من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الفصل الثالث في شكوى الزمان
- لقد أحسن أبو عثمان الخالدي وإن كان متأخرا، واستحقّ التقديم على من تقدّمه بقوله:
ألفت من حادثات الدهر أكبرهافما أعوج على أطفالها الأخر
أصفو وأكدر أحيانا لمختبريوليس مستحسنا صفو بلا كدر
إني لأسير في الآفاق من مثلفرد وأملأ في الآماق من قمر
لقد فرحت بما عاينت من عدمخوف القبيحين من كبر ومن بطر
وربما ابتهج الأعمى بحالتهلأنه قد نجا من طيرة العور
ولست أبكي على شيب منيت بهيبكي على الشّيب من يأسى على العمر
وما شكرت زماني وهو يصعدنيفكيف أشكره في حال منحدري
وقد نظرت إلى الدنيا وبهجتهافاستصغرتها جفوني غاية الصغر
كن من صديقك لا من غيره حذراإن كان ينجيك منه شدة الحذر
ما أطمئنّ إلى خلق فأخبرهإلا تكشّف لي عن سوء مختبر
لا عار يلحقني أنّي بلا نشبوأيّ عار على عين بلا حور
فإن بلغت الذي أهوى فعن قدروإن حرمت الذي أهوى فعن عذر
- وقال الرضيّ أبو الحسن الموسوي:
دنيا ترشّف عيشي وهي كالحةغضبى وأبسم فيها بادي الكظم
كالخمر يعبس حاسيها على مقةوالكأس تجلو عليه ثغر مبتسم
قال إبراهيم بن إسماعيل بن داود: حضر الفضل بن الربيع وليمة وكنت معه، وحضرها وجوه الناس، وأخذوا من الحديث في أغثّه، ومن الكلام في أسخفه، فقال الفضل: إني لأرى النعم مسخوطا عليها فمن ثمّ صارت عند غير أهلها، قال إبراهيم: فقلت:
إني أرى الملك والسلطان حازهماقوم بأمثالهم لا تحسن النّعم
فأصبح الناس بالمعروف قد فجعواوأصبح اللؤم مغمورا به الكرم
قد قلت إذ رجعت عودا لكم نعمأظنّ ذا العرش غضبانا على النعم
- وقال ابن الرومي:
دهر علا قدر الوضيع بهوترى الشريف يحطّه شرفه
كالبحر يرسب فيه لؤلؤهسفلا وتطفو فوقه جيفه
وقال آخر:
زمن تلعب بي أحداثهلعب النكباء بالرمح الخطل
وقال آخر:
خان الزمان فأعددت الكرام لهفمن أعدّ إذا ما خانت العدد
وقال أبو إسحاق الصابي:
أيا ربّ كلّ الناس أبناء علّةأما تغلط الدنيا لنا بصديق
وجوه بها من مضمر الغلّ شاهدذوات أديم في النّفاق صفيق
إذا عرضوا عند اللقاء فإنهمقذى لعيون أو شجى لحلوق
وإن أظهروا برد الوداد وظلّهأسرّوا من الشحناء حرّ حريق
- وكان أبو إسحاق في أيام شبيبته أسعد منه جدّا عند الكبر، وفي ذلك يقول:
عجبا لحظي إذ أراه مصاحبيعصر الشباب وفي المشيب مغاضبي
أمن الغواني كان حتى ملّنيشيخا وكان على صباي مصاحبي
يا ليت صبوته إليّ تأخرتحتى تكون ذخيرة لعواقبي
- وقال، وكتب بها إلى الرضيّ أبي الحسن الموسوي من قصيدة:
وإني على عيث الردى في جوانبيوما كفّ من خطوي وبطش بناني
وإن لم يدع إلّا فؤادا مروّعابه غبّر باق من الخفقان
تلوّم تحت الحجب ينفث حكمةإلى أذن تصغي لنطق لسان
لأعلم أني ميّت عاق دفنهذماء قليل في غد هو فان
إذا ما تقدّت بي وسارت محفّةلها أرجل يسعى بها رجلان
وما كنت من فرسانها غير أنهاوفت لي لما خانت القدمان
وقال آخر:
أرى زمنا نوكاه أسعد أهلهولكنما يشقى به كلّ عاقل
مشى فوقه رجلاه والرأس تحتهفكبّ الأعالي بارتفاع الأسافل
- وقال أبو الفضل ابن العميد:
أشكو إليك زمانا ظلّ يعركنيعرك الأديم ومن يعدي على الزمن
وصاحبا كنت مغبوطا بصحبتهدهرا فقد ردّني فردا بلا سكن
هبّت له ريح إقبال فطار بهاإلى السرور وألجاني إلى الحزن
- كانت حال أبي محمد المهلبي، وهو من ولد قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، قبل اتصاله بالسلطان، حال ضعف وقلة، وكان يقاسي منها قذى عينيه وشجى صدره، فبينا هو في بعض أسفاره مع رفيق له من أصحاب الجراب والمحراب، إلا أنه من أهل الأدب، إذ لقي من سفره نصبا فقال ارتجالا:
ألا موت يباع فأشتريهفهذا العيش ما لا خير فيه
ألا رحم المهيمن روح عبدتصدّق بالوفاة على أخيه
فرثى له رفيقه وأحضر له بدرهم ما سكّنه، وتحفظ الأبيات، وتفارقا. فترقت حال المهلبي إلى الوزارة، وأخنى الدهر على الرفيق، فتوصّل إلى إيصال رقعة إلى حضرته فيها:
ألا قل للوزير فدته نفسيمقال مذكّر ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لضنك عيشألا موت يباع فأشتريه
فلما قرأ الرقعة تذكره، وهزته أريحية الكرم، فأمر له في عاجل الحال بسبعمائة درهم، ووقّع تحت رقعته مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
(البقرة:) ثم قلده عملا يرتفق به ويرتزق منه.
- وقال أوس بن حجر:
فإني رأيت الناس إلّا أقلّهمخفاف العهود يكثرون التنقّلا
بني أمّ ذي المال الكثير يرونهوإن كان عبدا سيّد الأمر جحفلا
وهم لمقلّ المال أولاد علّةوإن كان محضا في العمومة مخولا
- كان زيد بن علي بن الحسين كثيرا ما يتمثل:
شرّده الخوف وأزرى بهكذاك من يكره حرّ الجلاد
منخرق الخفّين يشكو الوجىتنكبه أطراف مرو حداد
قد كان في الموت له راحةوالموت حتم في رقاب العباد
ابن يوسف البصري المعروف بالخاطىء:
دنيا دنت من جاهل وتباعدتمن كلّ ذي أدب له حجر
بالت على أربابها حتى إذاوصلت إليّ أصابها الأسر
- آخر:
إذا مدّ أرباب البيوت بيوتهمعلى رجّح الأكفال ألوانها زهر
فإن لنا منها خباء يحفّهإذا نحن أمسينا المجاعة والفقر
- أبو الأسود الدؤلي:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهموالمنكرون لكلّ أمر منكر
وبقيت في خلف يزيّن بعضهمبعضا ليدفع معور عن معور
سلكوا بنيّات الطريق فأصبحوامتنكبين عن الطريق الأنور
أبنيّ إن من الرجال بهيمةفي صورة الرجل السميع المبصر
فطنا بكلّ مصيبة في مالهفإذا أصيب بدينه لم يشعر
- ابن الرومي:
ولو كان همي واحدا لا طّرحتهخواطر قلبي كلّهنّ هموم
مهيار:
إن كان عندك يا زمان بقيةما تهين به الكرام فهاتها
إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
وإني رأيت الدهر منذ صحبتهمحاسنه مقرونة ومعايبه
إذا سرّني في أول الأمر لم أزلعلى حذر من أن تذمّ عواقبه
- دعبل:
أخ لك عاداه الزمان فأصبحتمذمّمة فيما لديه العواقب
متى ما تحذّره التجارب صاحبامن الناس تردده إليك التجارب
قال علي بن أبي جعفر الحذاء: سمعت رجلا يقول لشعيب بن حرب: يا أبا صالح ذهب الصفو والكدر فقال له رجل: فما بقي يا أبا صالح؟
قال: بقي الحمأة.
شاعر:
لا يسقط الشرف القديم من امرىءإملاقه في دولة السقّاط
آخر:
وأحوال أبت إلّا التباساتبثّ الشيب في رأس الوليد
وتقعد قائما بشجى حشاهوتبعث للقيام حبى القعود
وأضحت خشّعا فيها نزارمركبة الرواجب في الخدود
- أبو العتاهية:
تأتي المكاره حين تأتي جملةوترى السرور يجيء في الفلتات
- قال الجاحظ: جهد البلاء أن تظهر الخلّة، وتطول المدة، وتعجز الحيلة، ثم لا تعرف إلا أخا صارما، وابن عمّ شامتا، وجارا كاشرا، ووليا قد تحوّل عدوّا، وزوجة مختلعة، وجارية مستبيعة، وعبدا يحقرك، وولدا ينتهرك.
- أبو زبيد الطائي:
غير ما طالبين ذحلا ولكنمال دهر على أناس فمالوا
- المتنبي:
وما الدهر أهل أن تؤمّل عندهحياة وأن يشتاق فيه إلى النسل
- محمد بن أبي سعيد الجذامي المغربي المعروف بابن شرف في ذلك:
صحبت بهذه الدنيا أناساإذا غدروا فغدرهم وثيق
ولم أصحبهم ودّا ولكنكما جمع العدوّين الطريق
- جحظة:
ورقّ الجوّ حتى قيل هذاعتاب بين جحظة والزمان
- أبو حفص الشطرنجي:
وما مرّ يوم أرتجي فيه راحةفأخبره إلا بكيت على أمس
آخر:
أتى دون حلو العيش حتى أمرّهنكوب على آثارهنّ نكوب
إذا ذرّ قرن الشمس علّلت بالأسىويأوي إليّ الحزن حين تغيب
لعمر كما إن البعيد لما مضىوإنّ الذي يأتي غدا لقريب
- عبد العزيز بن محمد القرشي الطارقي المغربي:
ألا ليت شعري والأماني كثيرةوللدهر أيام كثير لجاجها
أألقى الليالي وهي غير عبوسةفيحسن في عيني قليلا سماجها
سأشكو الذي بي للمعزّ فإننيأرى العمر قد ولّى وفي النفس حاجها
وليّك يا مولاي يشكو ظلامةمن الدهر يرجى من يديك انفراجها
- أبو حبيب المغربي من أبيات:
مكابدا فيه ألوانا يزول بهاصبر الجليد ويجفو جفنه الوسن
يبيضّ من هولها رأس الرضيع أسىويغتدي أسودا في ضرعه اللبن
- دخل مسلمة بن يزيد بن وهب على عبد الملك فقال له: أيّ الزمان أدركت أفضل، وأيّ الملوك أكمل؟ قال: أما الملوك فلم أر إلا حامدا أو ذاما، وأما الزمان فيرفع أقواما ويضع أقواما، وكلهم يذم لأنه يبلي جديدهم، ويفرّق عديدهم، ويهرم صغيرهم، ويهلك كبيرهم.
- وقال الشيباني: أتانا يوما أبو مياس الشاعر، ونحن في جماعة فقال: ما أنتم فيه؟ وما تتذاكرون؟ قلنا: نذكر الزمان وفساده، قال: كلّا، إنما الزمان وعاء ما ألقي فيه من خير أو شرّ كان على حاله. ثم أنشأ يقول:
يقولون الزمان به فسادوهم فسدوا وما فسد الزمان
- وقال حبيب بن أوس:
لم أبك من زمن لم أرض خلّتهإلّا بكيت عليه حين ينصرم
- وجد في صندوق عبد الله بن الزبير صحيفة فيها مكتوب: إذا كان الحديث خلفا، والميعاد خلفا، والمقيت إلفا، وكان الولد غيظا، والشتاء قيظا، وغاض الكرام غيضا، وفاض اللئام فيضا، فأعنز عفر في جبل قفر خير من ملك بني النضر.
- ركب الأصمعي حمارا دميما فقيل له: أبعد براذين الخلفاء تركب
هذا؟ فقال متمثلا:
ولما أبت إلا اطّرفا بودّهاوتكديرها الشرب الذي كان صافيا
شربنا برنق من هواها مكدّروليس يعاف الرّنق من كان صاديا
- الرضي أبو الحسن:
أما تحرّك للأقدار نابضةأما يغيّر سلطان ولا ملك
قد هادن الدهر حتى لا بقاء لهوأطبق الخطب حتى ما به حرك
كلّ يفوت الرزايا أن تلمّ بهأما لأيدي المنايا فيهم درك
أخلّت السبعة العليا طبائعهاأم عطّلت نهجها أم سمّر الفلك
- وقال يشكو للصابي من تقصير الحظّ به:
ما قدر فضلك ما أصبحت ترزقهليس الحظوظ على الأقدار والمهن
قد كنت قبلك من دهري على حنقفزاد ما بك في غيظي على الزمن
»
- وقال أيضا:
أعاتب هذا الدهر إن سرّ مرّةأساء وإن صفّى لنا الورد رنّقا
كأنّي أنادي منه صمّاء صلدةوصلّ صفاة لا يلين على الرّقى
فلا البأس والإقدام نجّى عتيبةولا الجود والاعطاء أبقى المحلّقا
أراه سنانا للقريب مسدّداوسهما إلى النائي البعيد مفوّقا
إذا ما عدا لم تبصر البيض قطّعاولا الزّغف مناعا ولا الجرد سبّقا
ولا في مهاوي الأرض إن شئت مهبطاولا في مراقي الجوّ إن رمت مرتقى
ولا الحوت إن شقّ البحار بفائتولا الطير إن مدّ الجناح وحلّقا
وللعمر نهج إن تسنّمه الفتىإلى الغاية القصوى أزلّ وأزلقا
- وقال:
جار الزمان فلا جواد يرتجىللنائبات ولا صديق يشفق
وطغى عليّ فكلّ رحب ضيّقإن قلت فيه وكلّ حبل يخنق
- وقال:
وكان الأذى رشحا فقد صار غمرةكذاك المبادي أول الألف واحد
- وقال:
وأكثر من تلقاه كالسيف مرهفاعليك وإن جرّبته كان نابيا
- وقال:
وما يثقل الميت الصعيد وإنّماعلى الحيّ عبء للزمان ثقيل
- وقال:
فإن لم يكن فرج في الحياةفكم فرج في انقضاء العمر
- وقال:
أبياض رأس واسوداد مطالبصبرا على حكم الزمان الجائر
- وقال:
وليس من الإنصاف أن حلّقت بكمقوادم عزّ طاح في الجوّ قابها
وأصبحت محصوص الجناح مهضّماعليّ غواشي ذلّة وثيابها
تعدّ الأعادي لي مرامي قذافهاوتنبحني أنّى مررت كلابها
مات ولد لأحمد بن المختار بن أبي الجبر، فبكى عليه حتى ذهبت إحدى عينيه ثم تلتها الأخرى، فقال يشكو الزمان ويذكر صرفه:
كأنما آلى على نفسهألّا يرى شملا لإثنين
لم يكفه ما نال من مهجتيحتى أصاب العين بالعين
- أبو فراس ابن حمدان:
إسار أقاسيه وليل نجومهأرى كلّ شيء دونهنّ يزول
تطول به الساعات وهي قصيرةوفي كلّ دهر لا يسرّك طول
آخر:
ولو أنني أعطيت من دهري المنىوما كلّ من يعطى المنى بمسدّد
لقلت لأيام مضين ألا ارجعيوقلت لأيام أتين ألا ابعدي
وقال علي بن عاصم:
سقيا لأيام لنا ولياليقصر الحبائب طولها بوصال
ما كان طول سرورها لما انقضتإلّا اكتحال متيّم بخيال
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع