من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
بدأ الباب الثّالث والعشرون في الهجاء والمذمّة
بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله
(الباب الثالث والعشرون باب الهجاء والمذمة) - الهجاء مرهبة للكريم، ومحلبة من اللئيم، وهو على الشاعر أجدى من المديح المضرع، فلذلك بالغ فيه من جعله الذريعة إلى نيل مباغيه.
قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه للحطيئة: ويلك لا تهج الناس، فقال: إذن أموت وأطفالي جوعا. فاشترى منه عمر ﵁ أعراض المسلمين فقال:
وأخذت أطراف الكلام فلم تدعشتما يضرّ ولا مديحا ينفع
وحميتني عرض اللئيم فلم يخفذمّي وأصبح آمنا لا يفزع
والمقصود من ذكر الهجاء الوقوف على ملحه وما فيه من ألفاظ فصيحة، ومعان بديعة، لا التشفي بالأعراض والرتعة فيها. وليس الهجاء دليلا على إساءة المهجوّ ولا صدق الشاعر فيما رماه به، فما كلّ مذموم بذميم، ولا كلّ ملوم بمليم، وقد يهجى الإنسان بهتا وظلما، أو تقرّبا إلى عدوّ، أو عبثا، أو إرهابا لمن يخشى الشاعر سطوته فيجبن عن هجائه:
كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع
وقد يهجى جزاء عن فعل خصّ الهاجي ولم يعمّ، وليس في ذلك كلّه عار يلحق الأعقاب، ولا في الوقوف عليه غيبة يحصل بها العقاب.
أهدي إلى سيف الدولة صدقة بن منصور بن مزيد الأسديّ كتاب ففتحه لينظر فيه، فوقعت عينه منه على هجاء بني أسد، فأطبقه وقال:
وما زالت الأشراف تهجى وتمدح
- قال المتوكل لأبي العيناء: كم تمدح الناس وتذمّهم، قال: ما أحسنوا أو أساؤا. وقد رضي الله عن عبد فمدحه فقال: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
(ص:،) وغضب على آخر فزنّاه، فقال له: ويحك أيزنّي الله أحدا؟! فقال: نعم قال الله ﷿: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ
(القلم:) والزنيم الملصق بالقوم وليس منهم، هو مأخوذ من الزّنمة، والزنمتان ما تدلّى في حلق المعز، وقيل من آذانها.
- قال دعبل في المأمون بعد البيعة وقتل الأمين:
إنّي من القوم الذين هم همقتلوا أخاك وشرّفوك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خمولهواستنقذوك من الحضيض الأوهد
فقال المأمون: ويحه ما أبهته!! متى كنت خاملا وفي حجر الخلافة ربيت، وبدرّها رضعت.
- وقد أحسن الزبرقان بن بدر إلى الحطيئة وأكرم ضيافته في سنة غبراء حطمت الأموال وذهبت بالخفّ والحافر، فوعده بنو أنف الناقة القريعيّون،
وكانوا أعداء الزبرقان، أن يزيدوا في البرّ على ما فعله الزبرقان، فحمله الطمع والجشع على أن أرضاهم بهجائه فقال:
ما كان ذنب بغيض لا أبا لكمفي بائس جاء يحدو آخر الناس
جار لقوم أطالوا هون منزلهوغادروه مقيما بين أرماس
ملّوا قراه وهرّته كلابهموجرّحوه بأنياب وأضراس
دع المكارم لا ترحل لبغيتهاواقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وهي أكثر من هذا. فاستعدى الزبرقان عليه عمر بن الخطاب ﵁ وأنشده الأبيات فقال: ما أسمع هجاء وإنما هي معاتبة، فقال الزبرقان: أو ما بلغ من مروءتي إلا أن آكل وأشرب؟ فدعا حسان فسأله عن الشعر فقال: ما هجاه ولكن سلح عليه.
- ولما قتل جعفر بن يحيى بكاه أبو نواس وجزع عليه وقال: اليوم والله ذهبت المروءة والأدب، فقيل له: أتقول هذا وقد كنت تهجوه وتقطعه من قبل؟
فقال: ذاك لركوب الهوى. أيكون أكرم من جعفر وقد رفع إليه صاحب الخبر أني قلت:
ولست وإن أطنبت في وصف جعفربأول إنسان خري في ثيابه
فوقّع في رقعته: يدفع إليه عشرة آلاف درهم يغسل بها ما ذكر أنّه نال ثيابه.
وكان أبو نواس مائلا إلى الفضل بن الربيع ومنحرفا عن البرامكة.
»
- ومن العبث بالهجو ما روي أنّ الحطيئة همّ بهجاء فلم يدر من يستحقّه فجعل يجول ويقول:
أبت شفتاي اليوم إلّا تكلّمابسوء فما أدري لمن أنا قائله
ثم اطلع في ركيّ فرأى وجهه فقال:
أرى لي وجها شوّة الله خلقهفقبّح من وجه وقبّح حامله
وهجا أباه وأمه فقال:
ولقد رأيتك في النساء فسؤتنيوأبا بنيك فساءني في المجلس
ومن هذا الفن أنّ شاعرا في زماننا هجا بعض الأعيان بأبيات مطبوعة تداولها الناس فحبس وعزّر. وأراد الوزير أبو علي ابن صدقة أن يستكفّه عن الزيادة فقال له: ما أردت إلى هجاء هذا الرجل؟ هل اجتديته فمنعك، أو مدحته فحرمك، أو كانت لك حكومة فمال فيها عليك؟ قال: كلّ ذلك لم يكن، بل قطع كان على عرضه وقفاي.
- وضدّ هذا العبث بالأعراض قول صخر بن عمرو بن الشريد السّلميّ، وقد قتلت بنو مرّة أخاه معاوية بن عمرو، فقال له قومه: ألا تهجوهم؟ فقال: ما بيننا أجلّ من القذع، ولو لم أكفّ عن هجائهم إلّا رغبة بنفسي عن الخنا لكففت. وقال:
تقول ألا تهجو فوارس هاشموما لي إذا أهجوهم ثم ما ليا
أبى الشتم أني قد أصابوا كريمتيوأن ليس إهداء الخنا من شماليا
وذي إخوة قطّعت أقران بينهمكما تركوني واحدا لا أخا ليا
فأمسك عن هجائهم، وقد وتروه، صيانة وتكرّما.
وكانت العرب في جاهليتها وإسلامها تتّقي الهجاء أشدّ من اتقائها السلاح، حيث كانت تحامي عن أحسابها، وترغب في اقتناء المحامد الباقي ذكرها على أعقابها. ولذلك قال رسول الله ﷺ وحسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وغير هما من الصحابة يهجون مشركيّ قريش: لهو أشدّ عليهم من وقع النبل.
- وكان أحدهم في الفلاة القفر لا أنيس بها معه ولا قرين، يحمي نفسه عن كلمة يعاب بها حتى كأنه يتعبّد بذلك من لا يخفى عليه خافية. فمن ذلك أنّ حذيفة بن بدر لما فرّ في حرب عبس وذبيان، ونزل وأصحابه إلى جفر الهباءة يتبرّدون في حمارّة القيظ، اقتصّ قيس بن زهير أثرهم حتى وقف عليهم في عدّة فوارس، وهم في الجفر، فأيقنوا بالهلاك فقال حذيفة: يا بني عبس فأين العقول والأحلام؟ فضرب حمل بن بدر بين كتفيه وقال: إياك ومأثور الكلام.
فانظر إلى هذه الحمية والنفس الأبية، منعه أن يستعطف ابن عمّه، وهم متوقعون للقتل لئلّا يؤثر عنهم ضراعة ورقة عند الموت. وأمثال ذلك كثير، وليس هذا موضع إيراده.
- ومن مراقبتهم للشعر ما روي عن عبد الملك بن مروان أنه قال لولده
حين حضرته الوفاة: أوصيكم بحسن جوار الشعراء، فإن للشعر مواسم لا تزداد على اختلاف الجديدين إلا جدّة، وأيم الله ما أودّ أني هجيت بمثل قول الأعشى:
فما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكموبحرك ساج لا يواري الدّعامصا
تبيتون في المشتى ملاء بطونكموجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
وأني ازددت إلى نعمتي أضعافها، ولوددت أني مدحت بهذه الأبيات من قول زهير:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرمقوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا
وأني زلت عن نعمتي كلها.
- وقد قال أبو مسلم: ألأم الأعراض عرض لا يرتعي فيه حمد ولا ذم. وتلك أمة قد خلت وملة قد نسخت:
جدّت أكفّ ليس ينبط ماءها إلا المساحي
وجلود قوم ليس تألم غير أطراف الرماح
ما شئت من مال حمىيأوي إلى عرض مباح
- والهجاء إنما يضع من النمرقة الوسطى. أما الخمول فلا يقع الهجاء فيه موقعا يضرّ، كما لا يرفعه المديح. قال رجل ما أبالي أهجيت أم مدحت، فقال له الأحنف بن قيس: أرحت نفسك من حيث تعب الكرام.
وقال بعض النبط لبشار إن هجوتني تخرب ضيعتي؟ قال: لا، قال: فتموت
عيشونة ابنتي؟ قال: لا، قال: فرجلي مع ساقي إلى حلقي في حر أمك قال:
ولم تركت رأسك؟ قال لأنظر إلى ما تصنع. وقال دعبل بل يروى لمسلم:
فاذهب فأنت طليق عرضك إنهعرض عززت به وأنت ذليل
وقال إبراهيم بن العباس:
نجابك لؤمك منجى الذبابحمته مقاذره أن ينالا
وإنما ألمّا فيه بقول عويف القوافي:
قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوامن لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
- وأما من علت درجته، وشاعت فضيلته، فلا يفسده الهجاء، ولا يضع من شرفه؛ وقد مثلوا بمن هجي من العرب على هذه المنازل قالوا:
لم يفسد الهجاء بني بدر، وبني عدس، وبني عبد المدان، وغيرهم من أشراف العرب. هجيت فزارة بأكل أير الحمار وبكثرة شعر القفا كقول الحارث بن ظالم:
فما قومي بثعلبة بن سعدولا بفزارة الشّعر الرقابا
فلم يضرهم ذلك. ثم افتخر مفتخرهم به ومدحهم الشاعر به. قال مزرد بن ضرار:
منيع بين ثعلبة بن سعدوبين فزارة الشّعر الرقاب
فما من كان بينهما بنكسلعمرك في الخطوب ولا بكاب
وأما قصة أير الحمار فإنما اللوم على المطعم لرفيقه ما لا يعرفه، فهل كان على الفزاري في حقّ الأنفة أكثر من قتل من أطعمه الجردان من حيث لا يدري.
وقد هجيت الحارث بن كعب، وكتب الهيثم بن عدي فيهم كتابا، فما وضع ذلك منهم حتى كأنه قد كتبه لهم. ولما كانت نمير دون هؤلاء في الشرف وضعهم قول جرير:
فغضّ الطرف إنّك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
قال أبو عبيدة كان الرجل من بني نمير اذا قيل له: ممن الرجل؟ قال نميري كما ترى، حتى قال جرير بيته هذا فصار الرجل من بني نمير إذا قيل له: ممن الرجل؟
قال: من بني عامر. فعند ذلك قال الشاعر يهجو قوما آخرين:
وسوف يزيدكم ضعة هجائيكما وضع الهجاء بني نمير
ولما هجاهم أبو الردينيّ العكلي، فتوعدوه بالقتل، قال أبو الرديني:
توعّدني لتقتلني نميرمتى قتلت نمير من هجاها
فشدّ عليه رجل منهم فقتله.
وما لقيت قبيلة من العرب مهجوة ما لقيت نمير من بيت جرير هذا.
- ومن متوسطي الشرف في القبائل: عنزة وجرم وسلول وباهلة وغنيّ، وهذه قبائل فيها فضل كثير، ومنها شعراء وفصحاء وفرسان مذكورون، فمحا ذلك الفضل هجاء الشعراء وغضّ منهم.
ومن الحبطات حسكة بن عتّاب وعبّاد بن الحصين وولده وهم من الأشراف
ففضح هذه القبيلة قول الشاعر:
رأيت الحمر من شرّ المطاياكما الحبطات شرّ بني تميم
وكذلك أفسد ظليم البراجم قول الشاعر:
إن أبانا فقحة لدارمكما الظليم فقحة البراجم
وأهلك بني العجلان قول الشاعر:
إذا الله عادى أهل لؤم وقلّةفعادى بني العجلان رهط ابن مقبل
قبيّلة لا يغدرون بذمّةولا يظلمون الناس حبّة خردل
ولا يردون الماء إلا عشيةإذا صدر الورّاد عن كلّ منهل
وأما قول الأخطل:
وقد سرّني من قيس عيلان أننيرأيت بني العجلان سادوا بني بدر
فإن هذا البيت لم ينفع بني العجلان، كما لم يضرّ بني بدر، لأنه أخرجه مخرج الشماتة لأن صارت الذّنابى قادة للرؤوس.
الشماتة لأن صارت الذّنابى قادة للرؤوس.
فأما من سلم من آفة الهجاء بالخمول فمثل غسّان وعيلان من قبائل عمرو بن تميم، وثور إخوة عكل. وابتليت عكل لأنها أنبه منها سببا، وثور خاملة، ولعلها لولا سفيان الثوري والربيع بن خثيم ما عرفت.
- قال الشعبي: شهدت زيادا وأتاه عامر بن مسعود بأبي علاثة
التيمي فقال إنه هجاني قال: وما قال لك؟ قال، قال:
وكيف أرجّي ثروها ونماءهاوقد سار فيها خصية الكلب عامر
فقال أبو علاثة: ليس هكذا قلت، قال: فكيف قلت؟ قال: قلت:
وإني لأرجو ثروها ونماءهاوقد سار فيها يأخذ الحقّ عامر
فقال زياد: قاتل الله الشاعر، ينقل لسانه كيف شاء؛ والله لولا أن يكون سنة لقطعت لسانك. فقام قيس بن فهد الأنصاري فقال: أصلح الله الأمير، ما أدري من الرجل، فإن شئت حدثتك عن عمر بما سمعت منه، قال: وكان زياد يعجبه أن يسمع الحديث عن عمر، قال هاته، قال: شهدته وأتاه الزبرقان بن بدر بالحطيئة فقال: هجاني، قال: وما قال لك؟ قال:
دع المكارم لا ترحل لبغيتهاواقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
فقال عمر: ما أسمع هجاء ولكنها معاتبة، فقال الزبرقان: أو ما بلغ من مروءتي إلا أن آكل وأشرب؟ فقال عمر: عليّ بحسان، فجيء به، فسأله فقال: لم يهجه ولكن سلح عليه.
ويقال سأل لبيدا فقال: ما يسرني أنه لحقني من هذا الشعر ما لحقه وأنّ لي حمر النّعم. فأمر به عمر فجعل في نقير في بئر، ثم ألقي عليه شيء فقال:
ماذا تقول لأفراخ بذي أمرزغب الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسيهم في قعر مظلمةفاغفر عليك سلام الله يا عمر
فأخرجه ثم قال: إياك وهجاء الناس. قال: إذن يموت عيالي جوعا؛
مكسبي هذا ومنه معاشي. قال: إياك والمقذع من القول، قال: وما المقذع؟
قال: أن تخاير بين الناس فتقول فلان خير من فلان، وآل فلان خير من آل فلان، قال: فأنت والله أهجى مني. ثم قال: لولا أن تكون سنّة لقطعت لسانه، ولكن اذهب فأنت له يا زبرقان خذه، فألقى الزبرقان في عنقه عمامة فاقتاده بها، وعارضته غطفان فقالوا: يا أبا شذرة، إخوتك وبنو عمك، هبه لنا، فوهبه لهم.
فقال زياد لعامر بن مسعود قد سمعت ما روي عن عمر، وإنما هي السنن، فاذهب به فهو لك، فألقى في عنقه حبلا أو عمامة، وعارضته بكر بن وائل فقالوا له: إخوتك وجيرانك، فوهبه لهم.
- وقال الأخطل، واسمه غياث بن غوث من بني تغلب:
ما زال فينا رباط الخيل معلمةوفي كليب رباط الذلّ والعار
النازلين بدار الذلّ إن نزلواوتستبيح كليب حرمة الجار
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهمقالوا لأمهم بولي على النار
وهذا أهجى بيت قالته العرب، فإنه مع ما وصفهم به من اللؤم والدناءة وابتذال الأم جعل نارهم ضئيلة حقيرة تطفئها البولة.
- وقال الأخطل أيضا:
فلا تدخل بيوت بني كليبولا تقرب لهم أبدا رحالا
ترى فيها لوامع بارقاتيكدن ينكن بالحدق الرجالا
قصيرات الخطى عن كلّ خيرإلى السّوءات مسمحة عجالا
- وقال أيضا:
ونحن رفعنا عن سلول رماحناوعمدا رغبنا عن دماء بني نصر
ولو ببني ذبيان بلّت رماحنالقرّت بهم عيني وباء بهم وتري
شفى النفس من قتلى سليم وعامرولم يشفها قتلى غنيّ ولا جسر
ولا جشم شرّ القبائل إنهاكبيض القطا ليست بسود ولا حمر
لعمري لقد لاقت سليم وعامرعلى جانب الثّرثار راغية البكر
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبتفدلّ عليها صوتها حيّة البحر
- وقال أيضا:
لعمرك إنّا من زهير بن جندبلدانون لو أنّ القرابة تنفع
معاشر أمّا الخير منهم فمكفأوأمّا إناء الشرّ منهم فمترع
- وقال أيضا:
سود الوجوه وراء القوم مجلسهمكأنّ قائلهم في القوم مسترق
البائتون قريبا دون أهلهمولو يشاءون آبوا الحيّ أو طرقوا
- وقال جرير:
أقول وذاكم للعجيب الذي أرىأمال بن مال ما ربيعة والفخر
محالفهم فقر قديم وذلّةوبئس الحليفان المذلة والفقر
- وقال أيضا:
ألم تر أنّ الله أخزى مجاشعاإذا ما أفاضت في الحديث المجالس
فما زال معقولا عقال عن الندىوما زال محبوسا عن المجد حابس
- وقال أيضا:
ولا تعرفون الشرّ حتى يصيبكمولا تعرفون الأمر إلا تدبّرا
- آخر:
فما إن في الحريش ولا عقيلولا أولاد جعدة من كريم
أولئك معشر كبنات نعشرواكد لا تسير مع النجوم
- لما فارقت عروة بن الورد امرأته الغفارية، وأثنت عليه بما أثنت، ورجعت إلى قومها، تزوجها رجل من بني عمها، فقال لها يوما من الأيام: يا سلمى أثني عليّ كما أثنيت على عروة، وقد كان قولها شهر فيه، فقالت: لا تكلّفني ذلك فإني إن قلت الحقّ غضبت، ولا والّلات والعزّى لا أكذب. فقال:
عزمت عليك لتأتيني في مجلس قومي فلتثنينّ عليّ بما تعلمين. وخرج وجلس في نديّ القوم، وأقبلت، فرماها الناس بأبصارهم، فوقفت عليهم وقالت: أنعموا صباحا، إنّ هذا عزم عليّ أن أثني عليه بما أعلم، ثم أقبلت فقالت: والله إن
شملتك لالتحاف، وإنّ شربك لاشتفاف، وإنك لتنام ليلة تخاف، وتشبع ليلة تضاف، وما ترضي الأهل ولا الجانب، ثم انصرفت. ولامه قومه وقالوا: ما كان أغناك عن هذا القول منها.
- وقال الأخطل:
وإذا سما للمجد فرعا وائلواستجمع الوادي عليك فسالا
كنت القذى في سيل أكدر مزبدقذف الأتيّ به فضلّ ضلالا
- وقال أيضا:
قبيلة كشراك النعل دارجةإن يهبطوا العفو لا يوجد لهم أثر
محلّهم من بني تيم وإخوتهمحيث يكون من الحمارة الثفر
- وقال الحكم بن عبدل الأسدي:
نكهت عليّ نكهة أخدريّشتيم أعصل الأنياب ورد
فما يدنو إلى فيه ذبابولو طليت مشافره بقند
- وقال ذو الإصبع العدواني:
لو كنت ماء كنت لاعذب المذاق ولا مسوسا
ملحا بعيد القعر قدفلّت حجارته الفؤوسا
منّاع ما ملكت يداك وسائلا لهم لحوسا
وتبعه الشعراء في معنى البيت الأول فأكثروا؛ قال الآخر:
لو كنت ماء كنت غير عذبأو كنت سيفا كنت غير عضب
أو كنت عيرا كنت عير ندبأو كنت لحما كنت لحم كلب
وقال الآخر:
لو كنت ماء لم تكن طهوراأو كنت بردا كنت زمهريرا
أو كنت ريحا كانت الدّبوراأو كنت مخّا كنت مخاريرا
- وقال ابن بسام في أخيه:
يا طلوع الرقيب ما بين إلفيا غريما أتى على ميعاد
يا ركودا في يوم غيم وصيفيا وجوه التّجار يوم الكساد
- ولابن الرومي في مثله:
يا أبا القاسم الذي لست أدريأرصاص كيانه أم حديد
أنت عندي كماء بئرك في الصيف ثقيل يعلوه برد شديد
- وله أيضا في مثله:
وثقيل جليسه في سياقساعة منه مثل يوم الفراق
قد قضى الله موته منذ حينفاحتوى الموت روحه وهو باق
- ولآخر مثله:
يمشي على الأرض مجتازا فأحسبهلبغض طلعته يمشي على بصري
- وقال أبو نواس في معناه:
لطلعته وخزة في الفؤادكوخز المشارط في المحتجم
أقول له إذ أتى لا أتىولا نقلته إلينا قدم
فقدت خيالك لا من عمىوصوت كلامك لا عن صمم
وقال الناجم في هذا الفن:
يا ابن أبي النجم تسمّع في مهلطريفة أهديتها على عجل
من نكت الشعر الرصين المنتخليغرف من بحر خضمّ لا وشل
يا شبه ماء البئر بردا وثقليا ليلة المهجور هجران الملل
يا كرب الطّلق ويا ثقل الجبليا حيرة المملق أعيته الحيل
يا قوة اليأس ويا ضعف الأمليا ضيقة الرزق ويا وشك الأجل
يا ياسمين السقم لا ورد الخجلأقسم لولا أنّ لي عنك شغل
لجدّ فيك الشعر طورا وهزلممزقا عرضك تمزيق السمل
- ولابن الحجاج قصيدة في عيسى بن مروان الكاتب النصراني أطال فيها جدا، وسلك فيها هذه السبيل وتغلغل في معانيها والآفات التي جرت عادته بابتداعها، وهي مشهورة اقتصرت منها على قوله:
يا هيضة عرضت لشيخ مقعد زمن ضرير
يا نتن ريح خرا اليهود الفجّ في عيد الفطير
وفسا النصارى في التنههس قبل صومهم الكبير
وجشا شيوخ المسلمين البخر في وقت السحور
يا عثرة القلم المرشّش بين أثناء السطور
يا ذلّ عان موثقفي القدّ مغلول أسير
وقعت عليه بنو كلاب والمشوم بلا خفير
يا ذلّة المظلوم الأصمبح وهو معدوم النّصير
يا فجأة المكروه في اليوم العبوس القمطرير
يا حيرة الشيخ الأصمم وحسرة الحدث الضرير
يا قرحة في ناظرغطوا عليها بالذرور
يا طول حمّى الرّبع تقطع قوّة الشيخ الكبير
يا ضجرة المحموم بالغدوات من ماء الشعير
يا خيبة الأمل الطويل اغترّ بالعمر القصير
يا وحشة الموتى إذاصاروا إلى ظلم القبور
يا مأتما فيه تذال وجوه ربّات الخدور
كلّت مقاريض النوائح فيه من جزّ الشعور
خذها فقد ثبتت بلاء يا ابن يعقوب المدير
مثل السجلّ كتابهيبقى إلى يوم النشور
أحببت أن تحظى بهافخرجت فيها من قشوري
- وقال أبو نواس:
بنيت بما خنت الأمين سقايةفلا شربوا إلّا أمرّ من الصّبر
فما كنت إلا مثل بائعة استهاتعود على المرضى به طلب الأجر
- وله:
لو أن عرضك في تطهير قدرك ماداناك في المجد لا كعب ولا هرم
- وقال الأخطل:
إذا ما التقينا عند بشر رأيتهميغضّون دوني الطرف بالحدق الخزر
وأوجه موتورين فيها كآبةفرغما على رغم ووقرا على وقر
- وقال:
الآكلون خبيث الزاد وحدهموالسائلين بظهر الغيب ما الخبر
قوم تناهت إليهم كلّ فاحشةوكل مخزية سبّت بها مضر
وأقسم المجد حقا لا يحالفهمحتى يحالف بطن الراحة الشعر
النصف الثاني من البيت الأول فيه معنى قول جرير:
وإنك لو رأيت عبيد تيموتيما قلت أيّهما العبيد
ويقضى الأمر حين تغيب تيمولا يستأذنون وهم شهود
وقريب منه قول أوس بن حجر:
معازيل حلّالون بالغيب وحدهمبعمياء حتى يسألوا الغد ما الأمر
فلو كنتم من الليالي لكنتمكليلة سرّ لا هلال ولا بدر
وقال الأخطل:
تعوذ هوازن بابني دخانهوازن إنّ ذا لهو الصغار
ابنا دخان: غني وباهلة ابنا يعصر وهو لقب لهم، ومثله:
لقد خزيت قيس وذلّ نصيرها
- وقال طارق بن أثال الطائي:
ما إن يزال ببغداد يزاحمناعلى البراذين أشباه البراذين
أعطاهم الله أموالا ومنزلةمن الملوك بلا عقل ولا دين
ما شئت من بغلة سفواء ناجيةومن ثياب وقول غير موزون
وذم رجل ابن التوأم فقال: رأيته مشحّم النّعل، درن الجورب، مغضّن الخفّ، دقيق الجربّان.
- وقال العلاء بن المنهال الغنوي:
فليت أبا شريك كان حيّافيقصر حين يبصره شريك
ويترك من تدرّيه عليناإذا قلنا له هذا أبوك
ويحتمل خطأ هذا الشاعر في العروض لرشاقة الشعر، فإن عروضه من الوافر ويتم الوزن بحرف النفاذ، فإن فعل ذلك كان البيت الأول مرفوعا والثاني منصوبا، وهذا لم تستعمله العرب في إقوائها المستهجن، فكيف يكون في مثل
هذا الشعر اللين؟ وإن وقف على السكون كان الجزء الأخير من الوافر فعول، وهو غير جائز ولم يسمع.
- ضاف أبو السّليل العنزيّ بني حكم فخذا من عنزة فقال:
أراني في بني حكم قصّياعلى قتر أزور ولا أزار
أناس يأكلون اللحم دونيوتأتيني المعاذر والقتار
- وقال آخر:
شتّى مراجلهم فوضى نساؤهموكلهم لأبيه ضيزن سلف
- وقال آخر:
لو كنت أحمل خمرا يوم زرتكملم ينكر الكلب أنّي صاحب الدار
لكن أتيت وريح المسك تفغمنيوالعنبر الورد أذكيه على النار
فأنكر الكلب ريحي حين أبصرنيوكان يعرف ريح الزقّ والقار
- وقال عليّ بن جبلة العكوّك:
أقاموا الديدبان على يفاعوقالوا لا تنم للديدبان
فإن آنست شخصا من بعيدفصفّق بالبنان على البنان
تراهم خشية الأضياف خرسايقيمون الصلاة بلا أذان
- وقال أبو مهوش الأسدي:
وبنو الفقيم قليلة أحلامهمثطّ اللحى متشابهو الألوان
لو يسمعون بأكلة أو شربةبعمان أضحى جمعهم بعمان
متأبطين بنيهم وبناتهمصعر الأنوف لريح كلّ دخان
- وقال آخر:
وجيرة لن ترى في الناس مثلهمإذا يكون لهم عيد وإفطار
إن يوقدوا يوسعونا من دخانهموليس يدركنا ما تنضج النار
- وأنشد ثعلب:
فتى لرغيفه قرط وشنفومرسلتان من خرز وشذر
إذا كسر الرغيف بكى عليهبكا الخنساء إذ فجعت بصخر
ودون رغيفه قلع الثناياوحرب مثل وقعة يوم بدر
- وقال دعبل:
رأيت أبا عمران يبذل عرضهوخبز أبي عمران في أحرز الحرز
يحنّ إلى جاراته بعد شبعهوجاراته غرثى تحنّ إلى الخبز
- وقال أيضا:
فضيف عمرو وعمرو يسهران معاعمرو لبطنته والضيف للجوع
- وقال آخر، ويروى لبعض آل المهلب:
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهمواستوثقوا من رتاج الباب والدار
لا يقبس الجار منهم فضل نارهمولا تكفّ يد عن حرمة الجار
- وقال الفرزدق:
وما لكليب حين تذكر أوّلولا لكليب حين تذكر آخر
- وقال ابن أبي عيينة:
لا تعدم العزل يا أبا الحسنولا هزالا في دولة السّمن
ولا انتقالا من دار عافيةإلى ديار البلاء والفتن
ولا خروجا إلى القفار من الأرض وترك الأحباب والوطن
- وقال أيضا في عيسى بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان تزوج فاطمة بنت عمر بن حفص هزارمرد، وهو من ولد قبيصة بن أبي صفرة أخي المهلب:
أفاطم قد زوّجت عيسى فأيقنيلديه بذلّ عاجل غير آجل
فإنك قد زوّجت عن غير خبرةفتى من بني العباس ليس بعاقل
فإن قلت من رهط النبيّ فإنهوإن كان حرّ الأصل عبد الشمائل
فقد ظفرت كفّاه منك بطائلوما ظفرت كفّاك منه بطائل
لعمري لقد أثبتّه في نصابهبأن رحت منه في محلّ الحلائل
- وزوّج إبراهيم بن النعمان بن بشير الأنصاري ابنته من يحيى بن أبي حفصة مولى عثمان بن عفان على عشرين ألف درهم، فقال قائل يعيره:
لعمري لقد جلّلت نفسك خزيةوخالفت فعل الاكثرين الأكارم
ولو كان جدّاك اللذان تتابعاببدر لما راما صنيع الألائم
- ويحيى هذا هو جدّ مروان بن أبي حفصة الشاعر. ويزعم النسابون ان أباه كان يهوديا أسلم على يد عثمان بن عفان، وكان ذا يسار. وتزوج يحيى هذا خولة بنت مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم سيد أهل الوبر، ومهرها خرقا، ففي ذلك يقول القلاخ بن حزن:
لم أر أثوابا أجرّ لخزيةوألأم مكسوّا وألأم كاسيا
من الخرق اللائي صببن عليكمبحجر فكنّ المبقيات البواليا
وقال القلاخ أيضا:
نبّئت خولة قالت حين أنكحهالطالما كنت منك العار أنتظر
أنكحت عبدين ترجو فضل مالهمافي فيك مما رجوت الترب والحجر
لله درّ جياد أنت سائسهابرذنتها وبها التحجيل والغرر
- وقال آخر:
ألا يا عباد الله قلبي متيّمبأحسن من صلّى وأقبحهم بعلا
يدبّ على أحشائها كلّ ليلةدبيب القرنبى بات يقرونقا سهلا
القرنبي دويبة حمراء على هيئة الخنفس منقطة الظهر، وربما كان في ظهرها نقطة حمراء، وفي قوائمها طول على الخنفس، وهي ضعيفة المشي.
وهذه المقطعات المتناسبة المعاني ليست من فاخر الهجاء وانما هي في معنى شاذ ربما يتفق مثله فيتمثل بها فيه، فأتيت بها على ما شرطت في الكتاب.
- وقال بشار:
خليليّ من كعب أعينا أخاكماعلى دهره إن الكريم معين
ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنهمخافة أن يرجى نداه حزين
كأن عبيد الله لم يلق ماجداولم يدر أين المكرمات تكون
فقل لأبي يحيى متى تدرك العلىوفي كلّ معروف عليك يمين
إذا جئته في حاجة سدّ بابهفلم تلقه إلا وأنت كمين
قوله: في كل معروف عليك يمين مأخوذ من قول جرير:
ولا خير في مال عليه أليّةولا في يمين عقّدت بالمآثم
- لما عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق ووليها عمر بن هبيرة قال الفرزدق:
راحت بمسلمة البغال عشيّةفارعي فزارة لا هناك المرتع
ولقد علمت إذا فزارة أمّرتأن سوف تطمع في الامارة أشجع
وأرى الأمور تنكرت أعلامهاحتى أمية عن فزارة تنزع
فلما ولي خالد بن عبد الله القسري العراق بعد ابن هبيرة قال بعض بني أسد:
بكت المنابر من فزارة شجوهافاليوم من قسر تذوب وتجزع
- وقال المبّرد: أنشدني رجل من عبد القيس:
أباهل ينبحني كلبكموأسدكم ككلاب العرب
ولو قيل للكلب يا باهليّعوى الكلب من لؤم هذا النسب
- وقال المساور بن هند:
زعمتم أنّ إخوتكم قريشلهم إلف وليس لكم إلاف
أولئك أومنوا جوعا وخوفاوقد جاعت بنو أسد وخافوا
- وقال آخر:
إن يسمعوا ريبة طاروا لها فرحاعنّي وما سمعوا من صالح دفنوا
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت بهوإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
جهلا علينا وجبنا عن عدوّهملبئست الخلّتان الجهل والجبن
- وقال أبو الأسد في الحسن بن رجاء لما تولى الجبل:
فلأنظرنّ إلى الجبال وأهلهاوإلى منابرها بطرف أخزر
ما زلت تركب كلّ شيء قائمحتى اجترأت على ركوب المنبر
- وقال إسماعيل بن عمار الأسدي:
بكت دار بشر شجوها إذ تبدّلتهلال بن مرزوق ببشر بن غالب
وهل هي إلا مثل عرس تبدّلتعلى رغمها من هاشم في محارب
- وقال آخر:
كاثر بسعد إن سعدا كثيرةولا تبغ من سعد وفاء ولا غدرا
- وقال آخر:
فسادة عبس في الحديث نساؤهاوسادة عبس في القديم عبيدها
- وقال آخر:
أقول حين أرى كعبا ولحيتهلا بارك الله في بضع وستين
من السنين تملّاها بلا حسبولا حياء ولا عقل ولا دين
- وقال آخر:
أقام اللؤم وسط بني رياحمطيّته وأقسم لا يريم
كذلك كلّ ذي سفر إذا ماتناهى عند غايته مقيم
- وقال آخر:
ترى الشيخ منهم يمتري الأير باستهكما يمتري الثدي الصبيّ المجوّع
- خاصم أبو الحويرث السحيمي حمزة بن بيض إلى المهاجر بن عبد الله في طويّ له، فقال أبو الحويرث:
غمّضت في حاجة كانت تؤرّقنيلولا الذي قلت فيها قلّ تغميضي
قال: وما قلت لك؟ قال:
حلفت بالله لي أن سوف تنصفنيفساغ في الحلق ريق بعد تجريض
قال: وأنا أحلف بالله لأنصفنك. قال:
فاسأل ألى عن ألى أن ما خصومهمأو كيف أنت وأصحاب المعاريض
قال: أوجعهم ضربا. قال:
واسأل لجيما إذا وافاك جمعهمهل كان بالبئر حوض قبل تحويضي
قال: فتقدمت الشهود فشهدت لأبي الحويرث فالتفت إلى ابن بيض فقال:
أنت ابن بيض لعمري لست أنكرهحقّا يقينا ولكن من أبو بيض
إن كنت أنبضت لي قوسا لترمينيفقد رميتك رميا غير تنبيض
أو كنت خضخضت لي وطبا لتسقينيفقد سقيتك وطبا غير ممخوض
فأمسك عنه ابن بيض، فقيل له: ألا تجيبه؟ فقال: والله لو قلت: أبو بيض عبد المطلب بن هاشم لم ينفعني ذلك.
- ذكر عند العباس بن علي رجل قد فارقه، فقال: دعوني أتذوق طعم فراقه، فهو والله الذي لا تشجى له النفس، ولا تدمع له العين، ولا يكثر في أثره الالتفات، ولا يدعى له عند فراقه بالسلامة.
- وكتب كاتب في ذمّ وال: خورا عند الأكفاء، وعجزا عن الأعداء، وإسراعا إلى الضعفاء، وكلبا على الفقراء، وإقداما على البرية، واحتياجا للرعية.
- وقال الطرماح:
لو كان يخفى على الرحمن خافيةمن خلقه خفيت عنه بنو أسد
قوم أقام بدار الهون أوّلهمكما أقام عليه جذمة الوتد
ومن أبيات الطرماح:
لو حان ورد تميم ثم قيل لهاحوض الرسول عليه الأزد لم ترد
لو أنزل الله وحيا أن يعذّبهاان لم تعد لقتال الأزد لم تعد
لا عزّ نصر امرىء أضحى له فرسعلى تميم يريد النصر من أحد
- وقال ابن أبي عيينة:
هل كنت الا كلحم ميتدعا إلى أكله اضطرار
وقريب من هذا المعنى قول الآخر:
وما أهجوك أنّك كفؤ شعريولكنّي هجوتك للكساد
وقول آخر:
غير اختيار قبلت برّك بيوالجوع يرضي الأسود بالجيف
- وقال آخر:
ألهى بني جشم عن كلّ مكرمةقصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أوّلهميا للرّجال لفخر غير مسؤوم
إن القديم إذا ما ضاع آخرهكساعد فلّه الأيام محطوم
وقال عرفجة بن شريك في أمية بن عبد الله بن خالد:
فلا غرو إلا من أمية إنهيمتّ بآباء كرام المحاتد
فلله آباء أمية نسلهملقد شانهم أفعاله في المشاهد
- وقال سليمان بن قتة في سعيد بن عثمان بن عفان:
وكم من فتى كزّ اليدين مذمّموكان أبوه عصمة الناس في المحل
ومثله قول الآخر:
لئن فخرت بآباء ذوي حسبلقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا
واحتذى ابن سكرة هذا الغرض فقال:
فإن كنت من هاشم في الذّرىفقد ينبت الشوك وسط الاقاحي
- وقال لقيط بن زرارة:
أغرّكم أني بأكرم شيمةرفيق وأني بالفواحش أخرق
وأنّك قد باذذتني فغلبتنيهنيئا مريئا أنت بالفحش أحذق
- وقال أعرابي:
كأني ونضوي عند باب ابن مسمعمن القرّ ذئبا قفرة هلعان
أبيت وصنّبر الشتاء ينوشنيوقد مسّ برد ساعدي وبناني
فما اضرموا نارا ولا عرضوا قرىولا اعتذروا من عسرة بلسان
- وقال الفرزدق:
ولو يرمى بلؤم بني كليبنجوم الليل ما وضحت لسار
ولو لبس النهار بني كليبلدنّس لؤمهم وضح النهار
وما يغدو عزيز بني كليبليطلب حاجة الا بجار
- وقال أيضا:
قوم إذا احتضر الملوك وفودهمنتفت شواربهم على الأبواب
- وقال أيضا:
فإن تهج آل الزبرقان فإنماهجوت الطوال الشمّ من هضب يذبل
وقد ينبح الكلب النجوم ودونهفراسخ تنضي الطرف للمتأمل
أرى الليل يجلوه النهار ولا أرىعظام المخازي عن عطيّة تنجلي
وقال آخر:
وما يك من خير فلا تستطيعهوما يك من شرّ فإنّك صاحبه
- وقال يزيد بن المهلب:
لقد سرّني للنفع أنك شافعيوقد ساءني للدهر أنك تشفع
- وقال زياد الأعجم:
ماذا يقول لهم من كان هاجيهملا يبلغ الناس ما فيهم وإن جهدوا
- وقال الخزرجي:
أيزيد إنك لم تزل في ذلّةحتى لففت أباك في الأكفان
فاشكر بلاء الموت عندك إنهأودى بلؤم الحيّ من شيبان
- وقال يحيى بن نوفل:
فواعجبا حتى سعيد بن خالدله حاجب بالباب من دون حاجب
- وقال نهار بن توسعة:
كانت خراسان أرضا إذ يزيد بهاوكلّ باب من الخيرات مفتوح
فبدّلت بعده قردا نطوف بهكأنما وجهه بالخلّ منضوح
وقال الأشهب بن رميلة النهشلي:
ألم ينه عني غالبا أنّ غالبامن اللؤم أعمى ضلّ كلّ سبيل
وإني من القوم الحداد سيوفهموسيفك الا في العلاة كليل
العلاة: السندان.
- وقال زياد الأعجم:
قبيّلة خيرها شرّهاوأصدقها الكاذب الآثم
وضيفهم وسط أبياتهموإن لم يكن صائما صائم
- وقال أعرابي، وتروى لدعبل:
أضياف عمران في خصب وفي دعةوفي عطاء كثير غير ممنوع
وضيف عمرو وعمرو يسهران معاعمرو لبطنته والضيف للجوع
- وقال جميل بن معمر:
أبوك حباب سارق الضيف بردهوجدّي يا حجّاج فارس شمّرا
بنو الصالحين الصالحون ومن يكنلآباء صدق يلقهم حيث سيّرا
فإن تغضبوا من قسمة الله حظّكمفلله إذ لم يرضكم كان أبصرا
- وقال زهير بن أبي سلمى وقد أسر الحارث بن ورقاء عبدا له وحبسه عنده:
إذا طمحت نساؤكم إليهأشظّ كأنه مسد مغار
ولولا عسبه لرددتموهوشرّ منيحة أير معار
- وقال آخر:
بنو عمير مجدهم دارهموكلّ قوم لهم مجد
كأنهم فقع بدوّيّةليس لهم قبل ولا بعد
- ذم أعرابي رجلا فقال: صغير القدر، قصير الشبر، لئيم النّجر، عظيم الكبر.
وذم آخر رجلا فقال: ما الحمام على الاصرار، والدّين على الاقتار، وشدة السقم في الأسفار، بأشدّ من لقاء فلان.
وذم الجاحظ رجلا فقال: أنت والله أحوج إلى هوان من كريم إلى إكرام، ومن علم إلى عمل، ومن قدرة إلى عفو، ومن نعمة إلى شكر.
- وقال أحمد بن المعذل لأخيه عبد الصمد: أنت كالاصبع الزائدة إن تركت شانت وإن قطعت آلمت.
- وقال آخر في قوم يصف حلوقهم بالدقة، وإنما يريد بذاك لؤمهم لأنّ السيد عند العرب يكون جهير الصوت:
كأن بني رالان إذ جاء جمعهمفراريج ألقي بينهنّ سويق
- وأنشد الجاحظ:
حديث بني قرط إذا ما لقيتهمكنزو الدّبا في العرفج المتقارب
- وقال آخر في خطيب:
مليء ببهر والتفات وسعلةومسحة عثنون وفتل أصابع
وأنشد ابن الأعرابي:
فذاك نكس لا يبضّ حجرهمخرّق العرض جديد ممطره
في ليل كانون شديد خصرهعضّ بأطراف الزّبانى قمره
وقال آخر في أسود:
يا مشبها في لونه فعلهلم تعد ما أوجبت القسمه
خلقك من خلقك مستخرجوالظلم مشتقّ من الظلمه
- مدح دعبل أبا نصر ابن حميد الطوسي فقصّر في أمره، فقال يهجوه:
أبا نصير تحلحل عن مجالسنافإن فيك لمن جاراك منتقصا
أنت الحمار حرونا ان رفقت بهفإن قصدت إلى معروفه قمصا
إني هززتك لا آلوك مجتهدالو كنت سيفا ولكنّي هززت عصا
مرّ ابن الخياط بدار رجل كان يعرفه قبل ذلك بالضعة وخساسة الحال، وقد شيّد ذلك الرجل بابه فطوّح بناءه فقال:
أطله فما طول البناء بنافعإذا كان فرع الوالدين قصيرا
- محمد بن وهيب الحميري في علي بن هشام، وكان قصده فلم يجد عنده ما أحبّ وتتايه عليه، والأبيات كثيرة نذكر مختارها:
لم تند كفّك من بذل النوال كمالم يند سيفك مذ قلّدته بدم
كنت امرءا رفعته فتنة فعلاأيامها غادرا بالعهد والذمم
حتى اذا انكشفت عنه غياهبهاورتّب الناس بالأحساب والقدم
مات التخلّق وارتدتك مرتجعاطبيعة نذلة الأخلاق والشيم
كذاك من كان لا رأس ولا ذنبكزّ اليدين حديث العهد بالنعم
هيهات لست بحمّال الديات ولامعطي الجزيل ولا المرهوب في النقم
ولما بلغت هذه الابيات علي بن هشام ندم على ما كان منه وجزع وقال: لعن الله اللجاج فإنه شر ما تخلقه الناس. ثم أقبل على أخيه الخليل بن هشام فقال: الله يعلم إني لأدخل على الخليفة وعليّ السيف وأنا مستحي، أذكر قول ابن وهيب فيّ:
لم تند كفّك من بذل النوال كما لميند سيفك مذ قلّدته بدم
- قال الفرزدق: لما اطردني زياد أتيت المدينة، وعليها مروان بن الحكم، فبلغه أني خرجت من دار ابن صياد، وهو رجل يزعم أهل المدينة أنه الدجال، فليس يكلّمه أحد ولا يجالسه، ولم أكن عرفت خبره. فأرسل إليّ مروان فقال: أتدري ما مثلك؟ حديث تحدث به العرب: أن ضبعا مرّت بحيّ قوم قد رحلوا، فوجدت مرآة فنظرت إلى وجهها فيها وقالت: من شرّ ما طرحك أهلك. ولكن من شرّ ما طردك أميرك، فلا تقيمنّ بالمدينة بعد ثلاثة أيام. قال: فخرجت أريد اليمن، حتى إذا صرت بأعلى ذي قسيّ، وهو طريق اليمن من البصرة، إذا رجل مقبل فقلت: من اين أوضع الراكب؟ قال: من البصرة. قلت: ما الخبر وراءك؟ قال: أتانا أن زيادا مات بالكوفة. قال:
فنزلت عن راحلتي مسرعا وسجدت وقلت: لو رجعت فمدحت عبيد الله بن زياد وهجوت مروان فقلت:
وقفت بأعلى ذي قسيّ مطيتيأميّل في مروان وابن زياد
فقلت عبيد الله خيرهما أباوأدناهما من رأفة وسداد
ومضيت لوجهي حتى أتيت بلاد بني عقيل، فوردت ماء من مياههم، فإذا بيت عظيم، وإذا امرأة سافر لم أر كحسنها وهيئتها قط، فدنوت فقلت: أتأذنين في الظلّ؟ فقالت: انزل فلك الظلّ والقرى. فأنخت وجلست إليها؛ قال: فدعت جارية لها سوداء كالراعية فقالت: ألطفيه شيئا واسعي إلى الراعي فردّي عليه شاة فاذبحيها له، وأخرجت إليّ تمرا وزبدا قال: وحادثتها فما رأيت والله مثلها قط، فما أنشدتها شعرا إلّا أنشدتني أحسن منه، فأعجبني المجلس والحديث، إذ أقبل فتى بين بردتين، فلما رأته رمت ببرقعها على وجهها وجلست، وأقبلت عليه بوجهها وحديثها، ودخلني من ذلك غيظ فقلت للحين: يا فتى هل لك في الصراع؟ فقال: سوأة لك إنّ الرجل لا يصارع ضيفه. قال: فألححت فقالت له: ما عليك لو لاعبت ابن عمك؟ فقمت وقام، فلما رمى بردتيه إذا خلق عجيب، فقلت: هلكت وربّ الكعبة. فقبض عليّ ثم اختلجني إليه فصرت في صدره، ثم احتملني، فو الله ما اتقيت الأرض إلا بظهر كتدي، وجلس على صدري، فما ملكت نفسي أن ضرطت ضرطة منكرة، وثرت إلى جملي، فقال: أنشدك الله، فقالت المرأة: عافاك الله إنه الظلّ والقرى، فقلت: أخزى الله ظلكم وقراكم. فمضيت فبينا أنا أسير إذ لحقني الفتى يجنب نجيبا برحله وزمامه، ورحله من أحسن الرحال، فقال: يا هذا إنه ما سرّني ما كان، وقد أراك أبدعت، أي كلّت ركابك، فخذ هذا النجيب وإياك أن تخدع عنه، فقد والله أعطيت به مائتي دينار قلت: نعم آخذه، فأخبرني من أنت، ومن هذه المرأة
قال: أنا توبة بن الحميّر وتلك ليلى الأخيلية. وقال الفرزدق: والله ما بي أن صرعتني ولكن كأنّي بابن الأتان، يعني جريرا، وقد بلغه خبري هذا فقال فيّ يهجوني:
جلست إلى ليلى لتحظى بقربهافخانك دبر لا يزال خؤون
فلو كنت ذا حزم شددت وكاءهاكما سدّ خرقاء الدلاص قيون
قال: فو الله ما مضى إلا أيام حتى بلغ جريرا الخبر فقال هذين البيتين.
- انصرف الفرزدق من عند بعض الأمراء في غداة باردة، وأمر بجزور فنحرت ثم قسمها وأغفل امرأة من بني فقيم قسمها، فرجزت به فقالت:
فيشلة هدلاء ذات شقشقمشرفة اليافوخ والمحوّق
مدمجة ذات حفاف أحلقنيطت بحقوي قطم عشنّق
أولجتها في سبّة الفرزدق
قال أبو عبيدة: فبلغني أنه هرب فدخل في بيت حمّاد بن الهيثم. ثم إن الفرزدق قال فيها بعد ذلك:
قتلت قتيلا لم ير الناس مثلهأقلّبه كالتومتين مسوّرا
حملت إليه طعنتي فطعنتهفغادرته بين الحشايا مكوّرا
ترى جرحه من بعد ما قد طعنتهيفوح كمثل المسك خالط عنبرا
وما هو يوم الزحف بارز قرنهولا هو ولّى يوم لاقى فأدبرا
بني دارم ما تأمرون بشاعربرود الثنايا ما يزال مزعفرا
إذا ما هو استلقى رأيت جهازهكمقطع عنق الناب أسود أحمرا
وكيف أهاجي شاعرا رمحه استهأعدّ ليوم الروع درعا ومجمرا
فقالت المرأة: ألا أرى الرجال يذكرون مني هذا. فعاهدت الله ألا تقول شعرا، فسقطت.
- قال أبان بن عبد الله النميري يوما لجلسائه، وفيهم أبو نخيلة: والله لوددت أنه قيل فيّ ما قيل في جرير بن عبد الله:
لولا جرير هلكت بجيلهنعم الفتى وبئست القبيله
وأني أثيب على ذلك. فقال أبو نخيلة: هلم الثواب، فقد حضرني من ذلك ما تريد، فأمر له بدراهم فقال: اسمع يا طالب ما يخزيه:
لولا أبان هلكت نميرنعم الفتى وليس فيها خير
»
- كان عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير يهاجي فروة بن خميصة الأسدي؛ قال عمارة: فكنت يوما جالسا مع المأمون فإذا أنا بهاتف يهتف بي من خلفي ويقول:
نجّى عمارة منّا أنّ مدّتهفيها تراخ وركض السابح النّقل
ولو ثقفناه أوهينا جوانحهبذابل من رماح الخطّ معتدل
فإنّ أعناقكم للسيف مجلبةوإن مالكم المرعيّ كالهمل
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع