من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الفصل الثاني التعريض
التعريض هو عدول عن التصريح إلى الكناية والاشارة، وهذا يقع في سائر فنون الكلام وأنواع المقاصد، وإنما يتعلّق بهذا الفصل ما عدل به عن صريح الذمّ إما إبقاء وإما مراقبة، فمن ذلك قول الشاعر:
يا قوم إنّ سعيدا من يكون لهمن رأيه عن ركوب الغيّ مزدجر
لا تبطروا لبلاء الله عندكمفقبلكم شان أهل النعمة البطر
ما غيّر الله من نعماء أنعمهاعلى معاشر حتى تبدأ الغير
قد أصبح المتقي منكم على وجلوالمعتدي معرض منكم له العبر
- وقال البحتري:
وفي عينيك ترجمة أراهاتدلّ على الضغائن والحقود
وأخلاق عهدت اللين منهاغدت وكأنها زبر الحديد
وما لي قوة تنهاك عنيولا آوي إلى ركن شديد
سوى شعل يخاف الحرّ منهالهيبا غير مرجوّ الخمود
ولو أني أشاء وأنت تربيعليّ لثرت ثورة مستقيد
رأيت الحزم في صدر سريعإذا استوبلت عاقبة الورود
قال ابن عائشة: عتبت على عبيد الله بن الحسين العنبري القاضي مرّة في شيء، قال: فلقيني وهو يدخل من باب المسجد يريد مجلس الحكم وأنا أخرج، فقلت معرّضا به:
طمعت بليلى أن تريع وإنّماتقطّع أعناق الرجال المطامع
فأنشدني معارضا تاركا لما قصدت له:
وبايعت ليلى في خلاء ولم يكنشهود على ليلى عدول مقانع
قال بشر بن مروان يوما: من يدلّني على فرس جواد سابق؟ فقال عكرمة بن ربعي: قد أصبته أصلحك الله عند حوشب بن يزيد، نجا عليه يوم الريّ، يعرض بانهزام حوشب عن أبيه وقول الشاعر:
نجّى خليلته وأسلم شيخهلما رأى وقع الأسنّة حوشب
- اجتمع الشعراء بباب أمير من أمراء العراق، فمرّ رجل بباز فقال رجل من بني تميم لآخر من بني نمير: هذا البازي، فقال النميري إنه يصيد القطا. عرّض الأول بقول جرير:
أنا البازي المطلّ على نميرأتيح من السماء لها انصبابا
وأراد الآخر قول الطرماح:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطاولو سلكت طرق المكارم ضلّت
- عرض معاوية أفراسه على عبد الرحمن بن الحكم، فمرّ به فرس فقال: هذا أجشّ، وآخر فقال: وهذا هزيم، يعرّض بمعاوية إذ قال الشاعر له:
ونجّى ابن حرب سابح ذو علالةأجشّ هزيم والرماح دوان
نظر الفرزدق إلى ابن هبيرة وعليه ثياب تقعقع فقال: هي تسبّح، أراد بذلك قول الشاعر:
إذا لبست قيس ثيابا لزينةتسبّح من لؤم الجلود ثيابها
- قال عمر بن هبيرة الفزاريّ لأيوب بن ظبيان النميري، وهو يسايره: غضّ من بغلتك، فقال: إنها مكتّبة، أراد ابن هبيرة قول جرير:
فغضّ الطّرف إنك من نمير
وأراد النميري قول ابن دارة:
لا تأمننّ فزاريا خلوت بهعلى قلوصك واكتبها بأسيار
- ومرّ الفرزدق بمضرّس بن ربعي وهو ينشد قوله:
تحمّل من وادي أشيقر حاضر
وقد اجتمع الناس، فقال الفرزدق: يا أخا بني فقعس، متى عهدك بالقنان؟ فقال:
تركته تبيض فيه الحمّر. أراد الفرزدق قول نهشل بن حرّيّ:
ضمن القنان لفقعس سوآتهاإن القنان لفقعس لمعمّر
وأراد مضرّس قول أبي المهوش الأسدي:
قد كنت أحسبكم أسود خفيّةفإذا لصاف تبيض فيه الحمّر
وإذا تسرّك من تميم خصلةفلما يسوءك من تميم أكثر
مرّ أبو خليفة المحاربيّ على أبي عمرو العدويّ، عديّ الرّباب، وعندهم بقرة قد ذبحت، فقال أبو خليفة: يا أبا عمرو ما ننفى عن ديارنا جيفة إلا صارت إليكم، فقال أبو عمرو: يا أبا خليفة إنما هي سحابة تمرّ فتفسد ذلك كلّه. أراد أبو خليفة قول الشاعر:
إذا ما نفينا جيفة عن ديارنارأيت عديّا حول جيفتنا تسري
وأراد أبو عمرو قول الشاعر:
إذا كنت ندماني على الخمر فاسقنيبماء سحاب لم تخضه محارب
دخل خالد بن يزيد دار عبد الملك، وكان يسحب ثيابه، فقام إليه عبد الرحمن بن الضحاك يتلقاه فقال له: بأبي أنت وأمي لم تطعم الأرض فضول ثيابك؟ فقال: إني أكره أن أكون كما قال الشاعر:
قصير الثياب فاحش عند بيتهوشرّ قريش في قريش مركّبا
وهذا البيت هجي به الضحاك.
وهب المفضل الضبيّ لبعض جيرانه أضحية يوم الأضحى، فلما لقيه قال: كيف وجدت أضحيتك؟ قال: ما وجدت لها دما، يعرّض بقول الشاعر:
ولو ذبح الضبيّ بالسيف لم تجدمن اللؤم للضبيّ لحما ولا دما
دخل أبو الهنديّ على أسد بن عبد الله بن كرز البجلي وعنده رجل من جرم على سريره، فتناول أبا الهندي، فقال له أسد: مهلا يا أخا جرم، فإن له لسانا لا يطاق، فقال أبو الهنديّ: كم الكبائر؟ قال: بلغني أنهنّ أربع: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله. قال أبو الهندي: وبلغني أنهن خمس: تجفاف على بعير، وسراج في شمس، ولبن في باطية، وخمر في علبة، وجرميّ على سرير؛ فبهت الجرمي.
- المتنبي لما رحل عن ابن حمدان قاصدا إلى كافور يعرض به:
رحلت فكم باك بأجفان شادنعليّ وكم باك بأجفان ضيغم
وما ربّة القرط المليح مكانهبأجزع من ربّ الحسام المصمّم
فلو كان ما بي من حبيب مقنّععذرت ولكن من حبيب معمم
رمى واتّقى رميي ومن دون ما اتقىهوى كاسر كفّي وقوسي وأسهمي
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونهوصدّق ما يعتاده من توهم
وعادى محبّيه بقول عداتهوأصبح في شكّ من الليل مظلم
وما كلّ هاو للجميل بفاعلوما كلّ فعّال له بمتمّم
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع