من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
حسن الختام
أحق بحسن ابتدائي ما أنال بهحسن التخلص يتلو حسن مختتمي
هذا النوع سماه التيفاشي حسن المطلع، وبعضهم براعة المطلع، وسماه ابن أبي الأصبع حسن الخاتمة وادعى أنه من مستخرجاته، وهو موجود في كتب غيره ممن تقدم بغير هذا الاسم. وهو عبارة عن أن يون أخر الكلام الذي يقف عليه الخطيب أو المسترسل أو الشاعر مستعذبا حسنا، وأحسنه ما أذن بانتهاء الكلام حتى لا يبقى للنفس تشوق إلى ما ورائه.
وهذا رابع المواضع التي نص أئمة البلاغة على التألق فيه، لأنه أخر ما يقرع السمع ويرتسم في النفس، وربما حفظ لقرب العهد به، فإن كان مختارا حسنا تلقاه السمع واستلذه حتى جبر ما وقع فيما سبق من التقصير، كالطعام اللذيذ الذي يتناول بعد الأطعمة التفهة، وإن كان بخلاف ذلك كان على العكس حتى ربما أنسى المحاسن الموردة فيما سبق.
وجميع خواتيم السور كفواتحها، واردة على أحسن وجوه البلاغة وأكملها، لأنها بين أدعية، ووصايا وفرائض؛ وتحميد تهليل؛ ومواعظ وود ووعيد؛ إلى غير ذلك مما يناسب الاختتام، كتفصيل جملة المطلوب في خاتمة الفاتحة، إذ المطلوب الأعلى: الإيمان المحفوظ من المعاصي المسببة لغضب الله والضلال، فصل جملة ذلك بقوله: (الذين أنعمت عليهم) والمراد المؤمنون، ولذلك أطلق الأنعام ولم يقيده، ليتناول كل إنعام، لأن كل من أنعم الله عليه بنعمة الإيمان فقد أنعم عليه بكل نعمة لأنها مستتبعة لجميع النعم. ثم وصفهم بقوله: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) يعني أنهم جمعوا بين النعم المطلقة وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله والضلال المسببين عن معاصيه وتعدي حدوده وكالدعاء الذي اشتملت عليه الآيتان من أخر سورة البقرة.
وتأمل سائر خواتيم السور تجدها في نهاية الكمال. ومن أضح ما أذن بالختام، خاتمة سورة إبراهيم ﵇، وهو قوله تعالى: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به واعلموا إنما هو غله واحد وليذكروا أولي الألباب. وكذا خاتمة الحجر بقوله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) فإنها في غاية البراعة، ومثلها خاتمة الزمر بقوله سبحانه: (وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين)، وأما خاتمة الصافات فإنها العلم في براعة الختام، حتى ضارت يختم بها كلام؛ وهي قوله تعالى: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين).
ومن أحسن براعات الختام قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ وهو إمام أئمة البلغاء في الجاهلية والإسلام- في خاتمة خطبة الاستسقاء: ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا فإنك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا وتنشر رحمتك وأنت الولي الحميد.
وأما حسن ختام الحريري للمقامات فإنه من البراعات التي تنتهي إليها الغايات، وهو قوله: ثم دنوت إليه كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها العبد الصالح، فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك فودعته وعبراتي يتحدرن من المآقي، وزفراتي تتصعدن إلى التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي.
ومن أمثلته في النظم قول أبي نواس في خاتمة قصيدته التي مدح بها الخطيب:
وإني جدير إذا بلغتك بالمنىوأنت بما أملت جدير
فإن تولني منك الجميل فأهلهوإلا فإني عاذر وشكور
وقول أبي تمام في ختام قصيدة فتح عمورية:
إن كان بين صروف الدهر من رحمموصولة أو ذمام غير منقضب
فبين أيامك اللاتي نصرت بهاوبين أيام بدر أقرب النسب
أبقت بني الأصفر الممراض كاسمهمصفر الوجوه وجلت أوجه العرب
وقول أبي الطيب:
سما بك همي فوق الهمومفلست أعد يسارا يسارا
ومن كنت بحرا له يا عليلم يقبل الدر إلا كبارا
وقوله أيضاً:
أنلت عبيدك ما أملواأنالك ربي ما تأمل
وقوله أيضاً:
وأعطيت الذي لم يعط خلقعليك صلاة ربك والسلام
وقول ابن هاني المغربي:
سموت إلى العليا إلى الذروة التيترى الشمس فيها تحت قدرك تضرع
إلى غاية ما بعدها لك غايةوهل خلف أفلاك السماوات مطلع
إلى أين تبغي ليس خلفك مذهبلا لجواد من للحاقك مطمع
وقوله أيضاً:
فتى كل مسعى من مساعيه قبلةيصلي إليها كل مجد ونائل
وفي كل يوم فيه للشعر مذهبعلى أنه لم يبق قولا لقائل
وقوله أيضاً:
لا زلت تسحب أذيال الندى كرمافي نعمة غير مزجاة من النعم
ما نمنم الروض أو حاكت وشائعهأيدي السحاب الغوادي العز بالديم
وقول مهيار الديلمي في ختم قصيدته المشهورة:
ولا زالت الأيام تملك أمرهاوتأمرها فيما تشاء وتنهاها
وكنت بعين الله من كل خطةتحاذرها فيما تروم وتخشاها
فإني متى علقت نفسي بجاجةوخفت عليها الفوت ضمنتها الله
وقوله أيضاً:
ولا يزل جاري المقادير علىما تبتغي مساعدا معينا
دعاء إخلاص إذا رفعتهقال الحفيظان معي آمين
وقول أبي العلاء المعري.
ولا تزال لك الأيام ممتعةبالحال والآل والعلياء والعمر
وقول إبراهيم الغزي:
بقيت بقاء الدهر يا كهف أهلهوهذا دعاء للبرية شامل
وقول ابن أبي الحديد في ختام أخر قصيدة من قصائده العلويات:
سمعا أمير المؤمنين قصائديعنو لها بشر ويخضع جرول
الدر من ألفاظها لكنهدر له ابن أبي الحديد مفصل
هي دون مدح الله فبك وفوق مامدح الورى وعلاك منها أكمل
وقولي في ختام قصيدة نبوية طنانة مع حسن التضمين:
عليك صلاة الله ثم سلامهمدى الدهر لا يفنى ولا يتصرم
وآلك والصب الكرام أولي النهيبهم يبدأ الذكر الجميل ويختم
وقولي في ختام أخرى مدحت بها الوالد، وقد تقدم شيء منها في براعة الاستهلال:
إليك نظام الدين وابن نظامهمحبرة تزهى بحسن نظامها
ظننت بها عن كل سمع وإنمامديحك كان لليوم فض ختامها
وبيت بديعية الصفي قوله:
فإن سعدت فمدحي فيك موجبهوإن شقيت فذنبي موجب النقم
وبيت بديعية ابن جابر قوله:
لكن وإن طال مدحي لأفي أبدافاجعل العذر والإقرار مختتمي
وبيت بديعية الموصلي قوله:
فاجعل له مخلصا من قبح زلتهفي حسن مفتتح منه ومختتم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
حسن ابتدائي أرجو التخلص منحر الجحيم وهذا حسن مختتمي
وبيت بديعية المقري قوله:
لكن ذلك مجهودي أتيت بهومن يقصر وراء الجهد لم يلم
وبيت بديعية السيوطي قوله:
واكتب مدى العمر في الدنيا لنا حسناحتى أرى عند موتي حسن مختتمي
وبيت بديعية الطبري قوله:
فإن ظفرت به فالفضل معتمديأولا فإن رجائي حسن مختتم
وبيت بديعية العلوي قوله:
صلى عليه بعد الرمل متسقاوعد نبت الثرى والوابل السجم
وبيت بديعيتي قولي:
أحق بحسن ابتدائي ما أنال بهحسن التخلص يتلو حسن مختتمي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع