تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

نوادر في الفخر

- قال رجل: كان أبي الذي قيل له:

يقوم القعود إذا أقبلوا

فقال آخر: صدق لأنه كان بين يديه حمل شوك.

- لما قال إسماعيل بن يسار قصيدته التي يفخر فيها بالفرس على العرب، ومنها:

إذ نربّي بناتنا وتدسّون سفاها بناتكم في التراب
للشاعر اسماعيل بن يسار، اقرأ القصيدة

قال له العربي: لأن حاجتنا إلى البنات غير حاجتكم، يعني أنهم ينكحون بناتهم.

- لما قال مسكين الدارمي يفتخر:

ناري ونار الجار واحدةوإليه قبلي تنزل القدر
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «إن أدع مسكينا فما قصرت»

قالت امرأته: صدقت لأنها ناره وقدره. ولما قال:

ما ضرّ جارا لي أجاورهألا يكون لبيته ستر

قالت: إن كان له ستر هتكته.

- قال بعضهم: مررت بجماعة من الكناسين وقد وقفوا على بئر لينقلوها، فقالوا لأحدهم: انزل، فتجرّد ونزل وهو يقول:

لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلناوأخو الحرب من أطاق النزولا
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «بات ليلي بالأنعمين طويلا»

- مرّ الفرزدق بالفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب وهو يستقي وينشد:

من يساجلني يساجل ماجدايملأ الدّلو إلى عقد الكرب
للشاعر الأخضر اللهبي، اقرأ القصيدة

فشمر الفرزدق ثيابه عنه وقال: أنا أساجلك، ثقة بنسبه، فقيل له: هذا ابن العباس بن عتبة ابن أبي لهب، فردّ الفرزدق ثيابه عليه وقال، ما يساجلك إلا من عضّ بأير أبيه.

- أتي العريان بن الهيثم بشابّ سكران، فقال: من أنت؟ فقال:

أنا ابن الذي لا تنزل الدهر قدرهوإن نزلت يوما فسوف تعود
ترى الناس أفواجا إلى باب دارهفمنهم جثوم عندها وقعود

فظنّ أنه من أولاد الملوك فأمر بتخلية سبيله، ثم قال لبعض الشّرط: أخرج فاسأل

عن هذا ابن من هو. فسأل عنه فقيل: هو ابن باقلّاني.

قال العتبي: كان يجالسنا فتى من بني الحرماز فقال يوما: نظرت في نسبي فلم أجدني أصابتني هجنة إلا من قبل إبراهيم بن إسماعيل ﵉. فقلنا له: أنت صريح وإسماعيل هجين، فأيكما أشرف؟ قال: فمسح سباله وقال: أما أنا فلا أقول شيئا.

- تفاخر أسدي وهذلي فرضيا برجل، فقال، إني ما أقضى بينكما إلا أن تجعلا لي عقدا وثيقا ألا تضرباني، فإني لست في بلاد قومي، ففعلا.

فقال: يا أخا بني أسد كيف تفاخر العرب وأنت تعلم أنه ليس حي أحبّ إلى الجيش ولا أبغض إلى الضيف، ولا أقلّ تحت الرايات منكم؟ وأما أنت يا أخا هذيل فكيف تكلّم الناس وفيكم ثلاث خلال: منكم دليل الحبشة على الكعبة، ومنكم خولة ذات النحيين، وسألتم رسول الله أن يحلّ لكم الزنا. ولكن إذا أردتم بيتي مضر فعليكم بهذين الحيّين من تميم وقيس، قوما في غير حفظ الله.

- قال الجاحظ. أتيت بيت أبي الربيع الغنوي، وكان من أفصح الناس وأبلغهم، ومعي رجل من بني هاشم. فقلت: أبو الربيع هاهنا؟ فخرج إليّ وهو يقول: خرج إليك رجل كريم. فلما رأى الهاشميّ استحيا من فخره بحضرته، فقال: أكرم الناس رديفا وأشرفهم حليفا. فحدثنا مليا ثم نهض الهاشميّ فقلت لأبي الربيع: يا أبا الربيع، من خير الخلق؟ قال: الناس. قلت:

فمن خير الناس؟ قال: العرب. قلت، فمن خير العرب؟ قال: مضر والله.

قلت: فمن خير مضر؟ قال: قيس والله. قلت: فمن خير قيس؟ قال: يعصر

والله. قلت: فمن خير يعصر؟ قال: غنيّ والله. قلت: فمن خير غنيّ؟ قال:

المخاطب لك والله. قلت: فأنت خير الناس؟ قال: اي والله. قلت: أيسرّك أن تحتك ابنة يزيد بن المهلب؟ قال: لا والله. قلت: ولك ألف دينار. قال: لا، والله. قلت: ولك الجنة. فأطرق وقال: على أن لا تلد منّي.

قوله: أكرم الناس رديفا يعني أبا مرثد الغنوي، كان رديف رسول الله ﷺ.

وأشرفهم حليفا هو كان حليف حمزة بن عبد المطلب ﵁. ويقال رجل كرم وامرأة كرم، وكذلك كلّ ما يوصف بالمصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمذكّر والأنثى.

دعا أعرابي عند الكعبة مادّا يده وهو يقول: اللهم إن كنت ترى يدا أكرم منها فاقطعها.

- مرّ نصر بن سيار الليثي بأبي الهنديّ وهو غالب بن عبد القدوس بن شبث بن ربعي، وهو يميل سكرا فقال: أفسدت شرفك. فقال له أبو الهنديّ: لو لم أفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان.

- وزعم الأصمعيّ أنه رأى رجلا يختال في أزيّر في يوم قرّ، فقال له: ممن انت يا مقرور؟ قال: أنا ابن الوحيد أمشي الخيزلى ويدفئني حسبي.

وقيل لآخر في مثل هذه الحال: أما يوجعك البرد؟ قال: بلى، ولكنيّ أذكر حسبي فأدفأ.

- قال بلال بن أبي بردة للهيثم بن أبي الأسود: أنا ابن أحد

الحكمين. قال: أما أحدهما ففاسق وأما الآخر فمائق، فابن أيهما أنت؟

- قدم أعرابي على يزيد بن مزيد وهو يتغدّى فقال لأصحابه:

أفرجوا لأخيكم. فقال الأعرابي: لا حاجة بي إلى ذلك، إن أطنابي بحمد الله طوال. فلما جلس وتهيأ ليأكل ضرط، فقال له يزيد، واستضحك: ما أظنّ إلا أن طنبا من أطنابك قد انقطع.

تفاخر بصريّ وبغداديّ، فقال البصريّ للبغدادي: بم تفاخرني؟ فقال له البغدادي: تعال حتى نتناصف، ولا يستعمل منا أحد مع صاحبه البهت. فقال البصريّ: أفعل، فقال له البغداديّ: كيف طعم مائكم؟

قال: فيه أدنى ملوحة. قال: فكيف لونه؟ قال: فيه أدنى خضرة. قال: فكيف ريحه؟ قال: فيه أدنى نتن. قال: فهذه صفة الخرا ببغداد.

- قال قائل لنصيب: أيها العبد مالك وللشعر؟ فقال: أمّا قولك عبد، فما ولدت إلا وأنا حرّ، لكنّ أهلي ظلموني فباعوني، وأما السواد فأنا الذي أقول:

فان أك حالكا لوني فانيلعقل غير ذي سقط وعاء
وما نزلت بي الحاجات إلّاوفي عرضي من الطمع الحياء
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «وإن أك حالكا لوني فإني»

- وقال نصيب أيضا يفتخر ويعتذر عن سواده:

ليس السواد بناقصي ما دام ليهذا اللسان إلى فؤاد ثابت
كم بين أسود ناطق ببيانهماضي الجنان وبين أبيض ساكت
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «ليس السواد ناقصي ما دام لي»
من كان ينفعه منابت أصلهفبيوت أشعاري جعلن منابتي
إني ليحسدني الرفيع بناؤهمن فضل ذاك وليس بي من شامت
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «ليس السواد ناقصي ما دام لي»

أخبر أبو الحكم عبد المطلب بن عبد الله بن يزيد بن عبد الملك قال:

والله إني بالعقيق في قصر القاسم بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعندي أشعب وأبو رقيّة وعمر الوادي، إذ دعوت بدينار فوضعته بين يديّ وسبقتهم في دحق، فكان أول من خسق أبو رقية فقال: أنا ابن عامر القاري، أنا ابن أول أعمى تقدم في مسجد رسول الله ﷺ. ثم خسق أشعب ثم قال: أنا ابن الجلندح؛ أنا ابن المحرّشة بين أزواج النبيّ ﷺ. قال أبو الحكم: فقلت له أي أخزاك الله، هل سمعت أحدا قطّ فخر بهذا؟ فقال: وهل فخر أحد بمثل فخري؟ لولا أنّ أمي كانت عند هن ثقة ما قبلن منها حتى تغضب بعضهنّ على بعض.

يقال: دحق يده عن الشيء إذا قبضها، والدحيق: البعيد. وأدحقه الله أبعده. وأدحقت الرحم رمت بالماء فلم تقبله. والدحاق: أن يخرج رحم الأنثى بعد الولادة حتى تموت؛ وهي دحوق. وخسق السهم الهدف أصابه ولم يرتدّ وتعلّق.

- خرج العجّاج محتفلا. عليه جبّة من خز وعمامة من خزّ، على ناقة له قد أجاد رحلها حتى وقف بالمربد، والناس مجتمعون فأنشدهم قوله:

قد جبر الدين إلاله فجبر

فذكر فيها ربيعة وفخر عليهم وهجاهم؛ فجاء رجل من بكر بن وائل إلى أبي النجم العجليّ، وهو في بيته، فقال: أنت جالس وهذا العجاج يهجونا في المربد

قد اجتمع عليه الناس؟! فقال: صف لي حاله وزيّه الذي هو عليه، فوصفه له؛ فقال: ابغني جملا طحانا قد أكثر عليه من الهناء، فجاء بالجمل إليه، فأخذ سراويل له فجعل إحدى رجليه في السراويل واتّزر الأخرى وركب الجمل ودفع خطامه إلى من يقوده حتى أتى المربد، فلما دنا من العجاج قال: اخلع خطامه، فخلعه وأنشد:

تذكّر القلب وجهلا ما ذكر

فجعل الجمل يدنو من الناقة ويتشمّمها ويتباعد عنه العجاج لئلا يفسد ثيابه ورحله القطران، حتى بلغ إلى قوله:

شيطانه أنثى وشيطانى ذكر

فعلق الناس هذا البيت، وهرب العجاج منه.

نزل على رجل من طيء من بني حيّة رجل من بني الحارث بن ذهل ابن شيبان يقال له المكّاء، فذبح له شاة وسقاه من الخمر، فلما سكر الطائي قال: هلّم أفاخرك: أبنو حية أكرم أم بنو شيبان؟ فقال له الشيباني:

حديث حسن ومنادمة كريمة أحبّ إلينا من المفاخرة. فقال الطائي: والله ما مدّ رجل قطّ يدا أطول من يدي. فقال الشيباني: والله لئن رفعتها لأخضبنّها من كوعها، فرفع الطائي يده، فخضبها من كوعها كما قال.

- قيل لجرير إن الطّرمّاح قد هجا الفرزدق وقد كبر وضعف، فلو أجبت عنه، فقال: صدى الفرزدق يفي بطيء كلّها، وقد أردت ذلك

فخفت أن يقال: اجتمع فحلا مضر على مخنّث طيء.

- وقع بين أبي علقمة وبين رجل ندّاف فقال له: لو وضعت يمنى رجليك على حراء، ويسراهما على ثبير، ثم تناولت قوس قزح فندفت له بالغيم على حساب الملائكة، ما كنت إلّا ندافا.

- مازح الفرزدق بلال بن أبي بردة فذمّ بلال بني تميم ومدح أبا موسى، فقال الفرزدق: والله لو لم تكن لأبي موسى إلّا فضيلة واحدة لكفته.

قال: وما هي؟ قال: حجامته. فقال بلال: قد فعل ذلك لحاجة رسول الله ﷺ إلى ذلك؛ وما فعله قبله ولا بعده، فقال الفرزدق: كان أبو موسى أتقى لله من أن يقدم على نبيه بغير حذق.

- قال الحجاج بن عبد الملك بن الحجاج بن يوسف: لو كان رجل من ذهب لكنته، قيل: كيف؟ قال: لم تلدني أمة إلى آدم ما خلا هاجر، فقالوا له: لو لاها لكنت كلبا من الكلاب.

- جندل مولى عديّ بن حاتم يفتخر بأنّه محرّر الرجال دون النساء:

وما فكّ رقي ذات دلّ خريدةولا أخطأتني غرّة وحجول
نماني إلى العلياء أبيض ماجدفأصبحت أدري اليوم كيف أقول

جعفر بن عقاب، وعقاب أمة سوداء:

وضمّتني العقاب إلى حشاهاوخير الطير قد علموا العقاب
فتاة من بني سام بن نوحسبتها الخيل غصبا والركاب

- قيل لأبي العيناء: ما تقول في ابني وهب؟ فتلا قوله ﷾: (وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ)

(فاطر:) قال سعيد بن سلم: حججنا سنة فبينا أنا أسير على حمار خلف المحامل والقباب والكنايس إذا أنا بأعرابي واقف ينظر إليها وهي تمرّ عليه. فقال لي: لمن هي يا هناه؟ فقلت: لرجل من باهلة. فقال: والله ما رأيت كاليوم قطّ.

ما ظننت أنّ الله يعطي باهليا هذا ولا نصيفه ولا عشيره. فقلت: هل يسرّك أنها لك وأنك من باهلة؟ قال: لاها الله ذا. فناولته صرّة كانت معي فقال: والله لقد وافقت مني حاجة، فقلت: إني من باهلة، فردّها وقال: أكره والله أن ألقى الله ولباهليّ عندي يد. فحدثت الرشيد فضحك وقال: ما أصبرك يا سعيد.

- قيل لأبي عبيدة: إن الأصمعيّ قال: بينا أبي يساير سلم بن قتيبة على فرس له، فقال أبو عبيدة: سبحان الله! المتشّبع بما ليس عنده كلابس ثوبي زور، والله ما ملك أبوه دابّة إلا في ثوبه.

رؤي رجل في نظارة السباق، وقد سبق فرس، وهو يظهر النشاط وفرط سرور وابتهاج، فقيل: أهو لك؟ فقال: لا، ولكن لجامه لي.

- قال سقراط لرجل عيّره بحسبه: حسبي مني ابتدأ وحسبك

إليك انتهى.

- وقال آخر: قومي عار عليّ وأنت عار على قومك.

- وطعن في حسب رجل فقال: لأن يكون حسبي عيبا عليّ أصلح من أن أكون عيبا على حسبي.

- وقيل: لأن يكون الرجل شريف النفس دنيء الأصيل أفضل من أن يكون دنيء النفس شريف الأصل.

- قيل لرجل من ولد بشر بن مروان، وكان مأبونا، إن أباك كان سهما من سهام المسلمين وسيفا من سيوفهم فقال: وأنا جعبة من جعابهم وغمد لسيوفهم.

- بعض العبيد الرعاة يفاخر آخر:

أتبعثني في الشاء وابن مويلكعلى هجمة قد لوّحتها الطبائخ
متى كان عمران الثماليّ راعياوقد راعه بالدوّ أسود سالخ

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.