من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر من المكاتبات
- كتب أبو الفضل ابن العميد: كتابي- جعلني الله فداك- وأنا في كدّ وتعب منذ فارقت شعبان، وفي جهد ونصب من شهر رمضان، وفي العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر من ألم الجوع ووقع الصوم ومرتهن بتضاعيف:
حرور لو انّ اللحم يصلى ببعضهاغريضا أتى أصحابه وهو منضج
وممتحن بهواجر يكاد أوارها يذيب دماغ الضبّ، ويصرف وجه الحرباء عن التحنف، ويزويه عن التنصّر، ويقبض يده عن إمساك ساق وإرسال ساق:
ويترك الجأب في شغل عن الحقبويقدح النار بين الجلد والعصب
ويغادر الوحش قد مالت هوادبها:
سجودا لدى الأرطى كأنّ رؤوسهاعلاها صداع أو فواق يصورها
وكما قال الفرزدق:
بيوم أتت فيه الظلال سمومهوظلّ المها صورا جماجمها تغلي
وكما قال مسكين الدارمي:
وهاجرة ظلّت كأنّ ظباءهاإذا ما اتقتها بالقرون سجود
تلوذ بشؤبوب من الشمس فوقهاكما لاذ من حرّ السّنان طريد
وممنوّ بأيام تحاكي ظلّ الرمح طولا، وليال كإبهام القطاة قصرا، ونوم كلا ولا قلّة، وكحسو الطائر من ماء الثماد دقّة، وكتصفيقة الطائر [المستحرّ] خفة:
كما أبرقت يوما عطاشا غمامةفلما رجوها أقشعت وتجلت
و:
كنقر العصافير وهي خائفةمن النواطير يانع الرطب
وأحمده على كل حال، وأسأله أن يعرفني [فضل] بركته، ويلقّيني الخير في باقي أيامه وخاتمته، وارغب إليه في أن يقرّب على القمر دوره، ويقصّر سيره، ويخفف حركته، ويعجل نهضته، وينقص مسافة فلكه ودائرته، ويزيل بركة الطّول عن ساعاته، ويردّ عليّ غرة شوّال، فهي أسر الغرر عندي وأقرها لعيني، ويسمعني النّعرة في قفا شهر رمضان، ويعرض عليّ هلاله أخفى من السر، وأظلم من الكفر، وأنحف من مجنون بني عامر، وأضنى من قيس بن ذريح، وأبلى من أسير الهجر، ويسلّط عليه الحور بعد الكور، ويرسل عليه كلفا يغمره وكسوفا يستره، ويرينيه مغمور النّور، مقهور الضوء، قد جمعه والشمس برج واحد ودرجة مشتركة، وينقص من أطرافه [كما تنقص] النيرات من طرف الزند، ويبعث عليه الأرضة، ويهدي إليه السوس، ويغري به الدّود، ويبليه بالفأر، ويخترمه بالجراد ويبيده بالنمل، ويجتحفه بالذرّ، ويجعله من نجوم الرجم، ويرمي به مسترق السمع، ويخلصنا من معاودته، ويريحنا من دوره، ويعذبه كما عذب عباده وخلقه، ويفعل به فعله بالكتّان، ويصنع به صنعه بالألوان، ويقابله
بما تقتضيه دعوة السارق إذا افتضح بضوئه، وتهتّك بطلوعه:
ويرحم الله عبدا قال آمينا
وأستغفر الله ﷻ مما قلته إن كرهه، وأستعفيه من توفيقي لما يذمّه، واسأله صفحا يفيضه وعفوا يسيغه، وحالي بعدما شكوته صالحة، وعلى ما تحبّ وتهوى جارية، ولله الحمد- تقدّست أسماؤه- والشكر.
ومن كلام أبي الحسن ابن نصر الكاتب إلى صديق له اشترى حمارا يداعبه برسالة من جملتها:
عرفت- أبقاك الله- حين وجدت من سكرة الأيام إفاقة، وأنست من وجهها العبوس طلاقة، وتنسّمت رياح المسرّة، واعتضت من ظلمة الضيق نور السّعة، أجبت داعي همتك، وأطعت أمر مروّتك، في التنزه عن الرحلة والانتزاع بذوي الأخطار والهيئة، فسررت بكون هذه المنقبة التي أضمرها الإعدام، ونمّ على كرم سرّها الإمكان، واستدللت منها على خبايا فضل، وتنبهت بها على مزايا نبل، كانت مأسورة في قبضة الإعسار، وكانعة في سدفة الإقتار، وقلت: أيّ قدم أحقّ بولوج الركب من قدميه، وحاذ أولى ببطون القب من حاذيه؟ وأيّ أنامل أبهى من أنامله إذا تصرّفت في الأعنّة يسراها، وتختمت بالمخاصر يمناها؟
وكيف يكون ذلك الخلق العميم والوجه الوسيم، وقد بهر جالسا، إذا طلع فارسا؟ ثم اتهمت آمالي بالغلوّ فيك، واستبعدت مغافصة الزمان بإنصاف معاليك، فقبضت ما انبسط من عنانها، وأخمدت ما اشتعل من نيرانها، حتى وقفت على محجّة الشك أرجو علوّ همتك بحسن اختيارك، وأخشى منافسة الأيام في درك أوطارك، فإنها كالظّانّة في ولدها، والمحادثة بالسوء في واحدها، يدني الأمل مسارها، ويزجي القلق حذارها، حتى أتتني الأنباء تنعى رأيك الفائل،
وتبكي عزمك الآفل، بوقوع اختيارك على فاضح صاحبه، ومسلم راكبه، الجامد في حلبة الجياد، والحاذق بالحرن والكياد، الشؤم ديدنه ودابه، والبلادة طبيعته وشأنه، لا يصلحه التأديب، ولا تقرع له الظّنابيب، إن لحظ عيرا نهق، أو لمح أتانا شبق، أو وجد روثا شمّ وانتشق، فكم هتم سنّا لصاحبه، وكم أسعط أنف راكبه بأنفاسه؟ وكم استردّه خائفا فلم يردده، وكم رامه خاطبا فلم يسعده؟ يعجل إن أحبّ الأناة والإبطاء، ويرسخ إن حاول الحثّ والنّجاء، مطبوع على العكس والخلاف، موضوع للضعة والاستخفاف، عزيز حتى تهينه السياط، كسول ولو أبطره النّشاط، ما عرف في النجابة أبا، ولا أفاد من الوغى أدبا، الطالب به محصور، والهارب عليه مأسور، الممتطي له راجل، والمستعلي بذروته نازل، له من الأخلاق أسواها، ومن الأسماء أشناها، ومن الأذهان أصداها، ومن القدود أحقرها، ومن تجحده المراكب، وتجهله المواكب، وتعرفه ظهور السوابل، وتألفه سباطات المنازل.
ومنها:
جعلت فداك، لم حيث شاورت لم تستشر عليما إن عدمته نصيحا، وبصيرا إن لم تظفر به شفيقا، وذا منّة نافذة إن عدمت ذينك بواحدة؛ وإن وجدك بعزلة من العتاق، وحجزة من ذوات الإعناق، أمالك إلى الهماليج التي زانها التصنيع، وراضها التخليع، فأصبحت منسربة كالحباب، متدافعة كالسحاب، وأمطاك المركبة البدع، بين كرم الأصل وكرم الفرع، سفواء روميّة، أو دهماء أعوجية، لها طرفان من الحمد والذمّ، وخبران لنسب الأب من الأمّ، يكرم راكبها ولا يهاب، وينجو صاحبها فلا يصاب، ذات خطى تسبق الأوفاز،
ومطى يشتّت الإعجاز، نهاية في كمالها، زاهية بإخوانها، تطرد الطّرف وقد حازها، وتسترجع الطّرف وقد جازها، فأنت عليها كالبدر أو أنبه، وقد يجنح لك الرأي أو نهيه، ولكن بقيت إلى ذلك دقيقة جليلة المعنى، وقريبة بعيدة المرمى، بها شرف المطالب، وليست مما تكسب يد الكاسب: كرم الطبيعة والنجار، واتساع همّة المشاور والمستشار، فإن وجدت هذا يا مولاي بالغالي من الثمن فابتعه، أو أدركته بالشاقّ من السفر فاتّبعه، أو وصف لك دواء يشفي من صغر المنة فاشربه، أو عرض عليك هول من الأخطار كرها فاركبه. هيهات قلص المرام، وشلّت يد الرام، وغاض الماء، وأهوت سنة الحالم، وهوت شفة الحائم، ونفقت المكارم وحضر طالبها، ونتجت الكرائم ثم جاء خاطبها.
وعندي الآن أبواب حيل أفتحها، وغوامض خدع أوضحها، تطفيلا بالرأي لا تستوجبه، وتغريبا في المكر لا تستغربه، أن تستحدث سيفا فيكون بعض آلات ما تسومه من الخيل المسوّمة، وترومه من البغال المخزّمة، فعل النحرير من الأجناد، المستظهر بتقديم الأهبة والاستعداد، فإن انتشر عنك هذا الخبر، وامّحى ذلك الرّقم والأثر، عدت لرسمك مستسعيا قدمك في مهمّك، وماحيا طمع الجلالة في وهمك، وقرنته بأتان، وجمعت بينهما في مكان، بعد أن تحلّها له نكاحا أو تمتعا، وتمهرها عنه جلّا أو برقعا، فتنتفع بالجحاش، ويكون الولد للفراش.
هذان فنان من التوصّل، ونوعان من التغلغل:
فاختر وما فيهما حظّ لمختار
ثم لا أعلم أيّ فكر من الأفكار، أوهمك النباهة في ركوب الحمار، ولا من أين وقع لك هذا وحصل، ودعني من التهاويس بأخبار العزير وجندل، فإني أعرف منّتك ثم أنكرها، وألوم همتّك ثم أعذرها، فليس طريق العلاء منقوضة لكلّ دايس، ولا ظهرها مسرجا لكلّ فارس، ولا كل من رام خليقة ما طبع لها،
وعادة ليس من أهلها، ومنقبة ماذاق صرفها، وطبيعة ما اشتم عرفها، أتته منقادة مجيبة، وأطاعته مختارة مريدة، فلكلّ درجة قدم ترقاها، ولكل حسنة ناظر يرعاها، والإنسان بنفسه أعرف، ولشاكلته آلف. فإن يكن ما أتيت- أبقاك الله فكذلك تكون إن شاء الله- زلّة العالم وعثرة الحازم، وغفلة المتحفظ، وغفوة المتيقظ، فأمط العار بجواد حصين الصّهوة محلق الجبهة، أمين الحوافر، فسيح المناخر، عريق المفاخر، ربقة الأفكار، ومزلقة الأبصار، أو بغلة تسطو تيها على أبيها، وتبغّض الأرض إلى ممتطيها، كأنما تحطها في صبب، أو تطأ بقوائمها على لهب، وإلّا فاترك الأبّهة كما تركتك، وافركها كما فركتك، وتنحّ عن سنن الفارط، وانسلّ انسلال المغالط، وارجع لأول أمرك، لا مخطئا ولا مصيبا، ولا نبيه القدر ولا معيبا.
ومن رسالة له إلى بعض إخوانه وقد ولي ولاية:
وأقول- أدام الله عز القاضي- إنّ الدهر كلّه كلّ، ودأبه عقد وحلّ، يحلو مرة ثم يمرّ، وينفع تارة ويضرّ، ويصفو يسيرا ثم يكدر، ويفي قليلا ثم يغدر، فالكيّس من أبنائه من انتهز فرصة عطفه وإبقائه، تشاغلا بهزله وطيبه، وتغافلا عن جدّه وتعذيبه، صلة للّذات والمسارّ، وهجرة للغثاثة والوقار. ففي هذه الحلبة جرينا، ولأخلاف هذه مرينا، فنبذنا ترتيب القضاء والشهادة، وتركنا كلفة الانحناء والسجادة، ورأينا الرّخص مأخوذا بها، والشبه مفتوحة أبوابها، وأنّ اختلاف الأئمة رحمة الله إلى الأمة. ولجأنا إلى كتاب الحيل عند ضيق الأمر، ورأي ابن اللبّان في طهارة الخمر، وأنّ الإجماع ليس بحجّة. والبصريون- أدام الله عز القاضي- يتبعون شيخا من شيوخ ناعمة طاحية، يزعم أنّ التوبة
بعد السبعين ماحية، وأنها في الشبيبة كذابة تردّ على عقبها، ويضرب بها وجه صاحبها، وله في ذلك كلام مفيد، وقد أخذت عنه تعليقة إذا فرغ الإنسان منها فقد نبذ كتاب الله ظهرا، وخرج من الدّين ببركته صفرا، ولولا ضيق الصدر والوقت، لطويت هذه السطور على شيء من كلامه لتتدبّر معانيه، وترى حسن تصرفه فيه، ولكن حال الجريض دون القريض، وما أخوفني أن يظنّ هذه الفكاهة إنما هي انفساح الحال، واتّساع المجال، وقوة الأنس، وانبساط النفس. وما هي الا سرور بما تيسّر من مفاوضته، وتسنّى من أسباب مناسمته التي نشرت بها على الهم جناحا، وجعلتها لسدفة فكري مصباحا، وإني إذا سامحني الدهر بمحادثة فضله، وأمكنني من مباثّة مثله، فضضت بنات صدري، ونفضت بها أثقال ظهري:
ومن لك في الدّنيا بأروع ماجديواسيك في أهوالها أو يشارك
والمرء بأخيه، بعدت داره أم قربت، والمعرفة حرمة بين الأحرار قويت أم ضعفت، فأمّا إذا ضمّهم ذمام الأدب، فهم فيه بنو أب، وما أبعد عهدي بيد للأيام عندي، إلى حين الاجتماع بالأستاذ أبي الفضل، الذي علوت به من السرور مرقبا، وجعلته إلى هذه المفاوضة المؤنسة لي سببا، والله تعالى يمتّعني من القاضي بالفضل الراجح، ويمدّني من دياره بالخبر الصالح، فإن رأى مقابلة ما أصدرته بوجه من القبول ورضى، وخلق بالترحيب مضى، وإتحافي بمبهج أخباره، وإيناسي بسانح أوطاره، فعل، إن شاء الله تعالى.
- من المقامات التي أنشأها أبو محمد القاسم بن علي الحريري:
أخبر الحارث بن همام قال: أزمعت التبريز من تبريز، حين نبت بالذّليل والعزيز، وخلت من المجير والمجيز؛ فبينا أنا في إعداد الأهبة، وارتياد الصّحبة،
لقيت أبا زيد السروجي ملتفا بكساء ومحتفّا بنساء، فسألته عن خطبه، وأين يسرب مع سربه. فأومأ إلى امرأة منهنّ باهرة السّفور، ظاهرة النفور، وقال:
تزوجت هذه لتؤنسني في الغربة، وترحض عني قشف العزبة، فلقيت منها عرق القربة، تمطلني بحقّي وتكلفني فوق طوقي، فأنا منها نضو وجى، وحلف شجو وشجى، وها نحن قد تساعينا إلى الحاكم ليضرب على يد الظالم، فإن انتظم بيننا الوفاق، وإلّا فالطّلاق والانطلاق.
قال: فملت إلى أن أخبر لمن الغلب، وكيف يكون المنقلب، فجعلت شغلي دبر أذني، وصحبتهما وإن كنت لا أغني.
فلما حضرا القاضي، وكان ممّن يرى فضل الإمساك، ويضنّ بنفاثة السواك، جثا أبو زيد بين يديه وقال: أيّد الله القاضي وأحسن إليه، إنّ مطيتي هذه أبيّة القياد، كثيرة الشراد؛ مع أنّي أطوع لها من بنانها، وأجنى عليها من جنانها، فقال لها القاضي: ويحك! أما علمت أنّ النشوز يغضب الربّ، ويوجب الضرب؟ فقالت: إنّه ممن يدور خلف الدّار، ويأخذ الجار بالجار.
فقال له القاضي: تبا لك أتبذر في السباخ، وتستفرخ حيث لا إفراخ ؟ اغرب عني، لا نعم عوفك، ولا أمن خوفك. فقال له أبو زيد: إنّها- ومرسل الرياح- لأكذب من سجاح، فقالت: كلّا هو- ومن طوّق الحمامة وجنح النعامة- لأكذب من أبي ثمامة حين مخرق باليمامة.
فزفر أبو زيد زفير الشّواظ، واستشاط استشاطة المغتاظ، وقال لها: ويلك يا دفار يا فجار، يا غصّة البعل والجار، أتعمدين في الخلوة لتعذيبي، وتبدين في الحفلة تكذيبي؟ وقد علمت أني حين بنيت عليك ودنوت إليك، ألفيتك أقبح من قردة، وأيبس من قدّة، وأخشن من ليفة، وأنتن من جيفة، وأثقل من هيضة، واقذر من حيضة، وأبرز من قشرة، وأبرد من قرة، وأحمق من رجلة وأوسع من دجلة، فسترت عوارك ولم أبد عارك، على أنه لو حبتك شيرين بجمالها، وزبيدة بمالها، وبلقيس بعرشها، وبوران بفرشها، والزباء بملكها، ورابعة بنسكها، وخندف بفخرها، والخنساء بشعرها في صخرها، لأنفت أن تكوني قعيدة رحلي وطروقة فحلي.
قال: فتذمرت المرأة وتنمرت، وحسرت عن ساعديها وشمّرت، وقالت:
يا ألأم من مادر، وأشأم من قاشر، وأجبن من صافر، وأطيش من طامر، أترميني بشنارك، وتفري عرضي بشفارك؟ وأنت تعلم أنك أحقر من قلامة،
وأعيب من بغلة أبي دلامة، وأفضح من حبقة في حلقة، وأحير من بقّة في حقّة، وهبك الحسن في لفظه ووعظه، والشعبي في علمه وحفظه، والخليل في عروضه ونحوه، وجريرا في غزله وهجوه، وقسّا في فصاحته وخطابته، وعبد الحميد في بلاغته وكتابته، وأبا عمرو في قراءته وإعرابه، وابن قريب في روايته عن أعرابه؛ أتظنني أرضاك إماما لمحرابي وحساما لقرابي؟ لا والله ولا بوّابا لبابي، ولا عصا لجرابي.
فقال لهما القاضي: أراكما شنّا وطبقة، وحدأة وبندقة، فاترك أيها الرجل اللدد واسلك في سيرك الجدد، وأما أنت فكفي عن سبابه، وقري إذا أتى البيت من بابه.
فقالت المرأة: والله ما أسجن عنه لساني، إلّا إذا كساني، ولا أرفع له شراعي دون إشباعي، فحلف أبو زيد بالمحرجات الثلاث، أنه لا يملك سوى اطماره الرثاث.
فنظر القاضي في قصصهما نظر الألمعي، وأفكر فكرة اللوذعي. ثم أقبل عليهما بوجه قد قطبه، ومجنّ قد قلبه، وقال: ألم يكفكما التّسافه في مجلس الحكم، والإقدام على هذا الجرم، حتى تراقيتما في فحش المقاذعة إلى خبث المخادعة؟ وايم الله لقد أخطأت استكما الحفرة، ولم يصب سهمكما الثغرة، فإن أمير المؤمنين، أعزّ الله ببقائه الدين، نصبني لأقضي بين الخصماء لا لأقضي دين الغرماء، (وتمام هذه المقامة تركته اختصارا).
ومن رسالة كتب بها الشريف أبو يعلى ابن الهبارية من كرمان إلى الشيخ الخطيب أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي جوابا:
أفدي الكتاب بناظري فبياضهببياضه وسواده بسواده
فلقد جدّد عهدي بالسرور والجذل، وأعاد عليّ عصر الطرب، وأنالني من الزمان ما يوفي على الأمل، وأحيا ميّت نشاطي، وأجرى الروح في رميم جذلي وانبساطي، وردّ لي ما غاب من فرحي واغتباطي، وفرج عن روحي المكروبة، وأزاح علل عازب الهموم عن نفسي بما حقّقه من سلامة سيّدنا. نعم، وصلني كتابه فالتقطت من نفائس درره، ولقد كنت فقيرا إلى بدائع فقره، وتعجبت من ملح كلامه، ونكت نثاره ونظامه. وهو إن كان في العين كتابا، فقد وجدته في القلب كتيبة ملئت طعانا وضرابا، لأنه- حرس الله فضله- شحنه عتابا، وملاما وسبابا، آلمني وقعه وأحرقني لذعه، لكنه خلق سيدنا وطبعه.
والشيخ لا يترك أخلاقه
زعم أني ذو ملّة طرف، والملال- أطال الله بقاء سيدنا- بئست الخلّة كما عرف، وفي المثل المقول: لا مودة لملول، كلا والله لأنا له أوفى من الإفلاس والإعسار، وأحفظ لعهده من الخمول والإقتار، لأحوال الأدباء الأحرار، بل من الكلف لوجه البدر، والخمار لعاقبة الخمر. والله ما نسيت عهده ولا سلوت ودّه ولا تركت مكاتبته عمدا.
يقول فيها:
فسيدنا معروف في الآفاق، غير مفتقر إلى المقام بالعراق، لكني أظنّ ظباء الحريم قد عقلت عقله، وأحسب آرام الصّراة لا الصّريم قد ربطت فضله،
وأنه صريع الكأس والحدق البّخل، وإنّ سخاء صبيان نهر المعلّى يغطّي على ما في رؤسائه من الشحّ والبخل، فهو- دام فضله- أسير الغزلان، وربيط الوجوه الحسان؛ أعليّ يتجالد سيدنا ويتدارى؟ لقد تغلغل في النّفاق وتناهى.
هب أنّ الخلافة المستظهرية- نصر الله أعلامها- أذنت في مسيره، والمكارم الرّضويّة سمحت بزاده وبعيره، أتأذن له الجفون المراض، والقدود الرّشاق، والخصور الدقاق، والألفاظ الرخيمة، والألحاظ السّقيمة، والقدود الهيف، والغنج الذي يجلّ عن التكييف، والثغور المعسولة، والخصور المظلومة؟:
كم قد أردت مسيراعن بردشير البغيضه
فردّ عزمي عنههوى الجفون المريضه
والله لجلسة على صدور زنبريات الجسر، بين العشاء والعصر، مع غزال إنسيّ لا وحشيّ يسمّى الزيت، ويكنى مخرّب البيت، وقد فركت نفحات الأصيل بيد النسيم غلالة دجلة الزرقاء، وزرنق يساير السمارية الدهماء، وفيها حورية حوراء، بأعطاف ولا اليزنية السمراء، وألحاظ ولا المشرفية البيضاء، وألفاظ لو سمعها ابن قريب، لما روى شعر أبي ذؤيب. ويلاه لنقر الدّفّ، وصرير الخفّ، وتكسّر الألحان، على كان وكان، في وكنات الجنات، ومشاتمات الحمايات والكنات، في المأمونية ودرب القيّار، والقربّة ودار دينار، وقولها: وستغ الله وستغ الله، إنك حقب البيت، لأحلى من نبرات زلزل في الثقيل الأول منها ويلاه فما خطيت:
هات باليسرى فقد ضعفتيدي اليمنى عن القدح
ورد الخدود ورمان النهود وأغصانالقدود سبت عقلي فلا تلم
قد قيدت بالهوى عقلي وقد عقلتقلبي فما نافعي إن أطلقت قدمي
يا سيدي، جعلت فداك، هاهنا من التين التركيّ، والموز الهندي في بساتين الحضور، وأقرحة الأسافل، وأزقة الأوساط، ما لا يذكر معه الوزيريّ المشفى، فما في العوجاء ولا باقطينا، ولا بالرقة ولا الزلّاقة منه شيء ولا واحدة. فديته يقطر عسله، ويسيل دبسه، وينتثر قنده، ويذوب شهده، ولكن السنون قد كسرت الشرّة وقنعتني بحر الحرة؛ والنفاق النفاق، فهو زمان ومكان يروج فيه النفاق. اللهم غفرا ما لي وللهراء من الكلام، وذكر الغلامة والغلام، بعد ما خوطبت بالشريف الإمام، واستفتيت في الحلال والحرام. وكأني بسيدنا الشريف الخطيب أبي البقاء عند بلوغه إلى هذا الفصل من مكتوبي يعدّه من جملة ذنوبي، ويرفع عقيرته بهتك ستر الله عن عيوبي، ويقول: قد تصابى ابن عمي بعد شيبه، ونادى على نفسه بعيبه، وأمرّ بذنبه وريبه، ولعهدي به وهو في عنفوان شبابه، متميزا بالنسك عن أضرابه، ومنفردا بالتبعصم عن أترابه، ولم يقرع باب اللهو، ولم يبده بهراء من قوله ولا لغو، ولا غازل غزالا، ولا ناك إلّا حلالا، فما هذا الجهل بعد الشيب؟ أصبا بعد ما شاب، أم شاب الدهر وبرده كما شاب؟
فعاد زيرا غزلا بعد ما كان عزهاة معتزلا، فينبذ كتابي من يده متبعصما، ويعرض عن موصله بوجهه المليح صدودا وتجهما، ويقول سيدنا البارع، وشهادته السيف القاطع: والله لو بلغ أبو يعلى إلى العرش، لما كان إلّا أسقط من سنجة قيراط في حش.
ومنها:
فيعارضه الرئيس الأجلّ الموفّق أبو الفضل ابن عيشون دام جماله، والسحر مقاله، والكرم خلاله، والشرف خصاله، فيقول: يا قوم لا تهتكوا ستر
اخيكم، ولا تعجلوا بقطع أسبابكم عن أسبابه ونزع أواخيه من أواخيكم، فعلى هذا عاشرتموه، وقديما ياسرتموه، أظننتموه يحول، وحسبتم حمقه يزول؟! ومنها:
فيقول سيدي أبو الفضائل المروزيّ بعد أن يحرّك الدّبّة ويهزّ المذبّة، سلوا عنه صديقه القديم، وحميمه الخبير به العليم حشابور، فهو يعرف من مخازيه ما لا يعدله شيء ولا يوازيه، وكفاه قوله:
وربيبة زيّنتهافأتت كجارية ربيبه
وهي أبيات فيها سخف. يغتابونني وهم لا يعلمون، كأنهم نسوا قول الله تعالى: وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
(الشعراء:). يا سيدنا أنا أقول وأفعل ولكن ما في قلبي شيء. وجملة الأمر وتفصيله أني كما قال أبو بصير، وسيدنا به عين البصير:
علقتها عرضا وعلقت رجلاغيري وعلق أخرى غيرها الرجل
قد عشقت محنتي فواحرباعلجا غليظ القفا له عضل
وقد تبدّلت واتخذت فتىكالبدر فيه من مثلها بدل
مساعدا مسعفا يجود بماأطلب ما في خلاله بخل
لكنني للعفاف يقنعنيكما علمت الحديث والقبل
وواحد واحد على عجلآخذه منه وهو مشتغل
(وهي طويلة وفيها هزل سخيف ألغي).
وكتب عليّ بن نصر الكاتب إلى أمرد خرجت لحيته:
لكل حادثة يفجع بها الدهر- أحسن الله معونتك- حدّ من القلق والالتياع، ومبلغ من التحرق والارتياع، يستوجب فنّا من التعزية، ويستحقّ نصيبا من العظة والتسلية، والاختصار فيها لما قرب خطبه وشانه، والإكثار لما جلّ محله ومكانه، ومصابك هذا- أعزّك الله- في بياض عارضك لمّا اسودّ كمصابك في سواده إذا ابيضّ، والألم بنبات روضه جميما، نظير الألم به يوم يعود هشيما، فليس أحد يدفع عظم النازل بك، ولا يستصغر جسيم الطارق لك، وإن كان ما يتعقبه من المشيب أقذى للعيون وأذلّ، بيد أنّ الحاضر من النبات الذي تمنيت أن يكون معوزا، ووددت أرضك دونه جرزا، ألقى عنك النواظر وكانت ملتفتة إليك، ووقف عنك الخواطر وكانت موقوفة عليك، وصيرك قذى الأجفان، وكنت جلاها، وجعلك كربة النفوس وكنت هواها، وأبدلك من أنس التقبل وحشة التنقّل، وعوضك من رقة الترفرف كلفة التأفف، فصرت لا ترى إلّا معرضا، بعد أن كنت لا ترى إلّا متعرّضا، فتبارك الذي صرف عنك الأبصار، ونقل منك الأوطار، فكنت إربة الناكح، فصرت إربة المنكوح، ولذة الناطح، فغدوت لذة المنطوح، فأنت أبلق السّوطين إقبالا وإدبارا، وصاحب الوزرين ملوطا به ولائطا، وكاسب الإثمين مسوطا كرّة وسائطا، فعويلا دائما وبكاء، وعزاء عن الذكر الجميل عزاء، فلكلّ أجل كتاب، وعن كلّ جائحة ثواب. وقد استوفيت أمد الصّبا والصبابة، واستنبت الحسرة عليها والكآبة، فرزيّتك راتبة والرزايا سوائر، ومصيبتك ثابتة والمصائب عوائر، فإنا لله وإنا إليه راجعون، لقد فجعت بعلق ما كان أحسن وأجمل، ثم لا حيلة فإنّها الأيام لا تثبت على حالة، ولا تعرف غير التنقّل والاستحالة، تسوء تارة وتسرّ، وتحلو طورا ثم تمرّ، سرائرها خبيثة، ومرائرها نكيثة، من طيّبت له اعتبطته، ومن لهت عنه أخرمته، فآجرك الله في وجه نضب ماؤه، وذهب رواؤه، ومات
حياؤه، وفي ضيعة استأجم برّها، واستدغل نورها، واتسع طريقها، واتسعت بثوقها.. وفي جاه كان عامرا فخرب، ودخل كان وافرا فذهب، وتذكار كان واصلا إلى القلوب منك فحجب، فأصبحت مسبوق السّكيت، وظلت حيا وأنت الميت، قد نطق المرمّ بهجائك، وخيّمت النحوس بفنائك، فأنت تمشي القهقرى، وكلّ يوم حظّك إلى ورا، ولا قوة إلّا بالله من محن دفعت إليها، ولم تعن بحال عليها؛ قد يشغل الإنسان عن نوائبه المشاركون فيها، ويسلّيه عنها المساهمون في معنى من معانيها، وأنت من بين هذه المنزلة لا شريك لك، فإنهم يعتاضون عنها ولست بمعتاض، فيرتكضون للعيش ولست بركّاض، والدهر يطوي محاسنك طيّ السجلّ كتابه، وينشر مقابحك نشر اليمانيّ ابراده، ويقلي الطرف رؤيتك فلا يفتق عليك جفنا، ويمجّ السمع ذكرك فلا يجد عنده أذنا، وتتهم الأدباء طرقك فلا تفتح لك رتاجا. فأنت الطريد الذي لا يجار، والربع الذي لا يزار، والظانّ المريب، والظنين المعيب، والعار الفاشي، والمقبور الناشي. وقد أعنتك برقعتي هذه جامعة بين البكاء عليك والأنين، وناظمة بين العزاء لك والتأبين، لها حلاوة النثر، وعليها طلاوة الشعر، نتجتها قريحة عليك، ونسجتها خواطر خطرت إليك، تخفف عزمك والناس مشاغيل بتثقيله، وتكرم مكانك والإجماع واقع على تهوينه. فإن عرفت لي ذاك وإلّا عرفه الصدق، وإن شكرته وإلّا شكره الحق، والسلام عليك من أسير لا يخلّص بالفدية، وقتيل بسيف السبال واللحية.
أراد كاتب أن يكتب جوازا لرجل وحش الصورة، فلم يقدر على تحليته لفرط دمامته، فكتب: يأتيك بهذا الجواز آية من آيات الله، فدعه يذهب إلى نار الله وسقره.
ذمّ الجاحظ الكتّاب فقال: ما قولك في قوم أوّل من كتب لرسول الله ﷺ بالوحي خالفه في كتابه، فأنزل الله فيه أيات بينات، فهرب إلى جزيرة العرب فمات كافرا؛ ثم استكتب معاوية فكان أول من غدر بإمامه، وحاول نقض عرى الإسلام في أيّامه؛ ثم كتب عثمان لأبي بكر مع طهارة أخلاقه، فلم يمت حتى أدّاه عرق الكتابة إلى ذمّ من ذمّه من أوليائه؛ ثم كتب لعمر زياد بن أبيه، فانعكس لشر مولود، وكتب لعثمان مروان بن الحكم، فخانه في خاتمه وأشعل حربا في مملكته.
كان لرافع بن الحسين بن حماد بن مقن كاتب رقيع نصرانيّ يقال له ابو الحسين بن طازاد، فكتب إليه: أمير الأمراء الأجلّ الرفيع المحلّ، الشاكر المراقب، الناظر في العواقب، مظاهر الدولة والمناقب.
- ذكر بديع الزمان أبو الفضل الهمذاني في مجلس أبي الحسين ابن فارس، فقال ما معناه: إنّ البديع قد نسي حقّ تعليمنا إياه وعقّنا، وطمح بأنفه عنا، فالحمد لله على فساد الزمان وتغيّر نوع الإنسان.
وبلغ ذلك البديع، فكتب إلى أبي الحسين: نعم أطال الله بقاء الشيخ الإمام، إنه الحما المسنون، وإنّ ظنّت به الظنون، والناس لآدم، وإن كان العهد قد تقادم، وتركبت الأضداد، وأخلاط الميلاد، والشيخ الإمام يقول: فسد الزمان، أفلا يقول: متى كان صالحا؟ أفي الدولة العباسية وقد رأينا آخرها، وسمعنا أولها، أم المدّة المروانية وفي أخبارها، لا تكسع الشّول
بأغبارها؛ أم السنين الحربية:
والسيف يغمد في الطّلاوالرمح يركز في الكلى
ومبيت حجر بالفلاوالحرّتان وكربلا
أم البيعة الهاشمية والعشرة براس من بني فراس، أم الإمارة العدويّة وصاحبها يقول: هل بعد القفول إلّا النزول؛ أم الخلافة التّيّميّة وهو يقول: طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام؛ أم على عهد الرسالة ويوم قيل: اسكتي يا فلانة فقد ذهبت الأمانة؛ أم في الجاهلية ولبيد يقول:
وبقيت في خلف كجلد الأجرب
أم قبل ذلك وأخو عاد يقول:
بلاد بها كنا وكنّا نحبهاإذ الناس ناس والزمان زمان
أم قبل ذلك ويروى عن آدم ﵇:
تغيرت البلاد ومن عليهافوجه الأرض مغبرّ قبيح
أم قبل ذلك والملائكة تقول لبارئها أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
(البقرة:).
ما فسد الناس، ولكن اطرد القياس، ولا أظلمت الأيام، وإنما امتدّ
الظلام. وهل يفسد الشيء إلّا عن صلاح، ويمسي المرء إلّا عن صباح؟
ولعمري لئن كان كرم العهد كتابا يرد، وجوابا يصدر إنه لقريب المنال، وإني على توبيخه لي لفقير إلى لقائه، شفيق على بقائه، منتسب إلى ولائه، شاكر لآلائه، لا أحل حريدا عن أمره، ولا أقف بعيدا عن قلبه، ولا نسيته ولا أنساه؛ إنّ له على كلّ نعمة خولنيها نارا، وعلى كل كلمة علمنيها منارا؛ ولو عرفت لكتابي موقعا من قلبه لاغتنمت خدمته به، ولرددت إليه سؤر كاسه، وفضل أنفاسه. ولكني خشيت أن يقول: هذه بضاعتنا ردّت إلينا، وله أيده الله العتبى والمودة في القربى، والمرباع وما ناله الباع، وما ضمّه الجلد وضمنه المشط، وليست رضى ولكنها جلّ ما أملك. واثنتان- أيد الله الشيخ الإمام- قلّما يجتمعان، الخراسانية والإنسانيّة، فإن لم أكن خراساني الطينة فإني خراسانيّ المدينة، والمرء من حيث يوجد، لا من حيث يولد، والإنسان من حيث يثبت لا من حيث ينبت. فإذا انضاف إلى خراسان ولادة همذان ارتفع القلم، وسقط التكليف، فالجرح جبار، والجاني حمار، ولا جنة ولا نار. فليحتملني على هناتي، أليس صاحبنا الذي يقول:
لا تلمني على ركاكة عقليأن تيقّنت أنني همذاني
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع