من «حماسة القرشي» لعباس القرشي (ت ١٢٩٩هـ)
الباب الثامن في: الأوطان
وقال جابر بن رألان:
يا لهف نفسي كلما التحتُ لوحةًإلى شربةٍ من ماء أحواض قاربِ
بقايا نطافٍ أودع الغيم صفوهامصقَّلة الأرجاء زرقِ الجوانبِ
ترقرق دمع المزنِ فيهن والتوتْعليهنَّ أنفاسُ الرياحِ الجوانبِ
وقال آخر:
يا صاحبي فدت نفسي نفوسكماعوجا عليَّ صدور الأبغلِ الشُّتُنِ
ثم ارفعا الطرف ننظر صبح خامسةٍبقرقرى، يا عناء النفس بالوطنِ!
يا ليت شعري والإنسان ذو أملٍوالعين تذرف أحياناً من الحزنِ
هل أجعلنَّ يدي للخدِّ مرفقةًعلى شعبعبَ بين الحوض والعطنِ؟!
وقال هلال بن الأسعر:
أقولُ وقد جاوزتُ نعمى وناقتيتحنُّ إلى جنبي فليجٍ مع الفجرِ
سقى الله يا ناق البلاد التي بهاهواك وإن عنَّا نأت سبل القطرِ
فما عن قلىً منّا لها خفَّت النوىبنا عن مراعيها وكثبانها العُفْرِ
ولكن صرف الدهر فرَّق بينناوبين الأداني والفتى غرضُ الدهرِ
فسقياً لصحراء الإهالةِ مربعاًوللوقبى من مربعٍ دمثٍ مُثْرِ
وسقياً ورعياً حيث حلَّتْ لمازنٍوأيامها الغُرِّ المُحَجَّلة الزُّهْرِ
وقال آخر:
ألا حبذا جُنبات سُلمىوجاد بأرضها جَوْنُ السحابِ
خلعتُ بها العِذارَ ونِلْتُ فيهامُناي بطاعةٍ أو باغتصابِ
أَسُومُ بباطلي طلبات لهويويعذرني به عصرُ الشبابِ
وقال آخر:
أحنُّ إذا رأيتُ جمال قوميوأبكي إن سمعت لها حنينا
سقى الغيثُ المجدُّ بلاد قوميوإن خَلَت الديار وإن بلينا
على نجدٍ وساكن أرض نجدٍتحياتٌ يرحنَ ويغتدينا
وقال آخر:
سقى الله أياماً بناحية الحمىومنزل أحبابي وربع صحابيا
منازل لو مرت عليها جنازتيلقال الصدى: يا حامليَّ انزلا بيا
وقال أبو قُطيفة:
ليت شعري! وأين مني ليتأعلى العهد يلبنٌ فَبَرَامُ؟
أم كعهدي العقيق أم غيَّرتهبعدي الحادثات والأيامُ
وبأهلي بدِّلْتُ عكّاً ولخْماًوجذاماً، وأين مني جِذامُ؟
وتبدَّلْتُ من مساكن قوميوالقصور التي بها الآطامُ
كل قصرٍ مشيَّدٍ ذي أواسِيتغنَّى على ذراه الحمامُ
اقْرَ مني السلام، إن جئت قوميوقليلٌ لهم لديَّ السلامُ
وقال سوار بن المضرب:
سقى الله اليمامة من بلادٍنوافحُها كأرواح الغواني
وجوٍّ زاهرٍ للريحِ فيهنسيمٌ لا يروع التربَ، وَانِ
بها سُقْتُ الشباب إلى مشيبٍيُقبِّحُ عندنا حُسْنَ الزَّمانِ
وقال كُريب بن سلمة الجعفي:
إذا نحن جاوزنا دمشق ووجهتصدور المطايا للعراق المشرِّقِ
فأحببْ به داراً إلينا ومنزلاًإذا نحن جاوزنا بلاد الخورْنقِ
وقال ورد بن وردٍ:
ألا أيها الصَّمَدُ الذي كنت مرةًنحلُّك سُقِّيْتَ الأهاضيب من صمْدِ
ومن وطنٍ لم تسكنِ النفسَ بعدُهُإلى وطنٍ في قرب عهْدٍ وفي بُعْدِ
وقال آخر:
خليليَّ هل يشفي من الشوقِ والجوىبدوُّ ذوي الأوطان لا بل يشوقها
ونزدادُ في قُربٍ إليها صبابةًويبعد من فرط اشتياقٍ طريقها
وما ينفع الحرَّان ذا اللوح أن يرىحِياض القِرى مملوءةً لا يذوقها
وقال آخر:
حيِّ نجداً ومن بأكناف نجدوالخيام التي بها طال عهدي
ليت شعري! هل الخيام كما كنَّ على العهد أم تغيَّرنَ بعدي
وقال آخر:
ألا قل لدارٍ بين أكثبة اللوىوذات الغضا: جادت عليك الهواضبُ
أجدَّك لا أنآك إلا تفلََّتَتْدموعٌ أضاعت ما حفظتُ سواكبُ
ديارٌ تناسمت الهواء بجوِّهاوطاوعني فيها الهوى والحَبائِبُ
ليالي لا الهجرانُ محتكمٌ بهاعلى وصلِ من أهوى ولا الظنُّ كاذبُ
وقال آخر:
أحقاً عباد الله أن قيل: دارهمتدانت وأن الملتقى متقاربُ
فقد وجدت نفسي ارتياحاً وهِزَّةًكما اهتزَّ من صرف المدامة شاربُ
وقال آخر:
ألا ليت شعري! هل أبيتنَّ ليلةًبأسناد نجدٍ، وهي خضرٌ متونها!
وهل أشربنَّ الدهر من ماء مزنةٍبحرَّة ليلى حيث فاض معينُها؟
بلادٌ بها كنا نحلُّ فأصبحتْخلاءً ترعاها مع الأُدْمِ عينها
تفيَّأتُ فيها بالشباب وبالصبامميلٌ بما أهوى عليَّ غصونُها
وقال صدقة بن نافعٍ الغنوي:
ألا ليت شعري هل تحنَّنَّ ناقتيببيضاء نجدٍ حيث كان مسيرُها
فتلك بلادٌ حبَّب الله أهلهاإليكَ، وإن لم يُعْطِ نَصْفاً أميرُها
بلادٌ بها أنْضيتُ راحلةَ الصِّباولانت لنا أيامها وشهورُها
فقدنا بها الهمَّ المكدَّر شربهُودار علينا بالنعيمِ سرورُها
وقال ابن الرومي:
وحبَّبَ أوطان الرجال إليهممآرب قضَّاها الشبابُ هُنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكَّرتهمعهود الصبا فيها فحنُّوا لِذلكا
وقال العباس بن الأحنف:
قالوا: خراسان أَقصى ما يُراد بناثم القُفُولُ، فقد جئنا خُراسانا
ما أقدرَ الله أن يُدني على شحطٍسكان دجلةَ من سكان جَيْحانا
متى الذي كنت أرجوه وآملهُأما الذي كنت أخشاهُ فقد كانا
عيْنُ الزمانِ أصابتنا، فلا نظرتْوعُذِّبَتْ بصنوف الهجرِ ألوانا
وقال الصمة القشيري عند موته بطبرستان، وكان خرج في غزوٍ إلى الديلم:
تَعَزَّ بصبرٍ لا وربِّكَ لا ترىسنامَ الحمى أخرى الليالي الغوابرِ
كأنَّ فؤادي من تذَكُّره الحمىوأهل الحمى يهفو به ريشُ طائرِ
وقال مالك بن الريب عند موته بخراسان:
أيا صاحبَيْ رحلي: دنا الموت فانزلابرابيةٍ إني مقيمٌ لياليا
وخطَّا بأطرافِ الأسنةِ مضجعيورُدَّا على عينيَّ فضلَ ردائِيا
ولا تحسثداني، بارك الله فيكمامن الأرض ذات العِرضِ أن تُوسعا ليا
لَعمري لئن غالتْ خراسانُ هامتيلقد كنتُ عن باني خراسانَ نائيا!
وقال علي بن الجهم عند موته بحلب:
أزيد في الليل ليلُأم سال بالصبح سيلُ
ذكرتُ أهل دُجيلٍوأين منِّي دُجيْلُ!
النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع