من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
وقولهم: هو بين سمع الأرض وبصرها (٢)
وقال الاحوص وقد ضرب بنو عم له مولاه:
لئن كنت لا ارمي وترمي كنانتيتصب جانحات النبل كحشي ومنكبي
وهو مثل اصله إنَّ رجلا رمى آخر متقلد كنانة فقال له المرمي: ما هذا؟ فقال له: لم أرمك إنّما رميت كنانتك. فيضرب مثلا لمن نيل وليه بسوء.
وقال أبو النشناش:
إذا المرء لم يسرح سواما ولم يرحسواما ولم تعطف عليه أقاربه
فللموت خير للفتى من قعودهعديما ومن مولى تدب عقاربه
وقال:
فلم أر مثل الهم ضاجعه الفتىولا كسواد الليل أخفقت صاحبه
فعش معدوما أو مت كريما فإننيأرى الموت لا ينجو من الموت هاربه
وقال قيس بن المغيرة:
جفاني الأمير والمغيرة بعدهوأمسى يزيد لي قد ازور جانبيه
كلهم قد نال شبعا لبطنهوشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
وتقدم هذا الشعر وقصته قبل.
وقال بعض بني أسد:
وما أنا بالنكس الدني ولا الذيإذا صدعني ذو المودة احرب
ولكنني إن دام دمت وإن يكنله مذنب عني فلي عنه مذنب
إلاّ إنَّ خير الود ود تطوعتبه النفس لا ود آتى وهو متعب
ومعنى احرب اغضب ومعنى إن دمت دام أي إن دمت فقد دام إذ لو لم يدم ما دمت بديل ما بعده وإن شئت جعلته في القلب. وتقدم هذا المعنى مستوفى.
وقال خالد بن نضلة الأسدي:
لعمري لرهط المرء خير بقيةعليه وإنَّ عالوا به كل مركب
من الأبعد النائي وإن كان ذاغنيجزيل ولم يخبرك مثل مجرب
إذا كنت في قوم عدى لست منهمفكل ما علفت من خبيث وطيب
وإن حدثتك النفس انك قادرعلى ما حوت أيدي الرجال فكذب
وتقدم في الاغتراب ولزوم الأوطان من الشعر ما لا بد منه.
وقال عبد الله بن الدمينة:
وإني لأستحيك حتى كأنماعلي بظهر الغيب منك رقيب
وقال قيس بن ذريح:
وكل مصيبات الزمان وجدتهاسمى فرقة الأحبة هينة الخطب
وقال اياس بن الارت:
إذا ما تراخت ساعة فاجعلنهابخير فإن الدهر أعصل ذو شغب
فإنَ يك خير أو يكن بعض راحةفانك لاق من غموم ومن كرب
الأعصل: المعوج الملتوي، وأصل العصل اعوجاج في أنياب البعير إذا أسن؛ والشغب: الشر: وقال أيضاً:
وما دهري بحب تراب أرضٍولكن من يحل بها حبيب
وهو مثل قول قيس:
وما حب الديار شغفن قلبيولكن حب من سن الديارا
وقال أبن مفرغ:
يقولون: هل بعد الثلاثين ملعب؟ فقلت: وهل قبل الثلاثين ملعب؟
لقد جل قدر الشيب إنَّ كان كلمابدت شيبة يعرى من اللهو مركب
وسيأتي فصل في مدح الشيب ومذمة بعد إن شاء الله تعالى.
وقال أبن ميادة:
فو الله ما ادري أيبلغني الهوىإذا جد البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب وإنَّ يغلب الهوىفمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
وقال فرعان بن الأعرف في أبن له عاق ويسمى منازلا:
جزت رحم بيني وبين منازلٍجزاءاً كما يستنزل الدين طالبه
لربيته حتى إذا أض شيظمايكاد يساوي غارب النخل غاربه
وربيته حتى إذا ما تركتهأخا القوم واستغنى عن المسح شاربه
فلما رآني أحسب الشخص أشخصاًقريب وذا الشخص البعيد أقاربه
تغمد حقي ظالما ولوى يديولوى يده الله الذي هو غالبه
وكان له عندي إذا جاع أو بكىمن الزاد أحلى زادنا وأطايبه
وجمعتها دهما جلادا كأنهاأشاء نخيل لم تقطع جوانبه
فأخرجني منها سليبا كأننيحسام يمان فارقته مضاربه
أيظلمني مالي ويحنث ألوتي؟فسوف يلاقي ربه فيحاسبه
الدهم: الإبل الوتر تضرب إلى السواد. والأشاء: صغار النخل، شبه بها الإبل في
عظمها؛ والالوة: اليمين.
فقال منازل ابنه يجيبه:
وكنت كمن ولى بأمر كتيبةفعي بها فارفض عنه كتائبه
وماذا من جرى عقوق تعدهولا خلق مني بدا أنت عائبه
ويقول: انك أضررتني ففارقتك كمن تولى أمر جيش فأساء فيهم السيرة فتفرقوا عنه، وما ذاك مني من جرى عقوق، أي من أجله. ومن عجيب الاتفاق ما ذكر الشنتمري في شرحه على هذا المحل من الحماسة أنَّ منازلا هذا ولد له أبن يقال له خليع فعقه كما كان هو فعل بأبيه، فأستعدي إليه الوالي. فلما حضر ليضربه قال قائل للوالي: أتعرف أصلحك الله من هذا؟ قال: لا. قال: هذا منازل الذي يقول فيه أبوه، وانشد الأبيات السوابق.
فقال الوالي: يا هذا:
فلا تجز عن من سيرة أنت سرتهافأول راضٍ من يسيرها
ثم أمر بإطلاق ابنه خليع.
وفي نواد العامة أنَّ رجلا كان له أبن، ولمّا أسن وعجز عن العمل أخذه ابنه ذاك وذهب به إلى الفلاة من الأرض، فطرحه تحت شجرة وتركه هناك حتى هلك. فلما كبر هذا الابن وبلغ مبلغ أبيه كان له أبن له وهو لا يعلم بالقصة، فأخذ أيضاً وذهب به إلى الفلاة وطرحه تحت شجرة كما فعل هو بابيه. فلما تولى عنه التفت إليه فرآه يبتسم. فتعجب من ذلك ورجع إليه وقال له: مم تضحك، وقد أيقنت بالهلاك؟ فقال له أبوه: والله ما ضحكت إلاّ إنني تذكرت ما فعلت بأبي، وقص عليه القصة. فقال الولد حينئذ: لئن أنا تركته حتى مات ليفعلن بي عقبي مثل هذا. فأذه ورده إلى بيته. ومثل هذا ما قيل في آخر الرؤوس المحمولة إلى الولاة التي أولاها رأس الحسين، جمع الله شمله في الفردوس الأعلى، وجمع أعداءه في مصب الحميم المغلى! والقصة مشهورة وستأتي. وقال الآخر:
إنَّ يعلموا الخير وإنَّ علمواشراً أذيع وإنَّ لم يعلموا كذبوا
وقال أبو مسلم الخراساني:
محا سيف اسطار البلاغة وانتحىعليك ليوث الغاب من كل جانب
وكان أبو مسلم لمّا آثار على بني أمية كتب إليه مروان، وكاتبه إذ ذاك عبد الحميد، فلم يو شيئاً أطنب فيه عبد الحميد مثل ذلك الكتاب، حتى قيل إنَّ الكتاب من عظم جرمه حمل على بعير. فلم يلتفت أبو مسلم إلى ذلك وأجابهم بالبيت المذكور.
وقال بعض الأعراب:
إذا كان الطباع طبع سوءٍ فليس بنافع فيها الأديب
حكى الأصمعي قال: دخلت البادية فأتيت على عجوز، فإذا بين يديها جرو ذئب مقطع وشاه مقتولة. فقالت: أتدري ما هذا؟ قلت: لا قالت: جرو ذئب أخذناه وأدخلناه في بيتنا. فلما كبر قتل شاتنا، وقلت في ذلك شعراً. قلت: ما هو؟ فأنشدت:
بقرت شويهتي وفجعت قوميوأنت لشاتنا أبدا ربيب
غذيت بدرها وربيت فينافمن أنباك إنَّ أباك ذيب؟
إذا كان الطباع البيت
وقال الآخر:
لا تمدحن امرءاً حتى تجربهولا تذمنه من غير تجريب
فرب خدن وإنَّ أبدى بشاشتهيضحي على خدنه أعدى من الذيب
وقال الآخر:
وإنَّ مدحك من لم تلبه صلفوإنَّ مدحك بعد الذم تكذيب
وقال الآخر:
كل يوم قطيعة وعتابينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري فهل خصصت بهذاأنا وحدي أم هكذا الأحباب؟
وما احسن قول بشار:
إذا كنت في كل الأمور معاتباًصديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنهمقارف ذنب مرةٍ ومجانبه
إذا أنت ليس تشرب مراراً على القذاظمئت وأي الناس تصفوا مشاربه؟
وقول الآخر:
البس الناس ما استطعت علىالنقض وإلاّ لم تستقم لك خله
عش وحيداً إنَّ كنت لا تقبل العذروإنَّ كنت لا تجاوز زله
وتقدم هذا المعنى، ويأتي كلام مما يتعلق بالعتاب بعد إن شاء الله تعالى.
وقال الأعشى: وهن شر غالب لمن غلب، يعني النساء. وزعموا إنّه ذهب يمتار لأهله في شهر رجب فهربت امرأته معاذة ناشزاً، ولاذت برجل عزيز قومه. فلما رجع الأعشى طلبها فتمنعت منه وأبى الذي لاذت به أنَّ يدفعها إليه وكان أعز منه. فأتى الأعشى النبي ﷺ فأشتكى إليه وانشأ يقول:
يا سيد الناس وديان العربأشكو إليك ذربة من الذرب
كذائبة الغبشاء في ظل السربخرجت ابغيها الطعام في رجب
فخلفتني بنزاع وهربوقذفتني بين عيصٍ مؤتشب
أخلفت الواعد ولطت بالذنبوهن شر غالب لمن غلب
فقال النبي ﷺ عند ذلك: هن شر غالب لمن غلب فكتب له إنَّ ترد إليه. الذربة: السليطة اللسان؛ والعيص: أصل الشجرة؛ والمؤتشب: المتلف. وقوله: لطت بالذب به على فرجها فسدت به على نفسها وامتنعت من الفحل. وقال الآخر:
احب بلاد الله ما بين منعجإلي وسلمى إنَّ يصوب سحابها
بلاد بها حل الشباب تمائميوأوّل أرض مس جلدي ترابها
ذكر بعض الأدباء عن بعض أهل نصيبين قال: أتاني أبن الرومي بقصيدة التي يمدح بها سليمان بن عبد الله بن طاهر وقال: انصفني! أيّها احسن: قولي في الموطن:
ولي وطن أليت ألاّ أبيعهوألا أرى غيري له الدهر مالكا
عمرت به شرخ الشباب ونعمةكنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
وحبب أوطان الرجال إليهمومأرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمعهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
أم قول الأعرابي: احب بلاد الله الأبيات؟ قال. فقلت: بل قولك، لأنّه ذكر الوطن ومحبته، وأنت ذكرت العلة في ذلك.
ومثل هذا قول أبن الرومي أيضاً:
بلد صحبت به الشبيبة والصباولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيتهوعليه أغصان الشباب تميد
ومثله قول آخر:
ذكرت بلادي فاستهلت مدامعييشوق إلى عهد الصبا المتقادم
حننت إلى أرض بها اخضر جانبيوقطعتم عني فيها عقد التمائم
وقال أبن غالب الرصافي:
بلادي التي رشيت قويدمتي بهافريخا وآتوني قرارتها وكرا
مبادئ لين العيش في ريق الصباأبى الله إنَّ أنسى اغتراري بها غرا
لبسنا بها ثوب الشباب لباسهاولكن عرينا من حلاه ولم نعرا
وقال العسكري:
إذا أنا لا أشتاق أرض عشيرتيفليس مكاني في النهى بمكين
من العاقل أن اشتاق أول منزلغنيت بخفض في ذراه ولين
وروض رعاه بالأصائل ناظريوغصن ثناه بالغداه يميني
وإني لا أنسى العهود إذا أتتبنات النوى دون الخليط ودوني
إذا أنا لم أرع العهود على النوىفلست بمأمون ولا بأمين
وقال رجاء بن هارون:
احن إلى وادي الأراك صبابةبعهد الصبا فيه وتذكار أول
كأن نسيم الريح في جنباتهنسيم حبيبٍ أو لقاء مؤملِ
ومثل قول الأعرابي قول أبن ميادة:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةبحرة ليلى حيث ربينني أهلي
بلاد بها نيطت عليَّ تمائميوقطعن عني حيث أدركني عقلي
ومن الحنين إلى الوطن على الجملة قول الطائي:
سقى الله أطلالاً بأخيلة الحمىوإن كنَّ قد أبدين للناس ما بيا
منازل لو مرت بهن جنازتيلقال صداي: حامليَّ انزل بيا
وق الآخر:
طيب الهواء ببغدادٍ يؤرقنيشوقاً إليها وإن عاقت مقاديرُ
فكيف أصبر عنها الآن إذ جمعتطيب الهوائين: ممدود ومقصورُ
وقولي:
سقى الله أطلالاً بأكثبة الحمىمن العارض الهتان صوب عهاد
بلاد بها حلت سليمى ودارهافحل فؤادي عنها وودادي
وأني بها أسقيتها أو بكيتهاهياما فما أسقيت غير فؤادي
وما أعلم أحدا سبقني إلى هذا المعنى مع تداول هذا الغرض بين الشعراء كثيرا. وسيأتي في أمثال الحنين إلى الوطن زيادة على ما ذكرنا. إن شاء الله تعالى.
وقال راشد بن عبد ربه ﵁: لقد هان من بالت عليه الثعالب. وكان اسمه في الجاهلية غاوي بن عبد العزى، وكان سادن صبم لقومه بني سليم فبينما هو عنده ذات يوم إذ أقبل ثعلبان يشتدان حتى طلعا عليه فبالا عليه، فقال:
أنَّ ربٌّ يبول الثعلبان برأسه؟لقد هان من بالت عليه الثعالبُ؟
ثم كسره وقال: يا معشر سليم، والله ما يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع! ولحق بالنبي ﷺ فقال: ما اسمك؟ قال: غاوي بن عبد العزى. قال: بل أنت راشد بن عبد ربه، والثعلبان في البيت، بضم الثاء واللام، وهو ذكر الثعالب. هذا قول جماعة من اللغويين منهم الجوهري. وقال آخرون ومنهم صاحب
القاموس: ذاك غلط، وإنّما هو بفتحهما على أنه تثنية ثعلب. وتمسكوا بالقصة السابقة وأنه أقبل ثعلبان وبالا معا على الصنم. وقال بعضهم: كان لرجل صنم وكان يأتي بالخبز والزبد فيضعه على رأسه ويقول أطعم! فجاء ثعلبان فأكلا الخبز والزبد. وقال آخرون: هذا خطأ في التفسير والرواية، وإنّما الحديث: فجاء ثعلبان وهو الذكر من الثعالب لا مثنى فأكل الخبز والزبد ثم فعل. فقام الرجل إلى الصنم فكسره وقال في ذلك شعره. قلت: والحق أنَّ القصة بعد صحتها على ما قال أهل التثنية من أنها ثعلبان لا تفيد أنَّ الواقع في البيت مثنى على التعيين إذ لا يلزم من وقوع البول من الثعلبين أن يذكرهما الشاعر، وإنّما المعول الرواية: فإنَ وردت بالإفراد كان حسنا وكان المقصود الجنس والنداء على هوان الصنم ببول الثعلب عليه لا شرح القصة. وإذا رد الأمر إلى النفس وجد فيها للفرد حلاوة، وعن التثنية كزازة والله أعلم.
وقال الآخر:
فقعدت كالمهريق فضلة مائهفي ظل هاجرةٍ للمع سرابِ
ومثله قول الآخر:
وكنت كمهريق الذي في سقائهلرقراق آلٍ فوق رابيةٍ صلدِ
وهذان البيتان يضمنا معنى المثل السابق في صاحب النعامة.
وقال أبو الغريب:
إنَّ اللئيم الأرس غير نازعٍعن وذء جارة الغريب والجنب
الأرس هو الأصل أي اللئيم الأصل والوذء: الشتم. والجنب: الأجنبي الغريب، وقال أعرابي:
كلاب الناس أن فكرت فيهمأضر عليك من كلب الكلابِ
لأن الكلب لا يؤذي صديقاوإنَّ صديق هذا في عذابِ
ويأتي حين يأتي في ثيابٍوقد جزمت على رجلٍ مصابِ
فأخزى الله أثوابا عليهوأخزى الله ما تحت الثيابِ
ومثل هذا يحكى عن بعضهم قال: وجدت إبراهيم بن أدهم ﵁ أو غيره من
نظرائه مضطجعا وعند رأسه كلب نائم. فأردت أن أقيم الكلب فقال: دعه فانه خيرٌ من جليس السوء.
وقال الشيخ القطب العارف أبو محمد عبد القادر الجيلاني فيما ينسب إليه وكان ينشده على الكرسي:
أنا بلبل الأفراح أملأ دوحهاطرباً وفي العلياء بازٌ أشهبُ
وقال الآخر:
أتطلب صاحبا لا عيب فيهوأي الناس ليس له عيوبُ؟
وتقدم نحو هذا قبل.
وقال الآخر:
إذا رمتم قتلي وأنتم أحبتيإذاً فالأعادي واحدٌ والحبائبُ
وقال الآخر:
إذا الخل لم يهجرك إلاّ ملامهًفليس له إلاّ الفراق عتابُ
وقال الآخر:
إذا أنت جازيت المسيء بفعلهففعلك من فعل المسيء قريبُ
وقال الآخر:
إذا الغضب لم يثمر وإن كان أصلهمن المثمرات اعتاده الناس للحطبِ
وقال الآخر:
إذا المرء لم يحببك إلاّ تكلفاًفذلك من أفعاله ما يغالبُ
ومثله قول الحماسي السابق:
إذا ما المرء لم يحببك إلاّمغالب نفسه سئم الغلابا
وقال الآخر:
إذا جفاني بنو الدنيا وضقت بهمطالعت كتبي ونادمت الألى ذهبوا
ومثله قول الآخر:
لنا جلساءٌ لا يمل حديثهمألبَّاءُ مأمونون غيباً ومشهدا
وقال علي بن الجهم:
أعاتب ذا المروءة من صديقإذا ما رابني نته اجتنابُ
إذا ذهب العتاب فليس ودٌويبقى الود ما بقي العتابُ
ومثله من هذا الباب قول الآخر:
أعاتب من أحببت في كل زلةٍليحتمي الأمر الذي معه العتبُ
فإني أرى التأديب عند وجوبهبمنزلة الغيث الذي قبله الجدبُ
وسيأتي في الحكم تمام هذا المعنى إن شاء الله تعالى.
وقال الآخر:
إذا شئت أن تلقي فزر متواتراوإن شئت أن تزداد حباً فزد غبا
وسيأتي تمامه وقال الآخر:
إذا عبت أمراً فلا تأتهفذو اللب مجتنب ما يعيبُ
وقال الآخر:
إذا قلت للعذال: لست بعاشقٍيقول لهم فيض المدامع: يكذبُ
وقال الآخر:
تعالوا نصطلح وتكون منامصافاةٌ بلا عد الذنوبِ
وقال الآخر:
تقاربت الجسوم وأي نفعٍيكون إذا تباعدت القلوبُ؟
وقال الآخر:
تكلفت لي هذا الوداد فلم يدموكل ودادٍ بالتكلف يصعبُ
وتقدم نحوه.
وقال الآخر:
تيهٌ بلا نسبٍ كبرٌ حسبفخرٌ بلا أدب هذا من العجبِ
وقال الآخر:
جهل الشريف يشين منصبهوأبن الوضيع يزينه أدبه
وسيأتي تمام هذا المعنى.
وقال الآخر:
حبيبٌ غاب عن نظري وسمعيولكن عن فؤادي ما يغيبُ
وقال الآخر:
طبع الفتى يسرق من طبع منيصحبه فانظر لمن تصحبُ
ومثله قول المراكشي في أرجوزته في الطريق:
أختر لصحبتك من أطاعاأنَّ الطباع تسرق الطباعا
وقال الآخر:
قد قنعنا منكم برد جوابدون إسعافنا بما في الكتابِ
وقال الآخر:
قد يلام البريء من غير ذنبٍويغطى على المريب ذنوبُ
وقال الآخر:
كأنك لم تتعب وإن كنت متعباًإذا أنت لاقيت الذي فيه تتعبُ
وقال الآخر:
كعصفورة في كف طفلٍ يسومهاحياض المنايا وهو يلهو ويلعبُ
وقال الآخر:
كل امرئ لا بد يقضي نحبهإن كره الموت وإن أحبهُ
وقال الآخر:
كن للغريب إذا رأيت مساعداًفعساك يوماً أن تصير غريبُ
وقال الآخر:
لئن غاب عن إنسان عيني شخصهفما هو عن فكري وقلبي بغائبِ
وقال الآخر:
لحى الله دنيا ألجأتنا لمعسرٍفراقهم أشهى الأمور إلى قلبي
وقال الآخر:
لحوم أهل العلم مسمومةٌومن يعاديها سريع العطبِ
وقال الآخر:
ليس الرزية في أيامن عجباًبل السلامة فيها أعجب العجبُ
ومثله قول أبي بكر بن دريد:
لا تعجبن من هالكٍ كيف هوىبل فاعجبن من سالمٍ كيف نجا
وقال الآخر:
ليس التقي بمتقٍ في دينهحتى يطلب طعامه وشرابهُ
وقال الآخر:
ليست الأحلام في حال الرضىإنّما الأحلام في حال الغضب
وقال الآخر:
ليس يصفو إلاّ بقربك عيشيكيف لي أن تكون مني قريبا؟
وقال الآخر:
ما أصعب الشيء ترجوه فتحرمهلا سيما بعد طول الجهد والتعبُ!
وقال الآخر:
ما صاحبي من ودني حاضراًبل صاحبي من ودني غائبا
ومثله قول الحماسي من هذا الباب:
وليس أخي من ودني رأي عينهولكن أخي من ودني وهو غائب
وقال الآخر:
ما يفتح الله باب الرزق من أحدٍإلاّ ويفتح غير الباب أبوابُ
وقال الآخر:
متى تكن مع صديقٍ أو عدوتخبرك الوجوه عن القلوبِ
وقال الآخر:
من الناس من يغشى الأباعد نفعهويحرم منه صحبه وأقاربه
وقال الآخر:
من ذم من كان كل الناس يحمدهفإنما يربح التكذيب والكذبا
وقال الآخر:
من عوَّد الناس إحساناً ومكرمةًلا يعتبنَّ على من لج في الطلبِ
وقال الآخر:
نحن ندعو الإله في كل كربٍثم ننساه عند كشف الحروبُ
وقال الآخر:
نفسك لا تعطيك كل الرضىفكيف ترجو ذاك من صاحبِ؟
وقال الآخر:
نوئاب هذا الدهر شتى وإننيأرى فرقة الأحباب أدهى النوائب
وهو من قول قيس السابق. وقال الآخر:
وأحزم الناس من لم يرتكب سبباحتى يدبرها يجني عواقبه
وقال الآخر:
وإذا الزمان كساك حلة معدمٍفالبس له حلل النوى وتغرب
وتقدم مع ما يشاكله. وقال الآخر:
وإذا تصبك خصاصة فارج الغنىوإلى الذي يهب الرغائب فارغب
وقال الآخر:
واطلب قربي من حماكم وانتمإلى ناظري والقلب في غاية القرب
وقال الآخر:
وإنَّ كنت مسترعي ونحن رعيةفكل سيلقى ربه فيحاسبه
وقال الآخر:
وانك إنَّ أهديت لي عيب صاحبامهدٍ إلى غيري جميع عيوبي
وقال الآخر:
وإني بكم في كل حالٍ لواثقولكن سوء الظن من شدة الحب
وقال الآخر:
وبالناس عاش الناس قدما ولم يزلمن الناس مرغوب إليه وراغب
وقال الآخر:
وتشتت الأعداء في آرائهمسبب لجمع خواطر الأحباب
وقال الآخر:
وخير عمر الفتى عمر يعيش بهمقسم الحال بين الجد واللعب
وقال الآخر:
وعد العتاب إذا استربت بصاحبليست تنال مودة بعتاب
وقال الآخر:
ورث النجابة كابراً عن كابرٍكالرمح أنبوبا على أنبوب
وقال الآخر:
وسائل: ما الملك؟ قيل: الغنىفقلت: لا بل راحة القلب
وقال الآخر:
وعهد المشيب كأني بهيمر كما مر عصر الصبا
وقال الآخر:
وقد كنت لا أخشى مع الذنب جفوةوقد صرت أخشاها ومالي من ذنب
وقال الآخر:
وقد نثر التوديع من كل مقلةٍعلى كل خد لؤلؤا لم يثقب
وقال الآخر:
وقطعت في الدنيا العلائق ليس ليولد يموت ولا جدار يخرب
وقال الآخر:
وكنا نستطب إذا مرضنافجاء الداء من قبل الطبيب
وتقدم ما يشكل هذا في حرف الهمزة، فيمن يغص بالماء. وقال الآخر:
وكنت أرى أنَّ التجاريب عدةفخانت ثقات الناس حتى التجارب
وقال الآخر:
ولا خير في قربٍ لغيرك نفعهولا في صديق لا تزال تعاتبه
وقال الآخر:
ولا خير فيمن لا يوطن نفسهُعلى نائبات الدهر حين تنوبُ
وقال الآخر:
ولربما بخل الكريم وما بهبخل ولكن سوء جظ الطالبُ
وقال الآخر:
ولو أنَّ ما بي بالحصا فلق الحصاوبالريح لم يسمع لهن هبوبُ
وقال الآخر:
ولو أنني أستغفر الله كلماذكرتك لم تكتب علي ذنوبُ
وقال الآخر:
وليس بتقدير الكواكب ما ترىولكنه تقدير رب الكواكب
وقال الآخر:
وليس بحاكم من لا يباليأأخطأ في الحكومة أم أصابا
وقال الآخر:
وليس عتاب الناس للمرء نافعاًإذا لم يكن للمرء لبٌ يعاتبه
وقال الآخر:
وليلٍ أردنا أن يدب عذارهفما اختط حتى صار بالصبح شائبا
وقال الآخر:
وما المرء إلاّ حيث يجعل نفسهفكن طالباً للنفس أعلى المراتبِ
وقال الآخر:
وما شرف الإنسان إلاّ بنفسهوإن عد أباءً كراماً ذوي حسب
وقال الآخر:
وما كان لي ذنب فأخشى جزاءهز عفوك مرجو وإن كان لي ذنبُ
وقال الآخر:
وما لقلوب العاشقين مزيةإذا نظرت أفكارها في العواقبِ
وقال الكميت:
ومالي إلاّ أحمد شيعةٌومالي إلاّ مذهب الحق مذهبُ
وقال الآخر:
ومالي ذنب أستحق به الجفاوإن كان أي ذنب فإني تائبُ
وقال الآخر:
وما هي إلاّ غاطةٌ قد غلطتهاوقد يغلط الإنسان ثم يتوبُ
وقال الآخر:
ومن عادة الأيام أنَّ صروفهاإذا ساء منها جانبٌ سر جانبُ
وقال الآخر:
ومن مذهبي حب الديار وأهلهاوللناس فيما يعيشون مذاهبُ
وقال الآخر:
ومن ربط الكلب العقور ببابهفعقر جميع الناس من رابط الكاب
وقال الآخر:
ويوهمني أنه ناصحٌوفي نصحه حمة العقربِ
وقال الآخر:
هنيئا لكم ماء الفرات وطيبهإذا لم يكن لي في الفرات نصيبُ
وقال الآخر:
لا تجزعن من المداد ولطخهإنَّ المداد خلوف ثوب الكاتبِ
وقال الآخر:
لا تكونن للأمور هيوبافإلى خيبةٍ يصير الهيوبُ!
وقال الآخر:
لا تنكحن لئيمة لمحاسنٍفاللؤم يبقى والمحاسن تذهبُ
ومصداقه قوله ﷺ: إياكم وخضراء الدمن، وسيأتي.
وقال الآخر:
لا تيأسن وإن عز الوصال فقدتجفو أناسٌ وهم في الغيب أحبابُ
وقال الآخر:
لا يقبل الصدق من الكذبولو أتى بمنطق عجابُ
وقال الآخر:
يا بصيراً إلاّ بإبصار كتبيوجواداً إلاّ بردِّ جوابِ
وقال الآخر:
يخيب الفتى من حيث يرزق غيرهويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه
وقال الآخر:
يذمون دنياهم وهم يطلبونهاولم ير كالدنيا تذمُ وتطلبُ
وهو مثل قول الآخر:
قد أجمع الناس على ذمهاوما أرى منهم لها تاركا
وهذا من توهيمات الخيال وأغاليط الشعراء وإلاّ فليس لهذا التعجب موقع ولا للألغاز محل، إذ العقول السليمة كلها ذامة للدنيا وليست بطالبة لها ومتى وقع منها طلب فمكلوبها غير مذموم كما أنَّ مذمومها غير المطلوب. فإنَ الدنيا من حيث إنّها مزرعة للآخرة وقنطرة يعبر منها إليها وزاد يبلغ إليها لا بد منها وهي محمودة غير مذمومة ومن حيث إنّها فتنة وعائقة عن الفوز ومبعدة عن النجاح وموجبة للعقاب أو العتاب، مذمومة عند كل بصير غير مطلوبة بل مهروب منها غاية الهرب ومنفور منها غاية النفور ولا يطلبها على هذا الوجه إلاّ أعمى البصيرة وهذا الله تعالى بذمها. وقد يذمها بلسانه وهو يحبها سراً، وهو غير ذام لها بالحقيقة. وعلى مثل هذا الذي خالف قوله فعله يحسن من جهة الظاهر إنشاد الشعر السابق، ولا يصح الاتفاق ولكن الأكثر والأغلب هذا نسأل الله السلامة من فتنة المحيا والممات.
وقال الآخر:
يرحم الله صديقاجاء يهدي لي عيوبي
وقال الآخر:
دع المزاح فقد يزري بصاحبهوربما آل في العقبى إلى الغضب
وقال الآخر:
رأيت تباعد الإخوان قرباإذا اشتملت على الود القلوبُ
وقال الآخر:
رأيت الود ليس يكاد يبقيإذا كثر التعصب والعتابُ
وقال الآخر:
رب لحظ يكون أبلغ من لفظٍوأبى لمضمرات القلوب
وقال الآخر:
سأرعاك في البعد المفرق بينناكما كنت أرعى والمزار قريبُ
وقال الآخر:
سأصفيك الهوى من كل وحهٍوأمنحك الرضى من لك بابِ
وقال الآخر:
ستعلم هل ربحنا أم خسرناإذا فكرت في أمر الحسابِ
وقال الآخر:
سقى الله أيام التواصل بينناورد إلى الأوطان كل غريبِ
وقال الآخر:
سل الخير أهل الخير قدماً ولا تسلفتى ذاق طعم العيش منذ قريبِ
وقال الآخر:
سمعت عتاباً يستطاب فليتنيأطلت ذنزبي كي يطول عتابُ
وقال الآخر:
سيغني الله عن بقرات زيدٍويأتي الله باللبن الحليبِ
وقال الآخر:
شهدنا وجربنا أموراً كثيرةفلا تهملوا نصح الصديق المجرب
وقال أحد القدماء:
صاح أبصرت أو سمعت بارعٍرد في ضرع ما قرأ في الحلاب؟
وقال الآخر:
صروف الليالي أحوجتنا إليهمكما أحتاج صياد إلى صحبة الكلب
وقال أبو العلاء المعري:
وسمهرية ليس يشرف قدرهاحتى يسافر لدنها عن غابه
والغضب لا يشفي أمرءاً من ثأرهإلاّ يفقد نجاده وقرابه
والله يرعى سرح كل فضيلةحتى يروحه إلى أربابه
وقال أيضاً:
وهجيرة كالهجر عودي منبرللظهر إلاّ إنّه لم يخطب
فكأنه رام الكلام فيسمهعي فأسعده لسان الجندب
وقال الآخر:
وما رحم الأهلين إنَّ سالموا العدىبمجدية إلا مضاعفة الكرب
ولكن أخو المرء الذي إذا دعاأجابوا بما يرضيه في السلم والحرب
وقال الآخر:
ما المرء أخوك أم لم تلفه وزراعند الكريهة معوانا على النوب
وأعلم أنَّ لفظ الأخ فيه لغات كثيرة: يقال أخ، وهي اللغة المشهورة، وأخو بسكون الخاء على مثال فرو، وهو الواقع في البيت المذكور ويقال في الجمع اخوة وأخون، وهذا الثاني هو الواقع في البيت الثاني من البيتين قبل هذا، وحذفت نونه للإضافة إلى المرء، وليس مفردا بدليل الإخبار عنه بالذين.
وقال الآخر:
لعمرك ما حق امرئ لا يعدليعلى نفسه حقا علي بجواب
وما أنا النائي علي بودهبودي وصافي خلتي بمقارب
ولكنه إنَّ مال يوما بجانبٍمن الصدق والهجران ملت بجانب
وتقدم نحو هذا. ويقال جرير، كان اشترى جارية من رجل من أهل اليمامة يقال له زيد، ففركته وحنت إلى بائعها:
تكلفني معيشة آل زيدومن لي بالمرقق والصناب؟
وقالت: لا تضم كضم زيد،وما ضمني وليس معي شبابي؟
فقال الفرزدق:
وإنَّ تفركك عاجلة آل زيدٍويعوزك المرقق والصناب
فقدما كان عيش أبيك مرايعيش بما يعيش به الكلاب
والصناب، بكسر الصاد. قال المبرد: هو صباغ يتخذ من الخردل والزبيب، ومن ذلك قيل للفرس صنابي إذا كان في ذلك اللون.
وقال الآخر:
ويأخذ عيب المر من عيب نفسهمراد لعمري ما أراد قريب
قيل وهذا البيت مبني على كلام الأحنف، وقد قال له رجل: دلني على رجل كثير العيوب! فقال: أطلبه عيابا، فإنما يعيب الناس بفضل ما فيه! وقال الآخر:
لن المنابر من خوف ومن وهلواستطعم الماء لمّا جد في الهرب
وألحن كل الناس قطابةوكان يوله بالتشديق في الخطب
وهذا الشعر قاله بعض الشعراء في خالد بن عبد الله القسري، وكان من الخطباء البلغاء؛ فصعد المنبر ذات يوم فخرج عليه المغيرة بن سعد بالكوفة في عشرين رجلا، فعطعطوا به، فعيي خالد وقال: اطعموني الماء! وهو على المنبر، فعير
بذلك، وكتب هشام إليه رسالة وبخه فيها، وقيل فيه ما تقدم وقال فيه أيضاً يحيى بن نوفل:
لأعلاجٍ ثمانية وعبدٍلئيم الأصل في عدد يسير
هتفت بكل صوتك أطعمونيشرابا ثم بلت على السرير!
وسيأتي في الحكم إن شاء الله ذكر كثير ممن أرتج عليه الكلام.
وقال محمّد بن أبي عيينة يعاتب بعض الأشراف:
أتيتك زائرا لقضاء حقفحال الستر دونك والحجاب
وعندك معشر فيهم أخ ليكأن إخاءه الآل السراب
وليست بساقط في قدر قوموإنَّ كرهوا كما يقع الذباب
ورائي مذهب عن كان ناءبجانبه إذا عز الذهاب
وقال الآخر:
فلله مني جانب لا أضيعهوللهو مني والبطالة جانب
وقال الآخر:
ويعرف وجه الحزم حتى كأنماتخاطبه من كل أمر عواقبها
وقال الآخر:
أخ لي كأيام الحياة إخاؤهتلون أحيان علي خطوبها
إذا عبت منه خلة فهجرتهدعتني إليه خلة لا أعيبها
وقال الآخر:
مالي عقلي منتم إلى أحدفأنني منتم إلى أدبي
وهذا مثل قول عامر بن الطفيل:
وإني وإنَّ كنت أبن سيد عامروفي السر منها والصريح المهذب
فما سودتني عامر عن وراثةٍأبى الله إنَّ أسموا بأم ولا أب
ولكني أحمي حماها واتقيأذاها وأرمي من رماها بمنكب
وقول بعض الأشراف الطالبيين:
لسنا وإنَّ أحسابنا كرمتيوما على الاحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلناتبني ونفعل مثل ما فعلوا
وقول الحسين ﵁، وقد أجزل صلة شاعر فليم على ذلك فقال: أتراني خفت أن يقول لست من فاطمة بنت النبي ﷺ ولا علي بن أبي طالب ﵁؟ ولكنني خفت أنَّ لست كمثلهما فيصدق ويحمل عنه، ويبقي مخلداً في الكتاب على ألسنة الرواة. فقال ذلك الشاعر حينئذ: وأنت والله يا أبن الرسول الله أعرف بالمدح والذم مني! ويحكى أنَّ رجلاً تكلم بين يدي عبد الملك بكلام ذهب فيه كل مذهب. فقال له وقد أعجبه: أبن من أنت يا غلام؟ قال: أبن نفسي، يا أمير المؤمنين: والتي نلت بها هذا المقام منكم. وأخذه بعض الشعراء فقال:
كن أبن من شئت واتخذ أدبايغنيك مأثوره عن الحسب
إنَّ الفتى من يقول ها أنا ذاليس الفتى من يقول كان أبي
وآخر في قوله:
كن أبن من شئت وكن مؤدبافإنما المرء بفضل حسه
وليس من تكرمه لغيرهمثل الذي تكرمه بنفسه
ويحكى عن يحيى بن أكثم قال: بينما أنا يوما جالس مع المأمون إذ دخل الدار. فتى أبرع الناس زياً وهيبة ووقاراً، وهو لا يلتفت إعجابا بنفسه. فنظر إليه المأمون فقال: يا يحيى، هذا لا يخلوا إنَّ يكون هاشميا أو نحوياُ. ثم بعث من يتعرف ذلك منه، فإذا هو نحوي. فقال المأمون: يا يحيى، أن علم النحو قد بلغ بأهله من عزة النفس وعلو الهمة منزلة بني هاشم في شرفهم؟ يا يحيى، من قعد به نسبه، نهض به أدبه! ومثله يقول أبي العلاء المعري:
لو يعلم الإنسان مقدارهلم يفخر المولى على عبده
لولا سجاياه وأخلاقهلكان كالمعدوم في لحده
ومجدة أفعاله لا الذيمن قبله كان ولا بعده
وقال أبي محمد الحريري ﵀:
لعمرك ما الإنسان إلاّ أبن يومهعلى ما تجلى يومه لا أبن أمسه
وما الفخر بالعظم الرميم وإنّمافخار الذي يبغي الفخار بنفسه
وقول أبي الطيب:
ما بقومي شرفت بل شرفوا بيوبنفسي فخرت لا بجدودي
والشعر في هذا المعنى كثير، وأصل هذا كله قوله تعالى وجلت كلمته:) إنما المؤمنونَ اخوةٌ (وقوله تعالى:) إنَّ أكرمكم عندَ اللهِ أتقاكم (وقوله ﷺ في حجة الوداع: أيّها الناس إنّما الناس اخوة وليس لعربي على عجمي فضل إلاّ بالتقوى. أيّها الناس إنَّ ربكم واحد وإنَّ أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب، وأكرمكم عند الله أتقاكم. وهو قطع لمّا كانت فيه العرب من الافتخار بالآباء.
ولعلي كرم الله وجهه:
الناس من جهة التمثيل أكفاءأبوهم آدم والأم حواءُ
وينسب إليه:
ما الفخر إلاّ لأهل العلم إنهمعلى الهدى لمن استهدى أدلاءُ
وقدر كل امرئ ما كان يحسبهوالجاهلون لأهل العلم أعداءُ
وقال الآخر:
لئن فخرت بآباءٍ لهم كرمٌلقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا
وقال الكميت:
وما استنزلت في غيرها قدر جارناولا ثفئت إلاّ بنا حين تنصبُ
وقال أبو الطمحان:
وإني من القوم الذين هم همإذا مات منهم ميت قام صاحبه
نجوم سماء كلما انفض كوكبٌبدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههمدجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
وما زال منهم حيث كان مسودٌتصير المنايا حيث صارت كتائبه
قوله: نظم الجزع ثاقبه، يريد أنهم لو استضاء بضيائهم في غياهب الظلام من يثقب الخرز الذي هو أشد شيء لأبصر ذلك فكيف بما هو أظهر؟ وهذه غاية المبالغة في تنزيل المعقول منزلة المحسوس.
وقال الآخر:
شربنا طيباً عند طيبٍكذاك شراب الطيبين يطيبُ
شربنا وأهرقنا على الأرض فضلةفالأرض من كأس الكرم نصيبُ
وقال السلامي:
تبسطنا على الآثام لمّارأينا العفو من ثمر الذنوبِ
وهو كقول المأمون:
لو علم أرباب الجرائم تلذذنابالعفو لتقربوا ألينا بالذنوبِ
وهو مأخوذ من قول أبي نواس:
تعض ندامة كفيك مماتركت مخافة النار السرورا
وقال ضابئ بن الحارث:
فمن يك أمسى بالمدينة رحلهفأني وقيار بها لغريبُ
وما عاجلات الطير تدني من الفتىنجاحاً ولا عن ريثهن يخيبُ
ورب أمور لا تضير ضيرةوللقلب من مخشاتهن وجيب
ولا خير فيمن لا يوطن نفسهعلى نائبات الدهر حين تنوب
وقال الغنوي:
وهلك الفتى أنَّ لا يراح على الندىوأنَّ يرى شيئاً عجيبا فيعجبا
وقال جرير بن الخطفى:
فعض الطرف أنك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا!
وبعده:
ولو وضعت شيوخ بني نميرعلى الميزان ما عدلتا ذبابا
وكانت بنو نمير من جمرات العرب، لم يخالفوا أحد لعزتهم وقوتهم. فكان الواحد منهم إذا سئل يقول: من بني نمير، ويفخم صوته إدلالاً بعزته، حتى هجا جرير عبيد بن حصين منهم بما قدم من قصيدة، فوقعت فيهم الموقع، ولم يرفعوا، ولم يرفعوا بعدها رأساً، حتى كانوا يفرون من الانتساب إلى نمير لمّا وسم به. فكان أحدهم إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: من عامر بن صعصعة وهو الجد الأكبر.
ومما يحكى أن مولى لبعض بأهله كان يرد سوق البصرة، فسخر منه بنو نمير، فذكر ذلك لمواليه فقالوا له: إذا نبزك أحد منه فقل له:
فعض الطرف انك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
فلما رجع، سخروا منه ونبزوه، فأراد أن يقول البيت فنسيه فقال: غمض وإلاّ جاءك ما تكره! فكفوا عنه عند ذلك وعلموا إنّه عرف قول جرير فيهم.
وروي أن امرأة مرت بقوم من بني نمير، فأخذوا ينظرون إليها ويتواصفونها، فقالت: قبحكم الله يا بني نمير! ما امتثلتم واحدة من اثنين: لا قول الله تعالى حيث يقول:) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم (ولا قول جرير حيث يقول: فغض الطرف " البيت ". فأجمعوا بذلك وذهبوا.
وأحاب بعض بني نمير جريرا عن شعره فقال:
نمير جمرة العرب التي لمتزل في الحرب تلتهب التهابا
وإني إذ أسب بها كليبافتحت عليهم للسخف بابا
ولولا أن يقال هجا نميراولو نسمع لشاعرهم جوابا
؟ رغبنا عن هجاء بني كليبٍ وكيف يشتم الناس الكلابا؟
فما ضر ذلك كليبا ولا جريرا ولا نفع نميرا. وقصيدة جرير مذكورة هي التي سماها الدامغة. ولاستمرار الضعة في بني نمير بهجاء جرير قال أبن مناذر يهجو ثقيفا:
وسوف يزيدكم ضعة هجانيكما وضع الهجاء بني نمير
وقال عنترة العبسي يخاطب امرأته:
لا تذكري مهري وما أطعمتهفيكون جلدك مثل جلد الأجرب
إنَّ الغبوق له وأنت مسودةفتأوي ما شئت ثم تحوبي
كذب العتيق وما شن باردإنَّ كنت سائلتي غبوقا فاذهبي!
قوله العتيق، يجوز نصبه ورفعه، ومعناه على الجملة الإغراء، أي عليك بالعتيق، وهو التمر القديم، ولإعرابه تحقيق في علم النحو مشهور.
وقال الآخر:
خذ من أخيك العفو ذنوبهولا تك في كل الأمور تعاتبه
فإنك لن تلقى أخاك مهذباوأي امرئ ينجو من العيب صاحبه؟
أخوك الذي لا ينقض النأي عهدهولا عند صرف الدهر يزور جانبه
وليس الذي يلقاك بالبشر والرضىوإنَّ غبت يوما لسعتك عقاربه
وقال رجل من بني ضبة لعبد الملك:
والله ما ندري إذا ما فاتناطلب إليك من الذي نتطلب
فلقد ضربنا في البلاد فلم نجدأحداً سواك إلى المكارم ينسب
فأصبر لعادتنا التي عودتناأولا فأرشد إلى من نذهب
فقال له عبد الملك: إلي! إلي! وأكرمه وحباه.
وقال ضمرة بن ضمرة:
بكرت تلومك بعد وهن في الندىبسل عليك ملامتي وعتابي!
ولقد علمت تظني غيرهأنَّ سوف تخلجني سبيل صاحبي
أأصرنا وبني عمي ساغب؟فكفاك من إبة علي وعاب
أنَّ رأيت إن صرخت منها هامتيوخرجت منها بالي الأثواب
هل تخمشن إبلي عليَّ وجوههالم تعصبن رؤوسها بسلابِ؟
قوله بسل، أي حرام، كقول زهير:
بلاد بها نادمتهم وألفتهمفإنَ تقويا منهم فانهم بسلُ
وقوله تخلجني، أي تجذبني، والخلج الجذب، ومنه خليج الماء لا تجاذبه إلى ناحية؛ والساغب الجائع؛ والأبة: الحياء.
وقال الآخر:
تود عدوي ثم تزعم أننيصديقك إنَّ الرأي منك لعازبُ
وليس أخي من ودني رأي عينهوكان أخي من ودني وهو غائبُ
وقال الآخر:
إذا ما علوا قالوا أبونا وأمناوليس لهم عالين أمٍ ولا أبُ
أي إذا غلبوا انتسبوا وتحببوا وتقربوا، وإن كانوا هم الغالبين تعثلموا وتبرؤوا وتبرموا وهذا فعل اللئيم.
ذكر أبو علي البغدادي عن أبي الكلبي عن أبيه قال: كان مرثد الخير بن ينكف قيلاً من أقيال اليمن وكان حدباً على عشيرته محباً لصالحها. وكان سبيع بن الحارث وميثم بن مثوب بن ذي رعين تنازعا الشرف حتى تشاحنا، وخيف أن يقع بين حييهما شرٌ فيتفانيا. فبعث إليهما مرثد فأحضرهما ليصلح بينهما فقال لهما: إنَّ التخفط وامتطاء الهجاج، واستحقاب اللجاج، سيقفكما على هوةٍ في توردها بوار الأصيلة، وانقطاع الوسيلة. فتلاقيا أمركما قبل انتكاث العقد، وانحلال العهد، وتشتت الألفة، وتباين السهمة! وأنتما في فسحة رافهة، وقدم واطدة والمودة مثرية والبقيا معرضة. فقد عرفتم أنباء من كان قبلكم من العرب ممن عصى النصيح، وخالف الرشيد وأصغى إلى التقاطع. ورأيتم ما آلت إليه عواقب سوء سعيهم وكيف كان صيور أمرهم قبلا، فتلافوا القرحة قبل تفاقم الثاني واستفحال الداء وإعواز الدواء! فانه إذا سفكت الدماء،
استحكمت الشحناء وإذا استحكمت الشحناء تقصبت عرى الإبقاء، وشمل البلاء. فقال سبيع: أيّها الملك إنَّ عداوة بني العلات، لا تبرئها الأساة، ولا تشفيها الرقاة ولا تستقل بها الكفأة والحسد الكامن هو الداء الباطن. وقد علم بنو أبينا هؤلاء أنا لهم ردء إذا رهبوا وغيث إذا اجدبوا، وعضد إذا حاربوا، ومفزع إذا نكبوا؛ وأنا وإياهم كما قال الأول:
إذا ما علوا قلوا أبونا وأمناوليس لهم عالين أم ولا أبُ
فقال ميثم: أيّها الملك إنَّ من نفس على أبن أبيه الزعامة وجدبه في المقامة، واستكثر له قليل الكرامة كان قرفاً بالملامة ومؤنباً على ترك الاستقامة. وإنَّا والله ما نعتد لهم بيد إلاّ وقد نالهم منا كفاؤها ولا نذكر لهم حسنة إلاّ وقد تطلع إليهم منا جزاؤها، ولا تفيا لهم علينا ظل نعمة إلاّ وقد قوبلوا بشرواها. ونحن بنو فحل مقرم لم تغد بنا الأمهات ولا بهم، ولم تنزعنا أعراق السوء ولا إياهم. فعلام مط الخدود وخزر العيون والجخيف والتصعر والبأو والتكبر؟ ألكثرة عدد أم لفضل جلد أم لطول معتقد؟ وإنا وإياهم لكما قال الأول:
لاه أبن عمك لا أفصلت في حسبعني ولا أنت دياني فتخزوني
ومقاطع الأمور ثلاثة: حرب مبيرة أو سلم قريرة أو مداجاة غفيرة. فقال الملك: لا تنشط عقل الشوادر ولا تلقحوا العون القواعد، ولا تورثوا نيران الأحقاد! ففيها التلفة المستأصلة والجائحة والأليلة؛ وعفو بالحلم، أبلاد الكلم، وأنيبوا إلى السبيل الأرشد، والمنهج المقصد! فإنَ الحرب تقبل بزبرج الغرور وتدبر بالويل والثبور. ثم قال الملك:
ألا هل أتى الأقوال بذلي نصيحةحبوت بها مني سبيع وميثما؟
وقلت اعلما أنَّ التدابر غادرتعواقبه للذل والقل جرهما
فلا تقدحا زند العقوق وابقياعلى العزة القعساء أن تتهدما
ولا تجنيا حربا تجر عليكماعواقبها يوما من الشر أشأما
فإنَ جنات الحرب للحين عرضةتفوقهم منها الزعاف المقسما
حذار فلا تستنبثوها فإنهاتغادر ذا الأنف الأشم مكشما
فقالا: أيها الملك بل نقبل نصحك ونطيع أمرك ونطفئ النائرة ونحل الضغائن ونثوب إلى السلم.
قال أبو بكر بن دريد: التحفظ ركوب الرجل رأسه في الشر خاصة. قال أبو علي: ولم أسمع هذه الكلمة من غيره. فأما التخمط بالميم فالتكبر. انتهى. وكذا من رأينا من اللغويين لم يذكروا تلك المادة أصلا. وركب الرجل هجاجة: لج ومحك. قاله أبن دريد. وفي الصحاح: ركب هجاج غير منصرف، وركب هجاج كقطام: ركب رأسه، وأنشد: وقد ركبوا عاى لومي هجاج واستحقاب اللجاج استفعال، إما من حقيبة الرجل، وهو ما يكون وراء الرجل يملأ حشيشا أو تبنا وإما من الحقاب وهو بريم تشد به المرأة وسطها. وعلى الأول يكون استحقاب اللجاج معناه جعله في الوعاء؛ وعلى الثاني يكون معناه الأضرار به على المجاز فيهما؛ والهوة: الحفرة. والبوار: الهلاك؛ والأصيلة: الأصل: والانتكاث: الانتقاض. ورافة: ناعمة. وواطدة: ثابتة. ومثرية: متصلة، من الثرى وهو التراب الندي. والمعرضة: الممكنة، من أعراض الصيد إذا أمكن من عرضه أي جنيه ليرمى. وصيور الأمر: ما يؤول إليه. واستفحال الداء: اشتداده. وتقصبت: تقطعت. والأساة: الأطباء. والزعامة: الرئاسة: وجدبه في المقامة، أي عابه، والمقامة: المجلس وقد يراد به الجلاي، ويحتملهما قول زهير:
وفيهم مقامات حسان وجوههموأندية ينتابها القول والفعلُ
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع