من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر من هذه الفصول الثلاثة
- قال أبو الاسد التميمي يستزيد:
ليتك أدّبتني بواحدةتقنعني منك آخر الآبد
تحلف ألّا تبرّني أبدافإنّ فيها بردا على كبدي
اشف فؤادي منّي فإن بهعليّ قرحا نكأته بيدي
إن كان رزقي إليك فارم بهفي ناظري حيّة على رصد
لو كنت حرّا كما زعمت وقدكددتني بالمطال لم أعد
لكنّني عدت ثم عدت فإنعدت إلى مثل هذه فعد
أبعدني الله حين يحملنيحرصي على مثل ذا من الأود
وكيف أخطأت لا أصبت ولانهضت من عثرة إلى سدد
الآن أيقنت من فعالك بيأني عبد لأعبد قفد
وصرت من قبح ما ابتليت بهأكنى أبا الكلب لا أبا الأسد
- وقال أبو عثمان الخالدي:
قل للشريف المستجار به إذا عدم المطر
وابن الأئمة من قريش والميامين الغرر
أقسمت بالريحان والننغم المضاعف والوتر
لئن الشريف نأى ولمينعم لعبديه النظر
لنشاركنّ بني أميية في الضلال المشتهر
ونقول لم يغصب أبوبكر ولم يظلم عمر
ونرى معاوية إماما من يخالفه كفر
ونقول إن يزيد ماقتل الحسين ولا أمر
ونعدّ طلحة والزبير من الميامين الغرر
ويكون في عنق الشريف دخول عبديه سقر
- وقال السري الرفاء يعرّض بالخالديين وزاد حتى شهر سيف الشقاق عليهما:
يا أكرم الناس إلّا أن يعدّ أبافات الكرام بآباء وآثار
أشكو إليك حليفي غارة شهراسيف الشقاق على ديباج أفكاري
ذئبين لو ظفرا بالشّعر في حرملمزّقاه بأنياب وأظفار
سلّا عليه سيوف البغي مصلتةفي جحفل من شنيع الظّلم جرار
وأرخصاه فقل في العطر ممتهنالديهما يشترى من غير عطّار
لطائم المسك والكافور فائحةمنه ومنتخب الهنديّ والغار
وكلّ مسفرة الألحاظ تحسبهاصفيحة بين إشراق وإسفار
أرقت ماء شبابي في محاسنهاحتى ترقرق فيها ماؤها الجاري
كأنها نفس الريحان يمزجهصبا الأصائل من أنفاس نوّار
إن قلّداك بدرّ فهو من لججيأو ختّماك بياقوت فأحجاري
باعا عرائس شعري بالعراق فلاتبعد سباياه من عون وأبكار
مجهولة القدر مظلوم عقائلهامقسومة بين جهّال وأغمار
ما كان ضرّهما والدرّ ذو خطرلو حلّياه ملوكا ذات أخطار
وما رأى الناس سبيا مثل سبيهمابيعت عقيلته ظلما بدينار
والله ما مدحا حيّا ولا رثياميتا ولا افتخرا إلّا بأشعاري
- وقال في ابن العصب الملحيّ الشاعر:
فاغد سرّا بنا إلى قفص الملحيّ فالعيش فيه غضّ نضير
نتوارى من الحوادث والدهر بصير بمن توارى خبير
مجلس في فناء دجلة يرتاح إليه الخليع والمستور
طائر في الهواء فالبرق يسريدون أعلاه والحمام يطير
وإذا الغيم سار أسبل منهكلل دون جدره وستور
وإذا غارت الكواكب صبحافهو الكوكب الذي لا يغور
ليس فيه إلّا خمار وخمروممات من سكرة ونشور
وحديث كأنه زهر المنثور حسنا ولؤلؤ منثور
وجريح من الدنان تسيل الرراح من جرحه وقدر تفور
ولك الظبية الغريرة إن شئت وإن عفتها فظبي غرير
فتمتع بما تشاء نهاراثم بت معرسا وأنت أمير
كلّ هذا بدر همين فإن زدت فأنت المبجّل الموفور
قال قائل لجحظة: توفّي عليّ بن عيسى الوزير، فسجد، وكانت بينهما عداوة، ثم قال: يا أخي قد يئسنا من خير أهل هذه الدنيا، ولم يبق الا التلذذ بنكبات أربابها، وأنشد:
أحسن من قهوة معتّقةتخالها في إنائها ذهبا
من كفّ مقدودة مهفهفةتقسم فينا لحاظها الرّيبا
نعمة قوم أزالها قدرلم يحظ منها حرّ بما طلبا
- قال الجاحظ: قلت يوما لعبدوس بن محمد، وقد سألته عن سنه:
لقد عجّل عليك الشيب، فقال: وكيف لا يعجّل عليّ وأنا محتاج إلى من لو نفذ حكمي فيه لسرّحته مع النّعاج، وألقطته مع الدّجاج، وجعلته قيّم السراج. هذا أبو ساسان أحمد بن العباس العجلي له غلّة ألف ألف درهم في كلّ سنة، عطس يوما فقلت: يرحمك الله، فقال لي: يغرقكم الله.
- وقال السري الرفاء الموصلي يشكو الاقتار:
قد كانت الابرة فيما مضىصائنة وجهي وأشعاري
فأصبح الرزق بها ضيّقاكأنه من ثقبها جاري
- وقال أبو الحسن ابن سكرة الهاشمي في مثل ذلك:
واجر غلماني في واسطجوعا وكانوا لا يرامونا
جادوا بما كنت ضنينا بهفاتّسعوا ممّا يناكونا
لو أنّ رزقي مثل أدبارهمكنت من الإثراء قارونا
- وقال أيضا:
قيل ما أعددت للبرد فقد جاء بشدّه
قلت درّاعة عريتحتها جبّة رعده
وأخذ هذا من كلام بعض الأعراب وقيل له: ما أعددت للشتاء؟ قال شدة الرعدة.
مر ابن أبي علقمة بمجلس بني ناجية، فكبا حماره لوجهه، فضحكوا منه فقال: ما يضحككم؟ رأى وجوه قريش فسجد. وبنو ناجية يعتدّون في قريش ويطعن في نسبهم.
قال رجل من بني هاشم لأبي العيناء: يا حلقيّ، فقال: مولى القوم منهم. يعرّض بولائه فيهم.
- وعرض ابن هبيرة على رجل من ضبة كان يمازحه فصّ فيروزج، يعرّض بقول الشاعر:
ألا كلّ ضبّيّ من اللؤم أزرق
- حمل بعض الوزراء أبا العيناء على دابة، فلما أبطأ عليه علفها استزاده فقال: أيها الوزير، هذه الدابة حملتني عليها أم حملتها عليّ؟
- وقال له صاعد: ما الذي أخّرك عنا؟ قال: بنيتي. قال: وكيف؟
قال: قالت: يا أبة قد كنت تغدو من عندنا فتأتي بالخلع السرية، والجائزة السنية، ثم أنت الآن تغدو مستدفّا وترجع مغتمّا، فإلى من؟ قلت: إلى أبي
العلاء ذي الوزارتين، قالت: أيعطيك؟ قلت: لا. قالت: أفيشفّعك؟ قلت:
لا. قالت: أفيرفع مجلسك؟ قلت: لا، قالت: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
؟ (مريم:) - وقيل لمزبّد: لم لا تكون كفلان- يعني رجلا موسرا؟ فقال: بأبي أنتم كيف أتشبّه بمن يضرط فيشمّت وأعطس فألطم؟
- وقيل له ما بال حمارك يتبلّد إذا توجّه نحو المنزل وحمير الناس إلى منازلها أسرع؟ قال: لأنه يعرف سوء المنقلب.
- وطلب من داره بعض جيرانه ملعقة فقال: ليت لنا ما نأكله بالإصبع.
- وقال الرشيد لأبي الحارث جمين: كيف تدخل إلى محمد بن يحيى؟ فقال: أدخل والله يا أمير المؤمنين وأنا أكسى من الكعبة وأخرج وأنا أعرى من الحجر الأسود.
- ورؤي عليه جبة قد تخرّقت فقيل له: ما هذه؟ قال: غنّت بقول الشاعر:
أما فؤادي فقد بلي جزعاقطّعه البين والهوى قطعا
ثم قيل له بعد ذلك: كيف تغني جبّتك؟ فقال: قد كانت تغنّي وقد صارت تلطم في مأتم.
- كان حماد عجرد صديقا ليحيى بن زياد، وكانا يتنادمان ويجتمعان على ما يجتمع عليه مثلهما، ثم إنّ يحيى بن زياد أظهر نزوعا عما كان عليه وقراءة، وهجر حمادا وأشباهه، فكان إذا ذكر عنده حماد ثلبه وذكر تهتّكه ومجونه، فبلغ ذلك حمادا فكتب إليه:
هل تذكرن دلجي إليك على المضمّرة القلاص
أيام تعطيني وتأخذ من أباريق الرصاص
إن كان نسكك لا يتمم بغير شتمي وانتقاصي
أو كنت لست بغير ذاك تنال منزلة الخلاص
فعليك فاشتم آمنافلك الأمان من القصاص
واقعد وقم بي ما بدالك في الأداني والأقاصي
فلطالما زكيتنيوأنا المقيم على المعاصي
أيام أنت إذا ذكرت مناضل عني مناص
وأنا وأنت على ارتكاب الموبقات من الحراص
- قال أبو عبيدة: تزوجت أخت أبي نخيلة برجل يقال له ميار،
فكان أبو نخيلة يقوم بمالها مع ماله، ويرعى سوامها مع سوامه، فيستبدّ عليها بأكثر منافعها. فخاصمته يوما من وراء خدرها في ذلك فأنشأ يقول:
أظلّ أرعى وتراهزيناململما أبزى له غضونا
ذا أبن مقدّما عثنونايطعن طعنا يقصب الوتينا
ويهتك الأعفاج والرئينايذهب ميار وتقعدينا
وتفسدين وتبذّريناوتمنحين استك آخرينا
أير حمار في است هذا دينا
ابن بسام:
سنصبر ما وليت فكم صبرنالمثلك من أمير أو وزير
ولما لم ننل منهم سرورارأينا فيهم كلّ السرور
جلس مولى لآل سليمان على طريق الناس، وقد رجعوا من الاستمطار، وقد سقوا فقال: ليس بي إلا سرورهم اليوم بالإجابة، وما مطروا إلا لأني غسلت ثيابي اليوم، ولم أغسلها قطّ إلا جاء الغيم والمطر، فليخرجوا غدا فإن سقوا فإني ظالم.
شاعر يستبطىء صديقا له على إعادة كتب أعاره إياها:
ما بال كتبي في يديك رهينةحبست على مرّ الزمان الأطول
إيذن لها في الانصراف فإنهاكنز عليه في الأنام معوّلي
ولقد تغنّت حين طال ثواؤهاطال الوقوف على رسوم المنزل
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع