديم واستوجب التفضيل إن صحّ له. وقال أبو الفرج علي بن الحسين: حدثني اليزيدي قال: حدثني محمد بن الحسن الزّرقيّ قال: حدثني عبد الله بن شبيب قال: أنشدني علي بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب لنفسه وكان شاعراً غزلاً:
وقف الهوى بي حيث أنت
وهذا هو الصحيح لأن الشعر المذكور لم يقع في ديوان شعر أبي الشيص ولا رواه أحد عنه كما روى عن علي بن عبد الله.
وأنشد أبو عليّ "، ":
ولو نظروا بين الجوانح والحشارأوا من كتاب الحبّ في كبدي سطرا
ولو جرّبوا ما قد لقيت من الهوىإذن عذروني أو جعلت لهم عذرا
جعلت وما بي من صدود ولا قلىأزوركمو يوماً وأهجركم شهرا
ع يقول: لو جرّبوا ما قد لقيت لعذروني فما عذلوني أو جعلت لهم عذراً فلم أفعل بهم ما فعلوا بي لعلمي بما يلقون. وقال قوم: إنّ أو هنا بمعنى الواو والمعنى على هذا لعذروني ولكانوا معذورين بعضهم من بعض، فكأنّه هو الجاعل لهم عذراً إذ حملهم على تجربة الهوى. وأسقط أبو علي من هذا الشعر البيت الذي به يقوم معنى البيت الآخر لأنه جواب له ولا فائدة له إلاّ بذكره وهو:
ولّما رأيت الكاشحين تتبّعواهوانا وأبدوا دوننا نظراً شزرا
جعلت وما بي من صدود ولا قلىأزوركمو يوماً وأهجركم شهرا
ويروى: وأهجركم عشرا
ولولا هذا البيت المسقط لكان البيت الذي أنشده أبو عليّ لغواً ومنقطعاً مما قبله كأنه ليس من الشعر.
وأنشد أبو عليّ "، " لإسحاق بن إبراهيم الموصليّ:
أخاف عليها العين من طول وصلهافأهجرها الشهرين خوفاً من الهجر
وفيه:
وما كان هجراني لها عن ملالةولكنّني أمّلت عاقبة الصبر
وروى غيره:
ولكنّني جرّبت نفسي على الصبر
وقال أبو بكر الصولي: قال لي المبرّد: عمّك إبراهيم بن العبّاس أحزم رأياً من خاله عباس بن الأحنف في قوله:
وحدّثت نفسي بالفراق أروضهافقالت رويداً لا أغرّك من صبري
فقلت لها فالهجر والبين واحدفقالت أأمني بالفراق وبالهجر
وقال عبّاس:
كان خروجي من عندكم قدراًوحادثاً من حوادث الزمن
من قبل أن أعرض الفراق علىنفسي وأن أستعدّ للحزن
وأنشد أحمد بن يحيى في معنى شعر عبّاس هذا:
فلو كنت أدري أنّ ما كان كائنحذرتك أيام الفؤاد سليم
ولكن حسبت الهجر شيئاً أطيقهإذا رمت أو حاولت أمر عزيمي
وقال الفزاريّ في معنى قول إسحاق بن إبراهيم:
وأعرض حتى يحسب الناس أنّمابي الهجر لا والله ما بي لك الهجر
ولكن أروض النفس أنظر هل لهاإذا فارقت يوماً أحبّتها صبر
وقال الحسين بن مطير:
قضى الله يا أسماء أن لست زائلاًأحبّكم أو يغمض العين مغمض
إذا أنا رضت النفس في ودّ غيركمأتى حبّكم من دونه يتعرّض
وقال نصيب:
وإنّي لأستحي كثيراً فأتّقىعيوناً وأستبقي المودّة بالهجر
وأنذر بالهجران نفسي أروضهالأعلم عند الهجر هل لي من صبر
وأنشد أبو علي "، " لأبي العميثل:
أيّام ألحف مئزري عفر الملاوأغضّ كلّ مرجلّ ريّان
وأنشد أبو عليّ "، " للأعشى:
ولقد أرجّل لمّتي بعشيّةللشرب قبل سنابك المرتاد
ع وبعده:
والبيض قد عنست وطال جراؤهاونشأن في قنّ وفي أذواد
ولقد أخالهن ما يمنعننيعصراً يملن عليّ بالأجساد
قبل سنابك المرتاد: يقول قبل رجوع الرائد على فرسه عشيّة. ويروى: قبل سبائك المرتاد أي دراهم الذي يشتري لهم الشراب يرتاد جيّده. ويقال جارية بيّنة الجراء. ونشأن لي قنّ: أي هنّ مستغنيات بإمائهنّ يكفينهن. ويروى: طوراً يملن وأنشد أبو عليّ "، " لأوس:
وأبيض صوليّاً كأنّ غرارهتأكل برق في حبيّ تأكّلا
ع وقبله:
وإنّي امرؤ أعددت للحرب بعدمارأيت لها ناباً من الشرّ أعصلا
أصمّ ردينيّاً كأنّ كعوبهنوى القسب عرّاصاً مزجّاً منصّلا
وأملس صوليّاً كنهي قرارةأحسّ بقاع فنح ريح فأجفلا
وأبيض هنديّاً كأنّ غرارهتلألؤ برق في حبّي تكلّلا
إذا سلّ من جفن تأكّل أثرهعلى مثل مصحاة اللجين تأكّلا
هكذا صحّة إنشاده، وقد خلّط أبو عليّ في صدر البيت وعجزه فمزجه من ثلاثة أبيات على ما أنا مورده: قال أوس: وإنّي امرؤ فوضع أبو علي مكان " أبيض هندياً أبيض صوليّا " وهو وهم لأن الصوليّ من نعت الدرع لا من نعت السيف نسبها إلى رجل أعمى أو إلى صول الموضع المعروف. وكذلك قوله: في حبيّ تأكّلا إنما هو تكلّلا فأتى به من قوله في البيت الآخر: تأكّل أثره على مثل مصحاة اللجين تأكّلا. والتأكل لا يكون في صفة البرق إنّما يكون في صفة فرند السيف، والتكلّل والإنكلال في صفة البرق معروف وهو كالضحك والابتسام، وأيضاً فإنّ في البيت الثاني تأكّل أثره وقافيته تأكّلا وذلك بصفة الفرند أوقع. قال ابن مفرغ في ضحك البرق:
الريح تبكي شجوهاوالبرق يضحك في غمامه
والمصحاة: إناء من لجين يشرب فيه مشتق من الصحو تفؤلاً له بذلك.
وأنشد أبو عليّ "، " شعراً فيه:
عليّ نذور يوم تبرز خالياًلعيني وأيّام كثير أصومها
ع رجع عن إخبارها إلى الإخبار عنها فلذلك قال يوم تبرز ولم يقل تبرزين، وقوله خالياً: أراد مكاناً خالياً فأقام الصفة مقام الموصوف.
وذكر أبو عليّ "، " عن المفضل بن محمد قال: لّما قدم بغاء ببني نمير أسرى. ع كان هذا الذي ذكر سنة اثنتين وثلاثين ومائتين آخر أيام الواثق، وذلك أنّ عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير امتدح الواثق بقصيدة فأمر له بثلاثين ألف درهم، ثم كلّم عمارة الواثق في بني نمير وأخبره بعيثهم وإفسادهم في الأرض وغاراتهم على اليمامة وغيرها، فكتب الواثق إلى بغاء وهو بالمدينة يأمره بحربهم، وهم قتلوا أبا نصر ابن حميد بن عبد الحميد الطوسيّ الذي رثاه الطائيّ. فسار إليهم حتى وافاهم في بطن نخل من عمل اليمامة،
فهزمه بنو نمير حتى بلغوا معسكره وأيقن بالهلكة، ثم تشاغلوا بالنهب حتى ثاب إلى بغاء من كان انكشف من أصحابه فكرّوا علي بني نمير فهزموهم وقتلوا منهم زهاء ألف وخمسمائة، وحمل إلى بغداد منهم نحو ألفي رجل ومن بني كلاب وبني مرّة وفزارة فطفئت مذ ذاك جمرة بني نمير وكانت إحدى الجمرتين الباقيتين. وقال شاعر بني نمير يومئذ:
قرّبوا الأبلق لي يوم الوغىقد أتاكم جيش موسى بن بغا
وأنشد أبو عليّ "، " في الخبر:
رمى قلبه البرق الملاليّ رميةبذكر الحمى وهناً فبات يهيم
هكذا رواه أبو عليّ وقال: ملال: موضع نسب البرق إليه. وغيره ينشده:
البرق الملألئ
بالهمز من التلألؤ وذكر أبو عليّ "، " حديث رملة بنت معاوية مع وزجها عمرو بن عثمان بن عفّان. ع روى غير واحد أن عمرو بن عثمان هذا اشتكى، فكان العوّاد يدخلون عليه ويخرجون، ويتخلّف مروان بن الحكم عنده فيطيل، فأنكرت ذلك رملة بنت معاوية امرأة عمرو فخرقت كوّة فاستمعت على مروان فسمعته وهو يقول لعمرو: ما أخذ هؤلاء يعني بني حرب الخلافة إلا باسم أبيك، فما يمنعك أن تنهض بحقّك؟ فلنحن أكثر منهم رجالاً
منّا فلان ومنهم فلان حتّى عدّد فضول رجالهم على رجال بني حرب، فلمّا برأ عمرو تجهّز للحجّ وتجهّزت رملة لزيارة أبيها، فلما خرج عمرو خرجت رملة فقدمت على أبيها فأخبرته الخبر وقالت: ما زال يعدّ فضل رجال أبي العاصي على بني حرب حتّى عدّ ابنيّ فتمنّيت أنّهما ماتا. فكتب معاوية إلى مروان:
أواضع رجل فوق رجل تعدّناعديد الحصا ما إن تزال تكاثر
وأمّكم تزجى تؤاماً لعلهاوأمّ الكرام نزرة الولد عاقر
أشهد يا مروان أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا بلغ ولد الحكم ثلاثين اتّخذوا مال الله دولاً، ودين الله دغلاً، وعباد الله خولاً، فإذا بلغوا تسعة وتسعين كان هلاكهم. فكتب إليه مروان أما بعد: يا معاوية فإني أبو عشرة، وأخو عشرة، وعمّ عشرة. وابناها اللذان ذكرت من عمرو هما خالد وعثمان. وقول معاوية لها: آل أبي سفيان أقلّ حظاّ في الرجال من أن تكوني رجلاً. يريد أن الولد تبع لأبيه لا حق به في نسبه لا تبع لأمّه. يريد معاوية لو كنت رجلاً كانا لاحقين بنا في نسبنا وتابعين لنا، ولكنّا أقلّ حظّا في الرجال من ذلك. يعني من أن تكون رملة رجلاً فيكون هو وابناه من آل أبي سفيان رجالاً. وفي رملة هذه وأختها هند بنتي معاوية يقول عبد الرحمن بن الحكم:
أؤمّل هنداً أن يموت ابن عامرورملة يوماً أن يطلّقها عمرو
وكانت هند عند عبد الله بن عامر بن كريز.
وذكر أبو عليّ "، " عن الأصمعيّ قال: دخل رجل من العرب على رجل من أهل الحضر. فقال له الحضريّ: هل لك أن أعلّمك سورة من كتاب الله؟ قال:
إنّي أحسن من كتاب الله ما إن عملت به كفاني. قال وما تحسن؟ قال: أحسن سوراً. ووقّف عليه أبو علي فأبى سواه وقال هكذا الرواية ع وإنما هو خمس سور لقول الحضري بعد أن قرأ له: فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد، وإنّا أعطيناك الكوثر إقرأ السورتين ولو لم يتقدّم توقيت لما طالبه بسورة ولا اثنتين.
وأنشد أبو علي "، ":
استودع العلم قرطاساً فضيّعهوبئس مستودع العلم القراطيس
ع أحسن ما ورد في هذا قول محمد بن يسير يعيب نفسه بكثرة جمع الكتب:
أما لو أعي كلّ ما أسمعوأحفظ من ذاك ما أجمع
ولم أستفد غير ما قد جمعتلقيل هو العالم المقنع
ولكنّ نفسي إلى كلّ نوعمن العلم تسمعه تنزع
فلا أنا أحفظ ما قد جمعتولا أنا من جمعه أشبع
وأحضر بالعيّ في مجلسوعلمي في الكتب مستودع
فمن يك في علمه هكذايكن دهره القهقري يرجع
إذا لم تكن حافظاً واعياًفجمعك للكتب ما ينفع
وله في نقيض هذا المعنى:
إذا ما غدا الطلاّب للعلم ما لهممن الحظّ إلاّ ما يدوّن في الكتب
غدوت بتشمير وجدّ عليهمفمحبرتي أذني ودفترها قلبي
قال أبو عليّ "، " كان الأصمعي كثيراً ما يقول: من قعد به حسبه نهض به أدبه ع حدّث يحيى بن أكتم. قال: كنت جالساً مع المأمون في مكان من القصر يرى الناس ولا يرونه، حتّى أقبل من باب القصر شابّ حسن الوجه يتبختر في مشيته فقال: من هذا؟ قلت: لا أعرفه حتّى يقرب. فقال: ليس يخلو أن يكون هاشميّاً أو نحويّاً. فتقدّم فإذا هو نحويّ. فقال: ألم أقل لك يا يحيى إن النحو قد ألبس أصحابه حلّة من البهاء والهيبة كادوا يكونون في الشرف مثل بني هاشم، يا يحيى: من قعد به حسبه نهض به أدبه.
وأنشد أبو عليّ "، " لخارجة بن فليح المللّي:
أحنّ إلى ليلى وقد شطّ وليهاكما حنّ محبوس عن الإلف نازع
إذا خوّفتني النفس بالنّأي تارةوبالهجر أخرى أكذبتها المطامع
الولي: القرب. يقال دار فلان ولي دار فلان إذا كانت تليها، والدار وليّة: أي قريبة. وقوله: كذبتها المطامع يقال أكذبت الرجل: وجدته كاذباً، وكذّبته: رددت عليه قوله وجعلته باطلاً، بهذا يستقيم المعنى في البيت. وربما قالوا أكذبته بمعنى كذّبته.
وأنشد أبو عليّ "، ":
وأحسن أيّام الهوى يومك الذيتروّع بالتحريش فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحبّ سخط ولا رضىفأين حلاوات الرسائل والكتب
ع وهو لأبي حفص الشطرنجيّ. وما أبدع ما نقل معناهما أبو الطيّب وأوجز فقال:
وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّهوفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتّقي
وقال رجل من بني جعدة:
لا خير في الحبّ وقفاً لا تحرّكهعوارض اليأس أو يرتاحه الطمع
لو كان لي صبرها أو عندها جزعيلكنت أملك ما آتي وما أدع
وقال اللجلاج الحارثيّ في ضدّ هذا المذهب:
مددت حبل غرور غير مؤيسةفوق الأكفّ فلا جود ولا بخل
واليأس أروح من غيث تطمّعنامنه مخايل ما يلفي لها بلل
وقال ابن أبي زرعة فلم يصرّح باختيار أحد المذهبين:
فكأنّي بين الوصال وبين الهجرممّن مقامه الأعراف
في محلّ بين الجنان وبين النارطوراً يرجو وطوراً يخاف
وابن أبي زرعة هو محمد، وقيل المعليّ بن سلمة ابن أبي زرعة الكنانيّ الدمشقيّ وهو وديك الجنّ شاعر الشأم. وأبو حفص هو عمر بن عبد العزيز وكان عبد العزيز من موالي المنصور، وكان اسمه أعجميّاً فلما كبر وتأدّب غيّره بعبد العزيز. وكان عمر مشغوفاً بالشطرنج فنسب إليها، وهو شاعر عليّة بنت المهديّ وكان منقطعاً إليها، وكان شاعراً غزلاً وأديباً ظريفاً.
وأنشد أبو عليّ "، ":
وإذا تباشرك الهموم فإنّها كال وناجز
وأنشد أبو عليّ "، ":
رأيت شخصك في نومي يعانقنيكما يعانق لام الكاتب الالفا
ع هو لبكر بن خارجة وقبله:
يا من إذا قرأ الإنجيل ظلّ لهقلب الحنيف عن الإسلام منصرفا
وأنشد أبو عليّ "، " لبشّار:
فبتنا معاً لا يخلص الماء بينناإلى الصّبح دوني حاجب وستور
وأنشد أبو عليّ "، " لابن الجهم:
فبتنا جميعاً لو تراق زجاجةمن الخمر فيما بيننا لم تسرّب
ع وقبله:
رعى الله ليلاً ضمّناً بعد فرقةوأدنى فؤاداً من فؤاد معذّب
وأنشد أبو عليّ "، " لابن الرّومي:
وفاحم وارد يقبّل ممشاةإذا اختال مرسلاً عذره
ع هكذا الرواية بالعين المهملة والذال المعجمة جمع عذرة وهي الخصلة من الشعر. وقال ثابت: العذر شعرات ما بين القفا إلى وسط العنق واحدتها عذرة. والغديرة: بالغين المعجمة والدال المهملة القرن من الشعر وجمعها غدائر، هذا الأعرف، وقد قيل غدرة وغدر مثل غدرة وعذر، فالأحسن على هذا أن يكون إذا اختال مرسلاً غدره لأن الغدائر هي المرسلة، وهي كل ما ضفر من الشعر، ألا تراه يقول: كالليل من مفارقه وأين شعرات القفا من المفارق. والوارد من الشعر الذي يرد الكفل وما تحته. وقوله منحدراً لا يذمّ منحدره هكذا روى عن أبي عليّ بالياء، وروى غيره: لا نذمّ منحدره بالنون: أي انحداره وقوله:
حتى تناهي إلى مواطئهيلثم من كل موطئ عفره
أخذه ابن مطران وزاد عليه فقال:
ظباء أعارتها المها حسن مشيهاكما قد أعارتها العيون الجآذر
فمن حسن ذاك المشي جاءت فقبّلتمواطئ من أقدامهنّ الغدائر
وأنشد أبو عليّ "، " لبكر بن النطّاح:
بيضاء تسحب من قيام فرعها
ع هو بكر بن النطّاح الحنفي يكنى أبا وائل يماميّ الدار. قال أبو هفّان: أدركت الناس يقولون إنّ الشعر ختم ببكر بن النطّاح. وقال أبو العتاهية يرثيه:
مات ابن نطّاح أبو وائلبكر فأضحى الشعر قد ماتا
وأنشد أبو عليّ "، " لمسلم:
أجدّك ما تدرين أن ربّ ليلةكأنّ دجاها من قرونك تنشر
ع وبعده:
نصبت لها حتى تجلّت بغرّةكغرّة يحيى حين يذكر جعفر
وهذا من بارع الاستطراد إلى المديح.
وأنشد أبو عليّ "، " لأبي نواس:
ضعيفة كرّ الطرف تحسب أنّهاقريبة عهد بالإفاقة من سقم
وأنشد "، " لابن المعتزّ:
ويجرح أحشائي بعين مريضةكما لان متن السيف والحدّ قاطع
ع وقبله:
عليم بما يخفي ضميري من الهوىجواد بهجراني وللوصل مانع
وأنشد أبو عليّ "، " لعديّ بن الرقاع:
وكأنّها بين النساء أعارها
ع وصلته:
لولا الحياء وأنّ رأسي قد علافيه المشيب لزرت أمّ القاسم
وكأنها بين النساء أعارهاعينيه أحور من جآذر جاسم
وسنان أقصده النعاس فرنّقتفي عينه سنة وليس بنائم
يصطاد يقظان القلوب حديثهاوتطير بهجتها بروح الحالم
الاقصاد: أن يصيبه السّهم فيقتله وهو هنا استعارة، أي أقصده النعاس فأنامه. فرنّقت: دارت وما جت. والسنة بقيّة آخر النعاس. ومن بديع ما ورد في هذا الباب قول البحتريّ:
غداة تثنّت للوداع وسلّمتبعينين موصول بجفنيهما السحر
توهّمتها ألوي بأجفانها الكرىكرى النّوم أو مالت بأعطافها الخمر
وأنشد أبو عليّ "، " لبشّار:
يا أطيب الناس ريقاً غير مختبرإلاّ شهادة أطراف المساويك
ع مثله قول ابن الروميّ:
تعنّت بالمسواك أبيض صافياًيكاد عذاري الدرّ منه تحدّر
وما سرّ عيدان الأراك بريقهاتأوّدها في أيكها تتهصّر
وما ذقته إلاّ بشيم ابتسامهاوكم مخبر يبديه للعين منظر
وقال أبو تمّام:
تعطيك منطقها فتعلم أنّهبجنى عذوبته يمرّ بثغرها
وأصل هذا المعنى لأبي صعترة البولانيّ قال:
وما نطفة من حبّ مزن تقاذفتبه جنبتا الجوديّ والليل دامس
فلّما أقرّته اللصاب تنفّستشمال بأعلى متنه فهو قارس
بأطيب من فيها وما ذقت طعمهولكنّني فيما ترى العين فارس
حبّ مزن: أي برداً. وقارس: من القراسة. ومن قول مرّار بن هبّاش الطائيّ:
فما ماء مزن في ذرا متمنّعحمى ورده وعر بن ولصوب
بأطيب من فيها وما ذقت طعمهسوى أن أرى بيضا لهنّ غروب
وقول بشّار:
منّيتنا زورة في النوم واحدةثنّي ولا تجعليها بيضة الديك
زعموا أن الديك يبيض بيضة واحدة في عمره لا يزيد عليها، وهي بيضة العقر التي عنى الشاعر بقوله أيضاً:
باح لساني بمضمر السرّوذاك أني أقول بالدّهر
وليس بعد الممات منقلبوإنما الموت بيضة العقر
وهذا شعر دهريّ زنديق. وقال عروة الرحّال:
فإن أنفلت من عمر صعبة سالماًتكن من نساء الناس لي بيضة العقر
وقد قيل إن بيضة الديك العقر هي التي تجرّب بها المرأة أثيّب هي أم بكر، وإنما يفعل بها ذلك مرّة في العمر. وغير أبي على يروى هذا البيت: قد زرتنا زورة في النوم واحدة ثنّي، وهذه الرواية أصحّ معنى لأنه أثبت زورة وسأل أن تثنّى، وعلى رواية أبي عليّ إنما منّته في النوم زورة لم تف بها فكيف يسألها أن تثنيّ ما لم يتقدّم له إفراد إلا إن كان يريد أن تمنّيه مرّة أخرى وهذا لا يتمعنى. وقول بشّار:
يا رحمة الله حلّى في منازلنا
كان اسم المرأة رحمة. ومن مختار ما ورد في هذا المعنى
ومقدّمه قول البحتري:
وما تعتريها آفة بشريّةمن النّوم إلا أنها تتخثّر
كذلك أنفاس الرياح بسحرةتطيب وأنفاس الورى تتغيّر
وتبعه التهامي فقال وأبدع:
يحكى جنى الأقحوان الغضّ مبسمهافي اللون والريح والتفليج والأشر
لو لم يكن أقحواناً ثغر مبسمهاما كان يزداد طيباً ساعة السحر
وأنشد أبو عليّ "، " للمؤمّل:
أتاني الكرى ليلاً بشخص أحبّهأضاءت له الآفاق والليل مظلم
ع هو المؤمّل بن أميل بن أسيد المحاربيّ شاعر كوفيّ من مخضرمي شعراء الدولتين. والذي فتح للشعراء القول في طروق الخيال بأحسن عبارة وأحلى إشارة قيس بن الخطيم بقوله:
أنّي سربت وكنت غير سروبوتقرّب الأحلام غير قريب
ما تمنعي يقظي فقد تولينهفي النوم غير مصرّد محسوب
كان المنى بلقائها فلقيتهافلهوت من لهو امرئ مكذوب
فرأيت مثل الشمس عند طلوعهافي الحسن أو كدنوّها لغروب
وقال أبو تمّام فملّح:
استزارته فكرتي في المنامفأتاها في خفية واكتتام
الليالي أحفى بقلبي إذا ماجرحته النوى من الأيّام
يا لها ليلة تزاورت الأرواح فيها سرّاً من الأجسام
مجلس لم يكن لنا فيه عيبغير أنّا في دعوة الأحلام
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة (١٣٥٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع