من «حماسة القرشي» لعباس القرشي (ت ١٢٩٩هـ)
الباب العاشر في: الخمر
قال الوليد بن يزيد:
اصْدعْ نجيَّ الهموم بالطربِوانعمْ على الدهرِ بابنةِ العِنَبِ
واستقبلِ العَيْشَ في غضارتهِلا تقْفُ منه آثار مُعْتَقبِ
من قهوةٍ زانها تقادمهافهي عجوزٌ تعلو على الحُقُبِ
أشهى إلى الشرب يوم جلوتهامن الفتاة الكريمة النسبِ
فقد تجلَّت ورقَّ جوهرهاحتى تبدَّت في منظرٍ عجِبِ
فهي بغير المزاج من شررٍوهي لدى المزْجِ سائلُ الذهبِ
كأنها في زجاجها قَبَسٌتذكو ضياءً في عين مرتقبِ
في فتيةٍ من بني أمية أهل المجد والمأثرات والحسَبِ
ما في الورى مثلهم ولا بهممثلي ولا منتمٍ لمثل أبي
وقال عبد الرحمن بن سيحان:
بات الوليد يعاطيني مشعشعةًحتى هويتُ صريعاً بين أصحابي
لا أستطيع نهوضاً إن هممتُ بهوما أنهنهُ من حسْوٍ وتشرابِ
حتى إذا الصبح لاحت لي جاونبهولَّيتُ أسحبُ نحو القوم أثوابي
كأنني من حُمَّيا كأسه جملٌصحَّت قوائمه من بعد أوصابِ
وقال الأخطل:
ترى الزجاج ولم يُطمثْ يطاف بهكأنه من دمِ الأجواف مختضبُ
حتى إذا افتضَّ ماء المزن عذرتهاراح الزجاج، وفي ألوانه صَهَبُ
تنزو إذا شجَّها بالماء مازجهانزوَ الجنادبِ في رمضاءَ تلتهبُ
راحوا وهم يحسبون الأرض في فلكٍإن صًرِّعوا وقت الراحات والركبُ
وقال أيضاً:
وكأسٍ مثل عين الديك صرفٍتنسِّي الشاربينَ لها العقولا
إذا شرب الفتى منها ثلاثاًبغير الماء حاول أن يطولا
مشى قرشيةً لا شك فيهاوأرخى من مآزره الفضولا
وقال الحسين بن الضحاك:
إذا ما الماء أمكننيوصَفْوُ سلافةِ العنبِ
صببتُ الفضةَ البيضاءَ قُراضة الذهبِ
وقال آخر:
أبصرتهُ والكأسُ بين فمٍمنه وبين أناملٍ خمسِ
فكأنها وكأن شاربهاقمرٌ يقبِّلُ عارضَ الشمسِ
وقال مالك بن أسماء بن خارجة:
وندمان صدقٍ، قال لي بعد هداةٍمن الليل، قمْ نشرب، فقلت له: مهلا
فقال: أبُخلاً يابن أسماء هاكَهاكُميتاً كريح المسك تزدهفُ العقلا
فتابعته فيما أراد، ولم أكنْبخيلاً على الندمان أو شكساً وَغْلا
ولكنني جلْدُ القوى أبذُلُ الندىوأشربُ ما أعطى ولا أقْبلُ العَذْلا
ضحوكٌ إذا ما دبَّتِ الكأسُ في الفتىوغيَّره سُكْرٌ، وقد أكثر الجهلا
وقال زهير بن أبي سلمى المزني:
وقد أغدو على شرْبٍ كرامٍنشاوى واجدينً لما نشاءُ
لهم راحٌ وراووقٌ ومِسْكٌتُعلُّ به جلودهم وماءُ
أُمشَّى بين قتلى قد أصيبتدماؤهم، ولم تقطر دماءُ
يجرون البرودَ، وقد تمشَّتْحُمَيَّا الكأس فيهم والغناءُ
ونهى اعرابي ابنه عن شرب النبيذ، فلم ينتهِ، وقال:
أمن شربةٍ من ماءِ كرمٍ شربتهاغضبتَ عليَّ الآن طابتْ لي الخمرُ
سأشربُ فاسخطْ لا رضيت كلاهماحبيبٌ إلى قلبي عقوقُكَ والسُّكْرُ
وقال الأقيشر، واسمه المغيرة:
أقول والكأس في كفِّي أقلبهاأخاطبُ الصيد أبناءَ العماليقِ
إني يذكرني هنداً وجارتهابالطَّفِّ صوت حماماتٍ على نِيقِ
أفنى تلادي وما جمعتُ من نشبٍقرعُ القواقيزِ أفواهَ الأباريقِ
كأنهنَّ، وأيدي الشربِ معلمةٌإذا تلألأن في أيدي الغرانيقِ
بناتُ ماءٍ معاً، بيضٌ جآجئهاحمرٌ مناقرها، صفر الحماليقِ
أيدي سُقاةٍ تهزُّ الدهر معلمةًكأنما أونها رجعُ المخاريقِ
تلك اللذاذةُ، ما لم تأتِ فاحشةًأو ترمِ فيها بسهمٍ ساقطِ الفوقِ
عليك كل فتىً سمحٍ خلائقهُمحض العروقِ كريمٍ غير ممذوقِ
ولا تُصاحبْ لئيماص فيه مقرفةٌولا تزورنَّ أصحاب الدوانيقِ
لا تشربن أبداً راحاً مسارقةًإلا مع الغرِّ أبناء البطاريقِ
وقال أيضاً:
ومقعدِ قومٍ قد مشى من شرابناوأعمى سقيناه ثلاثاً فأبصرا
شراباً كريح العنبر الورد ريحهومسحوقِ هنديٍّ من المسك أذفرا
وقال أبو نواس:
ثقلتْ زجاجاتٌ أتتنا فرَّغاًحتى إذا ملئت بصرفِ الراحِ
خفَّتْ على أيدي السقاة جسومهاوكذا الجسوم تخفُّ بالأرواحِ
وقال أيمن بن خُريم:
وصهباء جرجانيَّةٍ لم يطف بهاحنيفٌ، ولم تنغر بها ساعةً قِدْرُ
ولم يشهد القَسُّ المُهينمُ نارهاطروقاً، ولا صلَّى على طبخها حَبْرُ
أتاني بها يحيى، وقد نمتُ نومةًوقد غابت الجوزاء، وانحدر النَّسرُ
فقلت: اصطحبها أو لغيري سقِّهافما أنا بعد الشيب، ويحك، والخمرُ
إذا المرءُ وفَّى الأربعين ولم يكنْله دون ما يأتي حجابٌ ولا سِتْرُ
فدعْهُ، ولا تنفس عليه الذي أتىولو مدَّ أسباب الحياة له العمرُ
تم بحمد الله تعالى في قرية " جُبَعْ "، بقلم الحقير المذنب الجاني عباس القرشي النجفي، وقد وافق منه غرة ذي الحجة، سنة، ست وثمانين ومائتين بعد الألف من الهجرة النبوية صلى الله على مهاجرها وآله وأصحابه وسلم.
النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع