تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الفصل الرابع في أخبار التّابعين وسائر طبقات الصالحين ﵃ وكلامهم ومواعظهم (٣)

- قال حكيم: الدنيا تراد لثلاثة أشياء: العز والغنى والراحة، فمن زهد فيها عزّ، ومن قنع استغنى، ومن ترك السعي استراح.

- وقيل للحسن إن أبا ذرّ كان يقول: الفقر أحبّ إليّ من الغنى والسقم أحبّ إليّ من الصحة. فقال الحسن: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن الاختيار من الله لم يتمنّ أنه في غير الحال التي اختارها الله له.

- زفّت معاذة إلى صلة بن أشيم، فبات ليلة الزفاف يتهجد، فقيل له فقال: أدخلت بيتا فذكرت النار، يعني الحمام، ثم أدخلت بيتا فذكرت الجنة يعني بيت العروس، فما زال فكري فيهما حتى أصبحت.

- كان عبد الله بن مرزوق من ندماء المهدي، فسكر يوما ففاتته الصلاة، فجاءته جارية بمجمرة فوضعتها على رجله، فانتبه مذعورا، فقالت: لم تصبر على نار الدنيا فكيف تصنع بنار الآخرة؟ فقام وقضى الصلاة وتصدّق بما معه وذهب يبيع البقل، فدخل عليه فضيل بن عياض وابن عيينة

فإذا تحت رأسه لبنة وما تحت جنبه شيء فقالا: إنه لم يدع أحد شيئا إلّا عوّضه الله منه بدلا، فما عوّضك ما تركت له؟ قال: الرّضا بما أنا فيه. قال سفيان ابن عيينة: ما من عملي شيء أرجى عندي من بغض هؤلاء، قال الفضيل:

رجل لا يخالط هؤلاء ولا يزيد على المكتوبة أفضل عندنا من رجل يقوم الليل ويصوم النهار ويحجّ ويعتمر ويجاهد في سبيل الله ويخالطهم.

- صحب رجل الربيع بن خثيم فقال: إني لأرى الربيع لم يتكلّم منذ عشرين سنة إلا بكلمة تصعد؛ وكان لا يتكلم كلمة في الفتنة، فلمّا قتل الحسين قالوا ليتكلمنّ اليوم، فقالوا: يا أبا يزيد قتل الحسين فقال: أوقد فعلوا: اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

(الزمر:) ثم سكت.

- كان وكيع يقول: ما خطوت للدنيا منذ أربعين سنة، ولا سمعت حديثا قطّ فنسيته، قيل وكيف ذاك؟ قال: لأنّي لا أسمع شيئا إلا عملت به.

- وكان يزيد بن أبان الرقاشي من أصحاب الحسن وأنس يبكي

عامّة ليله ونهاره حتى سقطت أشفار عينيه، فقال له ابنه: لو خلقت النار لأجلك ما زدت ما تصنع، فقال: هل خلقت النّار إلا لي ولأمثالي.

- حاك مجمع التيمي ثوبا قد تنوّق فيه فباعه فردّ عليه بعيب فبكى، فقال له المشتري: لا تبك فقد رضيت به، فقال: ما أبكاني إلّا أني تنّوقت فيه فردّ بالعيب، فأخاف أن يردّ عليّ عملي الذي عملته في أربعين سنة.

- كان عمر بن حبيب إذا فرغ من تهجده قال: الرواح الرواح، السباق السباق، سبقتم إلى الماء والظلّ، من يسبق إلى الماء يظمأ، ومن يسبق إلى الظلّ يضح.

- وكان في بستان له مع غلامه فأذّن المؤذن فقال الغلام: الله أكبر الله أكبر، فقال: سبقتني إليها، أنت حرّ ولك هذه النخلة.

- قال جعفر بن عبد القادر المقدسي: سألت جعيلا عن حدّ الزهد؟

فقال: استصغار الدنيا، فلما وليت دعاني فقال: بل هو محو الدنيا من القلب.

- قال سكين بن موسى: كنت مجاورا بمكة، وكان فيها مجنون

ينطق بفنون الحكمة، فقلت: أين تأوي بالليل؟ فقال: إلى دار الغرباء، قلت: ما أعرف بمكة دار الغرباء، قال: سكني تلك المقابر، قلت: ما تستوحش في الليل وظلمته؟ قال: إذا ذكرت القبر ووحشته هان عليّ الليل وظلمته.

- قيل: الزهادة في الدنيا قصر الأمل، لا أكل الغليظ ولا لبس السّمل.

- قيل للحسن: ما الحجّ المبرور؟ فقال: أن ترجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة.

- وكان يقول: من ساءته خطيئة ولم يستغفر غفر له.

- كان مالك بن دينار يمرّ بالسوق فيرى ما يشتهيه فيقول: يا نفس اصبري، ما أحرمك ما تريدين إلّا لكرامتك عليّ.

- وقال له جار له في مرضه: ما تشتهي؟ قال: إن نفسي لتنازعني إلى شيء منذ أربعين سنة، رغيف أبيض ولبن في زجاج، فأتاه به فجعل ينظر إليه ثم يقول: دافعت شهوتي عمري كلّه، حتى إذا لم يبق من عمري إلا مثل ظمء الحمار آخذها؟! انظروا يتيم آل فلان فادفعوه إليه، ومات بشهوته.

- قال الثوري: إذا مررت بدورهم، يعني السلاطين، فلا تنظر إليها فإنما بنوها لينظر إليها، ثم تلا قوله تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ

(الحجر:) الآية.

- قبل سعيد بن المسيب من مال الخمس من السلطان ولم يقبله الثوري، وقال: إني لأعلم أنه حلال لي ولكن أكره أن يقع لهم في قلبي مودّة.

- وقيل له: لو دخلت عليهم وتحفّظت، قال: أفتأمرونني أن أسبح في البحر ولا تبتلّ ثيابي؟! - محمد بن هانىء:.

وما الناس إلّا ظاعن ومودّعوثاو قريح الجفن يبكي لراحل
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هنالك عهدي بالخليط المزايل»
فهل هذه الأيام إلّا كما خلاوهل نحن إلا كالقرون الأوائل
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هنالك عهدي بالخليط المزايل»
نساق من الدنيا إلى غير دائمونبكي من الدنيا على غير طائل
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هنالك عهدي بالخليط المزايل»
فما عاجل نرجوه إلّا كآجلوما آجل نخشاه إلا كعاجل
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هنالك عهدي بالخليط المزايل»

- نظر سريع الأهوازي إلى شابّ من أولاد الملوك وهو يتوقّى في

الأطعمة ويتّقي الحرّ والبرد، فقال له: يا ابن أخي، لم تفعل هذا؟ قال:

أخاف الموت، قال: فاحذر أن تصير إلى دار تتمنّى فيها الموت تقدر عليه.

- وكتب رجل إلى عبد الله بن الزبير لما دعا إلى الخلافة يعظه: أما بعد، فإنّ التقوى في أهلها علامات يعرفون بها ويعرفون بها أنفسهم: من صبر على البلاء، ورضي بالقضاء، وشكر النعمة، وذلّ لحكم القرآن، وإنّما الإمام كالسوق يحمل اليها ما زكا فيها، فمن كان من أهل الحقّ أتاه أهل الحقّ بحقهم، ومن كان من أهل الباطل أتاه أهل الباطل بباطلهم، فانظر أيّ الإمامين أنت.

- ولما احتضر معاوية جعلوا يقلبونه فقال: إنكم تقلّبون حوّلا قلّبا إن نجا من عذاب الله، ثم قال:.

إن تعذّب يكن عذابك يا ربّغراما لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز فأنت أهل لعفوعن مسيء ذنوبه كالتراب

- ولما احتضر المنصور قال: يا ربيع بعنا الآخرة بنومة.

- وقال الرشيد عند موته: وا حيائي من رسول الله ﷺ.

- وقال المأمون لما احتضر: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه.

- وروي أن عبد الملك قال حين ثقل، ورأى غسّالا يلوي ثوبا بيده: وددت أني كنت غسّالا لا أعيش إلّا بما أكسب يوما بيوم. فذكر ذلك لأبي حازم فقال: الحمد الله الذي جعلهم عند الموت يتمنّون ما نحن فيه، ولا نتمنى عند الموت ما هم فيه.

- وروي أيضا أنه قال عند موته، وأشار إلى الدنيا: إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لقليل، وإن كنّا منك لفي غرور.

- ونظر هشام بن عبد الملك لما احتضر إلى بنيه وهم يبكون عليه فقال: جاد هشام لكم بالدنيا وجدتم له بالبكاء، وترك لكم ما جمع، وتركتم عليه ما كسب، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له.

- وأنشد لأبي العتاهية ويروى لأبي نواس:.

والموت لا يخفى على أحدممن أرى وكأنه يخفى
ولقد مررت على القبور فماميّزت بين العبد والمولى
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «المرء آفته هوى الدنيا»

- وقال سليمان بن الوليد:.

ربّ مغروس يعاش بهعدمته كفّ مغترسه
وكذاك الدهر مأتمهأقرب الأشياء من عرسه
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

- من كلام سفيان الثوري فيما أوصى به عليّ بن الحسين السلمي: عليك بالصدق في المواطن كلّها، وإياك والكذب والخيانة ومجالسة أصحابها، فإنها وزر كله، وإياك يا أخي والرياء في القول والعمل، فإنه شرك بعينه، وإياك والعجب فإنّ العمل الصالح لا يرفع وفيه عجب، ولا تأخذنّ دينك إلّا ممن هو مشفق على دينه، فإن مثل الذي هو غير مشفق على دينه كمثل طبيب به داء لا يستطيع أن يعالج داء نفسه وينصح لنفسه، كيف يعالج

داء الناس وينصح لهم؟ فهذا الذي لا يشفق على دينه كيف يشفق على دينك؟

وليكن جليسك من يزهّدك في الدنيا ويرغّبك في الآخرة، وإياك ومجالسة الذين يخوضون في حديث الدنيا فإنهم يفسدون عليك دينك وقلبك، وأكثر ذكر الموت؛ وأكثر الاستغفار ممّا قد سلف من ذنوبك، وسل الله السلامة لما بقي من عمرك، وانصح لكلّ مؤمن إذا سألك في أمر دينه، وإياك أن تخون مؤمنا فمن خان مؤمنا فقد خان الله ورسوله. وإذا أحببت أخاك في الله فابذل له نفسك ومالك، وإياك والخصومات والجدل والمراء فإنك تصير ظلوما خوّانا أثيما، وعليك بالصبر في المواطن كلها، وإياك والحدّة والغضب فإنهما يجرّان إلى الفجور، والفجور يجرّ إلى النار، ولا تمارينّ عالما فيمقتك، وإن الاختلاف إلى العلماء رحمة والانقطاع عنهم سخط الرحمن. ودع كثيرا مما يريبك إلى ما لا يريبك تكن سليما، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر تكن حبيب الله، وأقلل الفرح والضحك بما تصيب من الدنيا تزدد قوة عند الله، واعمل لآخرتك يكفك الله أمر دنياك، وأحسن سريرتك يحسن الله علانيتك، وإذا هممت بأمر من أمر الآخرة فشمّر إليها وأسرع من قبل أن يحول بينك وبينها الشيطان. كن طاهر القلب، نقيّ الجسد من الذنوب والخطايا، نقيّ اليدين من المظالم، سليم القلب من الغشّ والمكر والخيانة، خالي البطن من الحرام، فإنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت. كفّ بصرك عن الناس. ولا تمشينّ لغير حاجة. أقل العثرة، واقبل المعذرة، ولا تبغض أحدا ممن يطيع الله. صل من قطعك وصل رحمك، وتجاوز عمّن ظلمك تكن رفيق الأنبياء والشهداء، وأقلّ دخول السوق فإنهم ذئاب عليهم ثياب وفيها مردة الشياطين من الجنّ والإنس، وإذا دخلتها لزمك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنك لا ترى

فيها إلا منكرا، فقم على طرقها فقل: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير كلّه، وهو على كلّ شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم»، فقد بلغنا أنه يكتب لقائلها بكلّ من في السوق، عجميّ أو فصيح، عشر حسنات، ولا تجلس فيها، واقض حاجتك وأنت قائم يسلم لك دينك، وإياك أن يفارقك الدسم فإنه أتمّ لعقلك، ولا تمنعنّ نفسك من الحلاوة فإنها تزيد في الحلم، وعليك باللحم ولا تدم عليه ولا تدعه أربعين يوما فإنه يسيء خلقك، وعليك بالعدس فإنه يعزر الدموع ويرقّ القلب، وعليك باللباس الخشن تجد حلاوة الإيمان.

وعليك بقلة الأكل تملك سهر الليل، وعليك بالصوم فإنه يسدّ عنك باب الفجور ويفتح عليك باب العبادة، وعليك بقلة الكلام يلن قلبك، وعليك بطول الصمت تملك الورع. ولا تكوننّ حريصا على الدنيا، ولا حاسدا، ولا تكن طعانا تنج من ألسن الناس، وكن رحيما تكن محببا إلى الناس، وارض بما قسم الله تكن غنيا، وتوكل على الله تكن قويا، ولا تنازع أهل الدنيا في دنياهم يحبك الله ويحبك أهل الأرض، وكن متواضعا تستكمل أعمال البّر. ولا تدع أيامك ولياليك وساعاتك تمرّ عليك باطلا، وعليك بذكر الموت يهّون الله عليك أمر الدنيا. اشتق إلى الجنة يوفّق الله لك الطاعة، وأشفق من النار يهوّن الله عليك المصائب، ولا تحقرنّ شيئا من المعروف. انظر يا أخي أن يكون أول أمرك تقوى الله في السّر والعلانية، واخش خشية من قد علم أنه ميت ومبعوث ثم الحشر ثم الوقوف بين يدي الجبار ﷿، ومحاسب بعملك ثم المصير إلى إحدى الدارين: إما إلى جنة ناعمة خالدة، وإمّا إلى نار فيها ألوان

العذاب مع خلود لا موت فيه، وارج رجاء من يعلم أنه يعفو أو يعاقب.

- يقال إنه كان في عضد بزرجمهر مكتوب: إن كانت الحظوظ بالجدود فما الحرص؟ وإن كانت الأشياء غير دائمة فما السرور؟ وإن كانت الدنيا غرّارة فما الطمأنينة؟

- روى عمر البناء البغدادي قال: لما كانت محنة غلام الخليل ونسب الصوفية إلى الزندقة أمر الخليفة بالقبض عليهم، فأخذ فيهم أبو الحسين أحمد بن محمد المعروف بالنوري، وكان صوفيا متكلما، فأدخلوا على الخليفة فأمر بضرب أعناقهم، فتقدم النوريّ مبتدرا إلى السيّاف ليضرب عنقه، فقال له: ما دعاك إلى الابتدار إلى القتل من بين أصحابك؟ فقال: آثرت حياتهم على حياتي هذه اللحظة، فتوقّف السياف والحاضرون عن قتله، ورفع أمرهم إلى الخليفة، فردّهم إلى قاضي القضاة، وهو يومئذ إسماعيل بن إسحاق، فسأل النوريّ عن مسائل في العبادات من الطهارة والصلوات فأجابه، ثم قال: وبعد هذا لله عباد يسمعون بالله، وينطقون بالله، ويصدرون بالله، ويوردون بالله، ويأكلون بالله، ويلبسون بالله، فلما سمع إسماعيل كلامه بكى بكاء طويلا، ثم دخل على الخليفة فقال: إن كان هؤلاء زنادقة فليس في

الأرض موحّد، فأمر بتخليتهم؛ وسأله السلطان يومئذ من أين تأكلون؟

قال: لسنا نعرف الأسباب التي تستجلب بها الأرزاق، نحن قوم مدبّرون.

- قال يزيد بن الصقيل العقيليّ، وكان لصا فتاب:.

وإن امرءا ينجو من النار بعد ماتزوّد من أعمالها لسعيد
إذا ما المنايا أخطأتك وصادفتحميمك فاعلم أنها ستعود
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا»

- وقال الحسين بن مطير الأسدي:.

وقد تخدع الدنيا فيمسي غنّيهافقيرا ويغني بعد بؤس فقيرها
فلا تقرب الأمر الحرام فإنهحلاوته تفنى ويبقى مريرها
وكم قد رأينا من تكدّر عيشةوأخرى صفا بعد اكدرار غديرها
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة
وكم طامع في حاجة لا ينالهاومن آيس منها أتاه يسيرها

- كعب بن زهير:.

لو كنت أعجب من شيء لأعجبنيسعي الفتى وهو مخبوء له القدر
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «لو كنت أعجب من شيء لأعجبني»
يسعى الفتى لأمور ليس يدركهافالنفس واحدة والهمّ منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمللا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «لو كنت أعجب من شيء لأعجبني»

ويروى مجمّو له القدر، أي مجموع من قولك جممت الماء في الحوض إذا جمعته.

- وقال آخر:.

ومن يحمد الدنيا لعيش يسرّهفسوف لعمري عن قليل يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرةوإن أقبلت كانت كثيرا همومها
للشاعر ميخائيل خير الله ويردي، من قصيدة «رأيت الفتى يسعى ليذكر بره»

- وقال آخر:.

إنّ المساءة للمسرّة موعدأختان رهن للعشيّة أو غد
فإذا سمعت بهالك فتيقّننأن السبيل سبيله فتزوّد

- قال المسيّب بن واضح: صحبت ابن المبارك مقدمه من الحجّ فقال لي يا مسيّب: ما أتى فساد العامة إلا من قبل الخاصة، قلت: وكيف ذاك رحمك الله؟ قال لأنّ أمة محمد ﷺ على طبقات خمس: فالطبقة الأولى هم الزهاد، والثانية العلماء، والثالثة الغزاة، والرابعة التجّار، والخامسة الولاة. فأما الزهاد فهم ملوك هذه الأمة، وأما العلماء فهم ورثة الأنبياء، وأما الغزاة فهم سيوف الله ﷿، وأما التجار فهم الأمناء، وأما الولاة فهم الرعاة.

فإذا كان الزاهد طامعا فالتائب بمن يقتدي؟ وإذا كان العالم راغبا فالجاهل بمن يهتدي؟ وإذا كان الغازي مرائيا فمتى يظفر بالعدوّ؟ وإذا كان التاجر خائنا فعلام يؤتمن الخونة؟ وإذا كان الراعي ذئبا فالشاة من يحفظها؟.

- قال عمرو بن عبيد للمنصور في موعظة له طويلة مشهورة: إن الله تعالى أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها، وإن هذا الذي أصبح في يديك لو بقي في يدي من كان قبلك لم يصر إليك، فاحذر ليلة تمخّض بيوم هو آخر عمرك. فبكى المنصور وقال له: سل حاجتك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، لا تعطني حتى أسألك، ولا تدعني حتى أجيئك.

- قيل لزاهد كيف سخت نفسك عن الدنيا؟ قال: أيقنت أني خارج عنها كارها فأحببت أن أخرج منها طوعا.

- قال الفضيل: يا ربّ إني لأستحيي أن أقول توكلت عليك، لو توكلت عليك لما خفت ولا رجوت غيرك.

- وسئل الفضيل عن الزهد فقال: هو حرفان في كتاب الله ﷿: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ

(الحديد:

).

- وقف أعرابيّ على قبر هشام، وخادم له يقول: ما لقينا بعدك؟ فقال: إيها عليك، أما إنه لو نشر لأخبرك أنه لقي أشدّ مما لقيتم.

- قال مطرّف: لأن يسألني ربّي ألا فعلت، أحبّ إليّ من أن يسألني لم فعلت.

- وقف بعضهم على قبر بعض الجبابرة فقال: أيها الجبار كم نفس قتلتها طلبا للراحة منها أصبحت اليوم وهي أكبر شغلك؟

- كان ابن الفضيل يوما خلف الامام، وسمع سورة الرحمن فجعل يتلوّى وأبوه ينادي: أما سمعت قوله: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ

(الرحمن:) فقال ابنه: يا أبة لكنّي سمعت يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ

(الرحمن:).

- دخل لصّ على بعض الزهاد فلم ير في داره شيئا فقال له: يا هذا أين متاعك؟ قال: حوّلته إلى الدار الأخرى.

- قال بعضهم: رأيت صوفيا بالبادية فقلت له: أين الزاد؟

فقال: قدّمته إلى المعاد.

- ودخل قوم منزل عابد فلم يجدوا شيئا يقعدون عليه، فلما خرجوا قال لهم: لو كانت دار مقام لا تّخذنا لها أثاثا.

- قال ابن السماك: خف الله كأنك لم تطعه، وارج الله تعالى كأنك لم تعصه.

- وقال آخر: ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يردّه عليك الفوت، وتفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت؟! - كتب آخر إلى عابد: بلغني تفرّغك للعبادة، فما سبب المعاش؟ فكتب إليه: [يا بطّال، يبلغك عنّي أنني منقطع إلى الله وتسألني عن المعاش؟!].

- قال سفيان: إذا أردت أن تعرف الدنيا فانظر عند من هي.

- وقال آخر: اعمل للدنيا على قدر مكثك فيها وللآخرة كذلك.

- قال يحيى بن معاذ: الوعد حقّ الخلق على الله فهو أحقّ من وفى، والوعيد حقّه على الخلق فهو أحق من عفا.

قيل لبعضهم: كيف أصبحت؟ قال: آسفا على أمسي، كارها ليومي، متّهما لغدي.

- قيل لآخر: لم تركت الدنيا؟ قال: لأني أمنع من صافيها وأمتنع من كدرها.

- وقيل لآخر: ما الذي تطلب؟ قال: الراحة، قيل: فهل وجدتها؟ قال: قد وجدت أني لا أجدها في الدنيا.

- كان يحيى بن معاذ يقول: يا أيها الناس لا تكونوا ممن يفضحكم يوم موتكم ميراثه، ويوم القيامة ميزانه.

- وقال آخر: اصبروا عباد الله على عمل لا غنى بكم عن ثوابه، واصبروا عن عمل لا صبر لكم على عقابه.

- وكان بعض التابعين يقول: أصبحت في أجل منقوص، وعمل محفوظ، والموت في رقابنا، والنار من ورائنا، ولا ندري ما يفعل الله بنا.

- قال أبو حازم: عجبا لقوم يعملون لدار يرحلون عنها كلّ يوم مرحلة، ويتركون أن يعملوا لدار يرحلون إليها كلّ يوم مرحلة.

- قال مطرف بن عبد الله: لا تنظروا إلى خفض عيشهم ولين لباسهم؛ ولكن انظروا إلى سرعة ظعنهم وسوء منقلبهم.

- قال قتادة: يعطي الله العبد على نية الآخرة ما شاء من الدنيا، ولا يعطيه على نية الدنيا إلا الدنيا.

- وقال آخر: إذا ابتليت أن تدخل مع الناس إلى سلطان فإذا أخذوا في الثناء فخذ في الدعاء.

- كتب ناسك إلى ناسك يستوصفه الدنيا والآخرة فكتب إليه:

الدنيا حلم والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، ونحن في أضغاث ننقل إلى أجداث.

- رأى بعض العبّاد رجلا يضرب غلامه فوعظه ونهاه، فقلب السوط، وأخذ يضرب العابد، وتسارع الناس إليه فقال: دعوه فقد أمرت

بالمعروف ونهيت عن المنكر وأحتاج الآن أن أصبر على ما أصابني، فبذلك نطق الكتاب.

- كان معروف الكرخي يقول: ليكن الله ﷿ جليسك وأنيسك وموضع شكواك، فإن الناس لا ينفعون ولا يعطون ولا يحرمون، وإن شفاء ما ينزل بك من المصائب كتمانه.

- بنى ملك في بني إسرائيل مدينة فتأنّق في بنائها، ثم صنع للناس طعاما، ونصب على باب المدينة من سأل عنها، فلم يعبها أحد، إلا ثلاثة نفر عليهم الأكسية، فإنهم قالوا: رأينا عيبين، فسألهم فقالوا: تخرب ويموت صاحبها، فقال: فهل تعلمون دارا تسلم من هذين العيبين؟ قالوا:

نعم، الآخرة. فخلّى ملكه وتعبّد معهم زمانا، ثم ودّعهم فقالوا: هل رأيت منا ما تكرهه؟ قال: لا لكن عرفتموني فأنتم تكرمونني فأصحب من لا يعرفني.

- قال الحسن: لقد وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج، قيل له فإن كلام الحجاج ليقذك؟ قال: نعم، سمعته يقول على هذه الأعواد: إن امرءا ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحريّ أن تطول عليها حسرته.

- وقال المدائني: حجّ الحجاج فنزل بعض المياه، ودعا بالغداء

فقال لحاجبه: اطلب من يتغدى معي واسأله عن بعض الأمر، فنظر الحاجب فإذا هو بأعرابيّ في شملتين من شعر نائم، فضربه برجله وقال: إيت الأمير، فأتاه فقال له الحجاج: اغسل يديك للغداء قال: إنه دعاني من هو خير منك فأجبته، قال: من هو؟ قال: الله تعالى، دعاني إلى الصوم فصمت، قال: أوفي مثل هذا اليوم الحار؟ قال: نعم ليوم هو أحرّ منه، قال: فافطر وصم غدا، قال: إن ضمنت لي البقاء، قال: ليس ذلك إلي، قال:

فكيف تسألني آجلا لعاجل لا تقدر عليه؟ قال: إنه طعام طيب قال: إنك لم تطيبه ولا الخباز ولكن تطيّبه العافية.

- ذكرت الدنيا عند الحسن فقال:.

أحلام نوم أو كظلّ زائلإن الليب بمثلها لا يخدع
للشاعر ابن أبي حصينة، اقرأ القصيدة

- وكان يتمثل:.

اليوم عندك دلّها وحديثهاوغدا لغيرك كفّها والمعصم

- قال عبد الله بن المخارق الشيباني:.

كم من مؤمّل شيء ليس يدركهوالمرء يزري به في دهره الأمل
للشاعر النابغة الشيباني، من قصيدة «بانت سليمى وأقوى بعدها تبل»
ترجو الثراء وترجو الخلد مجتهداودون ما ترتجي الأقدار والأجل

قال محمد بن الحسين الأسدي:.

إذا طمحت إلى أمل وطيّتعرّض دونه أجل قريب

- قال عبدة بن الطبيب:.

إن الحوادث يخترمن وإنماعمر الفتى في أهله مستودع
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة
يسعى ويجمع جاهدا مستهتراجدا وليس بآكل ما يجمع
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة

- وقال الجراح بن عمرو:.

يرجّون أيام السلامة والغنىوتغتالهم دون الرجاء غوائله
للشاعر الجراح الهمداني، من قصيدة «أرى الحرص يدعوني فاتبعُ صوتهُ»

- روي أن عابدا قدم قرصيه ليتعشّى فعرض له سائل فأعطاه أحدهما ثم قال: ما ذاك بمشبعه ولا هذا بمشبعي، ولأن يشبع واحد خير من أن يجوع اثنان، ثم ناوله القرص الآخر فلما نام أتي في منامه، فقيل له:

سل حاجتك؟ فقال: أن يغاث الناس.

- وكان أبو عمران الجوني يقول: لا يغرّنكم من ربكم طول النسيئة وحسن الطلبة فإنّ أخذه أليم شديد.

- قال مجاهد في قوله ﷿:

سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ

(الفتح:) هو الخشوع.

- قالت أعرابية في الموقف: سبحانك ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله، وأوحشه على من لم تكن أنيسه.

- قيل لأعرابي: كيف أصبحت؟ قال: كيف يصبح من يفنى ببقائه؟! - سمع يحيى بن خالد نوح بن قدامة العدوي ينشد في صفة الدنيا:.

حتوفها رصد وشربها رنقوعيشها نكد وملكها دول

فقال: لقد انتظم هذا الشعر صفة هذه الغرّارة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.