من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
برح الخفاء
يقال: برح الرجل مكانه بالكسر إذا زال عنه. وأكثر استعماله مع النفي ونحوه، كقوله:
وما برحت أقدامنا من مكانناثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا
وقد يحذف لفظا كقول الآخر:
وأبرح ما أدام الله قوميبحمد الله منتطقا مجيدا
والنتطق: ذو السلاح، والمجيد بالضم: صاحب الجواد من الخيل. ومن هذا قولهم لا براح قال:
من صد عن نيرانهافأنا أبن قيس لا براحُ
ويقال للأسد والرجل الشجاع حبيل براح، بمعنى أنَّ كل منهما كأنه شد بالحبال فلا يبرح مكانه ولا يزول. ويقال: برح الخفاء بالكسر ومعناه وضح الأمر. قال بعض اللغويين: معناه ظهر الأمر وصار كأنه في براح وهو المكان المستوي من الأرض. ويقال: البراح من الأرض ما كان ظاهرا مكشوفا؛ ولذا قيل للشمس براح، وهو اسم معدول مكسور قال الراجز:
هذا مقام قدمي رباحغدوة حتى دلكت براح
ورباح اسم ساق كان يسقي لإبله. يريد إنّه أقامعاى السقي حتى دلكت الشمس أي مالت. وقيل: برح الخفاء أي ذهب السر وظهر. والخفاء هنا: السر. وقيل: الخفاء المتطأطئ من الأرض والبراح والمرتفع منها الظاهر. فإذا قيل: برح الخفاء فكأنه قيل أرتفع المتطأطئ حتى صار كالمرتفع الظاهر. وقال بعضهم: الخفاء ما غاب عنك. وقال بعض الأئمة: يقال: برح الشيء يبرحه إذا انتحى وذهب وبرح الخفاء: ذهب؛ وأبرحته أنا: أذهبته. قال أبن دريد: وأوّل من قاله شق الكاهن. وقال حسان ﵁:
ألا أبلغ أبا سفيان عنيمغلغلة فقد برح الخفاءُ
أبرد من حبقر أبرد: من البرودة وهي معروفة وحبقر أصله حب قر والحب: حب الغمام، والقر: البرد. ويقال: أبرد من حب قر وأبرد من عبقر ومن عب قر. والعب من أسماء البرد.
بر الكريم طبعٌ، وبر البخيل دفعٌ البر: الحسان والفضل. ولا شك أنَّ الكريم ينبعث منه البذل طيبة به نفسه، بل يجد في ذلك أعظم اللذات، والبخيل لا يصدر عنه عطاء إلاّ عناء ومقاساة من نفسه حتى لا يكاد تسمع نفسه بالعطاء إلاّ عن رغبة أو رهبة كتوقي الأذى في النفس والمال والعرض. وهذا المنى بين مشروح في أبواب الكرن والبخل، مشهور لا حاجة إلى ذكره وما قيل فيه.
ومن الشديد الصعب في هذا المقام ما ذكره صاحب التشوق رحمه الله تعالى في مناقب الشيخ أبي العباس السبتي ﵁ عن أبي زيد عبد الرحمن بن يوسف الحسني قال: رأيت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله أريد أن أراك في النوم كل ليلة. فقال: هذا لا يمكن فإني مطلوب في المشرق والمغرب. فشكوت له حالتي فقري، فقال لي: البخل أضر بك. قال: فمر بنا أحمد بن دوناس، وهو رجل صالح من الأولياء الأخفياء من أهل أغمات، لا يمسك شيئاً وربما تجرد عن أثوابه فيؤثر
بها ويستتر بالأبواب. فسلم علينا وانصرف. فقلت: يا رسول الله وهذا؟ فقال: البخل اضر به. فقلت: يا رسول الله بين لي ما هذا البخل. فقال لي: لأقولن لك فيه قولا ينقله إليكم علماؤكم، إذا خطر لأحدكم خاطر بالعطاء ثم عقبه خاطر آخر بالمنع فالتردد في الخاطر الأول بخل. قال: فسألته عن أبي العباس السبتي، وكنت سيئ الاعتقاد فيه فتبسم ثم قال لي: هو من السباق. فقلت له: بين لي. فقال لي: هو ممن يمر على الصراط كالبرق. قال: فأصبحت وخرجت فلقيت أبى العباس السبتي فقال: ما سمعت وما رأيت؟ فقلت له: دعني. فقال: والله لا تركتك حتى تعرفني. فذهبت معه إلى حانوت أبن مساعد، فأنشأت أحدثه إلى أن قلت له: التردد في الخاطر الأول بخل. فصاح وغشي عليه، ثم قال: كلمت الصفا من المصطفى، وصار متى يذكر هذا الكلام يغشى عليه. انتهى ملخصا. فليعتبر العاقل بهذه القصة وهذا الكلام ولينظر في أحوال نفسه وأحوال غيره كيف يلقى من نفسه عندما يهم بخير غاية التردد والمنازعة والعناء، حتى إذا أعطى قليلا واكدى أهمته نفسه أنه جواد كريم رؤوف رحيم. وليته عرف مقامه وتقصيره فيتوب أو يستغفر وينكسر، عسى أن يتخلص مما ورد على البخل من الوعيد الشديد والذم الأكيد! والله المستعان.
أبر من هرة البر يطلق على الخير وعلى الاتساع في الإحسان كما مر، وعلى الصلة وعلى الجنة وعلى الطاعة وعلى الصدق وعلى ضد العقوق وهو المراد هنا. يقال منه: بررته بكسر الراء وفتحها براً ومبرة، أبره، فأنا بار، وهو مبرور. والهرة بكسر الهاء معروفة وهي الأنثى؛ والذكر هر. وإنّما وصفت الهرة بالبر لأنها تؤكل أولادها محبة لهن، كما قال الشاعر:
أما ترى الدهر وهذا الورىكهرة تأكل أولادها
وهي أيضاً توصف بالعقوق، وسيأتي.
بالرفاء والبنين الرفاء بكسر الراء والمد على مثال كساء: الاتفاق والالتئام. ويستعمل عند تهنئة المتزوج والدعاء له بأن يرزق اجتماع الشمل ويرزق الأولاد. والرفاء مأخوذ من
قولك: رفأت الثوب ورفوته يهمز ولا يهمز. ومعناه لأمته وضممت بعضه إلى بعض. يقال: من اغتاب خرق، ومن استغفر رفأ؛ وقال أبن هرمة:
بدلت من حدّ الشبيبةوالإبدال ثوب المشيب أردؤها
ملاءة غير جد واسعةأخيطها مرة وأرفؤها
واستعمل الرفاء والمرافات في الموافقة. قال الآخر:
ولمّا أن رأيت أبا رويميراعيني ويكره أن يلاما
وبعض اللغويين يجعل هذا المعنى أصلا للمثل المذكور. وقيل هو دعاء بالسكون والطمأنينة أخذا من قولهم: رفوت الرجل أي سكنته من الرعب. قال أبو خراش:
رفوني وقالوا: يا خويلد لا ترعفقلت وأنكرت الوجوه هم همُ
ويقال: رفأت الرجل ترفيئا: قلت له بالرفاء والبنين وتزوج عقيل بن أبي طالب امرأة فقيل: بالرفاء والبنين. فقال، قال النبي ﷺ: إذا رفأ أحدكم أخاه فليقل: بارك الله لك وبارك عليك!
برق لمن لا يعرفك يقال: برق الرجل وبرق وأبرق إذا أوعد وتهدد. ويقال أيضاً: رعد وبرق وأرعد وأبرق. قال أبن أحمر:
يا جل ما بعدت عليك بلادنافأبرق بأرضك ما بدا لك وأرعد!
وقال الكميت:
أبرق وأرعد يا يزيدفما وعيدك لي بضائر!
وقال المتلمس:
إذا جاوزت من
ذات عرق ثنيةفقل لأبي قابوس ما شئت فارعد!
وأنكر الأصمعي أبرق وأرعد رباعيا. ذكر القالي في نوادره عن أبي حاتم قال: قلت للأصمعي: أتقول في التهدد أبرق وأرعد؟ قال: لا لست أقول ذلك إلاّ أن أرى البرق أو اسمع الرعد. قلت: فقد قال الكميت أبرق وأرعد، البيت فقال، الكميت جرمقاني من أهل الموصل ليس بحجة؛ والحجة الذي يقول: إذا جاوزت من ذات عرق، البيت. فأتيت أبا يزيد فقلت له: كيف تقول من الرعد والبرق فعلت السماء؟ قال: رعدت وبرقت أو أرعدت وأبرقت من الرعد والبرق قلت: فمن التهدد؟ قال: رعدَ وبرقَ، وأرعد وأبرق، فأجار اللغتين جميعا. وأقبل إعرابي محرم فأردت أن أسأله، فقال لي أبو زيد: دعني فأنا أعرف بسؤاله. فقال أبو زيد: يا إعرابي، كيف تقول: رعدت السماء وبرقت أو أرعدت وأبرقت؟ فقال: رعدت وبرقت. فقال أبو زيد فكيف تقول للرجل من هذا؟ فقال: أمن الجخيف تريد؟ يعني التهدد. قال: نعم. فقال: أقول: رعدَ وبرقَ وأرعد وأبرق. ومعنى المثل: برق وتهدد على من لا يعرف موقع وعيدك ومنتهى تهديدك! وأما أنا فقد عرفتك. يضرب عند جواب الجبان إذا جعل يخوف ويتهدد. قد ذكر في هـ المثل الآخر، وهو قولهم: برق ورعد، فلا حاجة إلى إعادته.
أبرما قرونا البرم بفتحتين: من لا يدخل مع القوم في الميسر وهو ذم عند العرب غاية؛ كما أنَّ الدخول فيه مدح. قال متمم:
ولا برم تهدى النساء لعرسهإذا القشع من برد الشتاء تقعقعا
هلا سألت بني ذبيان ما حسبيإذا الدخان تغشى الأشمط البرما؟
يقول إنّه يغشى مستوقد القوم ليصيب مما نحروا، لأنه برم لا تسخو نفسه بالأخذ مع القوم والخول معهم؛ وجمعه أبرام. قال دريد بن الصمة:
إذا عقب القدور عددن مالاأحب حلائل الأبرام عرسي
وعقب القدور: ما يبقى في أسفلها فاضلا ولا تعد مالا إلاّ عند اشتداد الأمر؛ وحينئذ تبقى زوجات الأبرام لا مرقة عندهن فيحببن عرسي لمّا عندها من المرق والخير. وبرم الرجل بالكسر، يبرم. قال النابغة:
لا يبرمون إذا ما الأفق جللهبرد الشتاء من الامحال كالأدمِ
ويقال في ضده: يسر الرجل ييسر أي ضرب بالقداح. قال علقمة:
وقد يسرت إذا ما الجوع كلفهمعقب من قداح النبع مقروم
ورجل يسر والجمع أيسار قال الشاعر:
وراحلة نحرت لشرب صدقوما ناديت أيسار الجزورِ
وقال الحماسي:
هينون لينون أيسارٌ ذوو كرمٍسواسُ مكرمةٍ أبناء أيسارِ
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهممثل النجوم التي يسري بها الساري
وقال عنترة في معناه:
ومشك سابغةٍ هتكت فروجهابالسيف عن حامي الحقيقة معلمِ
ربذٍ يداه بالقداح إذا شتاهناك غايات التاجر ملومِ
واربذ المسرع. يريد إنّه يسرع إلى ضرب القداح إذا شتا؛ والتجار: باعة الخمر. ويريد إنّه مع ذلك يشرب الخمر ويسقيها في ثمنها حتى يعطي غاية ما يطلبه التاجر، وهو معنى هتك غاياتهم.
وقلت عجوز أعرابية لثلاث بنات لها: لتصف لها كل منكن من تحب من الرجال! فقالت الكبرى: أريده أورع بساما أحذ مجذاما سيد ناديه وثمال عافيه ومحسب راجيه فناؤه رحب وقياده صعب. وقالت الوسطى: أريده عاي السناء، مصمم المضاء، عظيم نار، متمم أيسار، يفيد ويبيد ويبدئ ويعيد، في الأهل صبي وفي الجيش كمي، تستعبده الحليلة وتسوده الفضيلة. وقالت الصغرى: أريده بازل عام، كامهند الصمصام، قرانه حبور، ولقاؤه سرور، إن ضم قضقض، وإن دس أغمض وإن أخل أحمض. فقالت أمها: فض فوك! لقد فررت لي شرة الشباب جذعة. والأورع: الكريم وقيل الجميل. والأحذ: الخفيف السريع. والمجذام: القاطع للأمور من الجذم وهو القطع. والنادي: المجلس. والثمال: الغياث. والعافي والمعتفي: من جاء طالبا للمعروف. والفناء: الرحب الواسع. وصعب القياد من الرجال: العزيز الممتنع، وأصله في الدابة. والسناء بالمد: الشرف؛ والمصمم: الماضي في الأمور لا يثنيه شيء. والأيسار جمع يسر كما مر. والكمي: الشجاع. وحليلة الرجل: زوجه. والفصيلة: رهط الرجال المقربون. وبازل عام: التام الشباب، وأصله في الإبل، وستذكر بعد أسنانها إن شاء الله تعالى. وقضقض: كما يقضقض الأسد
فريسته وهو أن يحطمها فيسمع لعظامها صوت؛ ودس الشيء: دفعه؛ والاخلال والأحماض: مثل، وسيأتي تفسير ذلك بعد أن شاء الله تعالى؛ والقرون فعول من قرن للمبالغة: يقال: قرن بين أحدين إذا جمع بينهما، فهو قارن وقرون وقرآن.
وأصل المثل أنَّ رجلا كان برما فدخل على امرأته فوجدها تأكل لحما فجعل يأكل بضعتين. فقالت له: أبرما قرونا، فذهبت مثلا. والمعنى أن تكون برما قرونا، فتجمع بين مذمتي البخل والنهم. ولم يذكر في الصحاح أصل هذا المثل وقال: معناه هو برم ويأكل مع ذلك تمرتين انتهى. فجعل القرآن. وهو يحتمل أن يكون أصله أو من مضاربه وهو صحيح. ومثله في القاموس إلاّ إنّه فسر البرم في المثل بالثقل. ولا شك أنَّ البرم يطلق على السأم والضجر. يقال: برم به إذا ضجر وأبرمه: أضجره. قال الشاعر في ثقيل:
مشتمل بالبغض لا تنثنيإليه طوعا لحظة الرامقِ
يظل في مجلسنا مبرماأثقل من واشٍ على عاشقِ
ويقال: كتب الأعمش نقشا في خاتمه: يا مقيت، أبرمت فقم! فإذا استقبل جليسا ناوله إياه.
أبصر من عقاب البصر: حس العين. يقال: بصر بالشيء، بالضم والكسر بصارة وبصرا، صار مبصرا له؛ وتبصره: نظر هل يبصره؛ وهو أبصر منه، أي أقوى إدراكا. والعقاب: الطائر المعروف، جمعه أعقب، لأنه مؤنث. قال امرؤ القيس:
كأنَّ دثاراً حلقت بلبونهعقاب تنوفى لا عقاب القواعلِ
والعقاب توصف بحدة البصر.
أبصر من غراب البصر معروف. والغراب جمعه غربان وأغربة وغرابين وغرب، ويوصف أيضاً بحدة البصر. وزعموا أنه يرى من تحت الأرض مقدار منقاره. وذكر بعض اللغويين أنَّ العرب تسمي الغراب أعور، ويزعمون أنه يغمض أبدا إحدى عينيه، ويقتصر على النظر بواحدة
من قوة بصره. وقيل سموه أعور من حدة بصره على طريق التفائل، كما قال بشار بن برد:
وقد ظلموه حين سموه سيداًكما ظلم الناس الغراب بأعورا
وقال أبن اللبانة:
لمّا تناهيت علما ظل ينقصنيعند الكمال خضيب النير السررِ
وفي الغراب إذا فكرت مغربةمن فرط إبصاره يعزى إلى العورِ
أبصر من فرس الفرس معروف للذكر والأنثى. ويوصف أيضاً بحدة البصر، وهو صحيح مجرب، بحيث إنَّ الفارس قد يرخي عنانه في الطريق غير الواضح، والظلام معتكر، فيسير به ويتخطى المهاوي والجراثيم التي لا شعور للراكب بها ولا إحساس.
أبصر من المائح باست الماتح المائح: الذي ينول البئر ليملأ الدلو بيده إذا قلَّ الماء فيها، وقد ماح يميح. قال الراجز:
يا أيها المائح داوي دونكاإني رأيت الناس يحمدونكا
وقال الآخر:
فآنس سرب قطا قاربٍجبى منهل لم تمحه الدلا
والماتح: المستقي النازع للدلو على جبى البئر. قال علقمة:
كأنَّ ذراعيها على الخل بعد ماونين ذراعا ماتحٍ متجردِ
وقال ذو الرمة:
كأمه دلو بئر جد ما تحهاحتى إذا ما رآها خانها الكربُ
ومن المعلوم أنَّ المائح الذي تحته يبصر عورته ويكون بصيرا باسته إن لم يتسرول؛ فلذلك قالوا ما تقدم. وقال بعض الأدباء:
يا مائح العين عدمت الرقىمن حرص هذي العين لم يستقي
من شيمة الماء انحدارٌ فلمما جفوني أباً يرتقي؟
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع