من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الباب الحادي والثلاثون في المكاتبات والرسائل (٢) (٥)
سئلت فأجبت، وقلت فأصبت، فأخبرني عن خندف، هل هو اسم موضوع، أو لقب مصنوع؟ فوقف عند ذلك حماره، وخمدت ناره، وركد جريانه، وسكن هذيانه، وقرّ غليانه، وظهر حرانه، وذلّ وانقمع، وانطوى واجتمع، فاضطرّه الحياء، وألجأه الاستخذاء، إلى أن قال وهو يخفي لفظه، ويطرق لحظه، أظنه لقبا. فقلت: هو كما ظننت فما معناه وما سببه؟ وكيف كان موجبه؟ ولم يجد بدا من أن يقول: لا أدري؛ فقال وقد أذقته مرّ الإماتة،
وأحسّ من القوم بتظاهر الشماتة:
وودّ بجدع الأنف لو أنّ صحبهتنادوا وقالوا في المتاح له قم
ثم أقبلوا إليّ، وانعكفوا عليّ، بأوجه متهللة، وألسن متوسّلة، في شرح الحال، والقيام بجواب السؤال، فقلت: هذا بديع عجيب، أنا أسأل وأنا أجيب؟ إنّ إلياس بن مضر تزوج ليلى ابنة تغلب بن حلوان بن الحاف بن قضاعة بن معدّ (في بعض النسب) فولد له منها عمرو وعامر وعمير، ففقدهم ذات يوم فأنحى على ليلى باللوم، فقال: أخرجي في أثرهم، وأتيني بخبرهم. فمضت في طلبهم، وعادت بهم، فقالت: ما زلت أخندف في ابتغائهم، حتى ظفرت بلقائهم.
فقال لها إلياس: أنت خندف، والخندفة في الاتباع، تقارب خطو في إسراع.
وقال عمرو: يا أبه، أنا أدركت الصيد فلويته، فقال له: أنت مدركة إذ حويته.
وقال عامر: أنا طبخته وشويته، فقال له: أنت طابخة إذ شويته، فقال عمير: وأنا انقمعت في الخباء، فقال له: فأنت قمعة للاحتباء. فلصقت بها وبهم هذه الألقاب، وجرت بها إليهم الأنساب. فقال حينئذ: هذا علم استفدته، وفضل استزدته، وقد قال الحكيم: مذاكرة ذوي الألباب، نماء الآداب. فقلت له متمثلا:
أقول له والرمح يأطر متنهتأمل خفافا إنني أنا ذلكا
ثم لم يحتبس إلّا قليلا، ولم يمتسك طويلا، ولم ير من رأي فتيلا، حتى عاد إلى هديره، وأخذ في تهذيره، طمعا أن يأخذ بالثار، ويعود الفصّ له في القمار، فعدل عن العلوم النّسبيّة، وجال في ميدان العربية، ولم يحسّ أنّ باعه فيها أقصر، وطرفه دون حقائقها أحسر، فقال: حضرت يوما حلبة من حلبات العلوم، وموسما من مواسم المنثور والمنظوم، وقد غصّ بكلّ خطيب مصقع، وحكيم مقنع، وعالم مصدع، وملىء من كلّ عتيق صهّال، وفنيق صوّال،
ومنطيق جوّال، فأخذوا في فنون المعارضات، وصنوف المناقضات، وسلكوا في معاني القريض، كلّ طويل وعريض، حتى إذا أخذ السائل منهم بالمخنق، ببيت الفرزدق:
وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدعمن المال إلّا مسحتا أو مجلّف
ثم لم يحتبس فيها إلّا قليلا، فكثر فيه الجدال، وطال المقال، وما منهم أحد أجاد القياس، وأصاب القرطاس، ووقع على الطريق، وأتى بالتحقيق. فلما رأيتهم وهم في غمرتهم ساهون، وفي ضلالتهم يعمهون، ناديتهم إليّ فأرعوا، ومنّي فاستمعوا، فإني ابن بجدته، وعالم ما تحت جلدته، ثم إني أبديت لهم أسراره، وأثقبت ناره، وحللت عقده، ومخضت زبده، واطرت لبده، وبجست حجره، وأبثثتهم عجره وبجره. فقالوا: لله أبوك، فإنّك أسبقنا إلى غاية، وأكشفنا لغياية، وأجلانا لشبهة، وأضوانا في بدهة، وما أعلم اليوم على ظهرها من يقوم بعلم ما فيه، ويطّلع على خافيه. فأذكرني الامتعاض، وأخذني الانتفاض، فأنشدته:
من ظن أنّ عقول الناس ناقصةوعقله زائد أزرى به الطمع
ثم قلت له: ادعيت فوق ما وعيت، فأخبرني عن أوّل هذا البيت: يا مجري الكميت، وكيف تنشده وعضّ بالفتح أو وعضّ بالضم؟ فقال: كلاهما مرويّ، فقلت: تبتدىء بالفعل ثم تعود إلى الاسم يا ذا الاعجاب، تهيأ للسائل في الجواب، مبنيّ عليه، لا يضاف سواه إليه. فقلت: هذا الجواب نعلمه، ومن صبيان المكتب لا نعدمه، وإنما ألتمس منك الفائدة فيها، وأطلب كشف خافيها.
فقال: ما جاء عن أئمة النحاة، وسائر الرواة، في هذا غير ما شرحته، ولا زادوا على ما أوضحته. فقلت: دع عنك هذا، وأخبرني عن هذا البناء: ألعلّة أم لغيرها؟ فأقبل يتردّد ويتزحزح، ويتثاءب تارة ويتنحنح، فلما سدّ عليه من طريقه، وحصل في مضيقه، وغصّ بريقه، قال: لا أعلم. فقالت الجماعة:
أعذر إليك من ألقى سلاحه، وغضّ جماحه، ومن أدبر بعد إقباله، عدل عن قتاله:
والحقّ أبلج لا يخيل سبيلهوالحقّ يعرفه ذوو الألباب
والآن فقد فازت قداحك، وبانت غررك وأوضاحك، وأجدت المصال، وأدركت الخصال، فأوضح لنا عما سألت، وأرشدنا إلى ما دللت لئلا يقال: هذا بهت، ومحال بحت. فقلت: حبّا وكرامة، اسمع أنت يا طغامة: إنّ الفعل من فاعله، كالوليد من ناجله، لا يخلو الفعل من علامة فاعل، في لفظ كلّ قائل، وهي الفتح من ماضيه وواقعه، والزوائد في مستقبله ومضارعه، وبيان ذلك أنّ الفتحة من ماضيه لا تكون مع التاء والنون، فنقول: اخرج فتثبت الفتحة، ثم تقول أخرجت وأخرجننا فيسقط ما ذكرنا، وعلامتان لمعنى محال، لا يوجبهما الحال، فإن كانت النون التي مع الألف ضمير المفعول، عادت الفتحة فتقول: أخرجنا الأمير، فهذا بيّن منير. فصفقت الجماعة وشمّخت، وحسّنت وبخبخت، وجعل الأديب يضطرب اضطراب العصفور، ويتقلب تقلب المصغور، متيقنا أنّ أسده صار جرذا، وأنّ بازيه صار صردا، ودرّه انقلبت مخشلبا، وزيتونه تحوّل غربا، وقناه تغيّر قصبا، وأنّ مستقيمه تعوّج، وجيده تبهرج، وصحيحه تدحرج، وحديده تكرّج، فقال منشدهم:
ترى الرجل النحيف فتزدريهوتحت ثيابه أسد مزير
ويعجبك الطرير فتبتليهفيخلف ظنّك الرجل الطرير
فما عظم الرّجال لهم بفخرولكن فخرهم كرم وخير
فأخذه الإبلاس، وضاقت به الأنفاس، وسكنت منه الحواسّ، ورفضه الناس، وجعل ينكت الأرض، ويواصل لكفّه العضّ، ويتشاءم بيومه، ويعود على نفسه
بلومه، يمسح جبينه، ويكثر أنينه. فقمت فقامت معي الجماعة وتركته، واستهانت به وفركته، فلما بقي وحده، تمنى لحده، وأسبل دمعته، وودّ أنّ الأرض بلعته:
وكان كمثل البوّ ما بين روّميلوذّ بحقويه السّراة الأكابر
فأصبح مثل الأجرب الجلد مفرداطريدا فما تدنو إليه الأباعر
فقام فتبعني، ووقف وودّعني، وأطال الاعتذار، وأظهر التوبة والاستغفار، وقال: مثلك من سدّ الخلل، وأقال العثرة والزلل، فقد اغتررت من سنّك بالحداثة، ومن زيّك بالرثاثة، ومن أخلاقك بالدماثة. فقلت: كلّ ذلك مفهوم معلوم، وأنت فيه معذور لا ملوم، وما جرى بيننا منسيّ غير مذكور، ومطويّ غير منشور، ومخفي غير مشهور:
وجدال أهل العلم ليس بقادحما بين غالبهم إلى المغلوب
ثم سكت فما أعاد، ونزلت وعاد، وكان ذلك أول عهد به وآخره، وباطن لقاء وظاهره، وكلّ اجتماع وسائره. (وبعد ذلك شعر ألغيت ذكره).
- ومما أنشأه أبو محمد القاسم بن علي الحريري من مقاماته:
حكى الحارث بن همّام قال: ملت في ريّق زماني الذي غبر، إلى مجاورة أهل الوبر، لآخذ أخذ نفوسهم والسنتهم العربيّة، فشمّرت تشمير من لا يألو جهدا، وجعلت أضرب في الأرض غورا ونجدا، إلى أن اقتنيت هجمة من
الراغية، وثلة من الثاغية، ثم أويت إلى عرب أرداف أقيال، وأبناء أقوال، فأوطنوني أمنع جناب، وفلوا عني حدّ كلّ ناب، فما تأوّبني عندهم همّ، ولا قرع صفاتي سهم، إلى أن أضللت في ليلة منيرة البدر لقحة غزيرة الدرّ، فلم أطب نفسا بالغاء طلبها، وإلقاء حبلها على غاربها، فتدثرت فرسا محضارا، واعتقلت لدنا خطّارا، وسريت ليلتي جمعاء أجوب البيداء، وأقتري كلّ شجراء ومرداء، إلى أن نشر الصبح راياته، وحيعل الداعي إلى صلاته، فنزلت عن متن الرّكوبة لأداء المكتوبة. ثم جلت في صهوتها، وفررت عن شحوتها، وسرت لا أرى أثرا إلّا قفوته، ولا نشزا إلّا علوته، ولا واديا إلّا جزعته، ولا راكبا إلّا استطلعته، وجدّي مع ذلك يذهب هدرا، ولا يجد ورده صدرا، إلى أن حانت صكّة عميّ، ولفح هجير يذهل غيلان عن ميّ، وكان يوما أطول من ظلّ القناة، وأحرّ من دمع المقلات، فايقنت أني إن لم أستكنّ من الوقدة وأستجمّ بالرقدة، أدنفني اللغوب، وعلقت بي شعوب، فعجت إلى سرحة كثيفة الأغصان وريقة الأفنان، لأغوّر تحتها إلى المغيربان. فو الله ما استروح نفسي، ولا استراح فرسي، حتى نظرت إلى سانح، في هيئة سائح، وهو ينتجع نجعتي ويشتد إلى بقعتي، فكرهت انعياجه إلى معاجي، واستعذت بالله من شرّ كل مفاجي. ثم ترجّيت أن يتصدّى منشدا، أو يتبدّى مرشدا، فلمّا اقترب من
سرحتي وكاد يحلّ بساحتي، ألفيته شيخنا السّروجيّ متّشحا بجرابه، ومضطغنا أهبة تجوابه، فآنسني إذ ورد، وأنساني ما شرد، ثم استوضحته من أين أثره، وكيف عجره وبجره، فأنشد بديها، ولم يقل إيها:
قل لمستطلع دخيلة أمريلك عندي كرامة وعزازه
(وهي أبيات تركت إثباتها هاهنا حتى لا أكدر صفاء بلاغته في منثوره بتقصيره في منظومه). قال: ثمّ رفع إليّ طرفه، فقال: لأمر ما جدع قصير أنفه. فأخبرته خبر ناقتي السّارحة، وما عانيته في يومي والبارحة، فقال: دع الالتفات إلى ما فات، والطّماح إلى ما طاح، ولا تأس على ما ذهب، ولو أنّه واد من ذهب، ولا تستمل من مال عن ريحك، وأضرم نار تباريحك، ولو كان ابن بوحك أو شقيق روحك، ثم قال: هل لك في أن تقيل، وتتحامى القال والقيل؟ فإن الأبدان أنضاء تعب، والهاجرة ذات لهب، ولن يصقل الخاطر، وينشّط الفاتر، كقائلة الهواجر، وخصوصا في شهري ناجر، فقلت: ذاك إليك، وما أريد أن أشقّ عليك. فافترش التّرب واضطجع، وأظهر ان قد هجع، وارتفقت على أن أحرس ولا أنعس، فأخذتني السنة حين زمّت الألسنة، فلم أفق إلّا والليل قد تولّج، والنجم قد تبلّج، ولا السروجيّ ولا المسرج. فبت بليلة نابغية، وأحزان يعقوبية، أساور الوجوم، وأساهر النجوم، تارة أفكر في رجلتي، وأخرى في رجعتي، إلى أن وضح لي عند افترار ثغر الضوّ، في وجه الجو، راكب يخد في الدّوّ؛ فألمعت إليه بثوبي، رجاء أن يعرّج إلى صوبي، فلم يعبأ بإلماعي، ولا أوى لالتياعي، بل سار على هينته، وأصماني بسهم إهانته، فأوفضت إليه لأستردفه، وأحتمل تغطرفه، فلما أدركته بعد الأين، وأجلت فيه مسرح العين، وجدت ناقتي مطيّته، وضالتي لقطته، فما
كذبت أن أذريته عن سنامها، وجاذبته طرف زمامها، فقلت له: أنا صاحبها ومضلّها، ولي رسلها ونسلها، فلا تكن كأشعب، فتتعب وتتعب. فجعل يلدغ ويصي ويتّقح ولا يستحي، وبينا هو ينزو ويلين، ويستأسد ويستكين، إذ غشينا أبو زيد لابسا جلد النمر، وهاجما هجوم السيل المنهمر، فخفت والله أن يكون يومه كأمسه، وبدره مثل شمسه، فألحق بالقارظين، وأصير خبرا بعد عين. فلم أر إلّا أن أذكرته مودته المنسيّة، وفعلته الأمسيّة، وناشدته الله أوافى للتلافي، أم لما فيه إتلافي، فقال: معاذ الله أنّ أجهز على مكلومي، وأصل حروري بسمومي، وإنما وافيتك لأخبر كنه حالك، وأكون يمينا لشمالك. فسكن عند ذلك جاشي، وانجاب استيحاشي، فأطلعته طلع اللقحة، وتبرقع صاحبي بالقحة، فنظر إليه نظر ليث العرّيسة إلى الفريسة، ثم أشرع قبله الرمح، وأقسم له بمن أنار الصبح، لئن لم ينج منجى الذّباب، ويقنع من الغنيمة بالإياب، ليوردنّ سنانه وريده، وليفجعنّ به وليده ووديده. فنبذ زمام النّاقة وحاص، وأفلت وله حصاص، فقال لي أبو زيد: تسّلمها وتسنّمها، فإنها إحدى الحسنيين، وويل أهون من ويلين.
قال الحارث بن همام: فحرت بين لوم أبي زيد وشكره، وزنة نفعه بضرّه، فكأنّه نوجي بذات صدري، أو تكهّن ما خامر سرّي، فقابلني بوجه طليق وأنشد بلسان ذليق:
يا أخي الحامل ضيميدون إخواني وقومي
إن يكن ساءك أمسيفلقد سرّك يومي
فاغتفر ذاك لهذاواطّرح شكري ولومي
ثم قال: أنا تئق وأنت مئق فكيف نتفق ؟ ثم ولّى يفري أديم الأرض، ويركض طرفه أيمّا ركض، فما عدوت أن ارتكضت مطيتي، وعدت لطيّتي، حتى انتهيت إلى حلتي، بعد اللّتيّا والّتي.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع