تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

حكايات وأشعار في الفخر

فقام الزبرقان فقال:

نحن الملوك فلا حيّ يقاربنامنّا الملوك وفينا توجد الرفع
تلك المكارم حزناها مقارعةإذا الملوك على أمثالها قرعوا
كم قد قسرنا من الأحياء كلّهمعند النهاب وفضل العزّ يتّبع
وننحر الكوم عبطا في منازلناللنازلين إذا ما استطعموا شبعوا
ونحن نطعم عند القحط ما أكلوامن العبيط إذا لم تظهر القزع
وتبصر الناس تأتينا سراتهممن كلّ أوب فنمضي ثم نتبع

فأرسل رسول الله ﷺ إلى حسان فجاءه، فأمره أن يجيبه فقال:

إنّ الذوائب من فهر وإخوتهمقد بيّنوا سنّة للناس تتّبع
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
يرضى بها كلّ من كانت سريرتهتقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوّهمأو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
إن كان في الناس سبّاقون بعدهمفكلّ سبق لأدنى سبقهم تبع
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
سجية تلك منهم غير محدثةإن الخلائق يوما شرّها البدع
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
لا يرقع الناس ما أوهت أكفّهمعند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
أعفّة ذكرت في الوحي عفّتهملا يطمعون ولا يزري بهم طمع
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
ولا يضنّون عن جار بفضلهمولا يمسّهم من مطمع طبع
يسمون للحرب تبدو وهي كالحةإذا الزعانف من أظفارها خشعوا
لا يفرحون إذا نالوا عدوّهموإن أصيبوا فلا حزن ولا جزع
كأنهم في الوغي والموت مكتنعأسود بيشة في أرساغها فدع
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
خذ منهم ما أتى عفوا فإن غضبوافلا يكن همّك الأمر الذي منعوا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
أكرم بقوم رسول الله قائدهمإذا تفرّقت الأهواء والشيع
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الذوائب من فهر وإخوتهم»
أهدى لهم مدحتي قلب يؤازرهفي ما أراد لسان حائك صنع
وانهم أفضل الأحياء كلّهمإن جدّ بالناس جدّ القول أو سمعوا

فقام حاجب بن عطارد فقال:

أتيناك كي ما يعلم الناس فضلناإذا اجتمعوا وقت احتضار المواسم
بأنّا فروع الناس في كلّ موطنوأن ليس في أرض الحجاز كدارم
للشاعر الزبرقان بن بدر، اقرأ القصيدة

فقام حسان فقال:

منعنا رسول الله من غضب لهعلى أنف راض من معدّ وراغم
هل المجد إلا السؤدد الفرد والنّدىوجاه الملوك واحتمال العظائم

فقال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لمؤتى له. والله لشاعره أشعر من شاعرنا، ولخطيبه أفهم من خطيبنا، وأصواتهما أرفع من أصواتنا. أعطني يا محمد، فأعطاه، فقال: زدني، فزاده، فقال: اللهم إنه سيد العرب.

ونزل فيهم (إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)

(الحجرات:) ثم إن القوم أسلموا، وأقاموا عند النبيّ ﷺ يتعلّمون القرآن ويتفقهون في الدين. ثم أرادوا الخروج إلى بيوتهم فأعطاهم رسول الله ﷺ وكساهم وقال: أما بقي منكم أحد؟ وكان عمرو بن الأهتم في ركابهم، فقال قيس بن عاصم، وهو من رهطه، وكان مشاحنا له: لم يبق منا إلا غلام حديث السنّ في ركابنا، فأعطاه رسول الله ﷺ مثل ما أعطاهم.

- سابّ رجل من بني عبس عنترة بن شداد، فذكر سواده وسواد أمّه واخوته وعترته، فقال عنترة: والله إنّ الناس ليترافدون بالمطعم، فوالله لما حضرت مرفد الناس لا أنت ولا أبوك ولا جدّك قط. وإن الناس ليدعون إلى الفزع فما رأيناك في خيل قط ولا كنت إلا في أوائل النساء. وإن الّلبس- يعني الاختلاط- ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أحد من أهلك خطّة فصل قطّ.

وكنت فقعا بقرقر. ولو كنت في مرتبتك أو مغرسك الذي أنت فيه ثم ماجدتك لمجدتك، أو طاولتك لطلتك، ولو سألت أمّك وأباك هذا لأخبراك. وإني لأحضر الوغي، وأوفي المغنم، وأعفّ عند المسألة، وأجود بما ملكت، وأفصل الخطة الصّمعاء. فقال له الآخر: أنا أشعر منك، فقال له: ستعلم. وكان عنترة لا يقول من الشعر إلا البيت والبيتين في الحرب فقال قصيدته:

هل غادر الشّعراء من متردّم

وزعموا أنها أول قصيدة قالها، والعرب تسميها المذهبة.

- دخل العجاج على عبد الملك بن مروان فقال له: يا عجاج، بلغني

أنّك لا تقدر على الهجاء، فقال: يا أمير المؤمنين، من قدر على تشييد الأبنية أمكنه تقويض الأخبية. قال: فما يمنعك منه؟ قال: إنّ لنا عزّا يمنعنا من أن نظلم، وإن لنا حلما يردعنا عن أن نهضم، فعلام الهجاء؟ قال: لكلامك أشعر من شعرك، فأيّ عزّ لك يمنعك من أن تظلم؟ قال: الأدب البارع والفهم الناصع. قال: فما الحلم الذي يردعك أن تظلم؟ قال: الأدب المستطرف والطبع التالد. قال: يا عجاج، لقد أصبحت حكيما. قال: ما يمنعني وأنا نجيّ أمير المؤمنين؟

- قال الحكم بن عبدل:

وإني لأستغني فما أبطر الغنىوأعرض ميسوري لمن يبتغي قرضي
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
وأعسر أحيانا فتشتدّ عسرتيفأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
ولست بذي وجهين في من عرفتهولا البخل فاعلم من سمائي ولا أرضي
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة

وفي ما يروى للوليد بن عبد الملك على أنه كان مشهورا باللحن:

ولقد قضيت وإن تجلّل لمتيشيب على رغم العدا لذّاتي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ولقد قضيت وإن تجلل لمتي»
من كاعبات كالدّمى ومناصفومراكب للصيد والنشوات
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ولقد قضيت وإن تجلل لمتي»
في فتية تأبى الهوان وجوههمشمّ الأنوف جحاجح سادات
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ولقد قضيت وإن تجلل لمتي»
إن يطلبوا بتراتهم يعطوا بهاأو يطلبوا لا يدركوا بترات
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «ولقد قضيت وإن تجلل لمتي»

- وقال أبو النجم العجلي:

والخيل تسبح بالكماة كأنّهاطير تمطّر في ظلال عماء
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
يخرجن في رهج دوين ظلالهمثل الجنادب من حصى المعزاء
يلفظن من عجم الشكيم وعضّهزبدا خلطن بياضه بدماء
كم من كريمة معشر أيّمنهاوتركن صاحبها بدار ثواء
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
إنّ الأعادي لن تنال قديمناحتى تنال كواكب الجوزاء
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
كم في لجيم من أغرّ كأنّهصبح يشقّ طيالس الظلماء
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
بحر يكلّل بالسديف جفانهحتى يموت شمال كلّ شتاء
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
ومحرّب خضل البنان إذا التقىزحف محاترة الصدور ظماء
إنا وجدّك لا يكون سلاحناحجر الاكام ولا عصا الطرفاء
نأوي إلى حلق الحديد وقرّحقبّ تشوّف نحو كلّ دعاء
تلكم مراكبنا وفوق كماتنابيض الغضون سوابغ الأثناء
قدّرن من حلق كأنّ شعاعهاثلج يطيش على متون نهاء
تحمي الرماح لنا حمانا كلّهونبيح بعد مسارح الأحياء
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
إن السيوف تجيرنا ونجيرهاكلّ يجير بعزة ووفاء
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
إنّا لنعمل في الرءوس سيوفناعمل الحريق بيابس الحلفاء

- وقال بشار بن برد:

إذا نحن صلنا صولة مضريّةهتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيدا من قبيلةذرى منبر صلّى علينا وسلّما
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يطوف العفاة بأبوابه»

- الفرزدق:

لقد علمت أفناء خندف أنناذراها وأنّا عزّها وسنامها
وقد علم الأحياء من كلّ موطنإذا عدّت الأحياء أنّا كرامها
وأنا إذا الحرب العوان تضرّمتتليها إذا ما الحرب شبّ ضرامها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بكت عين محزون فطال انسجامها»
الى الله تشكو عزّنا الأرض فوقهاوتعلم أنّا ثقلها وغرامها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بكت عين محزون فطال انسجامها»
شكتنا إلى الله العزيز فأسمعتقريبا وأعيا من سواه كلامها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بكت عين محزون فطال انسجامها»
نصول بحول الله في الأمر كلّهإذا قيل من مصدوعة ما التئامها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بكت عين محزون فطال انسجامها»

- لما ولي خالد بن عبد الله القسري العراق قدمها منه أشدّ خلق الله عصبية على نزار. قال لبطة بن الفرزدق: فلبس أبي من صالح ثيابه وخرج يريد السلام على خالد، فقلت له: يا أبت، إنّ هذا الرجل يمان، وفيه من العصبية ما قد علمت، فإن دخلت إليه فأنشده مديحك لأهل اليمن لعلّ الله أن يأتيك منه بخير، فإنك قد كبرت عن الرحلة. فجعل لا يردّ عليّ شيئا حتى دفعنا إلى البوّاب، وأذن له، فدخل وسلم فاستجلسه ثم قال: إيه يا أبا فراس، أنشدنا مما أحدثت، فأنشده:

يختلف الناس ما لم نجتمع لهمولا خلاف إذا ما استجمعت مضر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يختلف الناس ما لم نجتمع لهم»
فينا الكواهل والأعناق تقدمهافيها الرءوس وفيها السمع والبصر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يختلف الناس ما لم نجتمع لهم»
ومن يمل يملأ المأثور قلتهبحيث يلقى حفافي رأسه الشعر
أما الملوك فإنا لا نلين لهمحتى يلين لضرس الماضغ الحجر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يختلف الناس ما لم نجتمع لهم»

ثم قام. فلما خرجنا قلت له: أهكذا أوصيتك؟ فقال: اسكت لا أمّ لك فما كنت قط أملأ لقلبه منّي الساعة.

- ودخل الفرزدق على بعض خلفاء بني مروان ففاخره قوم من الشعراء، فأنشأ يقول:

ما حملت ناقة من معشر رجلامثلي إذا الريح القتني على الكور
أعزّ قوما وأوفى عقد مكرمةمعظم من دماء القوم مشهور

فقال له الخليفة: إيه، فقال:

إلّا قريشا فإنّ الله فضّلهاعلى البريّة بالإسلام والخير
تلقى وجوه بني مروان تحسبهاعند اللقا مشرقات كالدنانير

ففضله عليهم ووصله.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.