من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
براعة الطلب
براعتي أنت التصريح في طلبيلما رأت من غوادي جودك السجم
هذا النوع من مستخرجات الشيخ الإمام عز الدين عبد الوهاب الزنجاني في كتابه معيار النظار، وهو عبارة عن أن تكون ألفاظ الطلب مهذبة خالية عن الإلحاف، مشعرة بما نفس الطالب من غير تصريح، بعد تعظيم الممدوح، وتقديم الوسيلة الحاملة للمسؤول على إنجاح الطلب، وهذا هو الموضع الثالث من المواضع الأربع التي نبه أرباب البلاغة على التألق فيها لأنه إذا كان على الصفة المذكورة كان أنجح المطلب، وآكد في قضاء الغرض.
ومثاله من التنزيل قوله تعالى حكاية عن إبراهيم (فرأيتم ما كنتم تعبدون، أتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني فهو يهدين، الذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين.
ومن النظم قول أمية بن (أبي) الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك أن شيمتك الحياة
إذا أثنى عليك المرء يوماًكفاه من تعرضه الثناء
وقول أبي الطيب:
وفي النفس حاجات وفيك فطانةسكوتي بيان عندها وخطاب
وحدث أبو الحسن محمد بن علي العلوي الحسني الهمذاني الوصي (ره) قال: كنت واقفا في السماطين بين سيف الدولة بحلب والشعراء ينشدونه، فتقدم إليه عربي رث الهيئة، فاستأذن الحجاب في الإنشاد، فآذنوا له فأنشد:
أنت علي وهذه حلبقد نقد الزاد وانتهى الطلب
بهذه تفخر البلاد وبالأمير تزهى على الورى العرب
وعبدك الدهر قد أضر بناإليك من جور عبدك الهرب
فقال سيف الدولة: أحسنت ولله أنت، وأمر له بمائتي دينار.
وحكى الثعالبي في يتيمة الدهر قال: نظر الزعفراني يوما إلى جميع من في دار الصاحب من الخدم والحاشية عليهم الخزور الفاخرة الملونة، فاختزل ناحية وأخذ يكتب شيئا، فسأل الصاحب عنه فقيل: أنه في مجلس كذا يكتب، فقال: علي به، فاستمهل الزعفراني ريثما يتم مكتوبه، فأعجله الصاحب وأمر أن يؤخذ ما في يده من الدرج، فقام الزعفراني إليه وقال: أيد الله مولانا، أسمعه ممن قاله تزدد به عجبا، فحسن الورد في أغصانه.
فقال هات يا أبا القاسم فأنشدها أبياتا منها:
سواك يعد الغنى ما افتنيويأمره الحرص أن يخزنا
وأنت ابن عباد المرتجىتعد نوالك نيل المنى
وخيرك من باسط كفهوممن ثناها قريب الجنى
غمرت الورى بصنوف الندىفأصغر ما ملكوه الغنى
وغادرت أشعرهم مفحماوأشكرهم عجزا الكنا
أيامن عطاياه تهدي الغنىإلى راحتي من نآى أو دنا
كسوت المحلين والمحرمينكسى لم يخل مثلها ممكنا
وحاشية الدار يمشون فيضروب من الخزي إلا أنا
ولست أذكرني جارياعلى العهد يحسن أن تحسنا
فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة أن رجلا قال له: أحملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية، ثم قال: لو علمت أن الله خلق مركوبا غير هذا لحملتك عليه. وقد أمونا لك بجبة، وقميص، ودراعة، وسراويل، وعمامة، ومنديل؛ ومطرف؛ ورداء، وجورب. ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من الخز لأعطيناكه. ثم أمر بإدخال الخزانة وصب تلك الخلع عليه، وتسليم ما فضل عن لبسه في الوقت إلى غلام.
وبيت بديعية الصفي قوله:
وقد علمت بما في النفس من أربوأنت أكرم من ذكري له بفمي
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
براعة بأن فيها منتهى طلبيوأنت أكرم من نطق بلا ولم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
وفي براعة ما أرجوه من طلبإن ام أصرح فلم أحتج إلى الكلم
وبيت بديعية المقري قوله:
قد أصبح المر حالي فالحظوه عسىيحلو مذاقا فحالي غير منكتم
وبيت بديعية السيوطي قوله:
ومطلبي أنت أولى بالنجاح لهوأنت أدرى به يا مسبغ النعم
وبيت بديعية العلوي قوله:
في النفس ما أنت أولى أن تحيط بهلكبر قدرك لم ينطق بذاك فمي
وبيت بديعية الطبري قوله:
ومطلبي أنت أدرى من براعتهبه فحالي منها غير منكتم
وبيت بديعيتي قولي:
براعتي أبت التصريح في طلبيلما رأت من غوادي جودك السجم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع