من «حماسة القرشي» لعباس القرشي (ت ١٢٩٩هـ)
الباب السادس في: الأدب
قال بعضهم:
إذا ما غفرت الذنب يوماً لصاحبٍفلست مُعيداً ما حييت له ذكرا
فلست إذا ما صاحبٌ خان عهدهوعندي له سرٌ مذيعاً له سرا
وقال موسى بن حكيم العبشمي:
دعاني عوفٌ دعوةً، فأجبتهومن ذا الذي يدعى لنائبةٍ بعدي
فلو بي بدأتم قبل من قد دعوتملفرَّجت عنكم كل نائبةٍ وحدي
إذا ما عدوٌ غاظني، ثم أجحفتبه نكبةٌ حلت رزيته حقدي
وقال الوليد بن يزيد:
فأقسم ما أدنيت كفي لريبةٍولا حملتني نحو فاحشةٍ رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لهاولا دلني رأيي عليها ولا عقلي
وأعلم أني لم تصبني مصيبةٌمن الدهر إلا قد اصابت فتىً مثلي
وقال آخر:
ما إن دعاني الهوى لفاحشةٍإلا نهاني الحياءُ والكرمُ
فلا إلى محرمٍ مددت يديولا مشت بي لريبةٍ قدمُ
وقال المعذَّل بن غيلان:
إلى الله أشكو، لا إلى الناس أننيأرى صالح الأعمال لا استطيعها
أرى خُلةً في إخوةٍ وأقاربٍوذي رحمٍ ما كان مثلي يضيعها
فلو ساعدتني في المكاره قدرةٌلفاض عليهم بالنوالِ ربيعها
وقال أيضاً:
ولستُ بميّالٍ إلَى جانب الغنَىإذَا كانتِ العلياءُ في جانبِ الفقرِ
وإنِّي لصبّارٌ علَى مَا ينوبُنيوحسبكَ أنَّ اللهَ أثنَى علَى الصّبرِ
وقال أبو حيّة النميريّ:
إنّي رأيتُ، وفي الأيامِ تجربةٌللصَّبرِ عاقبةً محمودةَ الأثرِ
وقلَّ منْ جدَّ في أمرٍ يحاولهُواستصحبَ الصَّبرَ إلاَّ فازَ بالظَّفرِ
وقال آخر:
خلقانِ لا أرضاهمَا لفتًىتيهُ الغنَى ومذلَّةُ الفقرِ
فإذَا غنيتَ فلا تكنْ بطراًوإذَا افتقرتَ، فتهْ علَى الدَّهرِ
وقال سعية بن غريضٍ أخو السموءل بن عادياء:
إنَّا إذَا مالتْ داوعِي الهوَىوأنصتَ السَّامعُ للقائلِ
لا نجعلُ الباطلَ حقّاً ولانسلطُّ دونَ الحقِّ بالباطلِ
نخافُ أنْ تسفهَ أحلامنَافنخملَ الدَّهرَ معَ الخاملِ
وقال ضابيء البرجميّ:
وربَّ أمورٍ لا تضيركَ ضيرةًوللقلبِ منْ مخشاتهنَّ وجيبُ
ومَا عاجلاتُ الطَّيرِ تدني منَ الفتَىنجاحاً، ولا عنْ ريشهنَّ يخيبُ
ولا خيرَ فيمنْ لايوطّن نفسهُعلى نائباتِ الدّهرِ حينَ تنوب
وفي الشكِّ تفريطٌ، وفي الحزمِ فترةٌويخطيءُ في الحدسِ الفتَى ويصيبُ
ولستَ بمستبقٍ صديقاً ولا أخاًإذَا لمْ تعدِّ الشيءَ وهوَ مريبُ
وقال بشار بن برد:
إذَا كنتَ في كلِّ الأمورِ معاتباًصديقكَ، لمْ تلقَ الّذِي لا تعاتبهُ
فعشْ واحداً، أوصلْ أخاكَ فإنَّهُمقارفُ ذنبٍ مرةً ومجانبهْ
إذَا أنتَ لمْ تشربْ مراراً على القذىظمئتَ، وأيُّ النَّاسِ تصفو مشاربهْ
وقال الحسين بن مطيرٍ:
لعمركَ للبيتُ الّذِي لا نطورهُأحبُّ إلينا منْ بلادٍ نطورُها
تقلّبتُ في الإخوانِ حتَّى عرفتهمْولا يعرفُ الإخوانَ إلاّ خبيرُها
فلاَ أصرمُ الخلاَّنَ حتَّى يصارمُواوحتَّى يسيروا سيرةً لا أسيرها
فإنّكَ بعدَ البشرِ، مَا أنتَ واجدٌخليلاً مديماً شيمةً لا يديرُها
وإنّكَ في عينِ الأخلاّء عالمٌبيانَ الّتي يخفَى عليكَ ضميرُها
فلا تكُ مغروراً بمسحةِ صاحبٍمنَ الودِّ لا تدرِي علامَ مصيرُها
ومَا الجوْد عن فقرِ الرّجالِ ولا الغنىولكنَّهُ خيمُ الرّجالِ وخيرُها
وقدْ تغدُرُ الدّثنيا فيضحِي غنيُّهافقيراً، ويغنَى بعدَ بؤسٍ فقيرُها
وكائنْ ترَى من حالِ دنيا تغيّرتْوحالٍ صفَا بعدَ اكدرارٍ غديرُها
ومنْ طامعٍ في حاجةٍ لنْ ينالَهاومنْ يائسٍ منْها أتاهُ بشيرُها
ومنْ يتّبعْ ما يعجبُ النفسَ لم يزلْمطيعاً لهَا في فعلِ شيءٍ يضيرُها
فنفسكَ أكرمْ عنْ أمورٍ كثيرةٍفما لكَ نفسٌ بعدَها تستعيرُها
وقال أبو العطاء السّنديّ:
إذَا المرءُ لمْ يطلبْ معاشاً لنفسهِشكَا الفقرَ أوْ لامَ الصّديقَ فأكثرا
وصارَ علَى الأدنينِ كلاًّ وأوشكتْصلاتُ ذوِي القربَى لهُ أنْ تنكَّرا
فسرْ في بلادِ اللهِ والتمسِ الغنَىتعشْ ذَا يسارٍ أوْ تموتَ فتعذرَا
ولاَ ترْض منْ عيشٍ بدونٍ ولا تنمْوكيفَ ينامُ اللّيلَ منْ كانَ معسِرا
وقال الأحوص بن محمدٍ الأنصاريّ:
ومولىً سخيفِ الرّأي رخوٍ تزيدهُأناتِي، وغفرِي جهلهُ عندهُ ذمّا
دملتُ، ولولا غيرهُ لأصبتهُبشنعاءَ باقٍ عارهَا تغرُ العظْما
طوَى حسداً ضعناً عليَّ، كأنمَاأداوِي بهِ في كلِّ مجمعةٍ كلما
ويجهلُ أحياناً، فلا يستخفُّنيولا أجهلُ العتبَى إذَا راجعَ الحلْما
يصدُّ وينأَى في الرّخاءِ بودّهِويدنُو ويدعوني إذَا خشيَ الهضْما
فيفرجُ عنهُ إربةَ الخصمِ مشهدِيوأدفعُ عنهُ عندَ عثرتهِ الظُّلما
وكنتُ امرأً عودَ الفعالِ تهزّنيمآثرُ مجدٍ تالدٍ لمْ تكنْ زعْما
ولستَ بلاقٍ سيداً سادَ مالكاًفتنسبهُ إلاَّ أباً لي أو عمّا
وكنتُ وشتمِي في أرومةِ مالكٍبسبّي لهُ كالكلبِ إذْ ينبحُ النّجْما
ستعلمُ إنْ عاديتنِي فقعَ قرقرٍأمالاً أفدتَ لا أبَا لكَ أوْ غرْما
لقدْ أبقتِ الأيامُ منِّي وحرسُهالأعدائِنا ثكلاً وحسَّادنا رغْما
وكانتْ عروقُ السُّوءِ أزرتْ وقصَّرتْبهِ أنْ ينالَ الحمدَ فالتمسَ الذَّمَا
وقال آخر:
عدمتُ ابنَ عمٍّ، لا يزالُ كأنّهُوإنْ لم أترهُ منطوٍ لي علَى وترِ
يعينُ عليَّ الدَّهرَ، والدّهرُ مكتفٍوإنْ أستعنهُ لا يعنِّي علَى الدَّهرِ
وقال آخر:
ولستُ بذِي نيربٍ في الصَّديقِخؤونَ العشيرةِ سبَّابهَا
ولاَ منْ إذا كانَ في مجلسٍأضاعَ العشيرةَ واغتابهَا
ولكنْ أبجِّلُ ساداتهَاولا أتعلّمُ ألقابهَا
وقال ثابت قطنة:
تعفّفتُ عنْ شتمِ العشيرةِ، إنّنيوجدتُ أبِي قدْ كفَّ عنْ شتمِها قبلي
حليماً إذَا مَا كانَ حلْمي مروءةًوأجهلُ أحياناً، إنِ التمسُوا جهلِي
وقال آخر:
ولستُ بمفراحٍ إذَا الدَّهرُ سرَّنيولا جازعٍ منْ صرفهِ المتقلّبِ
ولا أتمنّى الشّرَّ، والشَّرُّ تاركيولكنْ متَى أحملْ علَى الشَّرِّ أركبِ
وقال بشار بن بردٍ:
خلقتُ علَى مَا فيَّ غيرَ مخيّرٍولوْ أنّنِي خيِّرتُ كنتُ المهذّبَا
بغيضٌ إليَّ الشّرُّ، حتَّى إذَا أتَىوحلَّ ببابي، قلتُ للشَّرِّ: مرحَبا
وقال مسكين الدّارميّ:
ولستُ إذَا مَا سرَّنِي الدَّهرُ ضاحكاًولا خاشعاً مَا عشتُ منْ حادثِ الدَّهرِ
ولا جاعلاً عرضي لمَالِي وقايةًولكنْ أَقِي عرضِي، فيحرزهُ وفرِي
أعفُّ لدَى عسرِي، وأبدي تجمُّلاًولا خيرَ فيمَنْ لا يعفُّ لدَى العسْرِ
وإنِّي لأستحيِي إذَا كنتُ معسراًصديقِي، وإخواني، بأن يعلموا فقري
وأقطعُ إخواني وما حال عهدهمحياءً وإغضاءً، وما بي من كبرِ
فإن يكُ عاراً ما أتيتُ، فربماأتى المرء يوم السوء من حيث لا يدري
وقال آخر:
لن يدرك المجد أقوامٌ، وإن كرمواحتى يذلُّوا، وإن عزوا، لأقوامِ
ويشتموا فترى الألوان مسفرةًلا صفح ذلٍّ، ولكن صفح أحلامِ
وقال هلال بن خثعم:
وإني لعفُّ عن زيارة جارتيوإني لمشنوءٌ إليَّ اغتيابها
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لهازؤوراً، ولم تنبح عليَّ كلابها
وما أنا بالداري أحاديث بيتهاولا عالمٍ من أي حوكِ ثيابها
فإن قراب البطن يكفيك ملؤهويكفيك سوءات الأمور اجتنابها
وقال سويد بن عامر المصطلقي:
لا تأمننَّ وإن أمسيت في حرمٍإن المنايا بجنبي كل إنسانِ
فكل ذي صاحبٍ يوماً مفارقهوكل زادٍ، وإن أبقيته، فانِ
والخير والشر مقرونان في قرنٍبكل ذلك يأتيك الجديدانِ
وقال عمرو بن قميئة:
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرىفكيف بمن يُرمى وليس برامِ
فلو أنها نبلٌ إذاً لاتقيتهاولكنني أُرمى بغير سهامِ
وأهلكني تأميل يومٍ وليلةٍوتأميل عامٍ، بعد ذاك وعامِ
وقال آخر:
آخِ الكرام إن استطعت إلى إخائهم سبيلا
واشربْ بكأسهم، وإنشربوا بها السَّمَّ الثميلا
وقال عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة:
إذا كان لي سرٌ فحدثته العداوضاق به صدري، فللناس أعذَرُ
وسرك ما استودعته وكتمتهوليس بسرٍّ حين يفشو ويظهرُ
وقال نهشل بن حريّ:
أرى كل عودٍ نابتاً في أرومةٍأبى نسب العيدان أن يتغيرا
بنو الصالحين الصالحون ومن يكنلوالد سوءٍ يلقه حيث سيَّرا
وقال آخر:
أَولَى البرية طراً أن تواسيهعند السرور الذي واساك في الحَزَنِ
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروامن كان يألفهم في المنزل الخشنِ
وقال آخر:
إذا المرء لم يترك طعاماً يحبهولم ينهَ قلباً غاوياً حيث يمَّما
قضى وطراً منه يسيراً، وأصبحتإذا ذُكرت أمثاله تملأ الفَما
وقال النجاشي:
لا تحمدنَّ امرأً حتى تجربهولا تذمنَّ من لم يبله الخِبَرُ
إني امرؤٌ قلَّما أُثني على أحدٍحتى أرى بعض ما يأتي وما يذرُ
وقال آخر:
تزيد حُسا الكأس السفيهَ سفاهةًوتترك أخلاقَ الكريمِ كما هِيا
رأيت أقل الناس عقلاً إذا انتشىأقلهم عقلاً إذا كان صاحِيا
وقال آخر:
لا تلتمسْ من مساوي الناس ما ستروافيكشفُ الله ستراً من مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذُكرواولا تُعِبْ أحداً منهم بما فيكا
وقال عدي بن زيد العبادي:
أيها الشَّامتُ المعيِّرُ بالدهرِ أأنتَ المبرَّأ الموفورُ
أم لديك العهد الوثيق من الأيّام، بل أنت جاهلٌ مغرورُ؟
من رأيت المنون جازتهُ أم منذا عليه من أن يُضام خَفيرُ؟
أين كسرى، كسرى الملوك أنوشروانَ، أم أين قبله سابورُ؟
وبنو الأصفر الكرام ملوك الرَّوم لم يبقَ منهم مذكورُ!
وأخو الحضْرِ إذ بناه، وإذ دجْلةُ تُجبى إليه والخابورُ
شاده مرمراً، وجلَّله كلسساً، فللطير في ذراه وكورُ
لم يهبه ريب المنون فباد المُلك عنه، فبابه مهجورُ
وتذكَّر ربَّ الخورنق إذ أشْرف يوماً، وللهدى تفكيرُ
سرَّه ماله وكثرة ما يملك، والبحر معرضاً والسديرُ
فارعوى قلبه، فقال وما غبطةُ حيٍّ إلى الممات يصيرُ؟
ثم بعد الفلاح والمُلك والإمَّة وارتهم هناك القبورُ
ثم صاروا كأنهم ورقٌ جفَّ فألوتْ به الصبا والدَّبورُ
وقال أبو العتاهية:
إن داراً نحن فيها لدارُليس فيها لمقيمٍ قرارُ
كم وكم قد حلَّها من أناسٌذهب الليل بهم والنهارُ
فهم الركبُ أصابوا مُناخاًفاستراحوا ساعةً ثم ساروا
وكذا الدنيا على ما رأينايذهب الناس وتخلو الديارُ
وقال ابن مناذرٍ:
وأرانا كالزرع يحصدنا الدهر، فمن بين قائمٍ وحصيدِ
وكأنا للموت ركبٌ مخبُّونَ سِراعٌ لمنهلٍ مورودِ
النص من طبعة وزارة الثقافة بدمشق (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع