تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

تنبيهات (٥)

الأول، أورد الطيبي في التبيان من أمثلة هذا النوع عدة مقاطيع، منها: ما روى ابن الضحاك أن أبا نواس سمع صبيا يقرأ (يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا) فقال في مثل هذا يجيء صفة للخمر حسنة، ثم قال:

وسيارة ضلوا عن القصد بعدماترادفهم جنح من الليل مظلم
فلاحت لهم منا على النأي قهوةكأن سناها ضوء نار تضرم
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وسيارة ضلت عن القصد بعدما»
إذا ما حسوناها أناخو مكانهمفأن مزجت حثو الركاب ويمموا

فحدث بذلك محمد بن الحسن الشيباني فقال: لا، ولا كرامة، بل أخذه من قول الآخر:

وليل بهيم كلما قلت غورتكواكبه عادت فما تنزيل
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «وليل بهيم كلما قلت غورت»
به الركب أما أومض البرق يممواوإن لم يلح فالقوم بالسير جهل
للشاعر الخَطيم العكلي المَحرِزي، اقرأ القصيدة

ومنها قول ابن مطروح:

وذا يا كليم الشوق واد مقدسلذي الحب فاخلع ليس يمشيه محتذ

قال: عقد فيه قوله تعالى (فاخلع نعليك أنك بالواد المقدس طوى) ومنها قول المأمون في رسوله إلى حبيبته:

بعثتك مشتاقاً ففزت بنظرةوأغفلتني حتى أسأت بك الظنا
ورددت طرفا في محاسن وجههاومتعت في أسماع نغمتها الاذنا
للشاعر المأمون، اقرأ القصيدة
أرى أثراً منها بعينيك لم يكنلقد سرقت عيناك من وجهها حسنا

قال عقد قول عثمان لأنس، وكان قد وقعت عينه على امرأته، فدخل عليه فقال: أراكم تدخلون علي وآثار الزناء عليكم. قال أنس: أوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: لا ولكن فراسة صادقة.

وكل ذلك عند الجمهور ليس من العقد في شيء، لأنه نظم للمعنى دون اللفظ، حتى أنهم اشترطوا أنه أن غير الناظم من اللفظ شيئاً وجب أن يكون المبقى منه أكثر من المغير، بحيث يعرف من البقية صورة الجمع كقوله:

إن القلوب لأجناد مجندةوالأذن من ربها تهوى وتأتلف
فما تعارف منها فهو مؤتلفوما تناكر منها فهو مختلف
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا قلب ويحك جد منك ذا الكلف»

عقد فيه قوله ﵌: الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها أختلف. فأن هذا الشاعر غير من لفظ الحديث، لكنه أتى بمعظمه، بحيث إذا سمعه السامع، وكان حافظا للحديث عرف أنه عقد له، بخلاف الأمثلة التي أوردها الطيبي.

الثاني، الفرق بين الاقتباس والعقد، أن الاقتباس ليس الغرض منه نظم معنى شيء من كلام الله أو رسوله] بل تضمين [شيء من ذلك على أنه ليس منه، بخلاف العقد كما عرفته في حد كل منهما.

الثالث، كما أن العقد وهو نظم المنثور معدود من المحاسن، كذلك عكسه وهو نثر المنظوم، ويسمى الحل، وشرف كونه مقبولاً أن يكون سبكه مختاراً لا يتقاصر عن سبك النظم، وأن يكون حسن الموقع، مسمرا في محله غير قلق، كقول الصاحب بن عباد في فتح قلعة (ما لبثوا أن رأوا معلقهم الحين، ومثواهم القديم نهزة الجفاف، وفرصة البوائق، ومجر العوالي ومجرى السوابق).

حل قول أبي الطيب:

تذكرت ما بين العذيب وبارقمجر عوالينا ومجرى السوابق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

وقول بعض المغاربة (فإنه لما قبحت فعلاته، وحنظلت نخلاته، لم يزل سوء الظن يقتاده، ويصدق توهمه الذي يعتاده.

حل فيه قول أبي الطيب أيضاً:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونهوصدق ما يعتاده من توهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

وفال السيد البطليوسي (فلئن هريق الشباب، واستشن الأديم وأقشع الرباب فلعل في الأفق ربابة، وفي الحوض صبابة.

حل فيه قول بعض الأعراب:

فقلت لها يا أم عمران أنههريق شبابي واستشن أديمي

وقول القاضي عبد الحق بن عطية (ويعلم أن الزمن أن سر حيناً فهمه ناصب، والدنيا إذا أخضر منها جانب جف جانب.

حل فيه قول ابن عبد ربه:

ألا إنما الدنيا غضارة أيكةإذا أخضر منها جانب جف جانب
للشاعر الصعلوكي، من قصيدة «ألا إنما الدنيا غضارة أيكة»

وقول الوزير ابن الدباغ في تعزية (من أي الثنايا طلعت النوائب، وأي حمى رتعت فيه المصائب.

حل فيه قول الشريف الرضى (ره):

من أي الثنايا طالعتنا النوائبوأي حمى منا رعته المصائب
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «من اي الثنايا طالعتنا النوائب»

وقول مؤلفة عفا الله عنه (رقائق تحسد رقتها أنفاس النسيم، وقلائد تروع حالية العذراى فتلمس جانب العقد النظيم.

حل فيه قول المنازي:

تروع حصاه حالية العذراىفتلمس جانب العقد النظيم

وقوله في وصف كتاب الريحانة (فلله كتابه من ريحانة تنفست في ليلها البارد، وعطرت معاطس الأسماع بنشرها الوارد.

حل فيه قول ابن المعتز:

كأنني عانقت ريحانةتنفست في ليلها البارد
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «ما أقصر الليل على الراقد»

وقوله أيضاً (أحد السادة الذين رووا حديث السيادة برا عن بر، والساسة الذين فتقت لهم ريح الجلاد بعنبر فاقتطفوا نور الشرف من روض الحسب الأنضر، واجتنوا ثمر الوقائع يانعاً بالنصر من ورق الحديد الأخضر.

حل فيه قول ابن هاني المغربي:

فتقت لكم ريح الجلاد بعنبروأمدكم فلق الصباح المسفر
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر»
وجنيتم ثمر الوقائع يانعاًبالنصر من ورق الحديد الأخضر
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر»

وبيت بديعية الصفي قوله:

ما شب خصلتي حرصي ومن أمليسوى مديحك في شيبي وفي هرمي
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

عقد فيه قوله صلى الله عليه وآله: يشيب المرء وتشب فيه خصلتان الحرص وطول الأمل. وتعقبه ابن حجة فقال: لم أصادف في بيته من عقد الحديث محلا، ولكن ذكر فيه حكاية حاله.

ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.

وبيت بديعية الموصلي قوله:

عقد اليقين صلاتي والسلام علىمحمد دائماً مني بلا سأم
للشاعر عز الدين الموصلي، اقرأ القصيدة

قال في شرحه: أنه عقد فيه قوله تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي....) الآية، وقول النبي صلى الله عليه وآله: أكثروا من الصلاة علي. قال ابن حجة: ولم يظهر لي حل هذا العقد] في [أي موضع هو من البيت.

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

قد صح عقد بياني في مناقبهوإن منه لسحراً غير سحرهم

عقد فيه الحديث المشهور: أن من البيان لسحراً وبيت بديعية المقري قوله:

والصحب من بذل ملء الأرض من ذهبمن غيرهم لا يساوي نصف مدهم

عقد فيه قوله صلى الله عليه وآله مسلم -وقد ذكر أصحابه-: لو أنفق أحدكم ملء أرض ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.

وبيت بديعية العلوي قوله:

ففاق بالنثر أهل الشعر ثم لهما ينبغي قسمة فاقت أولي القسم

وبيت بديعيتي قولي:

نصرت بالرعب من شهر على بعدوعقد نصرك لم يحلله ذو أضم

العقد فيه لقوله ﷺ: نصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر، وهي رواية عمرو بن شعيب. قال في المواهب: الظاهر اختصاصه به مطلقا، وإنما جعل الغاية شهرا لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر من شهر، وفي رواية أخرى: نصرت بالرعب مسيرة شهر، والله أعلم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.