تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)

الفصل الرابع: الأمثال الشعرية

اعلم أنا لمّا ذكرنا حكم الشعر عموما كما مر، أردنا أن نردفه بما كان منه مثلا خصوصا. وهذا النوع داخل فيما للذي قبله وداخل أيضاً فيما للمثل مطلقا، وقد فرغنا قبل من شرحه وفضله؛ غير أن هذا النوع له خصوصية كلام وبيان تعلق الغرض بذكره، وجعلنا الكلام في هذا الفصل في أربعة أمور بها يتم الغرض إن شاء الله تعالى: الأول في التمثل بالشعر وما ورد فيه يقال: تمثل بالبيت إذا أنشده وكان النبي ﷺ يتمثل بقول طرفة: ويأتيك بالأخبار من لم تزود؛ إلى إنّه يقول ويأتيك من لم تزوده بالأخبار. ولذلك قال أبو بكر الصديق ﵁: أشد أنك رسول الله، لقوله تعالى: وما علمناه الشعر. وأما غير النبي ﷺ من الصحابة والتابعين فتمثلهم بالشعر شائع ذائع لا يحصى، وهو دليل ما تقدم في الفصل قبل هذا. ومما تمثل به أبو بكر ﵁ وهو على المنبر قول الغنوى:

جزى الله عنا جعفرا حين أزلقتبنا رجلنا في الواطئين وزلت
للشاعر الطفيل الغنوي، اقرأ القصيدة
أبو أن يملونا وأو أن آمناتلاقي الذي يلقون منا لملت
هم أنزلونا في ظلال بيوتهمظلال بيوت أدفأت وأكنت

وأراد بذلك ما فعل بهم الأنصار من الإحسان. وأما عمر ﵁ فكان لا ينزل به أمر ألا تمثل فيه بشعر، وكذا عائشة ﵂ ومما تمثلت به قول لبيد:

ذهب اللذين يعاش في أكنافهموبقيت في خلف كجلد الأجرب

ورأت النبي ﷺ يوما يعرق جبينه وهو في عمل، وجعل عرقه يتلألأ نورا، فقالت له: لو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره فقال لها: وما يقول يا عائشة أبو كبير؟ قالت: يقول:

ومبرأ من كل غير حيضةوفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلى أسرة وجههبرقت كبرق العارض المتهلهل
للشاعر أبو كبير الهذلي، اقرأ القصيدة

فوضع ﷺ ما كان في يده وقام إليها فقبل ما بين عينيها وقال: جزاك الله يا عائشة خيرا. ما سررت بشيء كسروري بك! ومما تمثلت به فاطمة ﵂ يوم توفي أبوها ﵊ قول فاطمة

قد كنت لي جبلا ألوذ بظلهفتركتني أضحى بأجرد ضاحِ
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
قد كنت ذات حمية ما عشت ليأمشي البيرار وكنت أنت جناحي
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
فاليوم أخضع للذليل وأتقيمنه وأدفع ظالمي بالراحِ
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
وإذا دعت قمرية شجنا لهايوما على فنن دعوت صباحِ
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
وأغض من بصري وأعلم إنّهقد بان حدّ فوارسي ورماحي
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة

ومما تمثل به علي كرم الله وجهه وهو على المنبر، معنفا للقوم في تقديمهم أبا موسى الأشعري في التحكيم بعد ما حذرهم منه قول دريد بن الصمة:

أمرتهم أمري بمنعرج اللوىفلم يستبينوا الرشد إلى ضحى الغدِ

ومما تمثل به معاوية ﵁ قول قيس بن زهير:

أظن الحلم دل علي قوميوقد يستجهل الرجل الحليم
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «تعلم أن خير الناس ميت»

على لمحة قبيلة يزداد بها الناظر بصيرة على ما ذكرنا في المثل الأول. ولو تتبعنا ما تمثل به الصحابة في الوقائع، والتابعون وهلم جرا لكان وحده موضوعا.

الثاني في المثل الشعري وأقسامه. اعلم إنّ المثل معروف الحقيقة مما قدمنا فيه، وهو يكون نثرا تارة، وذلك أكثره، وقد يكون نظما. فان المثل، وإنّ كان سائرا، لكنه إذا نظم كان أسير له وأسهل على اللسان وأحسن، ثم إنّه قد يقع بيتا كاملا، وقد يقع نصف بيت أو ربعه أو نحو ذلك من الأجزاء. وسئل حماد الراوية بأي شيء فضل النابغة، فقال: إنّ النابغة إن تمثلت ببيت من شعره اكتفيت، مثل قوله:

حلفت فلم اترك لنفسك ريبةوليس وراء الله للمرء مطلب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

بل لو تمثلت بنصف بيت من شعره اكتفيت به، وهو قوله: وليس وراء الله للمرء مطلب، بل لو تمثلت بربع بيت من شعره اكتفيت به، وهو قوله: أي الرجال المهذب. ومن ورود المثل بيتا مستقلا قول طرفة مثلا:

لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتىلك الطول المرخى وثنياه باليد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

وقول أبي الطيب:

ومن نكد الدنيا على المرء أن يرىعدوا له ما من صداقته بد

وهو كثير. ومن وروده نصف بيت الشطر الثاني من قول الحماسي مثلا:

عليك بالقصد فيما أنت فاعلهإن التخلق يأتي دونه الخلق

ومن ورده ربعا الربع الأخير من قوله:

ولا يواتيك فيما ناب من حدثإلاّ أخو ثقة فأنظر بمن تثق
للشاعر العرجي، من قصيدة «يا من لعين قد أجلى نومها الأرق»

واعلم إنّه قد لا يتم المثل إلاّ على بيتين، كقول الأول:

إذا المال لم يوجب عليك عطاءهصنيعة تقوى أو صديق توافقه
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «إذا المال لم يوجب عليك عطاءه»
بخلت، وبعض البخل حزم وقوةولم يبتذلك المال إلى حقائقه

وقد لا يتم إلى على اكثر، كقول بعض الأدباء:

لصيد اللخم في البحروصيد الأسد في البر
وقضم الثلج في القرونقل الصخر في الحر
وإقدام على الموتوتحويل إلى القبر
لأشهى في طلاب العزممن عاش في الفقر

وقد يكون في البيت الواحد مثلان أو ثلاثة أو أربعة أو اكثر. فمن الأول قول امرئ القيس:

الله أنجح ما طلبت بهوالبر خير حقيبة الرحل

ومن الثاني قول ضابىء بن الحارث:

وفي الشك تفريط وفي الحزم قوةويخطئ في الحرس الفتى ويصيب
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة

ومن الثالث قول الأول:

فالهم فضل وطول العيش منقطعوالرزق منقسم وروح الله منتظر

ومما فيه خمسة قول بعض الأدباء:

خاطر تفد وأرتد تجد وأكرم تسدوانقد تقد وأصغر تعد الأكبرا

ومما فيه ستة قول أبن رشيق:

خذ العفو وأب الضيم واجتنب الأذىوأغض تسد وأرفق تنل وأسخ تحمد

الثالث فيما ينبغي له ويستحسن، وهو ثلاثة أشياء: أحدها أن يكون متزنا قائما بنفسه غير محتاج إلى غيره، وذلك إما أن يكون بيتا مستقلا، كقول طرفة السابق، وكقول السموأل:

إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضهفكل رداء يرتديه جميل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»

ونحوه وهو كثير. وأما أن يكون جزءا من البيت مستقلا كقول الحماسي السابق، وكقول جميل بن عبد الله:

أرى كل عود نابتا في أرومةأبى منبت العيدان أن يتغيرا
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

فان الشطر الثاني مثل مستقل بالوزن والمعنى، وكذا الأول، أما إن كان جزءا محتاجا غير مستقل، كقول النابغة المذكور:

ولست بمستبق أخا لا تلمهعلى شعث أي الرجال مهذب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

فان قوله: أي الرجال المهذب مثل، إلى إنّه محتاج في الوزن إلى ما قبله. وكذا قول الحماسي:

وإن أبيتم فأنا معشر أنفلا نطعم الخسف إنّ السم مشروب
للشاعر ابن عَنَمة، اقرأ القصيدة

فان قوله: إنّ السم مشروب مثل، وليس بمستقل، فهو كله غير مستحسن. ووجهه فيما يظهر لي ما تقدم من أن المثل إنّما نظم ليكون أيسر وأشهر. فإذا كان بيتا مستقلا حسن إنشاده من غير حشو هنالك ولا التباس؛ وإن كان شطرا تام الوزن، حسن أيضاً إنشاده وحده من غير حشو ولا فساد في النظم ولا خروج عن حكم الشعر؛ وإن كان جزءا غير تام الوزن فهو إن انشد البت المحتوى عليه كله كان ما زاد على المثل حشوا مع وقوع الالتباس تارة فيما أريد من البيت إذا لم يتعين المقصود، كما في قول النابغة: أي الرجال المهذب، فانه مثل وباقي البيت أيضاً مثل، وقد لا يدرى أيهما المراد بعينه، وإن كانا يرجعان إلى مقصود واحد. واكثر الأبيات يصح التمثيل بها فيقع الالتباس. وإن لم ينشد البيت كله، بل اقتصر على المثل وحده صار نثرا وبطلت فائدة نظمه. أما ما لا يتم من الأمثال في بيتين أو اكثر كما مر فهو من التام الوزن دون المعنى، وهو عيب التضمين. ويتقوى العيب بكون التضمين بين مبتدأ وخبر، وفعل وفاعل، ونحو ذلك. ويسهل بكونه بين الشرط والجزاء، أو بين القسم والجواب ونحوه. وتفصيله مذكور في علم القوافي.

ثانيهما أن يكون سالما عن التكلف سلسا، تستلذه الأسماع ليكون أوقع له في النفس وأعون على الشيوع. فان الشعر إذا كان متكلفا كان المنثور أحسن منه. وقد يكون التكلف بالإكثار من الأمثال في البيت الواحد أو في القصيدة، فان تعاطي الجمع بين أربعة أمثال في البيت لا يخلو عن تكلف، فضلا عن الخمسة والستة، وكذا في القصيدة. ولذلك قال أبن رشيد في عمدته: وهذه الأشياء في الشعر إنّما هي نبذة تستحسن، ونكت تستطرف، مع القلة وفي الندرة؛ فأما إذا كثرت فهي دالة على الكلفة. فلا يجب للشعر أن يكون مثلا كله وحكمة، كشعر صالح بن عبد القدوس: فقد قعد به عن أصحابه وهو يقدمهم في الصناعة، لإكثاره من ذلك. وكذا لا يجب أن يكون استعارة وبديعا كشعر أبي تمام ثم قال: وإنما هرب الحذاق عن هذه الأشياء لمّا تدعو إليه من

التكلف لاسيما إن كان في الطبع ايسر شيء من الضعف والتخلف. وأشد ما تكلفه الشاعر صعوبة التشبيه، لمّا يحتاج أليه من شاهد العقل، واقتضاء العيان. ولا ينبغي للشعر أن يكون أيضاً خاليا مغسولا من هذه الحلى فارغا ككثير من شعر أشجع وأشباهه.

ثالثها أن يكون متحرى فيه الصدق وحسن الإصابة. وهذا لا يختص بالمثل الشعري، فان المثل كله أفضله أصدقه وأحكمه وأوجزه؛ وإنّما اشترطت الوجازة احتزازا عن التكلف والإملال: فان قوة البشر غالبا قاصرة عن إيراد الأمثال الطوال من غير تكلف ولا موجب إملال؛ ومن ثم وردت في القرآن الذي هو درجة الإعجاز قصارا وطوالا، وحسنت كلها لانتفاء المانع. فمن القصار قوله تعالى:) كمثل الحمار يحمل أسفارا (ونحوه، ومن الطوال قوله تعالى:) إنما مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناهُ من السماءِ (الآية؛ وقوله تعالى:) مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرمادٍ اشتدت به الرياح (الآية، و) الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعةٍ (الآية، ونحو ذلك وهو كثير. وكذا في كلام النبي ﷺ وقعت قصارا وطوالا وحسنت لصدورها عن المصطفى الذي هو أفصح من نطق بالضاد ﷺ. فمن قصارها قولهصلى الله عليه وسلم: الناس كأسنان المشط، وقوله: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، ونحو ذلك. ومن طوالها قوله: مثل البخيل والمنافق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد الحديث؛ وقوله: وإنّ مما ينبت الربيع لمّا يقتل حبطا أو يلم إلا أكلة الخضر أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها الحديث وسيأتي الجميع في موضعه مستوفى مشروحا أن شاء الله تعالى.

الرابع في معنى السائر. اعلم إنّه يقال: مثل سائر، سواء كان شعرا أو غيره، وهو من السير في الأرض استعمل في ذهاب المثل وشيوعه في أسماع الناس. ويقال أيضاً: مثل شارد وشرود، وهو من شرود البعير وهو نفوره، واستعمل في شيوع المثل إذا شاع لا يستطاع رده ولا يمكن إخماده. كما لا يستطاع رد الصعب الشرود من الإبل. ولذلك قال زهير يخاطب بني الصيداء، حيث ذهب الحارث بن ورقاء بإبله وغلامه يسار:

فابلغ إن عرضت بهم رسولابني الصيداء إن نفع الجوار
بأن الشعر ليس له مردإذا ورد المياه به التجار
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «تعلم أن شر الناس حي»

وقال أيضاً:

أولى لهم ثم أولى أن تصيبهممني فواقر لا تبقي لا تبقي ولا تذر
وإن يعلل ركبان الحجيج بهمبكل قافية شنعاء تشتهر

قال أبن رشيق: وزعم قوم أن الشرود ما لم يكن له نظير كالشاذ والنادر. فأما قول أبي تمام، وكان إمام الصنعة ورئيسها:

لا تنكروا ضربي له من دونهمثلا شرودا في الندى والباس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»

حين عيب عليه قوله في أبن المعتصم:

إقدام عمر في سماحة حاتمفي حلم أحنف في ذكاء إياس

فإنه يشهد للقول الأول، لأن المثل بعمرو وحاتم مضروب قديما، وليس بمثل لا نضير له كما زعم الآخر.

النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الأمثال وما يلتحق بها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.