من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
فصول الباب (٢)
هذا باب نذكر فيه ما جاء في استحباب الهدية والنّدب إليها، وموضع كراهيتها، والمنع من قبولها، وما يحسن إهداؤه منها ويجمل موقعه، وما يوجب الذمّ ويجتلبه، وأوصاف المتهادى منها، وملحا من نوادرها، لتكمل المعاني لطالبها، وتجري على مقاصد المتمثل بها.
- فأما الحث عليها فقول رسول الله ﷺ: تهادوا تزدادوا حبا. وجاء في لفظ آخر: تهادوا تحابوا، فإن الهدية تفتح الباب المصمت، وتسلّ سخيمة القلب. قال الله ﷿ حاكيا عن بلقيس في قصتها مع سليمان ﵇:
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
(النمل:) فدلنا ذلك على أنها أرادت بالهدية أن تسلّ السخيمة وتغفر الجريمة بها.
- وقال صلّى الله عليه وعلى آله: لو دعيت الى كراع لأجبت، ولو أهدي إليّ كراع لقبلت.
- وقال ﵇: الهدية مشتركة.
وقال أبو محمد عبد الله بن عزيز: الهدية تردّ بلاء الدنيا، والصدقة بلاء الآخرة.
- وقال الشاعر وهو البحتري:
إن الهدية حلوةكالسحر تجتلب القلوبا
تدني البعيد من الهوىحتى تصيّره قريبا
- فأما كراهيتها فإنما تكون لأرباب القضاء والولايات، تحوّبا من الظنّة والشبهات، وتحرجا أن تقع بمعنى الرشوة. ولذلك قال رسول الله ﷺ للرجل الذي استعمله فأهدي إليه فقال: هذا لي: «ألا جلس في حفش أمّه فينظر أكان يهدى إليه».
وروي أن امرأة أهدت إلى عمر بن الخطاب رضوان الله عليه فخذ جزور ثم حاكمت خصما لها إليه فقضى عليها فقالت: يا أمير المؤمنين افصل حكومتي كما تفصل فخذ الجزور. فردّ عليها عمر قيمته وقال: إياكم والهدايا.
- وقد يمنع منها هؤلاء أيضا احتياطا للمروءة والأمانة: بلغ عبد الملك بن مروان أن عاملا له قبل هدية، فسأله عن ذلك فقال: بلادك عامرة، وخراجك وافر، ورعيتك راضية، قال: أخبرني عما سألتك قال: قد قبلت، قال: لئن كنت قبلتها ولا ترى لصاحبها مكافأة إنك للئيم، وإن كنت قبلتها لتستكفي رجلا عاجزا إنك لخائن، ولئن كنت قبلتها وأنت مضمر تعويض صاحبها لقد بسطت ألسن أهل عملك بالقدح فيك، وذلك جهل، وما في من أتى أمرا لم يخل فيه من لؤم وخيانة وجهل مصطنع، وعزله.
وما أحسن قول القائل: أكرم الهدايا علم نافع، ونصيحة موثوق بها، ومدحة صادقة.
- وقال جعفر بن يحيى: ثلاثة تدل على عقول أصحابها: الهدية والرسول والكتاب.
- فمن إهداء المدح قول الشاعر:
لا تنكرن إهداءنا لك منطقامنك استفدنا حسنه ونظامه
فالله ﷿ يشكر فعل منيتلو عليه وحيه وكلامه
- وكتب سعيد بن حميد إلى بعض إخوانه في يوم نيروز: أيها السيد
عشت أطول الأعمار في زيادة من النعم، موصولة بقرائنها من الشكر، لا تقضي حقّ نعمة حتى تجدّد لك أخرى، ولا يمرّ يوم الا كان موفيا على ما قبله، مقصّرا عما بعده. إني تصفحت حال الأتباع الذين تجب عليهم الهدايا إلى السادة في هذا اليوم فالتمست التأسّي بهم في الاهداء، وإن قصّرت الحال عن الواجب، فرأيتني إن أهديت نفسي فهي ملك لك لا حظّ فيها لغيرك، ورميت بطرفي إلى كرائم مالي فوجدتها منك، فكنت إن أهديت منها شيئا كمهدي مالك إليك [ومنفق نفقتها عليك]، ومن لم يزد على أن نبّه على نعمتك واقتضى نفسه الشكر لك؛ وفزعت إلى مودّتى وشكري فرأيتهما لك خالصين، قديمين غير مستحدثين، فرأيتني إن جعلتهما هديتي إليك لم أجدّد لهذا اليوم الجديد برّا ولا لطفا، ولم أقس منزلة من شكري بمنزلة من نعمتك إلا كان الشكر مقصّرا عن الحق، والنعمة زائدة على ما تبلغه الطاقة. ولم أسلك سبيلا ألتمس بها برّا أعتدّ به، أو لطفا أتوصّل به، إلا وجدت إفضالك قد سبقني إليه، فقدم لك حق السبق إلى البرّ والطول، فجعلت الاعتراف بالتقصير عن حقك هدية إليك بما يجب لك، والعذر عن العجز برّا أتوصّل به إليك؛ وقلت:
إن أهد نفسي فهو مالكهاوله أصون كرائم الذّخر
أو أهد مالا فهو واهبهوأنا الحقيق عليه بالشكر
أو أهد شكري فهو مرتهنبجميل فعلك آخر الدهر
والشمس تستغني إذا طلعتأن تستضيء بسنّة البدر
- أهدى أحمد بن يوسف إلى إبراهيم بن المهدي هدية وكتب إليه:
الأنس سهّل سبيل الملاطفة، فأهديت هدية من لا يحتشم إلى من لا يغتنم ما لا أكثّره تبجّحا، ولا أقلّله ترفعا.
- كتب بعض الشعراء إلى محمد بن منصور بن زياد يستهديه جارية: إن بين يدي كلّ أمر يطالبه الرجل وبين المطلوب إليه ذريعة رجاء يتوصّل بها إلى معروفه. ولي بارتجائيك من معرفتي بفضلك وما كنت متوسلا إليك بشيء هو أرجى في حاجتي ولا أصلح لطلبتي من التأميل لك، وحسن الظن بك. وحاجتي ظريفة من الجوار، لم تتداولها أيدي التّجار، ولي فيها شريطة أعرضها عليك لترى رأيك فيها: أحبّها فرعاء، فانه يقال: إذا اتخذت جارية فاستجد شعرها، فإن الشعر أحد الوجهين؛ وتكون رائعة البياض، تامّة القوام، فإنه يقال إنّ البياض والطول نصف الحسن؛ وتكون مليحة المضحك، فإنه أول ما تجتلب به المرأة المودة، وتعتقد به الحظوة؛ وتكون سبطة البنان. ولست أكره الانكسار في الثدي فإنه ليس للنهود عندي إلا لذة النظر، فأما وطاء يستلذه المعانق فلا، ولست من قول الشاعر في شيء:
جال الوشاح على قضيب زانهرمّان صدر ليس يقطف ناهده
وأكره العجيزة العظيمة وأريدها وسطا لأن خير الأمور أوساطها. لها طرف أدعج، وحاجب أزجّ، وكفل مرتجّ أو متى وافقت هذه الصفة رخيمة الصوت، شهيّة النغمة، فهي حرّة قبل أن ترسلها إلي. وحاجتي أعزّك الله يحتملها قدرك، ويستحقّها شكري، وأنا بالاسعاف جدير، وأنت بالافضال قمين، والسلام.
فكتب إليه محمد بن منصور: قد سألت عن هذه الصفة، وطلبت لك هذا النعت، فأعيتني في الدنيا، وما أراني أجدها لك في الآخرة. وقد بعثت إليك بثلاثمائة دينار، فمتى أصبت جارية على ما وصفت فادفع هذه عربونا حتى أبعث
إليك بالثمن، إن شاء الله.
- وأهدى البحتريّ إلى عبد الرحمن بن خاقان فرسا وكتب إليه:
ماذا ترى في مدمج عبل الشّوىمن نسل أعوج كالشهاب اللائح
لا تربه الجذع الذي يعتاقهوهن الكلال وليس كلّ القارح
يختال في شية يموج ضياؤهاموج القتير على الكميّ الرامح
لو يكرع الظمآن فيها لم يملطرفا إلى عذب الزلال السائح
أهديته لتروح أبيض واضحامنه على جذلان أبيض واضح
فتكون أول سنة مأثورةأن يقبل الممدوح رفد المادح
- وقال الصنوبري يستهدي:
الطيب يهدى وتستهدى طرائفهوأشرف الناس يهدي أشرف الطّيب
والمسك اشبه شيء بالشباب فهببعض الشباب لبعض العصبة الشيب
- وأهدى أبو إسحاق الصابي إلى عضد الدولة في يوم مهرجان اصطرلابا وكتب معه:
أهدى إليك بنو الآمال واحتفلوافي مهرجان جديد أنت مبليه
لكنّ عبدك إبراهيم حين رأىعلوّ قّدرك عن شيء يدانيه
لم يرض بالأرض مهداة إليك فقدأهدى لك الفلك الأعلى بما فيه
- وكتب إليه من الحبس وقد أهدى إليه في نيروز در همين خسروانيين وكتاب «المسالك والممالك»:
أهدي إليك بقدر حالي في الخصاصة درهمين
وبحسب قدرك دفترين هما جميع الخافقين
- وأهدى السريّ الرفّاء إلى صديق له ماء ورد فارسي في قارورة بيضاء مزيّنة بقراطيس مذهبة وكتب إليه:
بعثت بها عذراء حالية النحرمشهّرة الجلباب حوريّة النّجر
مضمّنة ماء صفا مثل صفوهافجاء كذوب الدرّ في جامد الدر
ينوب بكفّي عن أبيه وقد مضىكما نبت عن آبائك السادة الغر
- وقال يستهدي مشروبا وكتب بها إلى أبي الهيجاء ابن حمدان:
تجنّبني حسن المدام وطيبهاوقد ظمئت نفسي وطال شحوبها
وعندي ظروف لو تظرّف دهرهالما بات مغرى بالكآبة كوبها
وشعث دنان خاويات كأنّهاصدور رجال فارقتها قلوبها
فسقياك لا سقيا السحاب فإنمابي العلة الكبرى وأنت طبيبها
- وكتب أبو الفتح ابن العميد في مثله: قد انتظمت يا سيدي رفقة في
سمط الثريا، فإن لم تحفظ علينا النظام باهداء المدام صرنا كبنات نعش، والسلام.
- وكتب في معنى مداد أهدي إليه:
يا سيّدي وعماديأمددتني بمداد
كمسكنيك جميعامن ناظري وفؤادي
أو كالليالي اللواتيرميننا بالبعاد
- وقال ابن الرومي:
أيّ شيء أهدي إليك وفي وجهك من كلّ ما تهودي معنى
منك يا جنة النعيم الهداياأفأهدي إليك ما منك يجنى
- قال أبو جعفر دهقان بن ذي القرنين: قدّمت إلى الصاحب هدية أصحبنيها الأمير أبو عليّ محمد بن محمد برسمه، واعتذرت إليه بأن قلت: إنها إذا نقلت إلى حضرته من خراسان، كانت كالتمر ينقل إلى كرمان؛ فقال: قد ينقل التمر من المدينة إلى البصرة على جهة التبرك، وهذه سبيل ما يصحبك.
- كان ليحيى بن خالد بن برمك كاتب يختص بخدمته، ويقرب من
حضرته، فعزم على ختان ولده، فاحتفل له الناس على طبقاتهم، وهاداه أعيان الدولة ووجوه الكتّاب والرؤساء على اختلاف منازلهم. وكان له صديق قد اختّلت حاله وأضاقت يده عما يريده لذلك مما دخل فيه غيره، فعمد إلى كيسين كبيرين نظيفين، فجعل في أحدهما ملحا وفي الأخر أشنانا مكفّرا، وكتب معهما رعة نسختها: لو تمّت الارادة لأسعفت بالعادة، ولو ساعدت المكنة على بلوغ الهمة لأتعبت السابقين إلى برّك، وتقدمت المجتهدين في كرامتك. لكن قعدت القدرة عن البغية، وقصّرت الجدة عن مباراة أهل النعمة، وخفت أن تطوى صحائف البر، وليس لي فيها ذكر، فأنفذت المبتدأ بيمنه وبركته، والمختتم بطيبه ونظافته، صابرا على ألم التقصير، ومتجرّعا غصص الاقتصار على اليسير. فأما ما لم أجد إليه السبيل في قضاء حقك فالقائم فيه بعذري قول الله ﷿: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ
(التوبة:).
ثم حضر يحيى بن خالد الوليمة، وعرض عليه وكيله جميع ما حمل إليه من الجهات حتى أراه الملح والأشنان والرقعة، فاستظرف الهدية، وأعجب بالرقعة، وأمر الغلام أن يملأ الكيسين عينا فكان أربعة آلاف دينار، وأعادهما إليه.
كتب أبو الفرج الببغاء إلى بعض إخوانه يستهديه دواة وآلتها: إذا كان التفضل يا سيدي- أطال الله بقاءك- للكريم صفة، وللمنعم خليقة، فإن عوضه في ما يأتيه، معين على شكر مننه وأياديه، وهذا وصف لا يتجاوزك ولا يتعداك، ولا يأنس وحشيّه على الحقيقة بسواك. ولذلك صار أنفقنا عليك، وأهدانا لسبيل التقرب إليك، من استنزلك عن أنفس أملاكك، وابتزّك أشرف ذخائرك، بتسحّب الثقة وتسلّط التاميل. ولما كانت الدويّ- ايدك الله- للكتابة عتادا، وللخواطر زنادا، ووجدت أكثرها بظاهر اللقب مستهلكا، وبرقّ الدعاوى مستملكا، عدلت إلى الأكفاء في خطبتها، وعذت بأفخر محتد لنسبتها، فتنجّزت سؤددك- أيدك الله- منها آلة حضر الكمال حدودها،
وعجم الاختبار عودها، فبرزت من سرّ الشّوحط وصميمه، أو عريق الأبنوس وقديمه، تختال من بدع الاختراع، وعناية الصناع، بين تناسب الطول واعتداله، واقتصاد العرض وكماله، جدوليّة العطفين، هلالية الطرفين، مسكيّة الجلدة، كافورية الحلية، فسيحة الأحشاء، مهفهفة الأعضاء، فهي من نبذ بلقتها، وو شائع حليتها:
كشباب مجاور لمشيبأو ظلام موضّح بنهار
أضمرت آلة النهى فهي كالقلب وما تحتويه كالأفكار
تظأر من ذخائر السّحاب، وودائع التراب، كلّ معتدل الكعوب، قويم الأنبوب، باسق الفروع، رويّ الينبوع، نقيّ الجسد، نازح العقد، مختلف الشيات، متفق الصفات، مما عنيت الطبيعة بتربيته، وتبارت الدّيم في تغذيته، فأظهرته كالجوهر المصون، أو اللؤلؤ المكنون، ملتحف الأجساد، بمثل خوافي أجنحة الجراد، إلى أن سبته الرغبة من معادنه، واجتباه التخير من مواطنه، فصار أولى باليد من البنان، وآنس بخفيّ السر من اللسان، تناط الأمور بنباهته، وتقدح الآراء من فطنته، موثوق به خؤون، متهم مأمون، مبيد مفيد، كتوم نموم:
يدافع في الجلّى بغير استطاعةويفصح في النجوى بغير بيان
موات فان ألقى به الرأي رحلهحماه بأمضى خاطر وجنان
تحكم في مهجته، وتسطو بذروته، ذات غرار ماض، وذباب قاض، ومنسر بازيّ، وجوهر هوائي، ونصاب زنجي. حتى إذا أرهفت غراريه، ونحتت روقيه، ناطته بمستدير الجسم ملمومه، مطّرد القدّ مستقيمه، ذي جسد بجراحها مكلوم، وجلد بآثارها موسوم:
في كلّ عضو له من وقعها ألموليس ينجع فيه ذلك الألم
كأنه وامتهان القطّ يرغمهأنف الحسود اذا ارغمنه النعم
حتى إذا جبّ غاربه، وأطلقت مضاربه، انصاع في أصول حفير، وكرع من أعذب غدير، لا ترده غير الافهام، ولا يمتح إلّا بأرشية الأقلام، تفيض ينابيع الحكمة من أقطاره، وتنشقّ سحب البلاغة من قراره، منير مظلم، مشمس مقمر:
يجري وأجراؤه في الوصف جامدةويستهلّ وما تهمي له مقل
إذا الخواطر حامت حول موردهلم يروها من قراه العلّ والنّهل
كأن أقلامنا فيما تحمّلهالى القراطيس عن أسراره رسل
وقد وفيت- أيدك الله- ببديع الأوصاف عاجل المهر، وجعلت ملك الهديّ كفيلا بآجل الشكر، فإن رأيت ان تؤيد يدي ولساني في نشر فضائلك، وتخليد مناقبك، وبثّ محاسنك، فعلت، إن شاء الله.
أهدى ابن نصر الكاتب إلى وزير سكينا ومقطّا وأقلاما، وكتب معها رسالة منها: خدمت بأنابيب كرم منبتها ومقيلها، وأرضها ريف مصر ونيلها، فكأن نصولها بعد الريّ والتمام، وأصولها بعد البلوغ والاستحكام، قد جمعت بين فضيلتي الاعتدال والاستواء، وفارقت ذميمي الالتفات والالتواء، وتقمصت حبرات الوشي المحوكة، وتوشّحت ذوائب التبر المسبوكة، زيّ البغيّ المتبرّجة، أو الكاعب المتحرجة، مقرونة بمضرمة النار، مرهفة الغرار، تنطق السنتها، وتطلق أعنتها، وتنقلها عن الأنابيب إلى الاقلام، وتجعلها مطايا المعاني والكلام.
لها معين على مسكها وضبطها، وقرن في تقويمها وظهير على تحسين جريها وخطها، ينصرها فتخذله، ويطعمها فتأكله، قد عدم شكرها، ودام أنسها وبرها، لا تألم بجراحها، ولا يطمع في استصلاحها، ولا يعدم ضرارها، ولا يسأم جوارها، فعل الوامق الصبور، والعاشق المغرور. فإن رأى قبول ما أوفدته
على فضائله، وتشريفه باستخدام أنامله، فعل.
يقال: أهدوا إلى الولاة فإنهم إن لم يقبلوا أحبّوا.
كتب شاعر يستهدي مدادا:
أنا أشكو إليك أنّ دواتيوهي عوني وعدّتي وعتادي
عطّلت من مدادها فاستعاضتيقق اللون من حلوك السواد
لم تزل من بنات حام فجاءتمن بني يافث بغير ولاد
أنت للحادثات عدّة صدقفترى أن تمدّها بمداد
- البحتري يستهدي مملوكا:
ما بأرض العراق يا قوم حرّيفتديني من خدمة الأحرار
هل جواد بأبيض من بني الأصفر ضخم الجدود محض النجار
فوق ضعف الصغار إن وكل الأمر إليه ودون كيد الكبار
وكأن الذكاء يبعث منهفي سواد الأمور شعلة نار
ولعمري للجود للناس بالناس سواه بالثوب والدينار
- آخر:
رأيت كثير ما يهدى قليلالعيدك فاقتصرت على الدعاء
كتب ابن نصر الكاتب يستهدي مشروبا، وقد بلغه أن صاحبه تعرض لذلك منه: لم يزل الكريم- أطال الله بقاء سيدنا- ينمّ تهلّل وجهه على خفيّ أمره، ويسعى فضل أريحيّته على مكنون سره، سلوا عن الذخائر حتى ينفقها، وصبابة بالمكارم حتى يعلقها؛ وبلغني من تحرشه بانتجاعي دياره، واستسقائي قطاره، ما أشعرني أن خزانة شرابه عمرها الله رويت بعد الحرار، وأيسرت بعد الإعسار، فأطرقت عن شيمها ما دمت ممطورا، وسألت من نيلها حين اضطررت ميسورا، فإن رأى المقابلة بالإسعاد، والإجابة بالإرفاد، فعل، إن شاء الله.
- أهدى الرّعيل بن الكلب ناقة لهشام بن عبد الملك فلم يقبلها، فقال:
يا أمير المؤمنين، أرددت ناقتي وهي هلواع مرياع مرباع مقراع مسياع مسناع حلبانة ركبانة، فضحك وقبلها، وأمر له بألف درهم.
الهلواع: الخفيفة، والمرباع: التي تقدم الابل وتعود، والمرياع: التي تعجل اللقاح، والمقراع: التي تلقح أول ما يقرعها الفحل، والمسياع: السمينة، والمسناع: الواسعة الخطو.
- قال محمد بن مهدي الكاتب:
هديّتي تقصر عن همّتيوهمّتي تقصر عن مالي
وخالص الودّ ومحض الهوىأفضل ما يهديه أمثالي
- الرضي:
إن أهد أشعاري إليك فإنهاكالسّرد أعرضه على داود
لكنني أعطيت صفو خواطريوسقيت ما صبّت عليّ رعودي
وسمحت بالموجود عند بلاغتيإنّي كذاك أجود بالموجود
- الصاحب:
أهديت عطرا منك طيب ثنائهفكأنّما أهدي له أخلاقه
فقال آخر:
وطيّب أهدى لنا طيبافدلنا المهدى على الهادي
- وذم أبو تمام نبيذا أهدي إليه فقال:
قد عرفنا دلائل المنع أو مايشبه المنع باحتباس الرسول
فأتتنا كدراء لم يك من تسنيم جريالها ولا سلسبيل
لا تهدّى سبل العروق ولا تنسلّ في مفصل بغير دليل
وهي نزر لو أنها من دموع الصصبّ لم تشف منه حرّ الغليل
وكأنّ الأنامل اعتصرتهابعد كدّ من ماء وجه البخيل
أحتسابا بعثتها أم تصدّقت بها رحمة على ابن السبيل
قد كتبنا لك الأمانات أن تسأل منها عمر الزمان الطويل
كم مغطّى قد اختبرنا نداهوكشفنا كثيره بالقليل
وقال آخر في مثله:
لو كان ما أهديته إثمدالم يكف إلا مقلة واحده
- وقال ابن الرومي في مثله:
قد لعمري اقتصصت من كلّ ضرسكان يجني عليك في رغفانك
لم تجد حيلة لنا إذ وترناك فقابلتنا بشرّ دنانك
أضرستنا مدامة منك تحكيضجرة تعتريك في ضيفانك
قد رددناه فاتخذه لسكباجك في النائبات من أزمانك
واتخذه على خوانك أدمافهو أولى بالخلّ من إخوانك
- وأهدي إلى دعبل فرس لم يرضه فقال:
حملت على أعور أعرجفلا للركوب ولا للثّمن
حملت على زمن شاعرافسوف تكافا بشعر زمن
وقال الحاتمي:
طلبت عكازة للرجل تحملنيورمتها عند من يهوى العصا فعصا
وكنت أحسبه يهوى عصا عصبولم أكن خلته صبا بكلّ عصا
- أهدى عامل لمروان بن محمد اليه غلاما أسود فأمر عبد الحميد أن يجيبه ويذمه فكتب: أما إنك لو علمت لونا شرا من الأسود وعددا أقلّ من الواحد لأهديته، والسلام.
- كشاجم يذكر شمعا أهداه:
وصفر من بنات النحل تكسىبواطنها وظاهرهنّ عار
كواكب لسن عنك بآفلاتإذا ما أشرقت شمس العقار
بعثت بها إلى ملك كريمشريف الأصل محمود النجار
فأهديت الضياء بها إلى منمحاسنه تضيء لكلّ سار
- وقال أيضا يستهدي شمعا:
سجاياك من طيب أعراقهاتباري النجوم بإشراقها
وما للعفاة غياث سواككأنّك ضامن أرزاقها
وليلة ميلاد عيسى المسيح قد طالبتني بميثاقها
فتلك قدوري على نارهاوفاكهتي فوق أطباقها
وبنت الدنان فقد أبرزتمن الخدر تجلى لعشاقها
وقد قامت السوق بالمسمعين والمسمعات على ساقها
فكن مهديا لي فدتك النفوسبجودك مسكة أرماقها
نظائر صفرا غدت فتنةبلطف أنامل خلّاقها
فللسند صفرة ألوانهاوللروم زرقة أحداقها
ومثل الأفاعي إذا الهبتحريقا مخافة درياقها
- أهدى أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع وقد قدم من مكة نعلا وقد كتب على شراكها:
نعل بعثت بها لتلبسهاقدم بها تمشي إلى المجد
لو كان يصلح أن أشرّكهاخدي جعلت شراكها خدي
فحملها الفضل إلى الأمين فقال: ما هذه يا عباسيّ قال: أهداها إليّ أبو العتاهية وكتب عليها بيتين شعرا، فكان أمير المؤمنين أولى بلبسها لما وصف به لابسها، فقال: ما هما؟ فقرأهما عليه، فقال: أجاد والله ما سبقه إلى هذا المعنى أحد، هبوا له عشرة آلاف درهم، فأخرجت إليه في بدرة.
أهدى أبو الخطاب الصابي إلى أبي إسحاق إبراهيم بن هليل سكينا وكتب إليه: لو علمت يا سيدي أنك اليوم في دارك- عمرها الله وآنسها- لصرت إليك. وقد أنفذت السكين وهي أمضى من القضاء المبرم، وأنفذ من القدر المتاح، وأقطع من ظبة الصّمصام، وأصرم من حدّ الحسام، وأشد ائتلاقا من البرق اللامع، وأنصع ضياء من الشهاب الثاقب؛ ثم هي مع ذاك أرشق قدّا
من الغصن، وأحلى شكلا من كلّ أنيق حسن، قد جمعت حسن المنظر والمخبر، وتملكت عنان العين والقلب، وإنما استعارت ذكاءك ومضاءك، وسربلت جمالك وبهاءك. إن قابلت الأبصار أعشت، وإن صافحت النفوس أصمت، وإن أرضيت ولت متنا كالدهان، وإن أسخطت اتّقت بناب الأفعوان. وهي كريمة الوداد، أليمة الشماس، أمينة في السلم، مخوفة في الحرب، لا عيب لها غير أنها لا فلول بها، ولا آثار للأقران فيها. وأنّى تقلّها الضرائب، أو تثلمها الكتائب، وكل عضب عندها كهام، وكلّ ماض بالقياس اليها كليل. هيهات هي أصلب من ذاك معجما، وأصمّ منه عودا، وأبقى على القضم والخضم حدّة، وأمضى على الهبر والحطم شدة، لم يكلها كرم النجار إلى صنعة القين، ولم يحوجها عتق الجوهر إلى إمهاء الحجر، ولا يزيدها اختلاف الأيام إلا إرهافا، ولا طول الاستخدام إلا مضاء ونفاذا. فإن رأيت يا سيدي أن تتفضّل بقبولها، وتشرّفها باستخدامها غير حامد لها ما ذكرته من ملائها ولا معتدّ بما وصفته من محاسنها، إذ كان الكهام يمضي بحدك، والعضب يفري بيدك، وتعرّفني وصولها ووقوعها الموقع الذي اعتمدته بها، فعلت، إن شاء الله.
وقديما غرّت الهدايا وخدعت: أهدى الجنيد بن عبد الرحمن لأم حكيم بنت يحيى بن الحكم امرأة هشام بن عبد الملك قلادة فيها جوهر، وأهدى لهشام قلادة أخرى فولّاه خراسان، ولم يكن الجنيد في موضع ذلك، وأنفذه إليها وحمله على ثمانية من البريد.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع