من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
رجع لنثر لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى (٣)
وآمنت شمس علياه الأفول إلى ... طي الوجود فلا شمس ولا حمل ولوخوى - والعوذ بالله - نجم هذا المتات، ولم يتصف السيب - وحاشاه - بالاتصال ولا بالانبتات، فمرعى العدل مكفول، وسبب الرفق موصول، وإن اشتجرت نصول، والهرم تأبى الأبطال التنزل إلى نزاله، والناسك التائب يدين ضرب الغارات باعتزاله، إلا من أعرق في مذهب الخارجي الأخرق، نافع بن الأزرق، وحسبي، وقد ساء كسبي، أن أترك الخطر لراكبه وأخلي الطريق لمن يبني المنار به، ونسير بسير أمثالي من الضعفاء، ونكف فهوزمان الانكفاء، ونسلم مخطولة هذا الفن إلى الأكفاء، ونقول: بالبنين والرفاء، فقد ذهب المذهب، وتبين المذهب، وشاخ البازي الأشهب، وعتاد العمر ينهب، ومرهب الفوت من فوق الفود يرهب، اللهم ألهم هذه الأنفس رشدها، وأذكرها السكرات وما بعدها.
إيه أخي والفضل رصفك ونعتك، والزيف يبهرجه بحتك، وسهام اليراعة انفرد بها بريك ونحتك، وصلتني رسالتك البرة، بل غمامتك الثرة، وحيتني ثغور فضلك المفترة، فعظمت بورودها المسرة، جددت العهد بمحبوب لقائك، وأنهلت ظامي الاستطلاع في سقائك، واقتضت تجديد الدعاء ببقائك، إلا أنها ربما ذهلت عند وداعك، وأبهر عقلها نور إبداعك،
فلم تلقن الوصية، وسلكت المسالك القصية، وأبعدت من التطوف، وجاءت تبتغي من أسرار التصوف، ومتى تقرن هيبة السبع الشداد، بحانوت الحداد، أوتنظر أحكام الاعتكاف، بدكان الإسكاف، أويتعلم طبع المثقال، بحانوت البقال والظن الغالب - وقد تلتبس المطالب - أنكم أمرتموها، لما أصدرتموها، بإعمال التشوف، فطردت حكم الإبدال، غائبة عما يلزم من الجدال، وسمت الشين صاداً، وعينت لزرع الوصية حصاداً، والله تعالى يجعل المحب عند ظن من نظر بمرآته، أووصفه ببعض صفاته، وهي تزلق عن صفاته، فالتصوف أشرف، وظلاله أورف، من أن يناله كلف بباطل، ومغرور بسراب ماطل، لا برباب هاطل، ومفتون بحال حال أوعاطل، ومن قال ولم يتصف بمقاله، فعقله لم يرم عن عقاله، وجبال أثقاله، مانعة له عن انتقاله.
وعلى ذلك، وبعد تقرير هذه المسالك، فقد عمرت يدها كيلا تعود بها صفراً بعد إعمال السفر، أوترى أنها قد طولبت بذنب الغلط المغتفر، وأصبحت المراجعة بمجلس وعظ فتحت به باب الحرج، إلى إنكار الإمام أبي الفرج، وفن الوعظ لما سأل الأخ هوالصديق المسعد، والمبرق قبل غمام رحته والمرعد، ولله در القائل: لست به وولم تبعد، والاعتراض بعد ملازم، لكن الإسعاف لقصده لازم، وعامله عند الاعتلال بالعذر جازم، وإغضاؤه ملتمس، وفضله لا يخبومنه قبس، وعذراً أيها الفاضل، وبعد الاعتذار، عن القلم المهذار، وإغفال الحذار، اقرأ عليهم من طيب السلام، ما يخجل أزهار الكمام عقب الغمام، ورحمة الله تعالى من ممليه على الكاتب، ولعلها تفتأ من عتب لالعاتب، ابن الخطيب: فإني كتبته والليل دامس، وبحر
الظلام طامس، وعادة الكسل طبع خامس، والنافخ بشكوى البرد هامس، والذبال المنادم خافت، لا يهتدي إليه الفراش المتهافت، يقوم ويقعد، ويفيق ثم يرعد، ويزفر ثم يخمد، وربما صار ورقة آس، أومبضع أس، وربما أشبه العاشق في البوح بما يخفيه، وظهوره من فيه، فتميله الآمال وتلويه، وتميته النواسم الهفافة بعدما تحييه، والمطر، قد تعذر معه الوطر، وساقه الخطر، وفعل في البيوت المتداعية ما لا يفعل الترك والططر، والنشاط، قد طوي منه البساط، والجوارح بالكلال تعتذر، ووظائف الغد تنتظر، والفكر في الأمور السلطانية جائل، وهي بحر هائل، ومثلي مقنوع منه باليسير، ومعذور في قصر الباع وضعف المسير، والسلام انتهى.
وهي من البلاغة في الذروة.
ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى قوله: ومما صدر عني في السياسة: حدث من امتاز باعتبار الأخبار، وحاز درجة الاشتهار، بنقل حوادث الليل والنهار، وولج بين الكمائم والأزهار، وتلطف لخجل الورد من تبسم البهار، قال: سهر الرشيد ليله، وقد مال في هجر النبيذ ميله، وجهد ندماؤه في جلب راحته، وإلمام النوم بساحته، فشحت عهادهم، ولم يغن اجتهادهم، فقال: اذهبوا إلى طرق سماها ورسمها، وأمهات قسمها، فمن عثرتم عليه من طارق ليل، أوغثاء سيل، أوساحب ذيل، فبلغوه، والامنة سوغوه، واسدعوه، ولا تدعوه، فطاروا عجالى، وتفرقوا ركباناً ورجالاً، فلم يكن إلا ارتداد طرف، أوفواق حرف، وأتوا بالغنيمة التي اكتسحوها، والبضاعة التي ربحوها، يتوسطهم الأشعث الأغبر، واللج الذي لا يعبر: شيخ طويل القامة، ظاهر الاستقامة، سبلته مشمطة،
وعلى أنفه من القبع مطة، وعليه ثوب مرقوع، لطير الحرق عليه وقوع، يهينم بذكر مسموع، وينبئ عن وقت مجموع، فلما مثل سلم، وما نبس بعدها ولا تكلم، فأشار إليه الملك فقعد، بعد أ، انشمر وابتعد، وجلس، فما استرق النظر ولا اختلس، إنما حركة فكره، معقودة بزمام ذكره، ولحظات اعتباره، في تفاصيل أخباره، فابتدره الرشيد سائلاً، وانحرف إليه مائلاً، وقال: ممن الرجل فقال: فارسي الأصل، أعجمي الجنس عربي الفصل، قال: بلدك واهلك وولدك قال: أما الولد فولد الديوان، وأما البلد فمدينة الإيوان، قال: النحلة، وما أعملت إليه الرحلة قال: أما الرحلة فالاعتبار، وأما النحلة فالأمر الكبار، قال: فنك، الذي اشتمل عليه دنك فقال: الحكمة فني الذي جعلته أثيراً، واضجعت فيه فراشاً وثيراً، وسبحان الذي يقول " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً " البقرة:، وما سوى ذلك فتبع، ولي فيه مصطاف ومرتبع، قال: فتعاضد جذل الرشيد وتوفر، كأنما أغشى وجهه قطعة من الصبح إذا أسفر، وقال: وما رأيت كالليلة أجمع لأمل شارد، وأنعم بمؤانسة وارد، يا هذا إني سائلك، ولن تخيب بعد وسائلك، فاخبرني ما عندك في هذا الأمر الذي بلينا بحمل أعبائه، ومنينا بمراوضة إبائه، فقال: هذا الأمر قلادة ثقيلة، ومن خطة العجز مستقيلة، ومفتقرة لسعة الذرع، وربط السياسة المدنية بالشرع، يفسده الحكم في غير محله، ويكون ذريعة إلى حله، ويصلحه مقابلة الشكل بشكله، ومن لم يكن سبعاً آكلاً تداعت سباع إلى أكله.
فقال الملك: أجملت ففصل، وبريت فنصل، وكلت فأوصل، وانثر الحب لمن يحوصل، واقسم السياسة فنوناً، واجعل لكل لقب قانوناً، وابدأ بالرعية، وشروطها المرعية.
فقال: رعيتك ودائع الله تعالى قبلك، ومرآة العدل الذي عليه جبلك، ولا تصل إلى ضبطها إلا بإعانة الله تعالى التي وهب لك، وأفضل ما استدعيت به عونه فيهم، وكفايته التي تكفيهم، تقويم نفسك عند قصر تقويمهم، ورضاك بالسهر لتنويمهم، وحراسة كهلهم ورضيعهم، والترفع عن تضييعهم، وأخذ كل طبقة بما عليها وما لها، أخذاً يحوط مالها، ويحفظ عليها كمالها، ويقصر عن غير الواجبات آمالها، حتى تستشعر عليتها رأفتك وحنانك، وتعرف أوساطها في النصب امتنانك، وتحذر سفلتها سنانك، وحظر على كل طبقة منها أن تتعدى طورها، أوتخالف دورها، أوتجاوز بأمر طاعتك فورها، وسد فيها سبل الذريعة، وأقصر جميعها عن خدمة الملك بموجب الشريعة، وامنع أغنياءها من البطر والبطالة، والنظر في شبهات الدين بالتمشدق والإطالة، وليقل فيما شجر بين الناس كلامها، ويرفض منا تنبر به أعلامها، فإن ذلك يسقط الحقوق، ويرتب العقوق، وامنعهم من فحش الحرص والشره، وتعاهدهم بالمواعظ التي تجلوالبصائر من المره، واحملهم من الاجتهاد في العمارة على أحسن المذاهب، وانههم عن التحاسد على المواهب، ورضهم على الإنفاق بقدر الحال، والتعزي عن الفائت فرده من المحال، وحذر البخل على أهل اليسار، والسخاء على أولي الإعسار، وخذهم من الشريعة بالواضح الظاهر، وامنعهم من تأويلها منع القاهر، ولا تطلق لهم التجمع على نم أنكروا أمره في نواديهم، وكف عنهم أكف تعديهم، ولا تبح لهم تغيير ما كرهوه بأيديهم، ولتكن غايتهم، فيما توجهت إليه إبايتهم، ونكصت عن الموافقة عليه رايتهم، إنهاءه إلى من وكلته بمصالحهم من ثقاتك، المحافظين على أوقاتك، وقدم منهم من أمنت عليهم مكره، وحمدت على الإنصاف شكره، ومن كثر حياؤه من التأنيب، وقابل الهفوة باستتابة المنيب، ومن لا يتخطى عندك محله الذي حله، فربما عمد إلى المبرم فحله، وحسن النية لهم
بجهد الاستطاعة، واغتفر المكاره في جنب حسن الطاعة، وإن ثار جرادهم، واختلف في طاعتك مرادهم، فتحصن لثورتهم، واثبت لفورتهم، فإذا سألوا وسلوا، وتفرقوا وانسلوا، فاحتقر كثرتهم، ولا تقل عثرتهم، واجعلهم لما بين أيديهم وما خلفهم نكالاً، ولا تترك لهم على حلمك اتكالاً.
ثم قال: والوزير الصالح أفضل عددك، وأوصل مددك، فهوالذي يصونك عن الابتذال، ومباشرة الأنذال، ويثب لك على الفرصة، وينوب في تجرع الغصة، واستجلاء القصة، ويستحضر ما نسيته من أمورك، ويغلب فيه الرأي بموافقة مأمورك، ولا يسعه ما تمكنك المسامحة فيه، حتى يستوفيه، واحذر مصادمة تياره، والتجوز في اختياره، وقدم استخارة الله تعالى في إيثاره، وأرسل عيون الملاحظة على آثاره، وليكن معروفاً بالإخلاص لدولتك، معقود الرضى والغضب برضاك وصولتك، زاهداً عما في يديك، مؤثراً لكل ما يزلف لديك، بعيد الهمة، راعياً للأذمة، كامل الآلة، محيطاً بالإيالة، رحيب الصدر، رفيع القدر، معروف البيت، نبيه الحي والميت، مؤثراً لعدل والإصلاح، درياً بحمل السلاح، ذا خبرة بدخل المملكة وخرجها، وظهرها وسرجها، صحيح العقد، متحرزاً من النقد، جاداً عند لهوك، متيقظاً في حال سهوك، يلين عند غضبك، ويصل الإسهاب بمقتضبك، قلقاً من شكره دونك وحمده، ناسباً لك الإصابة بعمده، وإن أعيا عليك وجود اكثر هذه الخلال، وسبق إلى نقضها شيء من الاختلال، فاطلب منه سكون النفس وهدوئها، وأ، لا يرى منك رتبة إلا رأى قدره دونها، وتقوى الله تعالى تفضل شرف الانتساب، وهي للفضائل فذلكة الحساب، وساوفي حفظ غيبه بين قربه ونأيه، واجعل حظه من نعمتك موازياً لحظك من حسن رأيه، واجتنب منهم من يرى في نفسه إلى الملك سبيلاً، أويقود من عيصه للاستظهار عليك قبيلاً، أومن كاثر ماله، أومن تقدم لعدوك استعماله، أومن سمت لسواك آماله، أومن يعظم عليه إعراض وجهك، ويهمه نادر نجهك
أومن يداخل غير احبابك، أومن ينافس أحداً ببابك.
وأما الجند فاصرف التقديم منهم للمقاتلة، والمكايدة والمخاتلة، واستوف عليهم شرائط الخدمة، وخذهم بالثبات للصدمة، ووف ما أوجبت لهم من الجراية والنعمة، وتعاهدهم عند الغناء بالعلفة والطعمة، ولا تكرم منهم إلا من أكرمه غناؤه، وطاب في الذب عن ظنك ثناؤه، وول عليهم النبهاء من خيارهم، واجتهد في صرفهم عن الافتتان بأهليهم وديارهم، ولا توطئهم الدعة مهاداً، وقدمهم على حصصك وبعوثك مهما أردت جهاداً، ولا تلين لهم في الإغماض عن حسن طاعتك قياداً، وعودهم حسن المواساة بأنفسهم اعتياداً، ولا تسمح لأحد منهم في إغفال شيء من سلاح استظهاره، أوعدة اشتهاره، وليكن ما فضل من شبعهم وريهم، مصروفاً إلى سلاحهم وزيهم، والتزيد في مراكبهم وغلمانهم، من غير اعتبار لأثمانهم، وامنعهم من المستغلات والمتاجر، وما تكسب به غير المشاجر، وليكن من الغوار اكتسابهم، وعلى المغانم حسابهم، كالجوارح التي تفسد باعتيادها، أن تطعم من غير اصطيادها.
واعلم أنها لا تبذل نفوسها من عالم الإنسان، إلا لمن يملك قلوبها بالإحسان وفضل اللسان، ويملك حركاتها بالتقويم، ورتبها بالميزان القويم، ومن تثق بإشفاقه على أولادها، ويشتري رضى الله تعالى بصبره على طاعته وجلادها، فإذا استشعرت لها هذه الخلال تقدمتك إلى مواقف التلف، مطيعة دواعي الكلف، واثقة منك بحسن الخلف، واستبق إلى تمييزهم استباقاً، وطبقهم طباقاً، أعلاها من تأملت منه في المحاربة عنك أخطاراً، وأبعدهم في مرضاتك مطاراً، وأضبطهم لما تحت يده من رجالك حزماً ووقاراً، واستهانة بالعظائم واحتقاراً، وأحسنهم لمن تقلده أمرك من الرعية جواراً، إذا أجدت اختباراً، وأشدهم على مماطلة من مارسه من الخوارج عليك اصطبارً، ومن بلا في الذي عن لك إحلاء وإمراراً، ولحقه الضر في معارض الدفاع
عنك مراراً، وبعده من كانت محبته لك أزيد من نجدته، وموقع رأيه أنفع من موقع صعدته، وبعدهما من حسن انقياده لأمرائك، وإحماده لآرائك، ومن جعل نفسه من الأمر حيث جعله، وكان صبره على ما عراه اكثر من اعتداده بما فعله، واحذر منهم من كان عند نفسه أكبر من موقعه في الانتفاع، ولم يستحي من التزيد بأضعاف ما بذله من الدفاع، وشكا البخس فيما تعذر عليه من فوائدك، وقاس بين عوائد عدوك وعوائدك، وتوعد بانتقاله عنك وارتحاله، وأظهر الكراهية لحاله.
وأما العمال فإنهم ينبئون عن مذهبك، وحالهم في الغالب شديدة الشبه بك، فعرفهم في أمانتك السعادة، وألزمهم في رعيتك العادة، وأنزلهم من كرامتك بحسب منازلهم في الاتصاف، بالعدل والإنصاف، وأحلهم من الحفاية، بنسبة مراتبهم من الامانة والكفاية، وقفهم عند تقليد الأرجاء، مواقف الخوف والرجاء، وقرر في نفوسهم أن أعظم ما به إليك تقربوا، وفيه تدربوا، وفي سبيله أعجموا وأعربوا، إقامة حق ودحض باطل، حتى لا يشكوغريم مطل ماطل، وهوآثر لديك من كل رباب هاطل، وكفهم من الرزق الموافق، عن التصدي لدنئ المرافق، واصطنع منهم من تيسرت كلفته، وقويت للرعايا ألفته، ومن زاد على تأميله صبره، وأربى على خبره خبره، وكانت رغبته في حسن الذكر، تشف على بنات الفكحر، واجتنب منهم من يغلب عليه التخرق في الإنفاق، وعدم الإشفاق، والتنافس في الاكتساب، وسهل عليه سوء الحساب، وكانت ريعته المصانعة بالنفاية، دون التقصي والكفاية، ومن كان منشؤه خاملاً، ولأعباء الدناءة حاملاً، وابغ من يكون الاعتذار في أعماله، أوضح من الاعتذار في أقواله، ولا يفتننك ممن قلدته اجتلاب الحظ المقناع، والتنفق بالسعي المسمع، ومخالفة السنن المرعية، واتباعه رضاك بسخط الرعية، فإنه قد غشك، من حيث بلك ورشك، وجعل من يمينك
في شمالك، حاضر مالك، ولا تضمن عاملاً مال عمله، وحل بينه فيه وبين أمله، فإنك تميت رسومك بمحياه، وتخرجه من خدمتك فيه إلا أن تملكه إياه، ولا تجمع له بين الأعمال فيسقط استظهارك ببلد على بلد، والاحتجاج على والد بولد، واحرص على أ، يكون في الولاية غريباً، ومنتقله منك قريباً، ورهينة لا يزال معها مريباً، ولا تقبل مصالحته على شيء أختانه، ولوبرغيبة فتانه، فتقبل المصانعة في أمانتك، وتكون مشاركاً له في خيانتك، ولا تطل مدة العمل، وتعاهد كشف الأمور ممن يرعى الهمل، ويبلغ الأمل.
وأما الولد فأحسن آدابهم، واجعل الخير دابهم، وخف عليهم من إشفاقك وحنانك، اكثر من غلظة جنانك، واكتم عنهم ميلك، وأفض فيهم جودك ونيلك، ولا تستغرق بالكلف بهم يومك ولا ليلك، وأثبهم على حسن الجواب، وسبق لهم خوف الجزاء على رجاء الثواب، وعلمهم الصبر على الضرائر، والمهلة عند استخفاف الجرائر، وخذهم بحسن السرائر، وحبب إليهم مراس الأمور الصعبة المراس، وحسن الاصطناع والاحتراس، والاستكثار من أولي المراتب والعلوم، والسياسات والحلوم، والمقام المعلوم، وكره إليهم مجالسة الملهين، ومصاحبة الساهين، وجاهد أهواءهم عن عقولهم، وحذر الكذب على مقولهم، ورشحهم إذا آنست منهم راشداً أوهدياً، وأرضعهم من الموازرة والمشاورة ثدياً، لتمرنهم على الاعتياد، وتحملهم على الازدياد، ورضهم رياضة الجياد، واحذر عليهم الشهوات فهي داؤهم، وأعداؤك في الحقيقة وأعداؤهم، وتدارك الخلق الذميمة كلما نجمت، واقدعها إذا هجمت، قبل أن يظهر تضعيفها، ويقوى ضعيفها، فإن أعجزتك في الصغر الحيل، عظم الميل:
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قومتها الخشب وإذا قدروا على التدبير، وتشوفوا للمحل الكبير، إياك أن توطنهم في
مكانك، جهد إمكانك، وفرقهم في بلدانك، تفريق عبدانك، واستعملهم في بعوث جهادك، والنيابة عنك في سبيل اجتهادك، فإن حضرتك تشغلهم بالتحاسد، والتباري والتفاسد، وانظر إليهم بأعين الثقات فإن عين الثقة، تبصر ما لا تبصر عين المحبة والمقة.
وأما الخدم فإنهم بمنزلة الجوارح التي تفرق بها وتجمع، وتبصر وتسمع، فرضهم بالصدق والأمانة، وصنهم صون الجمانة، وخذهم بحسن الانقياد إلى ما آثرته، والتقليل مما استكثرته، واحذر منهم من قويت شهواته، وضاقت عن هواه لهواته، فغن الشهوات تنازعك في اتسرقاقه، وتشاركك في استحقاقه، وخيرهم من ذلك منه بلطف الحيلة، وآداب للفساد محيلة، وأشرب قلوبهم أن الحق في كل ما حاولته واستنزلته، وأن الباطل في كل ما جانبته واعتزلته، وأ، من تصفح منهم أمورك فقد أذنب، وباين الأدب وتجنب، وأعط من أكددته، واضقت منه ملكه وشددته، روحة يشتغل فيها بما يعينه، على حسب صعوبة ما يعانيه، تغبطهم فيها بمسارحهم، وتجم كليلة جوارحهم، ولتكن عطاياك فيهم بالمقدار الذي لا يبطر أعلامهم، ولا يؤسف الأصاغر فيفسد أحلامهم، ولا ترم محسنهم بالغاية من إحسانك، واترك لمزيدهم فضلة من رفدك ولسانك، وحذر عليهم مخالفتك ولوفي صلاحك، بحد سلاحك، وامنعهم من التواثب والتشاجر، ولا تحمد لهم شيم التقاطع والتهاجر، واستخلص منهم لسرك من قلت في الإفشاء ذنوبه، وكان أصبر على ما ينوبه، ولودائعك من كانت رغبته في وظيفة لسانك، اكثر من رغبته في إحسانك، وضبطه لما تقلد من وديعتك، أحب إليه من حسن صنيعتك، وللسفارة عنك من حلا الصدق في فمه، وآثره ولوباختطار دمه، واستوفى لك وعليك فهم ما تحمله، وعني بلفظه حتى لا يهمله، ولمن تودعه أعداء دولتك من كان مقصور الأمل، قليل القول صادق العمل، ومن كانت
قسوته زائدة على رحمته، وعظمه في مرضاتك آثر من شحمته، ورأيه في الحذر سديد، وتحرزه من الحيل شديد؛ ولخدمتك في ليلك ونهارك من لانت طباعه، وامتد في حسن السجية باعه، وأمن كيده وغدره، وسلم من الحقد صدره، ورأى المطامع فما طمع، واستثقل إعادة ما سمع، وكان بريئاً من الملال، والبشر عليه أغلب الخلال، ولا تؤنسهم منك بقبيح فعل ولا قول، ولا تؤيسهم من طول، ومكن في نفوسهم أن أقوى شفعائهم، وأقرب إلى الإجابة من دعائهم، إصابة الغرض فيما به وكلوا، وعليه شكلوا، فإنك لاتعدم بهم انتفاعاً، ولا يعدمون لديك ارتفاعاً.
وأما الحرم فهن مغارس الولد، ورياحين الخلد، وراحة القلب الذي أجهدته الأفكار، والنفس التي تقسمها الإحماد إلى المساعي والإفكار، فاطلب منهن من غلب عليهن من حسن الشيم، المترفعة عن القيم، ما لا يسوءك في خلدك، أن يكون في ولدك، واحذر أن تجعل لفكر بشر دون بصر إليهن سبيلاً، وانصب دون ذلك عذاباً وبيلاً، وأعهن من النساء العجز من بانت في الديانة والأمانة سبله، وقويت غيرته ونبله، وخذهن بسلامة النيات، والشيم السنيات، وحسن الاسترسال، والخلق السلسال، وحذر عليهن التغامز والتغاير، والتنافس والتخاير، وآس بينهن في الأغراض، والتصامم عن الإعراض، والمحاباة بالأعراض، وأقلل من مخالطتهن هوأبقى لهمتك، وأسبل لحرمتك، ولتكن عشرتك لهن عند الكلال والملال، وضيق الاحتمال، بكثرة الأعمال، وعند الغضب والنوم، والفراغ من نصب اليوم، واجعل مبيتك بينهن تنم بركاتك، وتستتر حركاتك، وافصل من ولدت منهن إلى مسكن تختبر به استقلالها، وتعتبر بالتفرد خلالها، ولا تطلق لحرمة شفاعة ولا تدبيراً، ولا تنط بها من الأمر صغيراً ولا كبيراً، واحذر أن يظهر على خدمهن في خروجهن عن القصور، وبروزهن من اجمة الأسد الهصور، زي بارع، ولا طيب للأنوف مسارع، واخصص بذلك من طعن في السن، ويئس من الإنس
والجن، ومن توفر النزوع إلى الخيرات قبله، وقصر عن جمال الصورة ورسم بالبله.
ثم لما بلغ إلى هذا الحد حمي وطيس اسحنفاره، وختم حزبه باستغفاره، ثم صمت ملياً، واستعاد كلاماً أولياً.
ثم قال: واعلم يا أمير المؤمنين - سدد الله تعالى سهمك لأغراض خلافته وعصمك من الزمان وآفته - أنك في مجلس الفصل، ومباشرة الفرع من ملكك والأصل، في طائفة من عز الله تعالى تذب عنك حماتها، وتدافع عن حوزتك كماتها، فاحذر أن يعدل بك غضبك عن عدل تزري منه بضاعة، أويهجم بك رضال على إضاعة، ولتكن قدرتك وقفاً على الاتصاف، بالعدل والإنصاف، واحكم بالسوية، واجنح بتدبيرك إلى حسن الروية، وخف أن تقعد بك أناتك عن حزم تعين، أوتستفزك العجلة في أمر لم يتبين، وأطع الحجة ما توجهت إليك، ولا تحفل بها إذا كانت عليك، فانقيادك إليها أحسن من ظفرك، والحق أجدى من نفرك، ولا تردن النصيحة في وجه، ولا تقابل عليها بنجه، فتمنعها إذا استدعيتها، وتحجب عنك إن استوعيتها، ولا تستدعها من غير أهلها، فيشغبك أولوالأغراض بجهلها، واحرص على أن لا ينقضي مجلس جلسته، أوزمن اختلسته، إلا وقد أحرزت زائدة، أووثقت منه في معادك بفائدة.
ولا يزهدنك في المال كثرته، فتقل في نفسك أثرته، وقس الشاهد بالغائب، واذكر وقوع ما لا يحتسب من النوائب، فالمال المصون، أمنع الحصون، ومن قل ماله، قصرت آماله، وتهاون بيمينه شماله، والملك إذا فقد خزينه، اخنى على أهل الجدة التي تزينه، وعاد على رعيته بالإجحاف، وعلى جبايته بالإلحاف، وساء معتاد عيشه، وصغر في عيون جيشه، ومنوا عليه بنصره، وأنفوا من الاقتصار على قصره، وفي المال قوة سماوية تصرف الناس لصاحبه، وتربط آمال أهل السلاح به، والمال نعمة الله تعالى فلا تجعله ذريعة إلى خلافه، فتجمع
بالشهوات بين إتلافك وإتلافه، واستأنس بحسن جوارها، واصرف في حقوق الله تعالى بعض أطوارها، فإن فضل المال عن الأجل فأجل، ولم يضر ما خلف منه بين يدي الله ﷿، وما ينفق في سبيل الشريعة، وسد الذريعة، مأمول خلفه، وما سواه فمتعين تلفه.
واستخلص لنواديك الغاصة، ومجالسك العامة والخاصة، من يليق بولوج عتبها، والعروج لرتبها، أما العامية فمن عظم عند الناس قدره، وانشرح بالعلم صدره، أوظهر يساره، وكان لله تعالى إخباته وانكساره، ومن كان للفتيا منتصباً، وبتاج المشورة معتصباً، وأما الخاصية فمن رقت طباعه، وامتد فيما يليق بتلك المجالس باعه، ومن تبحر في سير الحكماء، وأخلاق الكرماء، ومن له فضل سافر، وطبع للدينة منافر، ولديه من كل ما تستتر به الملوك عن العوام حظ وافر، وصف ألبابهم بمحصول خيرك، وسكن قلوبهم بيمن طيرك، وأغنهم ما قدرت عن غيرك. واعلم بأن مواقع العلماء من ملكك مواقع المشاعل المتألقة، والمصابيح المتعلقة، وعلى قدر تعاهدها تبذل من الضياء، وتجلوبنورها صور الأشياء، وفرغها ما يزين مدتك، ويحسن من بعد البلاء جدتك، وبعناية الأواخر ذكرت الأول، وإذا محيت المفاخر خربت الدول.
واعلم أن بقاء الذكر مشروط بعمارة البلدان، وتخليد الآثار الباقية في القاصي والدان، فاحرص على ما يوضح في الدهر سبلك، ويحرز المزية على من قبلك، وأن خير الملوك من ينطق بالحجة وهوقادر على القهر، ويبذل الإنصاف في السر والجهر، مع التمكن من المال والظهر، ويسار الرعية جمال للملك وشرف، وفاقتهم من ذلك طرف، فغلب أليق الحالين بمحلك، وأولاهما بظعنك وحلك.
واعلم أن كرامة الجور دائرة، وكرامة العدل متكاثرة، والغلبة بالخير
سيادة، وبالشر هوادة، واعلم أن حسن القيام بالشريعة يحسم عنك نكاية الخوارج، ويسموبك إلى المعارج، فإنها تقصد أنواع الخدع، وتوري بتغيير البدع، وأطلق على عدوك أيدي الأقوياء من الأكفاء، وألسنة اللفيف من الضعفاء، واستشعر عند نكثه شعار الوفاء.
ولتكن ثقتك بالله تعالى أكثر من ثقتك بقوة تجدها، وكتيبة تنجدها، فإن الإخلاص يمنحك قوى لا تكتسب، ويمهد لك مع الأوقات نصراً لا يحتسب.
والتمس أبداً سلم من سالمك بنفيس ما في يدك، وفضل حاصل يومك على منتظر غدك، فإن أبى وضحت محجتك، وقامت عليه للناس بذلك حجتك، فللنوفوس على الباغين ميل، ولها من جانبه نيل، واستهد في كل يوم سيرة من يناويك، واجتهد أن لا يوازيك في خير ولا يساويك، وأكذب بالخير ما يشيعه من مساويك، ولا تقبل من الإطراء إلا ما كان فيك فضل عن غطالته، وجد يزري على بطالته، ولا تلق المذنب بحميتك وسبك، واذكر عند حركة الغضب ذنوبك إلى ربك، ولا تنس أن رب المذنب أجلسك مجلس الفصل، وجعل في قبضتك رياش النصل. وتشاغل في هدنة الأيام بالاستعداد، واعلم ا، التراخي منذر بالاشتداد، ولا تهمل عرض ديوانك، واختبار أعوانك، وتحصين معاقلك وقلاعك. وعم إيالتك بحسن اطلاعك، ولا تشغل زمن الهدنة بلذاتك، فتجني في الشدة على ذاتك، ولا تطلق في دولتك ألسنة الكهانة والإرجاف، ومطاردة الآمال العجاف، فإنه يبعث سوء القول، ويفتح باب العول، وخذ على المدرسين والمتعلمين، والعلماء والمتكلمين، حمل الأحداث على الشكوك الخالجة والمزلات الوالجة، فإنه يفسد طباعهم، ويغري سباعهم، ويمد في مخالفة الملة باعهم، وسد سبيل الشفاعات فإنها تفسد عليك حسن الاختيار، ونفوس الخيار، وابذل في الأسرى من حسن ملكتك ما يرضي من ملكك رقابها، وقلدك وعقابها، وتلق بدء نهارك بذكر الله تعالى في ترفعك وابتذالك، واختم اليوم بمثل ذلك.
واعلم أنك مع كثرة حجابك، وكثافة حجابك، بمنزلة الظاهر للعيون، المطالب بالديون، لشدة البحث عن أمورك، وتعرف السر الخفي بين أمرك ومأمورك، فاعمل في سرك ما لا تستقبح أن يكون ظاهراً، ولا تأنف أن تكون به مجاهراً، وأحكم بريك في الله ونحتك، وخف من فوقك يخف من تحتك، واعلم أن عدوك من أتباعك من تناسيت حسن قرضه، أوزادت مؤونته على نصيبه منك وفرضه، فاصمت الحج، وتوق اللجج، واسترب بالأمل، ولا يحملنك انتظام الأمور على الاستهانة بالعمل، ولا تحقرن صغير الفساد، فيأخذ في الاستئساد، واحبس الألسنة عن التخالي باغتيابك، والتشبث بأذيال ثيابك، فغن سوء الطاعة ينتقل من الأعين الباصرة، إلى الألسن القاصرة، ثم إلى الأيدي المتناصرة، ولا تثق بنفسك في قتال عدوناواك، حتى تظفر بعدوغضبك وهواك، وليكن خوفك من سوء تدبيرك، اكثر من عدوك الساعي في تتبيرك، وإذا استنزلت ناجماً، أومنت ثائراً هاجماً، فلا تقلده البلد الذي فيه نجم، وهمى عارضه فيه وانسجم، يعظم عليك القدح في اختيارك، والغض نم إيثارك، واحترز من كيده في حورك ومأمك، فإنك أكبر همه وليس بأكبر همك، وجمل المملكة بتأمين الفلوات، وتسهيل الأقوات، وتجديد ما يتعامل من الصرف في البياعات، وإجراء العوائد مع الأيام والساعات، ولا تبخس عيار قيم البضاعات، ولتكن يدك عن أموال الناس محجورة، وفي احترامها إلا عن الثلاثة مأجورة: مال من عدا طوره طور أهله، وتخارق في الملابس والزينة، وفضول المدينة، يروم معارضتك بجهله؛ ومن باطن أعداك، وأمن اعتدال؛ ومن أساء جوار رعيتك بإخساره، وبذل الأذاية فيهم بيمينه ويساره.
وأضر ما منيت به التعادي بين عبدانك، أوفي بلد من بلدانك، فسد فيه الباب، واسأل عن الأسباب، وانقلهم بوساطة أولي الألباب، إلى حالة الأحباب، ولا تطوق الأعلام أطواق المنون، بهواجس الظنون، فهوامر لا يقف عند حد، ولا ينتهي إلى عد، واجعل ولدك في احتراسك، حتى لا يطمع في افتراسك.
ثم لما رأى الليل، قد كاد ينتصف، وعموده يريد أن ينقصف، ومجال الوصايا أكثر مما يصف؛ قال: يا أمير المؤمنين، بحر السياسة زاخر، وعمر المتمتع يناديك مستاخر، فإن أذنت في فن من فنون الأنس يجذب بالمقاد، إلى راحة الرقاد، ويعتق النفس بقدرة ذي الجلال، من ملكة الكلال.
فقال: أما وقد استحسنا ما سردت، فشانك وما أردت.
فاستدعى عوداً فأصلحه حتى حمده، وأبعد في اختباره أمده، ثم حرك بمه، وأطال الجس ثمه، ثم تغنى بصوت يستدعي الإنصات، ويصدع الحصاة، ويستفز الحليم عن وقاره، ويستوقف الطير ورزق بنيه في منقاره، وقال:
صاح ما أعطر القبول بنمهأتراها أطالت اللبث ثمه
هي دار الهوى منى النفس فيهاأبد الدهر والأماني جمه
إن يكن ما تأرج الجو منهاواستفاد الشذا وإلا فممه
من لطرفي بنظرة ولأنفيفي رباها وفي ثراها بشمه
ذكر العهد فانتفضت كأنيطرقتني من الملائك لمه
وطن قد نضيت فيه شباباًلم تدنس منه البرود مذمه
بنت عنه والنفس من أجل من قدخلفته خلاله مغتمه
كان حلماً فويح من أمل الدهر وأعماه جهله وأصمه
تأمل العيش بعد أن خلق الجسم وبنيانه عسير المرمه
وغدت وفرة الشبيبة بالشيب على رغم أنفها معتمه
فلقد فاز سالك جعل اللهـ إلى الله قصده ومأمه
من يبت من غرور دنيا بهم ... يلدغ القلب أكثر الله همه ثم أحال اللحن إلى لون التنويم، فأخذ كل في النعاس والتهويم، وأطال الجس في الثقيل، عاكفاً عكوف الضاحي في المقيل، فخاط عيون القوم، بخيوط النوم، وعمر بهم المراقد، كأنما أدار عليهم الفراقد، ثم انصرف، فما علم به أحد ولا عرف، ولما أفاق الرشيد جد في طلبه، فلم يعلم بمنقلبه، فأسف للفراق، وأمر بتخليد حكمه في بطون الأوراق، فهي إلى اليوم تتلى وتنقل، وتجلى القلوب بها وتصقل، والحمد لله رب العالمين انتهى.
قال فبالإحاطة بعد إيراد نبذة ما صورته: فهذا ما حضر من المنثور وحظه من الإجادة ضعيف، وغرضه كما شاء الله تعالى سخيف، لكن الله سبحانه بعبداه لطيف؛ انتهى.
ومما علق بحفظي من نثره قوله في تحليته لبعض أهل زمانه: هو إمام الفئة، وعين أعيان هذه المائة.
وقوله في وصف فاس: نعم العرين، لأسود بني مرين، ذات المشاد التي منها مطرح الجنة ومسجد الصابرين:
بلد أعارته الحمامة طوقهاوكساه ريش جناحه الطاووس
فكأنما الأنهار فيه مدامة ... وكأن ساحات الديار كؤوس جمعت ما ولد سام وحام، وكثر الالتئام والالتحام، واشتد الزحام، إلى
أن قال: يلقى الرجل أبا مثواه فلا يدعوه لبيته، ولا يطعمه من يقله وزيته؛ لا يطرق الضيف حماهم، ولا يعرف اسمهم ولا مسماهم ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم﴾ (ص:).
وقوله في وصف مراكش المحروسة ذات المقاصر والقصور، ومأوى الليث الهصور، ومسكن الناصر والمنصور، إلى أن قال: ومنارها في الفلاة، بمنزلة والي الولاة. ثم بعد كلام: إلا ان خرابها هائل، وزحامها حرب وائل، وعقاربها كثيرة الدبيب، منغصة لمضاجعة الحبيب؛ انتهى ما كتبته من حفظي لطول العهد.
وقال رحمه الله تعالى في وصف مدينة بسطة من كلام لم يحضرني جميعه الآن: محل خصيب، ومنزل رحيب، وكفاها مسجد الجنة دليلاً على البركة وباب المسك دليلاً على الطيب، ولها من اسمها نصيب، إذ هي بحر الطعام وينبوع العيون المتعددة بتعدد أيام العام؛ انتهى.
[في ذكر بسطة]
ولما أجرى ذكر بسطة الإمام أبوالحسن القلصادي في رحلته قال: سقى الله تعالى أرجاءها المشرقة، وأغصانها المورقة، شآبيب الإحسان، ومهدها بالهدنة والأمان، دار تخجل منها الدور، وتتقاصر عنها القصور، وتقر لها بالقصور، مع ما حوته من المحاسن والفضائل، من صحة أجسام أهلها وما طبعوا
عليه من كرم الشمائل، وحسبك فيها من عدم الحرج، أن داخلها باب الفرج؛ ثم قال: ولله در القائل:
دار مشى الإتقان في تنجيدهاحتى تناسب روضها وبناؤها
مرقوقة الجنبات ذات قرارةيمتد قدام العيون فضاؤها
ما زال يضحك دائماً نوارها ... في وجه ساحته ويلعب ماؤها ولبعض أصحابنا فيها وهوالأديب الكاتب أبوعبد الله ابن الأزرق:
في بسطة حيث الأباطح مشرقهأضحت جفوني بالمحاسن مغلقه وله أيضاً في تورية:
قل لمن رام النوى عن وطنقولةً ليس بها من حرج
فرج الهم بسكنى بسطةإن في بسطة باب الفرج
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع