من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
خبر أبي العتاهية مع عمر بن العلاء والأبيات التي شبّب بها هي (٢)
فينا فاقرع لنا العصا تنبّه حلومنا. وهذا هزء بالمخاطب لا استرشاد، وكذا قوله:
وتركتنا لحما على وضم
وأوّل من قرعت له العصا عامر بن الظرب العدوانيّ، وربيعة تقول هو قيس بن خالد ذي الجدّين، وتميم تقول هو ربيعة بن مخاشن أحد بني أسيّد بن عمرو بن تميم، وأهل اليمن يقولون هو عمرو بن حممة الدوسيّ. وفيه:
ووطئتنا وطأ على حنقوطأ المقيّد نابت الهرم
الهرم: نبت من الحمض مثل الحيّهلة ممتلئ ماء فأيّ شيء يمسّه فيخضده، وخصّ النابت منه لأنّه أرقّ وأضعف. والشاعر هو الحارث بن وعلة بن عبد الله من بني جرم بن ربّان وهو علاف الذي تنسب إليه الرحال بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وقال إسحاق بن إبراهيم: هو الحارث بن وعلة بن يثربيّ أحد بني ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل. والدليل على صحّة هذا النّسب أن أخاه المنذر بن وعلة قتلته بنو شيبان، فذلك قوله:
قومي هم قتلوا أميم أخي
وهكذا ينسبه أكثر الناس الحارث بن وعلة الذهلي، وكذلك هو في الحماسة حيثما ذكر، ولعلّه كان مجاوراً في جرم، ويكنى الحارث أبا مجالد.
وأنشد أبو عليّ "، " لهشام أخي ذي الرمّة:
تعزّيت عن أوفى بغيلان بعدهعزاء وجفن العين ملآن مترع
ع اختلف في قائل هذا الشعر واختلف في إخوة ذي الرمّة، فنسب أكثر العلماء هذا الشعر إلى مسعود أخي ذي الرمّة يرثي به أوفى وغيلان أخويه. وقال إسحاق بن إبراهيم وعبد الله بن مسلم أنهم كانوا أربعة إخوة لأمّ وأب غيلان ومسعود وهشام وأوفى، وكلّهم شعراء كان أحدهم يقول الأبيات فيزيد فيها ذو الرمّة ويغلب عليها. وقال علي بن الحسين عن ابن حبيب وابن الأعرابيّ إخوة ذي الرمّة مسعود وهشام وجرفاس، ولم يكن فيهم من اسمه أوفى، وإنّ مسعوداً منهم رثى بشعره هذا أخاه غيلان وأوفى بن دلهم ابن عمّهما، وما أخلق هذا القول بالصواب. وممن نسب هذا الشعر إلى هشام أبو تمّام وأبو العبّاس محمد بن يزيد، وأما الذي رثى به مسعود أخاه من غير اختلاف فقوله:
إلى الله أشكو لا إلى الناس أننيوليلى كلانا موجع مات واحده
غصصت بريقي حين جاء نعيّهوبالماء حتى حرّ في الصدر بارده
قال أبو عمرو ابن العلاء أنشدنيه مسعود لنفسه، قلت له: ومن ليلى؟ قال بنت أخي غيلان.
وأنشد أبو عليّ "، " لدكين:
كأنّ غرّ متنه إذ نجنبه
وصلته يليه:
من بعد يوم كامل نأوّبهسير صناع في خريز تكلبه
قاظ بظلّ وبمحض يحلبهفي علف يأكله ويشربه
راكدة مخلاته ومحلبه
يصف رقّة جلد هذا الفرس ولين بشرته ولطف مكاسرها ورقّتها حتى كأنها سير خارزة من لطفها. وقوله: راكدة مخلاته ومحلبة يريد أن له من علفه مأكلاً ومنه مشرب. وراكدة: ثابتة دائمة.
وأنشد أبو عليّ "، " للهذليّ:
سديد العير لم يدحض عليه الغرار فقدحه زعل دروج
ع وقبله:
دلفت لها بسهم غير وغلنحيض لم تخوّنه الشروج
سديد العير: دلفت لها: يعني الطريدة. والوغل: الضعيف. والنحيض: الذي أرقّت شفرتاه من السهام ولم تخنه الشروج: لم يأته خون من شروجه التي في القدح أي شقوقه. ويقال: خانته أمّه إذا أتاه من قبلها الفساد. والشعر للداخل وهو زهير بن حرام أحد بني مرّة بن سهم بن معاوية.
وأنشد أبو عليّ "، " للشماخ بن ضرار:
ولما رأيت الأمر عرش هويّة
ع وصلته:
تذكّرت لّما أثقل الدين كاهليوحاز يزيد ماله وتعذّرا
رجالاً مضوا عني فلست مقايضاًبهم أبداً من سائر الناس معشرا
ولّما رأيت الأمر عرش هويّةتسلّيت حاجات الفؤاد بشمّرا
وقرّبت مبراة كأنّ ضلوعهامن الماسخيّات القسيّ الموترّا
يزيد هو أخوه مزرّد بن ضرار، يقول: هو ميّز ماله من مالي وتعذّر عليّ بما في يده. وقوله فلست مقايضاً: يقال قايض فلان فلاناً أي بادله قال أبو طالب:
إذا سفهت أحلام قوم تبدّلوابني خلف قيضابنا والغياطل
أي بدلاً. والهويّة: البئر. وقال خالد: هويّة بالضمّ وأهويّة. وعرشها: خشبات تقام عليها للمستقي، يقول: لمّا رأيت الأمر أظلّني كما أظلّت هذه البئر تلك الخشبات: يعني علت عليها ركبت ناقتي وتسلّيت. وروى إبراهيم بن محمد عن أحمد بن يحيى:
ولّما رأيت الأمر عرّش هونه
وزعم قوم أن الأول تصحيف. وشمّر: اسم ناقته بنصب الشين عن الأصمعي وبكسرها عن أبي عمرو. والمبراة: الناقة التي جعلت لها برة، وشبّه ضلوعها في إجفارها وطولها وانحنائها بقسيّ من قسيّ ماسخة وهم حيّ من الأزد عرفوا بأمّهم بنت الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد وتلّقب ماسخة.
وذكر أبو عليّ "، " إيفاد المهلّب لكعب بن معدان علي الحجّاج.
ع هو كعب بن معدان الأشقريّ، والأشاقر قبيلة من الأزد. قال أبو البهاء الأزديّ:
قل للمهلّب إن نابتك نائبةفادع الأشاقر وانهض بالجراميز
وكعب فارس شاعر خطيب معدود في جلّة أصحاب المهلّب والمذكورين في حروب الأزارقة يكنى أبا مالك. وروى العتبي أنه لما وفد هذه الوفادة على الحجاج استفتح القول بإنشاده قصيدته التي أوّلها:
يا حفص إنّي عداني عنكم السفروقد سهرت فأردي عيني السهر
ومرّ في القصيدة يذكر وقائعهم مع المهلّب حتى انتهى إلى قوله:
خبوا كمينهم بالسفح إذ نزلوابكازرون فما عزّوا ولا نصروا
باتت كتائبنا تردي مسلّمةحول المهلّب حتى نوّر القمر
هناك ولّوا خزايا بعدما هزمواوحال دونهم الأنهار والجدر
تأبى علينا حزازات النفوس فمانبقى عليهم ولا يبقون إن قدروا
قال فضحك الحجّاج له وقال: إنك لمنصف يا كعب، أخطيب أنت أم شاعر؟ قال شاعر خطيب، فسأله كيف كان محاربة المهلّب للقوم، وساق الحديث إلى آخره بمعناه. قال ثم قال: كيف كان بنو المهلّب؟ قال حماة الحريم نهاراً، وفرسان الليل تيقّظاً. قال: فأين السماع من العيان؟ قال: السماع دون العيان، قال صفهم رجلاً رجلاً، قال: المغيرة فارسهم وسيّدهم نار ذاكية، وصعدة عالية. وكفى بيزيد فارساً شجاعاً ليث غاب، وبحر جمّ العباب. وجوادهم قبيصة ليث المغار، وحامي الذمار. ولا يستحي البطل أن يفرّ من مدرك، وكيف لا يفرّ من الموت الحاضر، والأسد الخادر، وعبد الملك سمّ ناقع، وسيف قاطع. وحبيب موت ذعاف إنما هو طود شامخ، وعزّ باذخ. وكفاك بالمفضّل نجدة ليث هرّار، وبحر موّار. ومحمد ليث غاب، وحسام ضراب. قال: فأيّهم أفضل؟ قال: هم كالحلقة المفرغة لا يعرف
طرفاها. قال: كيف جماعة الناس؟ قال: هم على أحسن حال أدركوا ما رجوا، وأمنوا ما خافوا، وأرضاهم العدل، وأغناهم النفل.
وأنشد أبو عليّ "، " شعر قطريّ بن الفجاءة:
يا ربّ ظلّ عقاب قد وقيت بها
ع اختلف في اسم الفجاءة فقيل اسمه جعونة، وقيل مازن بن يزيد بن زياد بن حنثر، أحد بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، سميّ الفجاءة لأنه غاب دهراً باليمن ثم جاءهم فجاءة. وقطريّ شاعر فارس ورأس من رؤوس الخوارج، وممن سميّ فيهم بأمير المؤمنين.
وأنشد أبو عليّ "، ":
وأشعث قد قدّ السفار قميصهيجرّ شواء بالعصا غير منضج
ع الشعر للشمّاخ هكذا اتّفقت الرواية عن أبي علي يجرّ والجماعة تروي: وجرّ شواء نسقاً على قوله: قدّ السفار قال الأصمعي: كان هذا مما أعان على تخريق ثيابه. كذلك رواه أبو حاتم عن الأصمعيّ وأبي عمرو الشيبانيّ، وأبو محمد عن خالد بن كلثوم، وإبراهيم بن محمد عن أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابيّ، والعباس بن الفرج عن أبي تمّام. وقوله
غير منضج: أراد لسرعة السير وجدّه بهم وإعجاله لهم عن إنضاجه، كما قال امرؤ القيس:
نمشّ بأعراف الجياد أكفّناإذا نحن قمنا عن شواء مضهّب
وهذا إنما يكون في حال السفار لا في غيره، ورواية أبي عليّ تقتضي أن ذلك شأنه في جميع أحواله، وهذا بالذّم أشبه، لأنه إذا فعل ذلك في حال الطمأنينة دلّ على الجشع وشدّة الحرص على الطعام. وروى أبو عبد الله بن أبي العباس: فتى يملأ الشيزي ويروى نديمه، وهي رواية أفادت معنى ثالثاً: يجانس ما قبله من إطعام وسقي، ومن روى: ويروى سنانه فذلك في معنى. ويضرب في رأس الكميّ المدجّج فلم يفد البيت أكثر من معنيين.
وقوله في البيت: وأنشد أبو عليّ "، " لعبد الرحمن بن زيد:
يؤسى عن زيادة كلّ حيّخليّ ما تأوّبه الهموم
ع وعبد الرحمن هو أخو زيادة بن زيد بن مالك بن عامر بن قرّة أحد بني سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. وقد تقدم خبر هدبة بن خشرم وقتله لزيادة بن زيد. فلما سجن هدبة في دم زيادة جعل القرشيّون يكلّمون عبد الرحمن أخاه في أمر هدبة وأضعفوا له الدية حتى بلغت عشراً، منهم سعيد بن العاصي، وعبد الله بن عمر، والحسين بن عليّ، وعمرو بن عثمان بن عفّان، فلما أكثروا عليه أنشدهم
هذا الشعر. وفيه:
غشوم حين يبصر مستفاد
هكذا ثبتت الرواية عن أبي عليّ، ورواه أبو العباس الأحول:
غشوم حين يبصر مستفاداً
وهذا بيّن المعنى يريد أنه منتهز للفرصة إذا رأى أنه مستفيد من عدوّه فائدة غشم فانتهزها، أو مدرك فيه بغية وثب فنالها. ورواه بعضهم:
حين يبصر مستقاداً
بالقاف يريد مستقاداً منه وممّن له عنده ثار، ويقوّي هذه الرواية عجز البيت:
وخير الطالبي الترة الغشوم
وهي رواية مقبولة حسنة. وقد روى:
غشوم حين ينصر مستقاد
ينصر بالنون، والمعنى أنه يطلب منه لعزّته نصره، وأن يقيد ممن يجب عليه القود، ويستعدي على من تعدّى. فلما أنشدها هدبة قال: إن فيه مطمعاً بعد فعاودوه. فقال عبد الرحمن حين عاودوه:
باست امرئ واست التي زحرت بهإذا نال مالاً من أخ وهو ثائره
وإنّي وإن ظنّ الرجال ظنونهمعلى صبر أمر لم تشعّب مصادره
وهي أبيات فلما أنشدها هدبة قال: دعوه فوالله لا يقبل عقلاً أبداً جزيتم خيراً. فأقام هدبة في السجن ستّ سنين، حتى أدرك المسور بن زيادة، ومات عبد الرحمن في خلال ذلك، وكان المسور هو الذي تولّى قتل هدبة، وقد تقدّم ذكر ذلك. وذكر المدائني أن المسور قد كان اختار العفو وأخذ الدية، حتى قالت له أمّه والله لئن لم تقتل هدبة لأنكحنّه، فيكون قد قتل أباك ثم ينكح أمّك فتسب بذلك يد المسند، فلفته ذلك عن مذهبه، ومضى على الاتّئار من هدبة وقتله.
وأنشد أبو عليّ "، " لأبي الهيذام في أخيه:
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنافإنّ بها ما يدرك الماجد الوترا
ع هو أبو الهيذام عامر بن عمارة بن خريم المرّيّ، وخريم هذا هو المعروف بخريم الناعم، وإليهم ينسب أبو يعقوب الخريمي الشاعر، وكان مولى لأخي أبي الهيذام عثمان بن عمارة، وأبو الهيذام شاميّ شاعر فحل وفارس مشهور، وكان عامل للرشيد بسحستان قتل أخا لأبي الهيذام فرثاه بهذا الشعر، وزاد فيه محمد بن داود بيتاً في آخره. وهو:
ولكنّني أشفى الفؤاد بغارةألهّب في قطري جوانبها جمرا
فخرج أبو الهيذام وجمع جمعاً وغلظ أمره واشتدّت شوكته وأعي الحيل فيه، حتى احتيل له من قبل صديق له يقال له عامر، كتب إليه فأرغبه وضمن له ولاية البلد، فاستنام إليه فشدّ علي أبي الهيذام فقيّده، وحمل إلى الرشيد وهو بالرقّة، فقال لمّا دخل عليه:
أفي عامر لا قدّس الله عامراًتبيت تغنّيني السلاسل والكبل
فهل نحن إلاّ أهل سمع وطاعةوهل أنت إلاّ السيّد الحكم العدل
فأحسن أمير المؤمنين فإنّهأبى الله إلا أن يكون لك الفضل
فمنّ عليه الرشيد وأطلقه.
وأنشد أبو عليّ "، " لابن الروميّ في النرجس:
خجلت خدود الورد من تفضيلهخجلاً تورّدها عليه شاهد
وفيها:
اطلب بعينك في الملاح سميّة
وروى غيره: اطلب بعفوك وهو أحسن لأن هذه الرواية تفيد معنى يريد أن ذلك كثير يجده بعفوه من غير جهد، وكثيراً ما يسمّون بنرجس. قال شاعرهم في جارية:
كنت أبغيك في البساتين شوقاً لرؤيتك
فإذا نرجس ينادي بلفظ كلفظتك
أنا أشبه لمن هويت فخذني لبغيتك
فجنيناك ناضراًوبعثنا إليك بك
وفيها:
فتأمّل الأخوين من أدناهماشبهاً بوالده فذاك الماجد
وروى غيره:
فانظر إلى الولدين من أدناهما
ع وقد ردّ عليه أحمد بن يونس الكاتب فقال:
يا من يشبّه نرجساً بنواظردعج تنبّه إن فهمك راقد
إن القياس لمن يصحّ قياسهبين العيون وبينه متباعد
والورد أشبه بالخدود حكايةفعلام تجحد فضله يا جاحد
ملك قصير عمره مستأهلبخلوده لو أنّ حيّاً خالد
إن قلت إن الورد فرد في اسمهما في الملاح له سميّ واحد
فالشمس تفرد في اسمها والمشتريوالبدر يشرك في اسمه وعطارد
زهر النجوم تروقنا بضيائهاولها منافع بعد ذا وعوائد
وخليفة إن غاب ناب بنفحهوبنفعه أبداً مقيم راكد
إن كنت تنكر ما ذكرنا بعدماوضحت عليه دلائل وشواهد
فانظر إلى المصفرّ لوناً منهماوافطن فما يصفرّ إلا الحاسد
هذا ما اخترت منها.
وأنشد أبو عليّ "، " للأخيطل:
سقياً لأرض إذا ما شئت نبّهنيبعد الهدوء بها قرع النواقيس
ع هو محمد بن عبد الله يعرف بالأخيطل ويلّقب برقوقي، غلام من أهل الأهواز أديب جيّد الشعر يكنى أبا بكر، وكان مصيب التشبيه، ومما يستجاد له قوله في صفة مصلوب صلبه الحسن بن رجاء بالأهواز:
كأنّه عاشق قد مدّ بسطتهيوم الفراق إلى توديع محتمل
أو قائم من نعاس فيه لوثتهمواصل لتمطّية من الكسل
وأنشد أبو عليّ "، " للسموأل بن عادياء:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضهفكلّ رداء يرتديه جميل
ع اختلف الناس في هذه القصيدة، فمنهم من ينسبها إلى عبد الله بن عبد الرحمن، وقيل ابن عبد الرحيم الأزديّ شاعر شأميّ إسلاميّ، ومنهم من يعزوها إلى السموأل بن غريض بن عادياء اليهودي. من ولد الكاهن بن هارون بن عمران، وبنو قريظة وبنو النضير هما المعروفان بالكاهنين، نسبوا إلى جدّهم الكاهن بن هارون بن عمران، كما قيل العمران والحسنان. وروى عن دارم بن عقال وهو من ولد السموأل أنه السموأل بن غريض
بن عادياء بن رفاعة بن ثعلبة بن كعب بن عمرو مزيقياء ابن عامر ماء السماء. وهذا محال لأن الأعشى أدرك شريح بن السموأل وأدرك الإسلام، وعمرو بن عامر قديم لا يجوز أن يكون بنيه وبين السموأل أربعة آباء ولا عشرة إلاّ أكثر والله أعلم. والأصحّ أن أمّ السموأل كانت من غسّان لا أبوه، والسموأل هو صاحب الحصن المعروف بتيماء، وبه يضرب المثل في الوفاء. وقد ذكر ذلك وخبره الأعشى في شعره بأحسن اقتصاص، وبيت السموأل بيت الشعر في يهود، فإنه شاعر وأبوه شاعر وأخوه سعية بن غريض شاعر متقدّم مجيد. قوله:
فكل رداء يرتديه جميل
يريد لا يضرّه إخلاق الثياب، إذا كان عرضه سليماً من العاب. وبعده بيت لم يروه أبو عليّ وهو:
إذا المرء لم يحمل على النفس ضيمهافليس إلى حسن الثناء سبيل
وفيه:
وإنّا أناس لا نرى القتل سبّةإذا ما رأته عامر وسلول
يريد بني عامر بن صعصعة، وبنو سلول هم بنو مرّة بن صعصعة أخي عامر، غلبت عليهم أمّهم سلول بنت ذهل بن شيبان. وهذا من أحسن ما ورد في الاستطراد من مدح إلى ذمّ، وقول بكر بن النطّاح يمدح مالك بن طوق:
فتى شقيت أمواله بسماحهكما شقيت قيس بأرماح تغلب
وفيه:
وما مات منّا سيّد حتف أنفهولا طلّ منّا حيث كان قتيل
وأوّل من نطق بهذا اللفظ مات فلان حتف أنفه رسول الله ﷺ، فدلّ أن الشعر إسلاميّ، وقد رواه قوم:
وما مات منّا سيّد في فراشه.
وفيه:
صفونا فلم نكدر وأخلص سرّناإناث أطالت حملنا وفحول
يعني أصلنا، يقال إن فلاناً ليضرب في سرّ: أي في أصل جيّد، ومنه سرارة الوادي: أي أكرمه وقيل أوسطه. وفيه:
فإنّ بني الدّيّان قطب لقومهمتدور رحاهم حولهم وتجول
يريد أنهم أهل حضر وقصور وجنّات، وأنهم لا يظعنون في طلب نجعة كما تفعل الأعراب، ومثله قول حسّان:
أولاد جفنة حول قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المفضل
وقال آخر:
لله درّ ثقيف أيّ منزلةحلّوا بها بين سهل الأرض والجبل
قوم تخيّر طيب العيش رائدهمفأصبحوا يلحفون الأرض بالحلل
ليسوا كمن كانت الترحال همّتهأخبث بعيش على حلّ ومرتحل!
وقد تقدمّ إنشاده، وقال رجل من بني تميم:
لكسرى كان أعقل من تميمليالي فرّ من بلد الضباب
فأنزل نسله ببلاد ريفوأشجار وأنهار عذاب
وصار بنو أبيه بها ملوكاًوصرنا نحن أمثال الكلاب
فلا رحم الإله صدي تميمفقد أزرى بنا في كلّ باب
والعربي يأنف أن يقال له يا أعرابيّ لجفاء العرب وعنجهيّتهم، قال الشاعر:
يسمّوننا الأعراب والعرب اسمناوأسماؤهم فينا رقاب المزاود
رقاب المزاود إشارة إلى أنهم موال وهم الحمر، ولم يبعث الله ﷿ نبيّنا إلاّ من أهل القرى والمدر لا من أهل البدو والوبر، قال الله تعالى: " وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى "، ولذلك قال خليد عينين العبدي الهجريّ منتصراً للصلتان العبديّ، وكان الصلتان قد فضّل في قصيدته التي تقدّم إنشاد أبي عليّ لها "، " الفرزدق في الحسب وجريراً في الشعر، فقال جرير:
أقول ولم أملك سوابق عبرةمتى كان حكم الله في كرب النخل
فأجابه خليد:
وأيّ نبيّ كان من غير قومهوهل كان حكم الله إلاّ مع الرسل
وأنشد أبو عليّ "، " للفرزدق:
يفلّقن هاماً لم تنله سيوفنابأسيافنا هام الملوك القماقم
ع أنكر أبو علي تذكير الهام، وزعم أنه لم يؤثر عن العرب فيه تذكير، ولم يقل أحد منهم: الهام فلّقته وهو يرويه في شعر عنترة ويروّي:
والهام يندر في الصعيد كأنّمايلقى السيوف به رؤوس الحنظل
وقال طفيل وهو يرويه أيضاً:
بضرب يزيل الهام عن سكناتهوينقع من هام الرجال بمشرب
وقال النابغة ولا تكاد تجد أحداً إلاّ وهو يحفظه ويرويه:
بضرب يزيل الهام عن سكناتهوطعن كإيزاع المخاض الضوارب
ولو أنكر المعنى دون اللفظ كان أولى، لأن قوله: يفلّقن هاماً لم تنله سيوفنا، ثم قوله:
بأسيافنا تناقض.
وقبل بيت الفرزدق:
فدى لسيوف من تميم وفي بهاردائي وجلّت عن وجوه الأهاتم
شفين حرارات النفوس ولم تدععلينا مقالاً في وفاء للائم
يفلّقن هاماً لم تنله سيوفنا.
الأهاتم آل الأهتم بن سنان بن خالد بن منقر. ويروى حزازات النفوس. يقول هذا في قتل وكيع قتيبة بن مسلم.
وأنشد أبو عليّ "، " لمطيع بن إياس يرثي يحيى بن زياد الحارثي:
وينادونه وقد صمّ عنهمثم قالوا وللنساء نحيب
ع وهو مطيع بن إياس ابن أبي قزعة سلم بن نوفل من بني الدؤل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وقيل من بني ليث بن بكر بن عبد مناة، والدؤل وليث أخوان لأب وأمّ، أمّهما أمّ خارجة عمرة بنت سعد بن عبد الله أنماريّة، وهو أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، وبعض ولد أنمار هم بجيلة، غلبت عليهم أمّهم بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة، وأم خارجة منهم، وهي التي يضرب بها المثل فيقال: أسرع من نكاح أم خارجة، وكان الرجل يقول لها: خطب، فتقول: نكح، وقد ولدت في عدّة بطون من العرب، حتى لو قال قائل إنّه لا يكاد يتخلّص من ولادتها كبير أحد لكان مقارباً، وروى أن بعض أزواجها طلّقها فدخل بها ابن لها عن حيّة إلى حيّها فرفع لها راكب، فلما تبيّنته قالت لابنها: هذا خاطب لي لا شكّ فيه، أفتراه يعجلني أن أحلّ، ماله ألّ وغلّ. وكانت حسناء مقبولة، فالرجال يحبّونها ولا يصبرون على ما تطلبهم من الباءة، فيطلّقونها. وسلم بن نوفل جدّ مطيع هو الذي يقول فيه الشاعر:
يسوّد أقوام وليسوا بسادةبل السيّد المعروف سلم بن نوفل
وهذا البيت لرجل من قومه جنى عليه جناية تستجهل الحليم فسيق إليه مصفوداً، فقال له ما آمنك من انتقامي؟ قال له الجاني: أصلحك الله إنما سودّناك لتغفر ذنوبنا، وتعفو عن جهّالنا. فقال: قد غفرت ذنبك وعفوت عنك واحتملت جهلك. فولىّ الجاني وهو يقول:
يسوّد أقوام وليسوا بسادة
ويكنى مطيع أبا سلم أدرك الدولتين، وكان شاعراً
ظريفاً حلو العشرة مليح النادرة، وكان متّهماً بالزندقة، وكان يحيى بن زياد هذا الحارثيّ وحمّاد الرّاوية وحمّاد عجرد وابن المقفّع ووالبة بن الحباب كذا، وكانوا جميعاً يتنادمون لا يفترقون، ولا يستأثر أحدهم على الآخر بمال ولا ملك شيء قلّ أو كثر، وكانوا جميعاً يرهّقون في دينهم.
وأنشد أبو عليّ "، " لأبي خراش:
حمدت إلاهي بعد عروة إذ نجاخراش وبعض الشرّ أحسن من بعض
ع عروة أخوه أصيب، وخراش ابنه نجا، وفيه:
فوالله لا أنسى قتيلاً رزئتهبجانب قوسي ما مشيت على الأرض
هكذا يرويه أبو عليّ قوسي بفتح القاف، وغيره يأبى إلاّ ضمّها. وقال في هذا البيت:
لا أنسى قتيلاً رزئته
وقال في الذي يليه:
بلى إنّها تعفو الكلوم وإنّمانوكل بالأدنى وإن جلّ ما يمضى
رجع من قوله الأوّل إلى ما هو أصحّ، قال الأصمعي: هذا بيت حكمة يقول إنما نذكر الحديث من المصيبة وإن جلّ الذي قبله فقد نسيناه، وضدّ هذا قول أخي ذي الرمّة:
ولم تنسني أوفي المصيبات بعدهولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع
وفيه:
ولم أدر من ألقي عليه رداءهخلا أنّه قد سلّ عن ماجد محض
قيل في هذا البيت ثلاثة أقوال، قال قوم: إنّ عروة لمّا قتل ألقي عليه رداءه رجل من القوم فكفّنه به، وقال آخرون: بل الذي ألقي عليه الرجل رداءه خراش، وذلك أن رجلاً من
ثمالة ألقي عليه رداءه ليشكل عليهم، وقد شغل القوم بقتل عروة وقال له: كيف دلالتك قال: قطاة، قال: انج، وعطف القوم عليه فلم يروه، وقيل بل ألقي عليه رداءه إجارة له. وكذلك كانوا يفعلون، وهذا مثل قول البريق يذكر رجلاً منّ عليه.
ولمّا رأيت أنّه متعبّطدعوت بني بدر ولحّفته بردي
وقال أبو عبيدة: لا أعرف شاعراً مدح من لا يعرف إلاّ أبا خراش بهذا البيت.
وأنشد أبو عليّ "، " لأبي عطاء السندي يرثي يزيد بن عمر بن هبيرة:
ألا إن عيناً لم تجد يوم واسطعليك بجاري دمعها لجمود
ع كان أبو جعفر المنصور قتل يزيد غدراً بعد أن كتب إليه أماناً، فلما حمل رأسه إليه قال بعضهم للحرسيّ: أترى طينة رأسه ما أعظمها؟ فقال له: طينة أمانه كانت أعظم. وأبو عطاء هو أفلح بن يسار مولى لبني أسد، وكان يسار سنديّاً أعجمياً لا يفصح، وأبو عطاء ابنه عبد أسود، منشؤه الكوفة لا يكاد يفصح أيضاً بين لثغة ولكنة، وهو مع ذلك من أحسن الناس بديهة وأشدّهم عارضة وتقدّماً، شاعر فحل في طبقته أدرك الدولتين، وكان من شعراء بني أميّة وشيعتهم، وهجا بني هاشم ومات عقب أيام المنصور. ودخل يوماً على
المنصور وهو يسحب الوشى والخزّ. فقال له المنصور: أنّي لك هذا يا أبا عطاء؟ فقال: كنت ألبس هذا في الزمن الصالح، فلم تنكره في الزمن الطالخ، ثم ولّى ذاهباً فاستخفى فما ظهر حتى مات المنصور، فمما قال في بني هاشم:
بني هاشم عودوا إلى نخلاتكمفقد قام سعر التمر صاع بدرهم
فإن قلتم رهط النبيّ صدقتمفهذي النصارى رهط عيسى بن مريم
وأنشد أبو عليّ لأعرابيّة:
لعمرك ما الرزيّة فقد مالولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزيّة فقد قرميموت لموته بشر كثير
موت البشر هنا العيلة واليأس من النوال وانقطاع الرجاء من الرفد بموت ذلك الكريم القرم، كما قال الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميتإنما الميت ميّت الأحياء
إنما الميت من يعيش كئيباًكاسفاً باله قليل الرخاء
وقال الآخر:
ماذا أجال وثيرة بن سماكمن دمع باكية عليه وباك
ذهب الذي كانت معلّقة بهحدق العفاة وأنفس الهلاّك
يعني الهلاّك جهداً وضياعاً، وكالبيت الأول من هذين البيتين قول الأسود بن زمعة في ابنه
زمعة، وكان قتل يوم بدر وحرّمت قريش البكاء على قتلى بدر لئلا يشمت بها، فسمع الأسود بكاء في جوف الليل، فقال: انظروا هل أحلّت قريش البكاء حتى أبكي سجلاً أو سجلين على زمعة، فقالوا: لا إنما هي امرأة أضلّت بعيراً فهي تبكي، فقال:
أتبكي أن يضلّ لها بعيرويمنعها من النوم السهود
فلا تبكي على بكر ولكنعلى بدر تقاصرت الجدود
ألا قد ساد بعدهم رجالولولا أهل بدر لم يسودوا
وأنشد أبو عليّ "، " لابن الروميّ:
ما يبالي أصمّمت شفرتاهفي محزّ أم جارتا عن محزّ
ع أخذه من قول أبي الهول:
ما يبالي إذا الضريبة حانتأشمال سطت به أم يمين
نعم مخراق ذي الحفيظة في الهيجاء يعصي به ونعم القرين
وفيه:
مثله أحوج الشجاع إلى الدرع فغالي بها على كلّ بزّ
وكرّر هذا المعنى فقال:
يقول القائلون إذا رأوهلأمر ما تغوليت الدروع
وقال البحتري في صفة سيف فأجاد:
ماض وإن لم تمضه يد ضارببطل ومصقول وإن لم يصقل
يغشى الوغى والترس ليس بجنّةمن حدّه والدرع ليس بمعقل
مصغ إلى حكم الردى فإذا مضىلم يلتفت وإذا قضى لم يعدل
متوقّد يبري بأوّل ضربةما أدركت ولو أنّها في يذبل
وإذا أصاب فكلّ شيء مقتلوإذا أصيب فما له من مقتل
وأنشد "، " لعبدة بن الطبيب:
أوردته القوم قد ران النعاس بهم
ع وصلته:
ومنهل آجن في جمّة بعرمما تسوق إليه الريح مجلول
كأنّه في دلاء القوم إذ نهزواحمّ على ودك في القدر مجمول
أوردته القوم قد ران النعاس بهمفقلت إذا نهلوا من جمّة قيلوا
قال أبو علي ران: غلب. ع قوله مجلول: أي ملفوظ عنه الجلّة وهي البعر. والحمّ: ما بقي من الشحم إذا أذيب، شبّه الماء عند اغترافه القوم بالشحم المجمول وهو المذاب.
"
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة (١٣٥٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع