من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
يزيد بن شيبان والشيخ المهري
- خرج يزيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة حاجا فرأى حين شارف البلد شيخا يحفّه ركب على إبل عتاق برحال ميس ملبسة أدما قال:
فعدلت إليهم فسلّمت عليهم وبدأت به فقلت: من الرجل؟ ومن القوم؟ فأرمّ القوم ينظرون إلى الشيخ هيبة، فقال الشيخ: رجل من مهرة بن حيدان بن عمران بن الحاف ابن قضاعة، فقلت: حياكم الله، وانصرفت. فقال الشيخ:
قف أيها الرجل، نسبتنا فانتسبنا لك ثم انصرفت ولم تكلّمنا، قلت: ما أنكرت سوءا ولكني ظننتكم من عشيرتي، فأناسبكم فانتسبتم نسبا لا أعرفه ولا أراه يعرفني. قال: فأماط الشيخ لثامه وحسر عمامته وقال: لعمري لئن كنت من
جذم من أجذام العرب لأعرفنّك، قلت: فإني من أكرم أجذامها. قال: فإن العرب بنيت على أربعة أركان: مضر وربيعة واليمن وقضاعة، فمن أيهم أنت؟
قلت: من مضر، قال: أمن الأرحاء أم من الفرسان؟ فعلمت أن الأرحاء خندف والفرسان قيس، قلت: من الأرحاء. قال: فاذن أنت من خندف، قلت:
أجل، قال: فمن الأرنبة أنت أم من الجمجمة؟ فعلمت أنّ الأرنبة مدركة وأن الجمجمة طابخة، فقلت: من الجمجمة. قال: فأنت إذن من طابخة. قلت:
أجل. قال: فمن الصميم أم من الوشيظ؟ فعلمت أنّ الصميم تميم والوشيظ الرباب. قلت: من الصميم. قال: فاذن أنت من تميم. قلت: أجل. قال:
أفمن الأكرمين أم من الأحكمين أم من الأقلين؟ فعلمت أن الأكرمين زيد مناة، وأن الأحكمين عمرو بن تميم، وأن الأقلين الحارث بن تميم قلت: من الأكرمين. قال: فأنت إذن من زيد مناة. قلت: أجل. قال. أفمن الجدود أم من البحور أم من الثماد؟ فعلمت أن الجدود مالك، وأن البحور سعد، وأن الثماد بنو امرىء القيس بن زيد مناة. قلت: من الجدود. قال فأنت إذن من بني مالك. قلت: أجل. قال: أفمن الذرى أم من الأرداف؟ فعلمت أن الذرى.
حنظلة، وأن الأرداف ربيعة ومعاوية، وهما الكردوسان. قلت: فمن الذرى.
قال: فأنت إذن من حنظلة. قلت: أجل. قال: أمن البدور أم من الفرسان أم من الجراثيم؟ فعلمت أن البدور مالك وأن الفرسان يربوع وأن الجراثيم البراجم.
قلت: من البدور. قال: فأنت إذن من مالك بن حنظلة. قلت: أجل. قال:
أفمن الأرنبة أم من اللحيين أم من القفا؟ فعلمت أن الأرنبة دارم، وأن اللحيين طهية والعدوية، وأن القفا ربيعة بن حنظلة. قلت: من الأرنبة. قال: فأنت إذن من دارم. قلت: أجل. قال: أفمن اللباب أم من الهضاب أم من الشهاب؟
فعلمت أن اللباب عبد الله، وأن الهضاب مجاشع، وأن الشهاب نهشل. قلت:
من اللباب. قال: أنت إذن من بني عبد الله. قلت: أجل. قال: أفمن البيت أم من الزوافر؟ فعلمت أن الزوافر الأحلاف، وأن البيت بنو زرارة. قلت: من البيت. قال فإذن أنت من بني زرارة. قلت: أجل. قال: فإن زرارة ولد عشرة:
حاجبا ولقيطا وعلقمة ومعبدا وخزيمة ولبيدا وأبا الحارث وعمرا وعبد مناة ومالكا، فمن أيهم أنت؟ قلت: من بني علقمة. قال: فإن علقمة ولد شيبان لم يلد غيره، فتزوج شيبان ثلاث نسوة: مهدد بنت حمران بن بشر بن عمرو بن مرثد فولدت له زيدا، وتزوج عكرشة بنت حاجب بن زرارة بن عدس فولدت له المأمور، وتزوج عمرة بنت بشر بن عمرو بن عدس فولدت له المقعد، فلأيتهن أنت؟ قلت: لمهدد. قال: يا ابن أخي ما افترقت فرقتان بعد مدركة إلّا كنت في أفضلهما حتى زاحمك أخواك، فإنهما أن تلدني أما هما أحبّ إليّ من أن تلدني أمك. يا ابن أخي أتراني عرفتك؟ قلت: إي وأبيك وأيّ معرفة.
- أتت عمرة بنت معاوية أباها مراغمة لزوجها عمرو بن عثمان، فقال: ما لك يا بنية؟ أطلّقك زوجك؟ قالت: الكلب أضنّ بشحمته ولكنه فاخرني، فكلّما ذكر رجلا من قومه ذكرت رجلا من قومي حتى عدّ ابني منه، فوددت أن بيني وبينه البحر الأخضر. فقال معاوية: يا بنية آل أبي سفيان أقلّ حظا في الرجال من أن تكوني رجلا.
- قال أبو عبيدة: كان قيس بن رفاعة يفد سنة إلى النعمان اللخمي بالعراق وسنة إلى الحارث ابن أبي شمر الغسّانيّ بالشام، فقال له الحارث: يا ابن رفاعة، بلغني أنك تفضّل النعمان عليّ، قال: وكيف أفضّله عليك أبيت اللعن؟
فو الله لقفاك أحسن من وجهه، ولأمّك أشرف من أبيه، ولأبوك أشرف من جميع قومه، ولشمالك أجود من يمينه، ولحرمانك أنفع من بذله، ولقليلك أكثر من كثيره، ولثمادك أغزر من غديره، ولكرسيّك أرفع من سريره، ولجدولك أغمر من بحوره، وليومك أفضل من شهوره، ولشهرك أمدّ من حوله، ولحولك خير من حقبه، ولزندك أورى من زنده، ولجندك أعزّ من جنده، وإنك لمن غسان أرباب الملوك، وإنه لمن لخم الكثيري النّوك، فكيف أفضّله عليك؟.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع