من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
خبر عرابة مع معاوية
وإنشاده شعر حاتم، وفيه:
وإنّي مذموم إذا قيل حاتمنبا نبوة إن الكريم يعنّف
ع يريد أن الكريم يعنّف واللئيم لا يعنّف، وهذا مثل قولهم: إنما يعاتب الأديم ذو البشرة وقال الشاعر:
وإذا عتبت على اللئيم ولمتهفي بعض ما يأتي فأنت ملوم
وإذا جريت مع السفينة كما جرىفكلا كما في جريه مذموم
وقال عبد الصمد بن المعذّل في نحوه:
عذرك عندي بك مبسوطوالذنب عن مثلك محطوط
ليس بمسخوط فعال امرئكل الذي يأتيه مسخوط
وحاتم هو ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج، أحد بني ثعل بن عمرو بن الغوث بن طئ، يكنى أبا سفّانة وأبا عديّ، فارس شاعر جاهليّ، وأحد الأجواد الذين يضرب بهم المثل بل هو أشهرهم، وهم ثلاثة: حاتم بن عبد الله، وكعب بن مامة، وهرم بن سنان، وهم أرماق المقوين، وكان حاتم ظفرا إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا قامر سبق، وإذا أسر أطلق، وإذا أثرى أنفق. وذكر أنه لا يعرف ميّت قرى أضيافه سواه، وذلك: أن ركبا من العرب نزلوا بموضع قبره وقد نفد زادهم، وفيهم رجل يكنى أبا خيبريّ، فجعل يقول: أبا سفّانة! ألا تقري أضيافك، أبا سفّانة! إنّ أضيافك جياع مقوون، يعيدها ليلته، فلما نام ثار من نومه وهو يقول: واراحلتاه! عقرت والله ناقتي! فقال له أصحابه وكيف؟ قال: رأيت أبا سفّانة قد انشقّ عنه قبره فاستوى قائماً ينشدني:
أبا خيبريّ وأنت امرؤظلوم العشيرة لوّامها
وماذا تريد إلى رمّةبدوّيّة صخب هامها
تبغّي أذاها وإعسارهاوحولك عوف وأنعامها
ثم عمد إلى سيفه وانتضاه من غمده، فعقر به ناقتي وقال دونكم: فما أيقظني إلاّ رغاؤها،
وإذا بالناقة ترغو ما تنبعث ولا بها حراك، فقالوا: قد والله قراك حاتم، فنحروها وأكلوا وتزوّدوا، واقتسم القول متاع أبي خيبري على إبلهم واستمرّوا لوجهتهم، فلما صاروا في الظهيرة، وضح لهم راكب يجنب بعيراً يؤمّ سمتهم حتى التقوا، فقال لهم: أفيكم أبو خيبري، قالوا: نعم، قال: فإنّ عديّ بن حاتم رأى أباه البارحة وهو يقول له: إن أبا خيبري وأصحابه استقروني فقريتهم ناقته، فعوّضه منها وزده بكراً يحمل عليه متاعه، وهذه الناقة! وهذا البكر! فارتحل أبو خيبريّ الناقة، وتخفّف هو وأصحابه من أزوادهم وأمتعتهم على البكر، ومضوا بأتمّ قرى. وأدرك عديّ بن حاتم النبيّ ﷺ وحسن إسلامه، وروى عنه وكان يحدّث بهذا الخبر بعد إسلامه. وقد روى أنّ هذه الأبيات إنما كان ينشدها حاتم ابنه عديّاً حين أمره أن يعوّض أبا خيبريّ بناقته وأمره أن ينشده إياها.
وأنشد أبو عليّ "، " للشمّاخ:
إذا ما راية رفعت لمجدتلقّاها عرابة باليمين
ع معنى باليمين هنا: بالقوّة، وقيل معناها بالحقّ، أي لأنه أحقّ بها، وبكلى القولين فسّرت الآية أعني قوله تعالى: " لأخذنا منه باليمين " قيل بالقوّة وقيل بالحقّ، وأما قوله تعالى: " فراغ عليهم ضرباً باليمين " ففيه ثلاثة أقوال: القولان المذكوران، والثالث أنه أراد باليمين التي أقسم بها ليكيدنّها، وذلك قوله تعالى حكاية عنه " وتالله لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تولّوا مدبرين " فأما قوله تعالى: " إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين " فقيل معنى اليمين هنا القوّة، ويؤيّد هذا التأويل قوله تعالى: " وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً طاغين " أي ليس كما قلتم إنا أكرهناكم وقوينا عليكم. وفيه قول ثان وهو أنه أراد بقوله: عن اليمين من جهة الدين، لأن إبليس قال: " لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم " قال المفسّرون: من أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين
فلبس عليه الحقّ وشكّكه في اليقين، ومن أتاه من جهة الشمال أتاه من قبل الشهوات، وزيّن له إتيان السيئات، ومن أتاه من بين يديه أتاه من قبل التكذيب بالقيامة والمآب، والثواب والعقاب، ومن أتاه من خلفه خوّفه الفقر على نفسه وعلى من تخلّف من بعده، فلم يصل رحماً ولم يؤدّ زكاة.
وأنشد أبو عليّ "، " للعجير السلوليّ:
تركنا أبا الأضياف في ليلة الصّبابمرّ ومردى كلّ خصم يجادله
ع يرثي العجير بهذا الشعر رجلاً من قومه يقال له سليمان بن خالد بن كعب، هلك بمرّ الظهران وهو صادر إلى المدينة. وبيتان من هذا الشعر قد اختلف في قائلهما أشدّ اختلاف. وهما قوله:
فتى قدّ قدّ السيف لا متضائلولا رهن لبّاته وبآدله
يسرّك مظلوماً ويرضيك ظالماًوكلّ الذي حمّلته فهو حامله
فقال السكّري: إنهما لثور بن الطثريّة يرثي أخاه يزيد، وأنشدهما في أبيات أوّلها:
أرى الأثل من بطن العقيق مجاوريمقيماً وقد غالت يزيد غوائله
وأنشد أبو تمام هذه الأبيات لزينب بنت الطثريّة ترثي أخاها، وقيل إنّها لأمّ يزيد ترثي ابنها، وقيل إن البيتين للأبيرد اليربوعي. وقوله:
فتى ليس لابن العمّ كالذئب
قد مضت أمثلته والقول في معناه. وقوله:
يسرّك مظلوماً ويرضيك ظالماً
يريد إن ظلمت أدرك بثأرك ونصرك، وإن ظلمت أذمّ لك وخفرك وأنشد أبو عليّ "، " للحسين بن مطير:
ألمّا على معن وقولا لقبرهسقتك الغوادي مربعاً ثمّ مربعا
ع يرثي معن بن زائدة. ومن مختاره قوله يخاطب ابنه ولم ينشده أبو عليّ:
تعزّ أبا العبّاس عنه! ولا يكنعزاؤك من معن بأن تتضعضعا
فما مات من كنت ابنه لا ولا الذيله مثل ما أسدى أبوك وما سعى
تمنّى أناس شأوه من ضلالهمفأضحوا على الأذقان صرعى وظلّعا
وفيما أنشده:
فتى عيش في معروفه بعد موتهكما كان بعد السيل مجراه مرتعا
يريد أن عطاءه كان جزيلاً وافراً وسابغاً فاضلاً، فلما مات بقي في أيدي الناس منه ما عاشوا به، ويحتمل أن يريد أنّه أوصى للناس بالمال، وشبّه عيشهم في معروفه بعد موته بمجرى السيل بعد انقضائه يكون مرعى ومتبقّلاً، ومثله:
فتى عيش في معروفه بعد موتهكما رعيت بعد الربيع مسائله
يهمز ولا يهمز.
وأنشد أبو عليّ "، " للبيد:
يحيلون السجال على السجال
ع وقبله:
كأنّ دموعه غرباً سناةيحيلون السجال على السجال
إذا أرووا بها زرعاً وقضباًأمالوها على خور طوال
القضب: الفصفصة، يقول: إذا أرووا بها زرعاً وقضباً أمالوها على النخل. والخور: الغزار الكثيرة الحمل كالناقة الخوّارة، وهي الصفيّ الغزيرة اللبن.
وأنشد أبو عليّ "، " لمسلم بن الوليد:
قبر بحلوان استسرّ ضريحهخطراً تقاصر دونه الأخطار
يرثي به يزيد بن مزيد الشيبانيّ. وتمام الشعر:
أبقى الزمان على معدّ بعدهحزناً كعمر الدهر ليس يغار
قال أبو علي "، ": أنشدنا ابن در ستويه قال أنشدني عبد الله بن جوان صاحب الزياديّ: ع كان ثابت بن محمد الجرجانيّ يقول: جوان اسم فارسي ومعناه: صغير السنّ أي فتى، وكان من أعلم الناس بالفارسيّة.
وأنشد أبو عليّ "، " لرجل من بني شيبان:
وما أنا من ريب الزمان بجبّإولا أنا من سيب الإله بيائس
ع وقبله:
أبكي على الدعاء في كلّ شتوةولهفي على بشر سمام الفوارس
والشعر لمفروق بن عمرو الشيبانيّ، وكان قيس والدعّاء وبشر إخوته، هلكوا في غزوة بارق
بشطّ الفرات في طاعون شيرويه، فبكاهم مفروق. وقوله: في كل شتوة يريد أن الدعاء كان جوادا مطعاماً في الشتاء عند انقطاع الألبان وقلة الزاد.
وقوله:
وما أنا من ريب المنون بجبّإ
يعني أن ما أصابه من المصائب قد هوّن عليه أمر النون، وهو مع ذلك غير يائس من فضل الله ﷿.
وأنشد أبو عليّ لحميد بن ثور:
ليست إذا سمنت بجايئةعنها العيون كريهة المسّ
ع وغيره يرويه إذا رمقت وهو أحسن لأن العين إنما تجبأ عن المرأة العجفاء لا عن السمينة، وكذلك كراهية المسّ. وقد وصف حميد من ضخم صاحبته التي ينسب بها ما لم يصفه شاعر ولا ذكره ذاكر فقال: وبعده:
وكأنّما كسيت قلائدهاوحشيّة نظرت إلى الإنس
وأنشد أبو عليّ "، " لبعض البصريّين:
كم من فتى تحمد أخلاقهويسكن العافون في ذمّته
ع ومن جيّد ما ورد في الحجاب والحاجب قول أبي هفّان:
الله يعلم أنني لك شاكروالحرّ للفعل الكريم شكور
لكن رأيت بباب دارك جفوةفيها لحسن فعالكم تكدير
وقال العطوي أو غيره:
يا أبا موسى وأنت فتىماجد محض ضرائبه
كن على منهاج معرفةإنّ وجه المرء حاجبه
وبه تبدو محاسنهوبه تبدو معايبه
وأرى بالباب معترضاًحاجباً يزورّ جانبه
ليس إنساناً فأعذرهإنما الإنسان صاحبه
وقال أبو تمام:
سأترك هذا الباب ما دام إذنهكعهدي به حتى يلين قليلا
إذا لم أجد يوماً إلى الإذن سلّماوجدت إلى ترك اللقاء سبيلا
وقال آخر:
وإن كان لابدّ من حجبةومن حاجب فاجعلوه رفيقا
يقابل من جاءكم بالجميلفيأتي صديقاً ويمضي صديقا
ومن حسن ما خاطب مجوب محتجباً قول العطويّ:
إذا أنت لم ترسل وجئت فلم أصلملأت بعذر منك سمع لبيب
أتيتك مشتاقاً فلم أر حاجباًولا ناظراً إلاّ بوجه غضوب
كأنّي غريم مقتض أو كأنّنيطلوع رقيب أو صدود حبيب
فعدت وما فلّ الحجاب عزيمتيإلى شكر سبط الراحتين أريب
عليّ له الإخلاص ما ردع الهوىأصالة رأي أو وقار مشيب
وأنشد أبو عليّ "، " لرجل كوفيّ يجهو المغيرة بن شعبة:
إذا راح في قبطيّة متأزّراًفقل جعل يستنّ في لبن محض
إذا نسب الناس إلى القبط قلت: قبطيّ بكسر القاف، وتنسب إليهم الثياب فتقول: قبطيّ بضم القاف للفرق. ومن مختار ما ورد في القصر والهجو به قول الحزين الكناني: وقد جمعه مجلس مع كثيّر، وكان كثيّر قصيراً لا يبلغ ضروع الإبل، وكان إذا دخل على عبد الملك قال له: تطأطأ لا يصب رأسك السقف. ولذلك قال له لما رآه: تسمع بالمعيديّ لا أن تراه لقماءته. فقال كثيّر للحزين: إنّك لا تحسن أن تهجو. فقال له الحزين: إن أبحت لي أن أقول قلت. قال: وما عسى أن تقول. فقال:
لقد علقت زبّ الذباب كثيّراًأساود لا يطنينه وأراقم
قصير الثياب فاحش عند بيتهيعضّ القراد باسنه وهو قائم
ويروى:
يكاد كثير من تقارب شخصهيعضّ
وكان كثيّر يلّقب زبّ الذباب لقصره. وقال آخر يهجوه:
لعمرك ما زبّ الذباب كثيّربفحل ولا آباؤه بفحول
وأنشد أبو عليّ "، " للفرزدق يهجو إبراهيم بن عربيّ:
ترى منبر العبد اللئيم كأنّماثلاثة غربان عليه وقوع
وأنشد أبو عليّ "، " لعبد الصمد بن المعذّل في ابن أخيه:
لو كان يعطي المنى الأعمام في ابن أخأصبحت في جوف قرقور إلى الصين
وتمامها:
لا يحمدونك في خلق ولا خلقإذا رأوك ولا دنيا ولا دين
ع ومثله في المعنى قول ابن الروميّ في ابن لصديق له:
الله يعلم أن لو كنت لي ولداًلما حبستك إلا في المطامير
يا من إذا ما رأته عين والدهوسط الرجال تقاهم بالمعاذير
ومثل قول عبد الصمد:
وكان أحظى له لو كان متّزراًفي السالفات على غرمول عنّين
قول الحسن وفيه بعض الغلوّ:
فرحمة الله على آدمرحمة من عمّ ومن خصّصا
لو كان يدري أنّه خارجمثلك من إحليله لاختصى
ومثل قوله:
إن القلوب لتطوي منك يا ابن أخيإذا رأتك على مثل السكاكين
قولفي القلب وخز مثل وخز السنان
وقال ابن بسّام أو غيره:
ثقيل يطالعنا من أممإذا سرّه رغم أنفي ألمّ
لنظرته وخزة في الحشىكوخز المحاجم في الملتزم
وأنشد أبو عليّ "، " للمقنّع الكندي:
يعاتبني في الدين قومي وإنماتداينت في أشياء تكسبهم حمدا
ع وهو محمد بن عميرة ويقال ابن عمير ابن أبي شمر ابن فرعان، كنديّ شاعر إسلاميّ، قال الهيثم بن عديّ كان المقنّع أحسن الناس وجهاً فإذا سفر لقع، أي أصابته العين فيمرض ويلحقه عنت، فكن لا يمشي إلاّ مقنّعاً. وأنشد يعقوب بن السكّيت هذا الشعر لحاتم، وزاد في أوله:
أصارمتي أني وصلت حبالهاوصرّمت من بعد التصافي لها هندا
وسلمى وليلى والنوار وزينباوجملاً وظبياً واجتنبت لها دعدا
وإن الذي بيني وبين بني أبي
وفي روايته تقديم وتأخير، وبعد هذا البيت الأول في رواية أبي عليّ بيتان، لم يروهما أبو علي ولا يعقوب فيما رواه لحاتم، وهما:
ألم ير قومي كيف أوسر مرّةوأعسر حتى تبلغ العسرة الجهدا
فما زادني الإقتار منهم تقرّباوما زادني فضل الغني منهم بعدا
وهذا من قول الأبيرد اليربوعيّ:
فتى كان يدينه الغنى من صديقهإذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
ولله درّ إبراهيم بن العبّاس في قوله:
أراك إذا أيسرت خيّمت عندنامقيماً وإن أعسرت زرت لماما
فما أنت إلاّ البدر إن قلّ ضوءهأغبّ وإن زاد الضياء أقاما
وكرّر هذا المعنى فقال:
أسد ضار على أعدائهوأب برّ إذا ما قدرا
يعرف الأبعد إن أثرى ولايعرف الأدنى إذا ما افتقرا
وفي شعر المقنّع:
وفي فرس نهد عتيق جعلتهحجاباً لبيتي ثم أخدمته عبدا
لم يرد بقوله: جعلته حجاباً لبيتي أني أحجب به بيتي من ناظر، وإنما يريد أنه نصب عينيه وأكبر همّه، كما قال الآخر:
يسدّون أبواب البيوت بضمّرإلى عنن مستوثقات الأواصر
العنّة: الحظيرة، وقريب منه قول الآخر:
يزين البيت مشدوداًويشفي قرم الركب
وأنشد أبو عليّ "، " لجحدر اللصّ قصيدة، منها:
أليس الليل يجمع أمّ عمرووإيّانا فذاك بنا تدان
نعم وترى الهلال كما أراهويعلوها النهار كما علاني
ع هذا من أيسر ما يقنع به المشوق ويتعلّق به المتتوّق. ومثله قول رجل من بني تميم:
كلانا يرى الجوزاء يا علو إن بدتونجم الثريّا والمزار بعيد
وكيف بكم يا علو أهلاً ودونكملجاج يغمّصن السفين وبيد
وقال رجل من بني رياح:
كفى حزناً أن لا يزال يعودنيعلى النأي طيف من خيالك يا نعم
وأنت مكان النجم منّا وهل لنامن النجم إلاّ أن يقابلنا النجم
وأنشدهما أبو علي بعد "، " لمحرز العكليّ. وقال قيس بن ذريح:
أليست لبيني تحت سقف يكنّهاوإيّاي هذا إذ نأت لي نافع
ويلبسنا الليل البهيم إذا دجاونبصر ضوء الفجر والفجر ساطع
وقال آخر:
لقد زاد الهلال إليّ حبّاًعيون تلتقي عند الهلال
إذا ما لاح وهو شفاً صغيرنظرن إليه من خلل الحجال
وقال جميل:
أقلّب طرفي في السماء لعلّهايوافق طرفي طرفها حين تنظر
وقال المعلوط فأخنى:
وما نلت منها محرماً غير أنّنيإذا هي بالت بلت حيث تبول
وفيه:
أحاذر صولة الحجّاج ظلماًوما الحجّاج ظلاّم لجان
يريد أنه يوقع الحدود مواقعها، ولا يتجاوز بها مواضعها، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، يعني أن جنايته لا توجب عليه ما يحذره من وقع مصقول يمان. وأنشد صاعد بن الحسن لسوّار بن المضرّب الكلابي جاهليّ هكذا قال، وإنما هو سعديّ من سعد بني تميم قصيدة طويلة أوّلها:
أليس الله يعلم أن قلبييحبّك أيّها البرق اليماني
وفي تضاعيفها جميع هذا الشعر الذي نسبه أبو علي إلى جحدر، إلاّ سبعة أبيات من آخرها، وذلك قوله:
فما بين التفرّق غير سبع
إلى آخر الشعر. ثم إن الحجاج أرسل على جحدر أسداً قد جوّعه له ثلاثاً، فبطش جحدر بالأسد فقتله، فعفا عنه الحجّاج ووصله وجعله في صحابته لما رأى من جرأته وشدّته.
وأنشد أبو علي "، " لأبي العتاهية:
لا تفخرنّ بلحيةكثرت منابتها طويلة
ع من جيّد ما ورد في الهجاء بطول اللحية قول ابن الروميّ:
ولحية يحملها مائقمثل الشراعين إذا أشرعا
تقوده الريح بها صاغراًقوداً حثيثاً يتعب الأخدعا
لو غاض في البحر بها غوصةصاد بها حيتانه أجمعا
وقال الناجم:
لابن شاهين لحيةطوله شطر طولها
فهو الدهر كلّهعاثر في فضولها
وذكر أبو علي "، " خطبة ابن الزبير التي أنشد فيها:
قد جرّبوني ثم جرّبوني
ع هذا الرجل لجميل. وأوّله:
أنا جميل فتعرّفونيتالله ما جئت لتنكروني
ولا تغيّبت فتسألونيبحر يدقّ رجح السفين
تنحلّ أحقاد الرجال دونيقد جرّبوني ثم جرّبوني
وأنشد أبو عليّ "، ":
نهار شراحيل بن طود يريبنيوليل أبي ليلى أمرّ وأعلق
ع هو للأعشى وبعده:
وما كنت شاجرداً ولكن حسبتنيإذا مسحل سدّى لي القول أنطق
شريكان فيما بيننا من هوادةصفيّان جنّيّ وإنس موفّق
وروى أبي عبيدة شاقرداً: وهو المتعلّم. ومسحل: شيطانه، وحسبتني: هنا في معنى اليقين.
وروى أبو عبيدة:
إنسيّ وجنّ موفّق
وأنشد أبو عليّ "، " لأعرابيّ:
خطبت فقالوا هات عشرين بكرةودرعاً وجلباباً فهذا هو المهر
ع رواه غيره:
ودرعاً وجلباباً فذا أيسر المهر
فيكون أبلغ في المعنى، ويسلم الشعر من الإقواء.
وأنشد أبو عليّ "، ":
وشعثاء غبراء الفروع منيفةبها توصف الحسناء أو هي أجمل
ع وهما لرجل من بني سعد. ومثل هذا في الإلغاز، وتشبيه المرأة الحسناء بالنار قول الآخر.
ومشوبة لا يقبس الجار ربّهاولا طارق الظلماء منها يؤنّس
متى ما يزرها زائر يلق عندهاعقيلة داريّ من العجم تفرس
يعني امرأة شبّهها بنار مشبوبة من حسنها كما قال العجّاج:
ومن قريش كل مشبوب أغرّ
ثم ألغز فقال:
لا يقبس الجار ربّها
يعني زوجها، أي لا يبديها حتى يراها الجار فيقبس من حسنها. والعقيلة: الخيار من كل شيء أراد مسكاً أو طيباً نسبه إلى دارين. وتفرس: تشقّ فتفوح، أي لا تعدو أن يكون عندها طيب.
تم هنا شرح الجزء الأوّل من الأماليّ
//بسم الله الرحمن الرحيم
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة (١٣٥٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع