من «حماسة القرشي» لعباس القرشي (ت ١٢٩٩هـ)
الباب الثاني في: المراثي
قالت ليلى الأخيلية، ترثي توبة بن الحُميِّر:
يا عينُ بكِّي بدمعٍ دائم السجمِوابكي لتوبة عند الروع والبُهَمِ
على فتىً من بني سعدٍ، فجعت بهماذا أُجِنُّ به في حفرة الرَّجَمِ
من كل صافيةٍ صرفٍ، وقافيةٍمثل السنان، وأمر غير مقتسمِ
ومصدرٍ حين يُعيي القوم مصدرهمْوجفنةٍ عند نحس الكوكب الشئمِ
وقال أشجع السُّلميُّ:
ويحها هل درتْ على من تنوحْأسقيمٌ فؤادها أم صحيحُ؟
قمراً أطبقوا عليه ببغدادَ ضريحاً، ماذا أجن الضريحُ؟
رحم الله صاحبي ونديميرحمةً تغتدي وأخرى تروحُ
وقالت الخنساء:
وقائلةٍ، والنعشُ قد فات خطْوهالتدركهُ: يا لهف نفسي على صخرِ
ألا ثكلت أم الذين مشوا بهإلى القبر، ماذا يحملون إلى القبرِ؟
وقال محمد بن مناذر:
إن عبد الحميد يوم توفِّيهدَّ ركناً ما كان بالمهدودِ
ما درى نعشه، ولا حاملوهُما على النعش من عفافٍ وجودِ
وقال آخر:
ألا في سبيل الله ماذا تضمنتْبطون الثرى، واستودع البلد القَفْرُ
بدوراً، إذا الدنيا دجتْ أشرقتْ بهموإن أجدبت يوماً فأيديهم القَطْرُ
أقاموا بظهر الأرض فاخضرَّ عودهاوصاروا ببطن الأرض فاستوحش الظهرُ
وقالت سعدة بنت فريد ترثي ابنها الكُميت بن زيد:
لأمِّ البلاد الويلُ، ماذا تضمنتْبأكناف طورى من عفافٍ ونائلِ؟
ومن وقعاتٍ بالرجال كأنهاإذا أعيت الأحداث وقعُ المناصلِ
يعزِّ المعزِّي بالكميت فتنتهيمقالته، والصدرُ جَمُّ البلابلِ
وقال آخر:
لعمرك ما المصيبة هدم دارٍولا شاةٌ تموت ولا بعيرُ
ولكن المصيبة موت حرٍّيموت بموته بشرٌ كثيرُ
وقال آخر:
عجبْتُ لهذا الدهرِ أفنى محمّداًوكان الذي يسطو به ويُصاولُ
مضى فمضى مجدٌ تليدٌ وسُؤددٌوأودى فأودى منه بأسٌ ونائلُ
وكان سراج الأرض، فالأرض مُظلمٌقَرَاها، وحَلْيَ الدهرِ، فالدهر عاطلُ
وقال أبو سعيد إبراهيم، يرثي ببني أمية:
بَكَيتُ، وماذا يردُّ البكاءْوقلَّ البكاءُ لِقتلى كَراءْ
أُصيبوا معاً، فتولوا معاًكذلك كانوا معاً في رخاءْ
بكتْ لهم الأرض من بعدهموناحت عليهم نجومُ السماءْ
وكانوا ضياءً، فلما انقضى الزَّمان بقومي تولى الضياءْ
وقال أيضاً:
أثَّرَ الدهر في رجالي، فقلُّوابعد جمعٍ، فراح عظمي مَهِيضا
ما تذكرتهم فتملك عينيفيض دمعٍ، وحقَّ لها أن تفيضا
وقال أيضاً:
أولئك قومي بعد عزٍّ وثروةٍتداعوا، فإلا تذرف العين أُكْمَدِ
كأنهم لا ناس للموتِ غيرهمولإن كان فيهم مُنْصفاً غير مُعْتَدِ
وقالت بنت عمرو بن يثربي، ترثي أباها:
يا ضبُّ إنك قد فُجعتِ بفارسٍحامي الحقيقة قاتل الأقرانِ
عمرو بن يثربي الذي فُجِعتْ بهكل القبائل من بني عدنانِ
لم يحمه وسط العجاجة قومهوحنت عليه الأزدُ أزد عُمانِ
فلهم عليَّ بذاك حادث نعمةِولحبهم أحببتُ كلَّ يَمانِ
لو كان يدفع عن منية هالكٍطول الأكفِّ بذابلِ المُرَّانِ
أو معشرٌ وصلوا الخُطا بسيوفهموسط العجاجةِ والحُتوفُ دوانِ
ما نِيلَ عمروٌ والحوادثُ جمةٌحتى يُنال النجمُ والقمرانِ
وقالت بثينة، ترثي جميلاً:
وإن سلوِّي عن جميلٍ لساعةٌمن الدهر ما جاءت، ولا حان حينها
سواءٌ علينا يا جميل بن معمرٍإذا مت بأساء الحياة ولينها
وقال مطرود الخزاعي:
يا عينُ جودي وأذري الدمع واحتفليوابكي حبيسة نفسي في الملماتِ
وابكي على كل فياضٍ أخي حسبٍضخم الدَّسيعةِ وهاب الجزيلاتِ
ماضي الصريمةِ عالي الهمِّ ذي شرفٍجلد النحيزة حمَّال العظيماتِ
صعب المقادة لا نكسٍ ولا وكلٍماضٍ على الهول متلاف الكريماتِ
محضٍ توسط من كعبٍ إذا انتسبوابحبوبة المجد في الشمِّ الرفيعاتِ
وابكي على هاشمٍ في وسط بلقعةٍتسفي الرياح عليه وسط غزَّاتِ
يا عين بكي أبا الشعث الشجياتيبكينه حسَّراً مثل البنياتِ
يبكين عمرو العلا إذ حان مصرعهسمح الشجية بسّام العشياتِ
يبكينه معولاتٍ في معاوذهايا طوْل ذلك من حزنٍ وعولاتِ
وقال أبو طالب يرثي نديماً له مات غريباً:
ليت شعري مسافر بن أبي عمْرٍو، وليت يقولها المحزونُ
كيف كانت مذاقة الموت إذْ مِتَّ، وماذا بعد الممات يكونُ؟!
رحل الركب قافلين إليناوخليلي في مرمس مدفونُ
بورك الميت الغريب كما بورِكَ نضر الريحان والزيتونُ
رُزْءُ ميتٍ على هُبالةَ قد حالتْ فيافٍ من دونه وحزونُ
مِدْرَهُ يدفعُ الخصومَ بأيْدٍوبوجهٍ يزينه العِرنينُ
كم خليلٍ وصاحبٍ وابن عمٍّوحميمٍ قضت عليه المَنونُ!
فتعزيت بالجلادة والصبرِ، وإني بصاحبي لضنينُ
وقال آخر:
لقد غادرت أرماح بكر بن وائلٍقتيلاً عن الأهوال ليس بمُحجِمِ
قتيلاً يظلُّ الحيُّ يثنون بعدهُعليه بأيدٍ من نداهُ وأنْعُمِ
لقد فجعتْ طيٌّ بحلمٍ ونائلٍوصاحب غاراتٍ ونَهْبٍ مقسَّمِ
وقد كان خالي ليس خالٌ كمثلهِدفاعاً لضيم واحتمالاً لِمَغْرَمِ
يذكرني طلوع الشمس صخراًوأندبه لكل غروب شمسِ
ولولا كثرة الباكين حوليعلى أمواتهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكنأسلِّي النفس عنه بالتأسي
وقال أبو الهيذام يرثي أخاه:
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنافإن بها ما يطلب الماجد الوِترا
ولستُ كمن يبكي أخاهُ بعبرةٍيعصرها في جفن مقلته عَصْرا
وإنا أناسٌ ما تفيض دموعناعلى هالكٍ منا، وإن قَصَمَ الظّهْرا
وقال مطيع بن إياس يرثي يحيى بن زيادٍ:
انظر إلى الموت كيف بادههوالموتُ مقدامةٌ على البُهَمِ
لو قد تدبرت ما صنعتَ بهقرعت سناً عليه من ندمِ
فاذهب بما شئت إذ ذهبت بهما بعد يحيى للرزء من ألمِ
وقال يرثيه أيضاً:
قد مضى يحيى، وغودرت فرداًنصْبَ ما سرَّ عيون الأعادي
وأرى عيني مذ غاب يحيىبُدِّلت من نومها بالسُّهادِ
وسّدته الكف مني تُراباًولقد أرثي له من وِسادِ
بين جيرانٍ أقاموا صموتاًلا يحيرون جواب المُنادي
أيها المزن الذي جاد حتىأعشبتْ منه متونُ البوادي
اسقِ قبراً فيه يحيى، فإنيلك بالشكر موافٍ مفادِ
وقال ضرار بن نهشلٍ، يرثي أخاه:
لعمري لئن أمسى يزيد بن نهشلٍحشا جدثٍ تسفي عليه الروائحُ
لقد كان ممن يبسط الكف بالندىإذا ضنَّ بالخير الأكف الشحايحُ
فبعدك أبدى ذو الضغينة ضغنهِوشدَّ لي الطرف العيونُ الكواشحُ
ذكرت الذي مات الندى عند موتهبعافيةٍ، إذ صالحُ القوم صالحُ
إذا أرقي أفنى من الليل ما مضىتمطَّى به ثنيٌ من الليل راجحُ
وقال علبة الحارثي، يرثي ابنه:
لعمرك إني يوم أسلمت جعفراًوأصحابه للموت لما أُقاتلِ
لمجتنبٌ حبَّ المنايا، وإنمايهيج المنايا كل حقٍّ وباطلِ
فراح بهم قومٌ، ولا قوم عندهممغللةٌ أيديهم في السلاسلِ
وربَّ أخٍ لي غاب لو كان شاهداًرآه التباليون لي غير خاذلِ
وقال نهار بن توسعة:
ألا ذهب الغزو المقرب للغنىومات الندى، والجود بعد المهلَّبِ
أقاما بمرو الروذ لا يبرحانهاوقد فقدا من كل شرقِ ومغْربِ
وقالت امرأة من بني عاممر:
أيا شجرات الواد من يضمن القرىإذا لم يكن بالواد عمرو بن عامرِ
فتى جعفر ما كان غير ميامنٍطريق الندى عنه، وغير مياسرِ
ولكن إليه قصد كل معصَّبٍصبورٍ على مستقطعات الجرائرِ
وقال أبو العيص بن حزام المازني:
وكم من صاحبٍ قد بان عنيرميت بفقده، وهو الحبيبُ
فلم أُبْدِ الذي تحنو ضلوعيعليه، وإنني لأنا الكئيبُ
مخافة أن يراني مستكيناًعدوٌ أو يُساء به قريبُ
فيشمت كاشحٌ، ويظن أنيجزوعٌ عند نائبةٍ تنوبُ
فبعدك شدَّت الأعداء طرفاًإليَّ، ورابني دهرٌ يُريبُ
وأنكرتُ الزمان وكل أهليوهرَّتني لغيبتك الكليبُ
وكنتَ تقطِّعُ الأبصار دونيوإن وغرت من الغيظ القلوبُ
وتمنعني من الأعداء، إنيوإن زعموا لمخشي مهيبُ
فلم أرَ مثل يومك كان يوماًبدت فيه النجوم، فما تغيبُ
وليلٍ ما أنام به طويلٍكأني للنجوم به رقيبُ
وما يكُ جائياً، لا بدَّ منهإليك، فسوف يجلبه الجَلوبُ
وقال نهشل بن حري:
ذكرت أخي المخوِّل بعد يأسٍفهاج عليَّ ذكره اشتياقي
فلا أنسى أخي ما دمتُ حياًوإخواني بأقرنة العناقِ
يجرون الفصال إلى الندامىيروض الحزن من كنفي أباقِ
ويغلون السِّباء إذا أتوهُبضمرِ الخيلِ والشُّولِ الحِقاقِ
إذا اتصلوا وقالوا: يالِ غوثٍ!وراحوا في المُحبَّرةِ الرِّقاقِ
أجابكَ كل أروع شمَّريٍّرخي البال منطلق الخناقِ
أناسٌ صالحون نشأتُ فيهمفأودوا بعد إلفٍ واتِّساقِ
مضوا لسبيلهم، ولبثت عنهمولكن لا محالة من لحاقِ
وقال متمم بن نويرة، يرثي أخاه مالكاً:
وكنا كندماني جذيمة حقبةًمن الدهر حتى قيل: لن يتصدعا
وعشنا بخيرٍ في الحياة وقبلناأصاب المنايا رهط كسرى وتبعا
فلما تفرقنا كاني ومالكاًلطول اجتماع لم نبت ليلةً معا
وقال أيضاً:
ولنعم حشو الدرع كان وحاسراًولنعم مأوى الطارق المتنورِ
لا يمسك الفحشاء تحت ثيابهحلوٌ شمائلهُ، عفيفُ المئزرِ
وقال آخر:
أبى حدثان الدهر إلا تفرقاًوأي فتىً يبقى على حدث الدهرِ
وإني إذا ما أعوز الدمع أهلهفزعت إلى وطفاء دائمة القطرِ
وقال النابغة الجعدي:
تذكرت، والذكرى تهيج على الهوىومن حاجة المحزون أن يتذكرا
نداماي عند المنذر بن محرقٍأرى اليوم منهم ظاهر الأرض مُقفرا
كُهولٌ وفتيانٌ كأن وجوههمدنانيرُ مما شِيف في أرض قيصَرا
وقال عبد الله بن الزبير:
عقدتم لعمرو عقده، وغدرتمبأبيض كالمصباح في ليلة الدجنِ
فما قال عمروٌ، إذ يجود بنفسهلضاربه حتى قضى نحبه دعني
وقال آخر، يرثي يزيد بن مزيدٍ:
أبعد يزيد تختزن البواكيدموعاً أو يُصان لها خدودُ؟
فغن يهلك " يزيدٌ " فكلُّ حيٍّفريسٌ للمنية، أو طريدُ
لقد عزَّى ربيعة أن يوماًعليها مثل يومك لا يعودُ
وقال أبو دهبل الجمحي يرثي الحسين:
يبيت النشامى من أمية نوَّماًوبالطَّفِّ قتلى ما ينام حميمها
وما ضيَّع الإسلام إلا عصابةٌتأمّرَ نوكاها، ودام نعيمها
وصارت قناة الدين في كف ظالمٍإذا مال منها جانبٌ لا يقيمها
وقال عمران بن حطان الخارجي:
يا عينُ بكِّي لمرداسٍ ومصرعهيا ربَّ مرداس ألحقني بمرداسِ
تركتني هائماً أبكي لمرزأتيفي منزلٍ موحشٍ من بعد إيناسِ
أنكرتُ بعدك من قد كنت أعرفهُما الناس بعدك يا مرداس بالناسِ
وقال عيسى بن فاتكٍ الخطي الخارجي:
ألا في الله لا في الناس شالتْبداودٍ وإخوته الجذوعُ
مَضَوا قتلاً وتمزيقاً وصلباًتحومُ عليهم طيرٌ وقوعُ
إذا ما الليل أسفر كابدوهُفيسفر عنهم، وهم ركوعُ
أطار الخوف نومهم فقامواوأهل الأرض في الدنيا هُجوعُ
وقال عبيدة بن هلال الخارجي:
ومسومٍ للحربِ يركب ردعهبين الأسنة والقنا الخطارِ
يدنو وترفعه الرماح كأنهشلوٌ تنشَّبَ في مخالب ضارِ
فثوى صريعاً والرماح تنوشهُإن الشراة قصيرة الأعمارِ
وقال بعض الخوارج يرثي نافع بن الأزرق، وكان خليفتهم:
شِمْتُ ابن بدرٍ، والحوادثُ جمةٌوالحائرون بنافعٍ بن الأزرقِ
والموتُ حتمٌ لا محالة واقعٌمن لا يصبِّحه نهاراً يَطْرقُ
فلئن أمير المؤمنين أصابهُريبُ المنون، فمن يصبه يغلقِ
وقال عمرو بن الحصين العنبري الخارجي:
هبّت قبيل تبلج الفجرهندٌ تقول، ودمعها يجري
إذ أبصرت عيني وأدمعهاتنهلُّ واكفةً على النحرِ
أنّى اعتراك وكنت عهدي لاسرب الدموع، وكنت ذا صبرِ
أقذىً بعينك ما يفارقهاأم عائرٌ، أم مالها تذري
أم ذكر إخوانٍ فجعتَ بهمسلكوا سبيلهم على قدرِ
فأجبتها: بل ذكر مصرعهملا غيره، عبراتها يمري
يا ربِّ أسلكني سبيلهمذا العرش واشدد بالتقى أزري
في فتيةٍ صبروا نفوسهمللمشرفية والقنا السمرِ
تالله ألقى الدهر مثلهمحتى أكون رهينة القبرِ
أوفي بذمتهم إذا عقدواوأعف عند العسر واليسرِ
متأهبون لكل صالحةٍناهون من لاقوا عن النُّكرِ
صمتٌ إذا حضروا مجالسهممن غير ما عيٍّ بهم يُزري
إلا نحيبهم فإنهمرجف القلوب بحضرة الذِّكرِ
متأوهون كأن جمر غضاًللخوف بين ضلوعهم يسري
تلقاهم إلا كأنهملخشوعهم صدوراً عن الحشرِ
فهم كأن بهم جوى مرضٍأو مسهم طرفٌ من السحرِ
لا ليلهم ليلٌ، فتلبسهمفيه غواشي النوم بالسُّكرِ
إلا كذا خلساً وآونةًحذر العقاب، فهم على ذعرِ
كم من أخٍ لك قد فجعت بهقوام ليلته إلى الفجرِ
متأوهاً يتلو قوارع منآي الكتاب مقرح الصدرِ
نصباً تجيشُ بناتُ مهجتهمن خوف جيش مشاشة القدرِ
ظمآن رقدة كل هاجرةٍترَّاك لذته على قدرِ
رفّاض ما تهوى النفوس إذارغب النفوس دعا إلى المُزري
ومبراً من كل سيئةٍعفَّ الهوى ذا مرةٍ شزْرِ
والمصطلي بالحرب يوقدهابحسامه في فتيةٍ زُهرِ
يختاضها بأقل ذي شُطبٍعضب المضارب ظاهرِ الأثرِ
لا شيء تلقاهُ أسرُّ لهمن طعنةٍ في ثغرةِ النّحرِ
منهارةٍ منه تجيشُ بماكانت عواصمُ جوفهِ تجري
كخيلكَ المختار أذكِ بهمن مغتدٍ في الله أو مُسْرِ
خوَّاض غمرة كل متلفةٍفي الله تحت العشير الكدْرِ
ترَّاك ذي النخوات مختضباًبنجيعه بالطعنة النترِ
وابن الحصين، وهل له شبةٌفي العُرْف، أنّى كان والنُّكرِ
بسّامةٍ لم يحن أضلعهلذوي أخوته على غدرِ
طلق اللسان بكل محكمةٍرآب صدْع العظم ذي الوقرِ
لم ينفكك في جوفه حزنٌتغلي حزازته ويستشري
ترقى وآونة يخفضهابتنفس الصعداء والزَّفرِ
ومخالطي بلجٌ وخالصتيسمُّ العدوِّ، وجابر الكسرِ
نكل الخصوم إذا هم شغبواوسداد ثلمة حوزة الثغرِ
والخائضُ الغمرات يخطر فيوسط الأعادي أيما خطرْ
بمشطبٍ أو غير ذي شطبٍهام العدى بذبابه يفري
وأخيكِ أبرهة الهجان أخي الحرب العوان، وموقد الجمرِ
والضارب الأخدود ليس لهاحدٌّ ينهنهها عن السحرِ
ووليُّ حكمهم فجعت بهعمروٌ، فواكبدي على عمرو!
قوَّال محكمةٍ، وذو فهمٍعف الهوى متثبت الأمرِ
ومسيَّبٌ، فاذكر وصيتهلا تنسَ، إما كنت ذا ذكرِ
فكلاهما قد كان مختشعاًلله ذا تقوى، وذا برِّ
في مخبتين، ولم أسمهمكانوا يدي، وهو أولو نصري
وهم مساعرُ في الوغى رجحٌوخيار من يمشي على العفْرِ
حتى وفوا لله حيث لقوابعهود لا كذبٍ ولا غُدرِ
فتخالسوا مهجات أنفسهموعداتهم بقواضبٍ بترِ
وأسنةٍ أثبتن في لدنٍخطيةٍ بأكفهم زهرِ
تحت العجاج وفوقهم خرقٌيخفقن من سودٍ ومن حُمْرِ
وتوقدت نيران حربهمما بين أعلى البيت فالحِجرِ
وتصرعت عنهم فوارسهملم يغمضوا عيناً على وِترِ
صرعى فحاجلةٌ تنوبهموخوامعٌ لجسومهم تفري
وقال مهلهل يرثي أخاه كُليباً:
كليبُ لا خير في الدنيا ومن فيهاإذا أنت خليتها فيمن يُخلِّيها
نعى النُّعاة كُليباً، فقلت لهم:مالتْ بنا الأرض، أو زالت رواسيها
الحزم والعزم كانا من صنائعهما كل آلائه يا قوم أُحصيها
القائد الخيلُ تردى في أعنتهارهواً، إذا الخيل لجت في تعاديها
يهزهزون من الخطي مدمجةًكمتاً أنابيبها، شهباً عزاليها
ليت السماء على من تحتها وقعتوانشقت الأرض، وانجابت بمن فيها
وقال جرير يرثي ابنه سوادة، وقد مات بالشام:
أودى سوادة، يجلو مقلتي لحمٍبازٍ يصرصرُ فوقَ المربأ العالي
فارقتنا حين كف الدهر من بصريوحين صرت كعظم الرمة البالي
إلا تكن لك بالديرين باكيةٌفرب باكيةٍ بالرمل مِعوالِ
قالوا: نصيبك من أجرٍ، فقلت لهم:كيف العزاء، وقد فارقت أشبالي
وقال نصيب يرثي عبد العزيز بن مروان:
أصبتُ يوم الصعيد من سَكَرٍمصيبةً ليس لي بها قِبَلُ
تالله أنسى مصيبتي أبداًما أسمعتني حنينها الإبلُ
ولا التبكي عليه أعْولهُكل المصيباتِ بعدهُ جللُ
لم يعلم النعشُ ما عليه من العُرفِ، ولا الحاملون ما حملوا
حتى أجنوه في ضريحهمحين انتهى من خليلك الأملُ
وقال هلال بن الأسعر يرثي رجلاً من قومه اسمه المغيرة:
ألا ليت المغيرة كان حياًوأفنى قبله الناس الفناءُ
ليبك على المغيرة كل خيلٍإذا أفنى عرائكها اللقاءُ
ويبكِ على المغيرة كل كلٍّفقيرٍ كان يُنعشهُ العطاءُ
ويبكِ على المغيرة كل جيشٍتمور لدى معاركه الدماءُ
فتى الفتيان فارس كل حربٍإذا شالت، وقد رفع اللواءُ
لقد وارى جديد الأرض منهخصالاً عقد عصمتها الوفاءُ
فصبراً للنوائب، إن ألمتإذا ما ضاق بالحدثِ الفضاءُ
هزبرٌ تنجلي الغمرات عنهنقي العرض همته العلاءُ
إذا شهد الكريهة خاض منهابحوراً لا تكدرها الدلاءُ
جسورٌ لا يروعُ عند روعٍولا يثني عزيمته اتقاءُ
حليمٌ في مشاهده إذا ماحبا الحلماء أطلقها المِراءُ
حميدٌ في عشيرته، فقيدٌيطيب عليه في الملأ الثناءُ
فإن تكن المنية أقصدتهوحم عليه بالتلفِ القضاءُ
فقد أودى به كرمٌ وخيرٌوعودٌ بالفضائل وابتداءُ
وجودٌ لا يضم إليه جوداًمراهنه إذا جد الجراءُ
وقال مروان بن أبي حفصة لما مات المهدي:
لقد أصبحت تختال في كل بلدةٍبقبر أمير المؤمنين المقابرُ
ولو لم تسكن بابنه في مكانهلما برحت تبكي عليه المنابرُ
وقال عروة بن أُذينة:
سرى همي، وهم المرء يسريوغار النجم إلا قيد فِتْرِ
أراقبُ في المجرة كلَّ نجمٍتعرَّض في المجرة كيف يجري
بحزنٍ ما أزال له مديماًكأن القلب أسعر حرَّ جمْرِ
على بكرٍ أخي ولَّى حميداًوأي العيش يحسن بعد بكرِ
وقال الوليد بن يزيد يرثي نديمه القاسم بن الطويل:
عيني للحدث الجليلجوداً بأربعةٍ هُمُولِ
جوداً بدمعٍ، إنهيشفي الفؤادَ من الغليلِ
لله قبرٌ ضمِّنتْفيه عظامُ ابن الطويلِ
ماذا تضمن إذ ثوىفيه من اللب الأصيلِ
قد كنت آوي من هواك إلى ذرا كهفٍ ظليلِ
أصبحت بعدك واحداًفرداً بمدرجة السيولِ
وقال أبو طالب يرثي نديمه مسافر بن أبي عمرو:
ألا إن خير الناس غير مدافعٍبسرو لنجم غيبته المقابرُ
تُبكِّي أباها أم وهبٍ، وقد نأىوريسان أمسى دونه ويحابرُ
على خير حافٍ من معدٍّ وناعلٍإذا الخير يرجى، أو إذا الشر حاضرُ
تنادوا ولا أبو أمية فيهملقد بلغت كظَّ النفوس الحناجرُ
وقال الحسين بن الضحاك يرثي الأمين:
سألونا أن كيف نحن فقلنا:من هوى نجمه، فكيف يكون؟
نحن قومٌ أصابنا حدث الدهر، فظلنا لريبه نستكينُ
نتمنى من الأمين إياباًلهفَ نفسي، وأين مني الأمينُ!
وقال أيضاً:
أعزي يا محمد عنك نفسيمعاذ الله، والأيدي الجسامِ
فهلا مات قومٌ لم يموتواودوفع عنك لي يوم الحمامِ
كأن الموت صادف منك غنماًأو استشفى بقربك من سَقامِ
وقال الحطيئة يرثي علقمة بن علاثة حين قصده فوجده ميتاً:
لعمري لنعم المرء من آل جعفرٍبحوران أمسى أعلقته الحبائلُ
فإن تحيَ لا أملُلْ حياتي، وإن تمتفما في حياة بعد موتك طائلُ
وما كان بيني لو لقيتك سالماًوبين الغنى إلا ليالٍ قلائلُ
وقال أبو العباس الأعمى، واسمه السائبُ بن فرُّوخ، يرثي بني أمية:
آمت نساء بني أمية منهموبناتهم بمضيعة أيتامِ
نامت جدودهم وأسقط نجمهموالنجم يسقط، والجدود نيامُ
خلت المنابر والأسرة منهمفعليهم حتى الممات سلامُ
وقال أيضاً:
ليت شعري أفاح رائحة المسكِ، وما إن إخال بالخيفِ أُنسي
حين غابت بنو أمية منهوالبهاليل من بني عبد شمسِ
خطباءُ على المنابر فرسانٌ عليها، وقالةٌ غير خرسِ
لا يعابون صامتون، وإن قالوا أصابوا، ولم يقولوا بلبسِ
بحلومٍ، إذا الحلوم تقضَّتْووجوه مثل الدنانير مُلْسِ
وقالت الخنساء ترثي أخويها صخراً ومعاوية وأباها عمراً:
من جشَّ لي الأخوين كالعضين أو مذراهما
قرمين لا يتظالمان، ولا يرام حماهما
ويلي على الأخوين والقبر الذي واراهما
لا مثل كهلي في الكهول، ولا فتىً كفتاهما
رمحين خطيين فيكبد السماء سناهما
ما خلفا، إذا ودعافي سؤددٍ شرواهما
سادا بغير تكلفٍعفواص بفيض نداهما
وقالت أيضاً:
أعينيَّ جودي ولا تجمداألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجريء الجميلالا تبكيان الفتى السيدا
طويل النجاد، رفيع العماد، ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدوا بأيديهمإلى المجد مد إليه يدا
فنال الذي فوق أيديهممن المجد، ثم مضى مصعدا
يحمله القوم ما عالهموإن كان أصغرهم مولدا
ترى المجد يهوي إلى بيتهيرى أفضل المجد أن يحمدا
وإن ذكر المجد ألفيتهتأزر بالمجد، ثم ارتدى
وقالت ليلى الأخيلية ترثي توبة بن الحمير:
فإن تكن القتلى بواءً، فإنكمفتىً ما قتلتم آل عوف بن عامرِ
فتىً كان أحيا من فتاةٍ حييةٍوأشجع من ليثٍ بخفان خادرِ
فتىً كان للمولى سناءً ورفعةًوللطارق الساري قرىً غير ياسرِ
وقد كان طلاع النجاد وبين اللسان ومدلاج السرى غير فاترِ
فأقسمت أبكي بعد توبة هالكاًوأحفل من نالت صروف المقادرِ
وقالت الفارعة ترثي أخاها الوليد بن طريف:
بتلِّ نُهاكَى رسم قبرٍ كأنهعلى جبلٍ فوق الجبال مُنيفِ
تضمّنَ مجداً عدلمياً وسؤدداًوهمة مقدامٍ، ورأي حصيفِ
فيا شجر الخابور مالكَ مورقاًكأنك لم تحزن على ابن طريفِ
فتىً لا يحبُّ الزاد إلا من التقىولا المال إلا من قناً وسيوفِ
ولا الدخر إلا كل جرداء صلدمٍمعاودةٍ للكرِّ بين صفوفِ
كأنك لم تشهد هناك ولم تقُمْمقاماً على الأعداء غير خفيفِ
ولم تستلم يوماً لوردٍ كريهةٍمن السرد في خضراء ذات رفيفِ
ولم تسعَ يوم الحرب، والحربُ لاقحٌوسمرُ القنا ينكزنها بأنوفِ
حليف الندى ما عاش يرضى به الندىفإن مات لا يرضى الندى بحليفِ
فقدناك فقدان الشباب، وليتنافديناك من ساداتنا بألوفِ
وما زال حتى أزهق الموت نفسهشجاً لعدوٍّ أو نجاً لضعيفِ
ألا يا لقومي للحمام وللبلىوللأرض همت بعده برجوفِ
ألا يا لقومي للنوائب والردىودهرٍ ملحٍّ بالكرام عفيفِ
وللبدر من بين الكواكب إذ هوىوللشمس لما أزمعت بكسوفِ
ولليث كل الليث إذ يحملونهإلى حفرةٍ ملحودةٍ وسقيفِ
ألا قاتل الله الحشا حيث أضمرتفتىً كان للمعروف غير عيوفِ
فإن يكُ أرداه يزيد بن مزيدٍفرُبَّ زحوفٍ لفها بزحوفِ
عليه سلام الله وقفاً، فإننيأرى الموت وقاعاً بكل شريفِ
وقالت أيضاً:
يا بني وائلٍ لقد فجعتكممن يزيدٍ سيوفه بالوليدِ
لو سيوفٌ سوى سيوف يزيدٌقاتلته لاقت خلاف السعودِ
وائلٌ بعضها يقتل بعضاًلا يفل الحديد غير الحديدِ
وقال أعشى باهلة يرثي المنتشر بن وهب الباهلي:
إنني أتتني لسانٌ لا أُسرُّ بهامن علو لا عجبٌ فيها، ولا سخرُ
فظلت مكتئباً حرَّان أندبهوكنت أحذره، لو ينفع الحذرُ
فجاشت النفس لما جاء جمعهموراكبٌ جاء من تثليث معتمرٍ
يأتي على الناس لا يلوي على أحدٍحتى التقينا، وكانت دوننا مضرُ
إن الذي جئت من تثليث تندبهمنه السماح ومنه النهي والغِيرُ
تنعى امرءاً لا تغبُّ الحيَّ جفنتهإذا الكواكب أخطأ نوءها المطرُ
وراحت الشولُ مغبراً مناكبهاشعثاً تغير منها النِّيُّ والوبرُ
وألجأ الكلبَ موقوع الصقيع بهوألجأ الحيَّ من تنفاخها الحُجَرُ
عليه أول زاد القوم قد علمواثم الطيُّ، إذا ما أرملوا جزروا
قد تكظم البُزْلُ منه حين تبصرهُحنّى تقطّع في أعناقها الجِررُ
أخو رغائبَ يعطيها ويسلبهايأبى الظلامة منه النوفلُ الزفرُ
لم ترَ أرضاً، ولم تسمع بساكنهاإلا بها من بوادي وقعه أثرُ
وليس فيه، إذا استنظرته عجلٌوليس فيه، إذا ياسرته العُسُرُ
فإن يصبك عدوٌ في مناوأةٍيوماً فقد كنت تستعلي وتنتصرُ
من ليس في خيره من يكدِّرهُعلى الصديق، ولا في صفوه كَدَرُ
أخو حروبٍ ومكسابٌ إذا عدمواوفي المخافة منه الجد والحذرُ
مِرْدى حروبٍ ونورٌ يستضاء بهكما أضاء سواد الظلمة القمرُ
مهفهفٌ أهضمُ الكشحين منخرقٌعنه القميصُ، لسير الليل محتقرُ
طاوي المصير على العزاء منجردٌبالقوم ليلة لا ماءٌ ولا شجرُ
لا يصعب الأمر إلا ريث يركبهوكل أمرٍ سوى الفحشاء يأتمرُ
لا يتأرى لما في القدر يرقبهولا يعضُّ على شرسوفه الصَّفرُ
لا يغمز الساق من أين ولا نصبٍولا يزال أمام القوم يقتفرُ
لا يأمن الناس ممساه ومصبحهفي كل فجٍّ، وإن لم يغزُ منتظرُ
يكفيه حزة فلذٍ إن ألم بهامن الشواء، ويروي شربه الغُمرُ
لا تأمن البازل الكوماء غدوتهُولا الأمُون، إذا ما اخروَّطَ السفرُ
كانه بعد صدق الناس أنفسهمباليأس تلمع من قدَّامه البُشُرُ
لا يعجل القوم أن تغلي مراجلهمْويدلجُ الليلَ حتى يفسح البصرُ
عشنا به حقبةً حياً، ففارقناكذلك الرمح ذو النصلين ينكسرُ
أصبتَ في حرمٍ منا أخا ثقةٍهند بن أسماءَ، لا يهنئُ لك الظَّفرُ
لو لم تخنه نُفيلٌ، وهي خائفةٌلصبح القوم ورداً ما له صدَرُ
وأقبل الخيل من تثليل مصغيةًوضمَّ أعينها رعوان أو حضرُ
إما سلكت سبيلاً كنت سالكهافاذهب، فلا يبعدنك الله منتشرُ
وقالت الفارعة المرية ترثي أخاها مسعود بن شداد:
يا عين جودي لمسعود بن شدادِبكل ذي عبراتٍ شجوه بادِ
يا من رأى بارقاً، قد بتُّ أرمقهجوداً على الحرة السوداء بالوادي
أسقي به قبراً من أعني، وحب بهقبراً إليَّ، وإن لم يفده فادِ
شهادُ أنديةٍ، رفّاع أبنيةٍشدّاد ألويةٍ، فتّاح أسدادِ
نحَّار راغيةٍ، قتّال طاغيةٍحلاّل رابيةٍ، فكّاك أقيادِ
قوَّال مُحكمةٍ، نقّاض ُ مبرمةٍفرَّاج مبهمةٍ، حبَّاس أورادِ
حلاَّل ممرعةٍ، حمّال معضلةٍقرَّاع مفظعةٍ، طلاَّاع أنجادِ
جمَّاع كل خصال الخير، قد علموازين الندي وخطل الظالم العادي
أبا زُرارة لا تبعدْ، فكل فتىيوماً رهينُ صفيحاتٍ وأعوادِ
وقالت أم حكيم الكنانية ترثي ابنيها:
ألا من بيَّن الأخوين أمهما هي الثكلى
تُسائلُ من رأى ابنيهاوتستسقي فما تُسقى
فلما استيأست رجعتبعبرةٍ والهٍ حرَّى
تتابعُ بين ولولةٍوبين مدامعٍ تترى
وقال الأسود بن يعفر النهشلي:
ماذا أؤمل بعد آل محرِّقٍتركوا منازلهم وبعد إيادِ؟
أهل الخورنق والسدير وبارقٍوالقصر ذي الشرفات من سندادِ
جرت الرياح على محل ديارهمفكأنما كانوا على ميعادِ
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشةٍفي ظل ملكٍ ثابت الأوتادِ
فإذا النعيم وكل ما يلهى بهيوماً يصير إلى بلىً ونفادِ
وقال أيضاً يرثي مسروق بن المنذر بن سلمى:
أقول لما أتاني هلك سيدنالا يبعد الله رب الناس مسروقا
من لا يشيّعه عجزٌ ولا بخلٌولا يبيت لديه اللحمُ موشوقا
مِردى حروبٍ، إذا ما الخيل ضرّجهانضح الدماءِ وقد كانت أفاريقا
والطاعنُ الطعنة النجلاء تحسبهاشناً هزيماً يمجُّ الماء مخروقا
وجفنةٍ كنضيح البئر متأقةٍترى جوانبها باللحم مفتوقا
يسرتها ليتامى أو لأرملةٍوكنت بالبائس المتروك محقوقا
يا لهف أمي إذ أودى وفارقنيأودى ابن سلمى نقي العِرضِ موموقا
وقال أرطأة بن سهية يرثي قتلى من قومه قتلوا يوم بنات قينٍ:
أعاذلتي ألا لا تعذليناأقلِّي اللوم إن لم تنفعينا
فقد أكثرتِ لو أعنيت شيئاًولست بقابلٍ ما تأمرينا
فلا وأبيك لا تنفكُّ تبكيعلى قتلى هنالك ما بقينا
على قتلى هنالك أوجعتناوأنستنا رجالاً آخرينا
سنبكي بالرماح إذا التقيناعلى إخواننا وعلى بنينا
بطعنٍ ترعد الأحشاء منهيردُّ البيض والأبدان جونا
كأن الخيل إذ آنسن كلباًيرين وراءهم ما يبتغينا
وقال الأُبيرد الرياحي يرثي أخاه بُريداً:
إذا ذكرت نفسي بُريداً تحاملتْإليَّ، فلم أملك لعيني مدمعا
وذكَّرنيك الناس حين تحاملواعليَّ وأضحوا جِلدَ أجربَ مولعا
فلا يبعدنك الله خير أخي امرئٍفقد كنت طلاَّع النِّجاد سَميْدَعا
وصولاً لذي القربى بعيداً عن الخناإذا ارتادك الجادي من الناس أمرعا
أخو ثقةٍ لا ينتحي القوم دونهإذا القوم خالوا أو رجا الناس مطمعا
ولا يركب الوجناء دون رفيقهإذا القوم أزجوهن حسرى وظلّعا
وقال غيلان بن سلمة الثقفي يرثي ابنه نافعاً
ما بال عيني لا تغمِّض ساعةًإلا اعتلتني عبرةٌ تغشاني
أرعى نجوم الليل عند طلوعهاوهناً وهن من الغروب دوانِ
يا نافعاً من للفوارس أحجمتعن فارسٍ يعلو ذُرا الأقرانِ
فلو استطعت جعلت مني نافعاًبين اللهاةِ وبين عكدِ لِساني
وقال معيَّة بن الحمام يرثي أخاه الحُصين بن الحمام المرِّي:
إذا لاقيت جمعاً، أو فئاماًفإني لا أرى كأبي يزيدا
أشدُّ مهابةً، وأعز ركناًوأصلب ساعة الضراء عُودا
صفيِّي وابن أمي والمواسيإذا ما النفس شارفت الوريدا
كأن مصدَّراً يحبو ورائيإلى اشباله يبغي الأسودا
وقال أبو العيال الهذلي يُرثي أخاه لأمه:
ألا للهِ درُّك منفتى قومٍ إذا رهبوا
وقالوا: من فتىً للحرْبِ يرقبنا ويرتقبُ
فكنت فتاهم فيهاإذا تدعى لها تثبُ
ذكرت أخي، فعاودنيصداع الرأس والوصبُ
كما يعتاد ذات البَوِّ بعد سلوها الطربُ
فدمع العين من برحاءِ ما في الصدر ينسكبُ
كما أودى بماء الشَّنَّةِ المحزوزة السَرَبُ
على عبد بن زهرة بتُّ طول الليل أنتحبُ
وقال أوس بن حجر يرثي فضالة بن كلدة:
يا عينُ لا بد من سكبٍ وتهمالِعلى فضالة، جل الرزءُ والعالي
أبا دليجة، من توصي بأرملةٍأم من لأشعثَ ذي طمرينَ، ممحالِ
أبا دليجة من يكفي العشيرة إذأمسوا من الأمر في لبسٍ وبلبالِ
لازال مسكٌ وريحانٌ له أرجٌعلى صداك بصافي اللون سلْسالِ
وقال يرثيه أيضاً:
أيتها النفس، أجملي جزعاإن الذي تكرهين قد وقعا
إن الذي جمَّع السماحة والنجدة والحزم والقوى جُمِعا
المُخلِف المُتلِف المرزَّأُ لميمتعْ بضعفٍ، ولم يمتْ طبعا
أودى وهل تنفعُ الإشاحةُ منشيءٍ لمن قد يحاول النَّزعا
وقال قيس بن زهيرة، يرثي الحارث بن ظالم:
ما قصرتْ من حاضنٍ ستر بيتهاأبرَّ وأوفى منك حارِ بن ظالمِ
أعزَّ وأحمى عند جارٍ وذمةٍوأضربَ في كابٍ من النقع قاتمِ
وقال عمر بن أبي ربيعة:
يا راكباً نحو المدينة جسرةًأجداً تلاعب حلقةً وزِماما
اقرأ على أهل البقيع من امرئٍكمدٍ على أهل البقيع سلاما
كم غيبوا فيه كريماً ماجداًشهماً ومقتبلَ الشباب غلاما
ونفيسةً في أهلها مرجوةًجمعت صباحة صورةٍ وتماما
وقال إسماعيل بن يسار يرثي أخاه محمد بن يسار:
غيل العزاءُ، وخانني صبريلما نعى الناعي أبا بكرِ
ورأيت ريب الدهر أفردنيمنه، وأسلم للعدى ظهري
من طيِّب الأثوابِ مقتبلٌحلو الشمائل ماجدٍ غمرِ
فمضى لوجهته، وأدركهقدرٌ أتيح له من القَدْرِ
وغبرتُ مالي من تذكرهإلا الأسى وحرارة الصدرِ
وجوىً يعاودني، وقلَّ لهمني الجوى ومحاسنُ الذِّكرِ
لما هوت أيدي الرجال بهفي قعر ذات جوانبٍ غَبْرِ
وعلمت أني لن ألاقيهفي الناس حتى ملتقى الحشرِ
كادت لفرقتهِ، وما ظَلَمتْنفسي تموتُ على شفا القبرِ
ولَعَمْرُ من حُبِسَ الهَدِيُّ لهبالأخشبينَ صبيحة النَّحْرِ
لو كان نيلُ الخُلدِ يدركهُبَشَرٌ بطيْبِ الخِيْمِ والنَّجرِ
لَغَبَرْتَ لا تخشى المنونَ، ولاأودى بنفسكَ حادثُ الدهرِ
وَلَنِعْمَ مأوى المُرْملِينَ، إذاقحطوا وأخلفَ صائبُ القَطْرِ
كم قُلْتُ آونةً، وقد ذرفتْعيني، فماءُ شؤونها يجري
أنّى وأيُّ فَتَىً يكون لناشرواكَ عند تفاقمِ الأمرِ
لدفاعِ خصمٍ ذي مشاغبةٍولعائلٍ تَرِبٍ أخي فقرِ
ولقد علمت، وإن ضمنت جوىًمما أجنُّ كواهج الجمرِ
ما لامرئٍ دون المنة مننفقٍ، فيحرزه، ولا سترِ
وقال أبو العطاء السندي:
فاضت دموعي على نصرٍ، وما ظلمتعينٌ تفيضُ على نصر بن سيارِ
يا نصرُ من للقاء الحرب إن لقحتْيا نصر بعدك أو للضيف والجارِ
الخندفيُّ الذي يحمي حقيقتهفي كل يومٍ مخوف الشر والعارِ
والقائدُ الخيلُ قباً في أعنتهابالقوم حتى تلفّض القارَ بالقارِ
من كل أبيضَ كالمصباحِ من مُضرٍيجلو بسنَّتهِ الظلماء للساري
ماضٍ على الهول مقدامٌ إذا اعترضتْسمرُ الرماحِ، وولى كلُّ فرَّارِ
إن قال قولاً وفى بالقول موعدهإن الكنانيَّ وافٍ غير غدَّارِ
وقال خفاف بن ندبة يرثي حضير الكتائب، وكان صديقه:
أتاني حديثٌ فكذبتهُوقيل: خليلكَ في المَرْمَسِ
فيا عين بكِّي حضير الندىحضير الكتائبَ والمجلسِ
ويومٍ شديد أوارِ الحديدِتقطَّع منه عُرى الأنفسِ
صليتَ به وعليك الحديدُ ما بين سلعٍ إلى الأعرَسِ
فأودى بنفسك يوم الوغىونقَّى ثيابك، لم تدْنُسِ
وقال أبو داؤدٍ الإيادي:
لا أعدُّ الإقتار عُدماً، ولكنفَقْدُ من قد رُزِئْتُهُ الإعدامُ
من رجالٍ من الأقاربِ بانوامن جذامٍ هم الرؤوسُ الكرامُ
سُلّط الموتُ والمنونُ عليهمفلهم في صدى المقابر هامُ
وكذاكم سبيلُ كل أناسٍسوف، حقاً، تبليهم الأيامُ
وقال محمد بن بشير الخارجي يرثي زيد بن الحسن:
نعاهُ لنا الناعي، فظلنا كأننانرى الأرض فينا أنه حان حينها
وزلَّتْ بنا أقدامنا، وتقلَّبتْظهور روابيها بنا وبُطونُها
وآبَ ذوو الألباب منا كأنمايرون شمالاً فارقتها يمينُها
سقى الله سُقيا رحمةٍ تُربَ حفرةٍمقيمٍ على زيدٍ ثراها وطينها
وقال أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي:
واحربا من فراق قومٍهم المصابيحُ والحصونُ
والأُسْدُ والمُزْنُ والرواسيوالأمنُ والخفضُ والسكونُ
لم تتنكر لنا اللياليحتى توفتهم المنونُ
فكل نارٍ لنا قلوبٌوكل ماءٍ لنا عيونُ
وقال العباس بن الأحنف:
سبحان ربِّ العُلا ما كان أغفلنيعما رمتني به الأيام والزمنُ!
من لم يذقْ فرقةَ الأحبابِ ثم يرىآثارهم بعدهم لم يدرِ ما الحزنُ؟
وقال آخر:
بالله يا قبرُ! هل زالت محاسنهاوهل تغير ذاك المنظر النَضِرُ؟
ما أنت يا قبر، لا روضٌ، ولا فلكٌفكيف جمِّع فيك الغُصْنُ والقَمَرُ؟
وقال أبو دهبل الجمحي يرثي ابن الأزرق:
لقد غال هذا اللحد من بطن عُليبٍفتىً كان من أهل الندى والتكرُّمِ
فتىً كان فيما ناب يوماً هو الفتىونعم الفتى للطارقِ المتيمِّمِ
أألْحَقُّ أني لا أزال على مِنىًإذا صدر الحُجّاج عن كل موسمِ
سقى الله أرضاً أنت ساكن قبرهاسجالَ الغوادي من سحيلٍ ومبرمِ
وقال آخر:
ما غاض دمعي عند نازلةٍإلا جعلتك للبكا سببا
فإذا ذكرتك سامحتْكَ بهمني الجفونُ، ففاض وانسكبا
إني أُجلُّ ثرىً حللْتَ بهمن أن أُرى لسواه مُكتئبا
وقال الخثعمي:
فتىً كغرار السيف لاقى منيةًوأيدي المنايا جمةُ الخَلَجانِ
فمات وأبقى من تُراثِ عطائهِكما أبقتِ الأنواءُ للحيوانِ
النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع