من «منتهى الطلب من أشعار العرب» لابن ميمون (ت ٥٩٧هـ)
النمر بن تولب
وقال النمر بن تولب بن زهير بن أقيشر بن عبيد بن وائل بن كعب بن الحارث ابن عوف، وعوف هو عكل، وسمي عكلاً بأمه، وقال الأصمعي نشدنيها حماد ابن الأخطل بن ربيعة بن النمر بن تولب:
صرمتكَ جمرةُ واستبدَّ بدارهاوعدتْ عوادي الحربِ دونَ مزارها
زبنتكَ أركانُ العدوّ فأصبحتأجأٌ وجبةُ من قرارِ ديارِها
وكأنَّها دقرى تخيلُ نبتَهاأنفٌ يغمُّ الضال نبتُ بحارِها
عزبتْ وباكرها السميُّ بديمةٍوطفاءَ تملأها إلى أصبارِها
وكأنَّ أنماطَ المداين وسطَهامن نورِ حنوتها ومنْ جرجارِها
ولقد لهوتُ بطفلةٍ مياليةٍبلهاءَ تطلعني على أسرارِها
عبقَ الممسكُ والعبيرُ بجيبهاوكأنَّ نضخَ دَمٍ على أظفارِها
وكأنَّها عيناءُ أم جؤيذرٍخذلتْ لهُ بالرَّملِ خلفَ صوارها
خرقٍ إذا ما نامَ طافتْ حولهطوفَ الكعابِ على جنوب دُوارها
بأغنَّ طفلٍ لا تصاحبُ غيرَهفلهُ عُفافةُ درّها وغرارها
هل تذكرينَ جزيتِ أحسنَ صالحٍأيامنا بمليحةٍ فهرَارها
أزمانَ لم تأخذ إليَّ سلاحهاإبلي بجلتها ولا أبكارها
اعتزها ألبانها ولحومهافأهينَ ذاكَ لضيفها ولجارِها
ولرفقةٍ في ليلةٍ مشمولةٍنزلتْ بها فعدتْ على أسارِها
وأضاعَ أقوامٌ فسبتْ أمهمْوأبوهمُ حتى يمتَّ بعارِها
كانوا يسيمون المخاضَ أمامهاويغرزون بها على أغبارها
ولقد شهدتُ إذا القداحُ توحدتْوشهدتُ عند الليلِ موقدَ نارِها
عن ذات أوليةٍ أساودُ ربهاوكأنَّ لونَ الملحِ فوقَ شفارِها
كانتْ عقيلةُ مالهِ فأذلهُعنْ بعضِ قنيتها رجاةُ بكارِها
حتى إذا قسمَ النصيبُ وأصفقتْيدهُ بجلدةِ ضرعِها وحوارِها
ظهرتْ ندامتهُ وهانَ بسخطهِثنيا على مربوعها وعذارِها
ولقد شهدتُ الخيلَ وهي مغيرةٌوشهدتُها تعدُو على آثارِها
وحويتُ مغنمها أمامَ جيادهاوكررتُ إذْ طردتْ على أدبارِها
ولقد شفيتُ من الركابِ ومشيهاوزفيفها نفسي ومنْ أكوارِها
وقال النمر بن تولب:
تأبدَ منْ أطلالِ جمرةَ مأسلُفقدْ أقفرتْ منها شراءٌ فيذبلُ
فبرقةُ أرمَامٍ فجنبا متالِعٍفوادي المياهِ فالبديُّ فأنجلُ
ومنهَا بأعراضِ المحاضرِ دمنةٌومنها بوادِ المتلَهمَّةِ منزلُ
أناةٌ عليها لؤلؤٌ وزبرجدٌونظمٌ كأجوازِ الجرادِ مفصلُ
ترببها الترغيبُ والمخضُ خلفةًومسكٌ وكافورٌ ولبنَى تأكلُ
يشنُّ عليها الزعفرانُ كأنَّهُدمٌ قاربٌ تعلى بهِ ثمَّ يغسلُ
وكمْ دونها من كلِّ طودٍ ومهمةٍوماءٍ لدى أحواضِهِ الذئبُ يعسلُ
سواءٌ عليها الشيخُ لم تَدرِ ما الصِّباإذا ما رأتهُ والألوفُ المقتلُ
ودستْ رسولاً من بعيدٍ بآيةٍبأنْ حيهم واسألهُمُ ما تموَّلوا
فحييتِ عن شحطٍ فخيرٌ حديثناولا يأمنُ الأيامَ إلا المضللُ
لنا فرسٌ من صالحِ الخيلِ نبتغيعليهِ عطاءَ اللهِ واللهُ ينحلُ
يردُّ علينا العيرَ من دونِ إلفهِبقرقرةٍ والنقعُ لا يتزيلُ
وحمرٌ مدماةٌ كأنَّ ظهورَهاذرى كثبٍ قدْ بلها الطلُّ من علُ
عليها من الدهناءِ عتقٌ ومورَةٌمن الحزنِ كلاً بالمرابعِ تأكلُ
وفي جسمِ راعيها شحوبٌ كأنهُهزالٌ وما مِنْ قلةِ الطعمِ يهزلُ
وقدْ سمنتْ حتى تظاهرَ نيُّهاوليس عليها بالروادفِ محملُ
إذا وردتْ ماءً وإنْ كانَ صافياًحدتهُ على دلوٍ يعلُّ وينهلُ
فلا الجارةُ الدُّنيا لها تلحينهاولا الضيفُ فيها إن أناخَ محولُ
إذا هتكتْ أطنابَ بيتٍ وأهلهُبمعطنهَا لمْ يوردُوا الماء قيلُوا
وما قمعنا فيها الوطابَ وحولنابيوتٌ عليها كلها فوهُ مقبلُ
أرى أمنا أضحتْ علينا كأنماتجللها منْ نافضِ الوردِ أفكلُ
رأتْ أُمَّنا وطباً يجيءُ به امرؤٌمنَ الماءِ للبادينَ فهو مزملُ
فقالتْ فلانٌ قدْ أغاثَ عيالهُوأودَى عيالٌ آخرونَ فهزلوا
فلما رأتهُ أمنا هانَ وجدُهاوقالتْ أبونا هكذا كانَ يفعلُ
ألمْ يكُ ولدانٌ أعانوا ومجلسٌقريبٌ فنخزى إذْ يكفُّ ويحملُ
عليهنَّ يومَ الوردِ حقٌّ وحرمةٌوهنَّ غداةَ الغبِّ عندكَ حفلُ
فإنْ تصدُري يحلبنَ دونَكِ حلبةًوإن تحضري يلبثْ عليك المعجلُ
لعمري لقدْ أنكرتُ نفسي ورابنيمعَ الشيبِ أبدَالي التي أتبدَّلُ
فضولٌ أراها في أديميَ بعدَ مايكونُ كفافَ اللحمِ أو هو أجملُ
كأنَّ محطاً من يديْ حارثيةٍصناعٍ علتْ مني به الجلدِ منْ علُ
دعاني العذارى عمهنَّ وخلتنيلي اسمٌ فلا أدعَى بهِ وهو أولُ
وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهمتلاقونه حتى يؤوبَ المنخلُ
فيضْحِي قريباً غيرَ ذاهبِ غربةٍوأرسلُ أيمانِي ولا أتحللُ
وظلْعي ولمْ أُكسرْ وأنَّ ظعينتيتلفُّ بنيها في الدثارِ وأعزلُ
وكنتُ صَفيَّ النفسِ لا أستزيدُهافقدْ كدتُ من أقصاءِ جنبي أذهلُ
وبطئ عن الداعي فلستُ بآخذٍإليه سلاحي مثلَ ما كنتُ أفعلُ
وقد كنتُ لا تشوي سهامي رميةًفقدْ جعلتْ نبلِي تطيشُ وتنصلُ
يودُّ الفتى طولَ السلامةِ جاهداًفكيفَ ترى طولَ السلامةِ تفعلُ
تداركَ ما بعدَ الشبابِ وقبلهُحوادثُ أيامٍ تمرُّ وأغفلُ
يودُّ الفتى بعدَ اعتدالٍ وصحةٍينوءُ إذا رامَ القيامَ ويحملُ
وقال أيضاً الوافر
ألمَّ بصحبتي وهمُ هجودٌخيالٌ طارقٌ منْ أمِّ حصنِ
ألم ترها تريكَ غداةَ بانَتْبملءِ العينِ منْ كرَمٍ وحُسْنِ
سقيةَ بينَ أنهارٍ ودورٍوزرعٍ نابتٍ وكروم جفنِ
لهَا ما تشتهي عسلٌ مصفًىإذا شاءتْ وحوارِي بسمنِ
فأعطتْ كلَّما سئلتْ شباباًفأنبتها نباتاً غير جحنِ
فقلتُ وكيف صادَتني سليمىولمَّا أرْمِها حتى رمتنِي
كنودٌ لا تمنُّ ولا تفادِيإذا غلقتْ حبائلها برهنِ
وقلتُ لصحبتي ماذا دهَاهاإلى شُعثٍ وأنضاءٍ بمتنِ
خفياتُ الشخوصِ وهنَّ عيسٌكأنَّ جلودهنَّ ثيابُ مرنِ
خرجنَ من الخوارِ وعدنَ فيهِوقدْ وازنَّ منْ أجلي برعنِ
ألا يا ليتني حجرٌ بوادٍأنامَ وليتَ أمي لمْ تلدني
ألا يا حادِ ويحكَ لا تلُمنِيونفسك لا تُضيعها ودعنِي
فإنِّي قد لبستُ العيشَ حتىمللتُ من الحياةِ فقلتُ قَدنِي
ولاقيتُ الخُيورَ وأخطأتنيشرورٌ جمةٌ وعلوتُ قرنِي
يلومُ أخي على إهلاكِ ماليوما إنْ غالهُ ظهري وبطني
ولا ضيعتهُ فالأمُ فيهِفإنَّ ضياعَ مالكَ غيرُ معنِ
ولكنْ كلُّ مختبطٍ فقيرٍيقولُ ألا استمعْ أنبئكَ شأني
ومسكينٌ وأعمَى قالَ يوماًأغثنِي للآلهِ ولا تدعني
وإعطائي ذوي الأرحامِ منهُوتوسيعي لذي عجزٍ وضغنِ
أقي حسبي به ويعزُّ عرضيعليَّ إذا الحفيظةُ أدركتني
وأعلمُ أنْ ستدركني المَنَايافإنْ لا أتبعْها تتبعنِي
رأيتُ المانعين المالَ يوماًمصيرهمُ لإلقاءٍ فدفِنِ
وقال النمر بن تولب:
شطّتْ بجمرةَ دارٌ بعدَ إلمامِنأيُّ وطولُ بعادٍ بينَ أقوامِ
حلتْ بتيماءَ في قومٍ إذا اجتمعوافي الصبحِ نادَى مناديهم بأشْأمِ
وقدْ لهوتُ بها والدَّارُ جامعةٌبالخرجِ فالنهي فالعوراءِ فالدَّامِ
حتى اشتفى وشفَى منها لبانتهُوما يزيدُ شفاءً غيرَ إسقامِ
كأنَّ جمرةَ أو عزَّتْ لها شبهاًفي العينِ يومَ تلاقينا بأَرْمامِ
ميثاءُ جادَ عليها مسبِلٌ هطلٌفأمرعَتْ لاحتيالٍ فرطَ أعوامِ
إذا يخفُّ ثراهَأ بلها ديمٌمنْ كوكبٍ نزلٍ بالماءِ سجامِ
لم يرعها أحدٌ وارتبها زمناًفأوٌ منَ الأرضِ محفوفٌ بأعلامِ
تسمعُ للطير في حافاتها زجلاًكأنَّ أصواتها أصواتُ جرامِ
كأنَّ ريحَ خزاماها وحنوتهَابالليل ريحُ يلنجُوجٍ وأهضامِ
أليسَ جهلاً بذي شيبٍ تذكرهُملهى ليالٍ خلتْ منهُ وأيامِ
ومنهلٍ لا ينامُ القومُ حضرتهُمنَ المخافةِ أجنٌ ماؤهُ طامِي
قد بتُّ أحرسُهُ وحدِي ويمنعنيصوتُ السباعِ بهِ يضبحنَ وإلهامِ
ما كانَ إلاَّ اطلاعي في مدالجهِثم انصرافي إلى وجناءَ مجذامِ
أفرغتُ في حوضِها صفناً لتشربهُفي داثرٍ خلقِ الأعضادِ أهْدامِ
فعافت الماءَ واستافَتْ بمشفَرِهاثمَّ استمرَّتْ سواهُ طرفُها سامِ
صدتْ كما صدَّ عمَّا لا يحلُّ لهُساقي نصارَى قبيلَ الصبحِ صوامِ
أرمِي بها بلداً ترميهِ عن بلدٍحتى أُنيخَتْ على أحواضِ ضرسامِ
وقال أيضاً:
سلا عنْ تذكره تكتماوكانَ رهيناً بها مغرما
وأقصرَ عنهَا وآياتُهاتذكرهُ داءهُ الأقدما
فأوصى الفتى بابتناءِ العُلىوأنْ لا يخونَ ولا يأثما
ويلبسُ للدهرِ أجلالهُفلنْ يبنيَ الناسُ ما هدَّما
وإنْ أنتَ لاقيتَ في نجدةٍفلا تتكاءدْكَ أن تقدِما
فإنَّ المنيةَ منْ يخشهافسوفَ تصادفهُ أينما
وإنْ تتخطاكَ أسبابُهافإنَّ قصاركَ أن تهرما
وأحببْ حبيبكَ حُباً رويداًفقد لا يعولكَ أن تصرما
فتظلمَ بالودِّ منْ وصلُهُرقيقٌ فتسفه أو تندما
وأبغضْ بغيضكَ بغضاً رويداًإذا أنتَ حاولتَ أن تحكما
ولوْ أنَّ منْ حتفهِ ناجياًلكانَ هو الصدَعَ الأعصما
بإسبيلَ ألقتْ بهِ أمُّهُعلى رأسِ ذي حبُكٍ أبهما
إذا شاءَ طالعَ مسجورةًترى حولها النبعَ والساسما
يكونُ لأعدائِهِ مجهلاًمضلاً وكانتْ لهُ معلما
سقتها رواعدُ من صيفٍوإنْ منْ خريفٍ فلنْ يعدما
أتاحَ لهُ الدهرُ ذا وفضةٍيقلبُ في كفهِ أسهما
فراقبهُ وهو في قترةٍوما كنَ يرهبُ أنْ يكلَما
فأرسلَ سهماً لهُ أهزعاًفشكَّ نواهقهُ والفما
فريغَ الغِرارُ على قدرةٍوما كانَ يرهبُ أنْ يكلمَا
فظلَّ يشبُّ كأنَّ الولوعَ كانَ بصحتهِ مغرما
أتى حصنهُ ما أتى تُبعاًوأبرهةَ الملكُ الأعظمَا
لقيمُ بنُ لقمانَ من أختهِفكانَ ابنَ أختٍ لهُ وابنَما
لياليَ حمقَ فاستحضنتْإليهِ فغرَّ به مظلما
فأحبلها رجلٌ نابهٌفجاءتْ بهِ رجلاً محكما
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع