تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

السيفيات (٤)

نقع: ارتفع. وروى: وقع الصريخ والصريخ، والصراخ: الصوت. والمؤللة: المدققة المحددة، وهي الآذان ها هنا.

يعني: أن خيله قد تعودت إجابة الصارخ، واستغاثة المستغيث، فإذا ارتفع صوت مستغيث من مكان ووصل إليها. نصبت له آذانا محددة دقاقا. لاعتيادها إجابة الصارخ.

فكان الطّعن بينهما دراكاًوكان اللّيث بينهما فواقا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الفواق: الوقت الذي بين الحلبتين. ودراكا: أي متتابعة.

يقول: بين دعاء المستغيث، وبين إجابة سيف الدولة، لا يكون الليث إلا قدر ما بين الحلبتين، حتى يلحق به، ويداركه الطعن في عدوه: أي يتابع. ويروى بينهما جواباً أي يكون هناك الطعن بدل الكلام.

ملاقيةً نواصيها المنايامعاودةً فوارسها العناقا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

نصب ملاقية ومعاودة على الحال أي لحقن الصريخ على هذا الحال.

يقول: إن الخيل تلاقي الموت بنواصيها، وتعانق فرسانها الأبطال:

تبيت رماحه فوق الهواديوقد ضرب العجاج لها رواقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

الرواق: مقدم البيت. وقيل: سقف البيت المقدم، والهاء في رماحه للممدوح وفي لها للخيل والهوادي.

يقول: تبيت رماح سيف الدولة فوق أعناق الخيل في حال قد ضرب العجاج للخيل، ولهواديها، رواقا؛ لكثرته وتكاتفه عليها.

تميل كأنّ في الأبطال خمراًعللن به اصحباحاً واغتباقا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

روى يميل وتميل يذكر ويؤنث، ولأنه أراد به الدم.

يقول: تميل هذه الرماح عند طعنه بها في أجسام الأعداء، فكأنها قد اصطحبت واغتبقت في الأبطال من الخمرة فصارت من شربها سكارى.

تعجّبت المدام وقد حساهافلم يسكر وجاد فما أفاقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

تعجبت الخمر حين شربها سيف الدولة ولم يسكر؛ لأنه شرب المسكر لا الجود! وقيل: يمدحه بالإسراف في الجود والقوة على الشرب فهو سكران من الجود، وصاح من الشراب الذي شربه.

أقام الشّعر ينتظر العطايافلمّا فاقت الأمطار فاقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

يقول: قام شعري ينتظر عطاياك، حتى يكون على قدرها، فلما فاقت عطاياك الأمطار، فاق شعري الأشعار.

وزنّا قيمة الدّهماء منهووفّينا القيان به الصّداقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

الهاء في منه وفي به للشعر.

يقول: جازيتك على ما أعطيتني بمدحي إياك، فوزنت لك ثمن الفرس، ومهر الجارية.

وقيل: معناه أن عطاياك لما فاقت العطايا صار شعري الذي يفوق سائر الأشعار وفاء لها.

وحاشا لارتياحك أن يبارىوللكرم الّذي لك أن يباقى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

المباراة: المعارضة بالفعل. أي يفعل مثل فعله. ويباقي: يغالب في البقاء. واعتذر بهذا عن قوله: وزنا قيمة الدهماء وقيل: هو اعتذار من قوله: فلما فاقت الأمطار فاقا يعني: حاشا لجودك وكرمك أن يعارض بحمد، فجودك أكثر، ومدى كرمك أطول.

ولكنّا نداعب منك قرماًتراجعت القروم له حقاقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

المداعبة: الممازحة، والدعابة: المزاح. والقوم، الفحل الكريم من الإبل. والحقاق: جمع الحق، وهو الذي دخل في السنة الرابعة، والأنثى حقة.

يقول: جودك لا يقاومه شكر، وإنما قلت هذا مزحاً، وأنت سيد تفضل جميع السادة، فكل سيد قيس إليك وقوبل بك يعود ذليلا كالحقة إذا قيست إلى القرم، فكما أنه يفضلها كذلك أنت تفضل كل سيد كريم.

فتىّ لا تسلب القتلى يداهويسلب عفوه الأسرى الوثاقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

الوثاق: بالكسر والفتح ما يشد به الأسير.

يقول: هو لا يسلب قتيله أبداً ويفك الغل من الأسارى بالعفو والإحسان.

ولم تأت الجميل إليّ سهواًولم أظفر به منك استراقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

يقول: لم يكن إحسانك إلي عن غلط منك، ولا عن خديعة واستراق مني له، ولكني نلته باستحقاق، وأحسنت إلي بعد الامتحان. والهاء في به يعود إلى الجميل.

فأبلغ حاسديّ عليك أنّىكبا برقٌ يحاول بي لحاقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

كبا الفرس يكبو: إذا عثر.

يقول: أبلغ من يحسدني على محلي عندك، ويحاول لحاق غايتي في مدحك: أن البرق إذا أراد اللحاق بي فإنه يكبو خلفي، فكيف يدركني؟! ويحاول إدراك محلي.

وقيل: هذا أمر للممدوح ويقتضي أن يكون دون الأمر، وذلك قبيح، ولكنه لما قال: حاسدي عليك أخرجه عن حد القبيح بأن بين: أن الحسد كان لاختصاصه.

وهل تغني الرّسائل في عدوّإذا ما لم يكنّ ظبي رقاقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

رجع عن قول: حاسدي وقال: الرسالة لا تشفيني منهم، إلا أن يكون بدلها السيف، فأقتلهم وأستريح منهم، والكناية في قوله: إذا ما لم يكن للرسائل.

إذا ما النّاس جرّبهم لبيبٌفإنّي قد أكلتهم وذاقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

تقديره: إذا ما الناس جربهم لبيب وذاق، فإني قد أكلتهم.

يقول: إني أعرف بأحوال الناس من كل عاقل، فأنا بمنزلة الآكل وغيري كالذائق.

فلم أر ودّهم إلاّ خداعاًولم أر دينهم إلا نفاقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

يقول: جربت الناس فوجدت باطنهم بخلاف ظاهرهم في الصداقة، ووجدتهم منافقين في دينهم! قال علي بن عيسى الربعي: إن أبا الطيب كان يردد مع نفسه هذين البيتين كل يوم أكثر من خمسين مرة.

يقصّر عن يمينك كلّ بحرٍوعمّا لم تلقه ما ألاقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

ألاق يليق إلاقة، ولاق يليق: إذا أمسك وحبس.

يقول: كل بحر يقصر عن جود يمينك، وما أمسكه البحر من جواهره، ومن بابه الذي هو فيه، يقصر عما لم تمسكه من العطاء، فيكون ما من عطائك أكثر من جواهر البحر ومائه.

ولولا قدرة الخلاّق قلناأعمداً كان خلقك أم وفاقا؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

يقول: لولا علمنا بقدرة الله ﷿، على ما يعجز عنه كل قادر، ويخرج عن العادة، لشككنا في خلقك! أوقع عن قصد واتفاق من غير مانع!؟

فلا حطّت لك الهيجاء سرجاًولا ذاقت لك الدّنيا فراقا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

يقول: لا زالت خيالك مسرجةً أبداً في الحرب، ولا ذاقت الدنيا مرارة فراقك.

وقال يمدحه ويرثي ابن عمه أبا وائل تغلب بن داود، في جمادي الأولى سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة:

ما سدكت علةٌ بمورودأكرم من تغلب بن داود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

ما سدكت: أي ما علقت. يقال: سدك به، لصق به، إذا لازمه ولم يفارقه. والمورود: المحموم الذي تتردد عليه الحمى كل يوم.

يقول: ما دامت علة على مريض، أكرم من تغلب بن داود. يعني أنه أكرم من كل مريض طال عليه مرضه.

يأنف من ميتة الفراش وقدحلّ به أصدق المواعيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

الميتة: الهيئة. الجلسة.

يقول: كان يأنف من أن يموت على فراشه؛ بشجاعته في حال قد نزل به - وهو - الموت الذي هو أصدق المواعيد.

ومثله أنكر الممات علىغير سروج السّوابح القود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

السابح: الفرس السهل، الذي يمد ذراعيه في عدوه، كأنه يسبح. والقود: جمع أقود، وهو الطويل العنق.

يقول: من كان مثله في الشجاعة أنكر هذه الموتة، يعني أنه لا يرضى الموت إلا على سروج الخيل السوابح الطوال الأعناق.

بعد عثار القنا بلبّتهوضربه أرؤس الصّناديد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

العثار: السقوط على الوجه، وأراد ها هنا سقوط الرماح عليه. واللبة: النحر. والصناديد: السادات، وقيل: الشجعان.

يقول: إن مثله في شجاعته ينكر موته على فراشه، بعد مباشرته الحروب، وكثرة وقع الرماح بصدره، وضرب رءوس كثير من الشجعان الكرام.

وخوضه غمر كلّ مهلكةٍللذّمر فيها فؤاد رعديد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

الغمر: الماء الكثير، وجعل المهلكة غمراً اتساعاً، وأراد به معظمها، وقيل: أراد وسطها، والذمر: الشجاع، والرعديد: الجبان، الذي يرتعد من شدة الخوف، وقوله: للذمر إلى آخره. صفة للمهلكة.

يقول: إنه ينكر الموت على الفراش بعد خوض المهالك التي يصير قلب الشجاع فيها كقلب الجبان المرتعد من شدة الخوف، ومن كان هذه حاله، يستنكر موته على فراشه.

فإن صبرنا فإنّنا صبرٌوإن بكينا فغير مردود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

الصبر: جمع صابر، وقيل: جمع صبور.

يقول: إن صبرنا على هذه المصيبة، فكذلك عادتنا، وإن بكينا عليه، فغير مستنكر لعظم المصيبة.

وإن جزعنا له فلا عجب؛ذا الجزر في البحر غير معهود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

الجزر: نقصان الماء. والمد: زيادته.

يقول: إن جزعنا عليه فليس بعجب، لأن هذا الجزر في البحر غير معهود. يعني أن مثل هذا المصاب لم نعهده لنصب عليه، وعبر عن الرجل بالبحر، وعن المصيبة بالجزر، يعني: إنا وإن رأينا المصائب قبل هذا. فلم نر مثل هذه المصيبة، فهي جزر غير معهود على هذا الوجه.

وقيل: معناه أنه كالجزر لم يعهد في البحار، وإنما يكون في الأنهار، فهذا أمر هائل عجب، فجزعنا له غير عجب.

وقيل: أراد بالبحر سيف الدولة، ومعناه أن موت هذا الرجل كالجزر العظيم في البحر، الذي ليس بحر أعظم منه، وهو غير معهود. أي لم يمت لسيف الدولة أحد أجل منه.

أين الهبات الّتي يفرّقهاعلى الزّرافات والمواحيد؟؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

الزرافات: الجماعات. والمواحيد: جمع الموحد.

يقول: أين المواهب التي كان يفرقها على الجماعات والآحاد من قصاده.

سالم أهل الوداد بعدهميسلم للحزن لا لتخليد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

يقول: مات بموته أهل وده، فمن سلم منهم، فإنما يسلم لتجرع الحزن لا لأن يخلد في الدنيا ويدوم له البقاء، لن كلا يموت.

فما ترجّى النّفوس من زمنٍأحمد حاليه غير محمود؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

يقول: أي رجاء يكون للإنسان في الدنيا، ويكون أحمد حاليه وهو البقاء غير محمود! لأنه مشوب بأنواع من الحزن والمكاره، وغايته الموت.

إنّ نيوب الزّمان تعرقنيأنا الّذي طال عجمها عودي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

نيوب: جمع ناب في الكثرة، وتعرقني: أي ما علي من اللحم. والعراق: فجربني حتى عرفني؛ لكثرة تقلي لصروفه.

وفىّ ما قارع الخطوب وماآنسنى بالمصائب السّود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

المقارعة: المضاربة. والخطوب: الأمور العظيمة. والمصائب السود: هي الشديدة التي يسود بها البصر. وقيل: وصفها بالسود للبس الحداد فيها، لشدتها.

يقول: فيّ من الصبر ما يقاوم الخطوب، ويؤنسني بالمصائب الشديدة.

ما كنت عنه إذا استغاثك ياسيف بني هاشم بمغمود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

غمدت السيف وأغمدته: إذا أدخلته في الغمد، وهو قرابه.

يقول: استغاث بك وهو في أسر الخارجي، فلم تك بمغمود عنه، ومغيب عن نصرته وإغاثته، فلو قدرت الآن على تخليصه من الموت لخلصته، لكن لا يقدر أحد على دفع الموت.

يا أكرم الأكرمين يا ملك الأملاك طرّاً يا أصيد الصّيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

الأصيد: المتكبر المائل العنق من الكبر، وجمعه صيد. والأملاك جمع في القلة وفي الكثرة: الملوك.

قد مات من قبلها فأنشرهوقع قنا الخطّ في اللّغاديد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

أنشر الله الموتى فنشروا هم: أي أحياهم الله فحيوا. واللغاديد: جمع لغدوج، وهي لحم باطن اللهوات، وهي أيضاً اللغنون. والنغنغ.

يقول: كان قد مات من قبل هذه المرة، أو هذه الحالة حين أسره الخارجي، فأحياه وقع الرماح الخطية، في اللغاديد. يعني: أن سيف الدولة أوقع بالخارجي واستنقذه منه، بعد ما قتل منه خلقاً كثيراً.

ورميك اللّيل بالجنود وقدرميت أجفانهم بتسهيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

رميك: عطف على قوله: وقع الرماح.

أي أنشره بعد موته، قصدك الخارجي بجنودك، وسيرك إليه ليلاً، حتى طلعت عليهم مع الصبح.

فصبّحته رعالها شزباًبين ثباتٍ إلى عباديد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهاء في صبحته للمرثى ورعال الخيل: أوائلها، الواحد رعيل ورعلة، والهاء في رعالها للجنود. والشزب: الضوامر. والثبات: الجماعات. والعباديد: المتفرقون يميناً وشمالاً.

يقول: جاءت هذا الرجل أوائل خيلك يا سيف الدولة، وقت الصبح، جماعة ومتفرقين، حتى خلصته من أيدي بني كلاب.

تحمل أغمادها الفداء لهمفانتقدوا الضّرب كالأخاديد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

الهاء في أغمادها للسيوف، وذكر الجنود يدل عليها، ويرجع إلى الجنود إذ لا بد من كون أغماد السيوف معهم؛ لكون السيوف فيها. والأخدود: الحفرة المستطيلة في الأرض، وشبه الضربة العظيمة بها.

يقول: كانوا ينتظرون الفداء فجئتهم بخيلك، وفي أغماد سيوفهم الفداء، وهي السيوف ونقدوهم ضرباً فانتقدوا وكل شربة كأنها أخدود.

موقعه في فراش هامهموريحه في مناخر السّيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

الفراش: عظام الرأس. والسيد: الذئب، وجمعه السيدان. والهاء موقعه راجعة إلى الضرب. والموقع: مصدر، وموضع الوقوع.

يقول: موضع هذا الضرب في رءوس - بني كلاب، ولكن ريحه في مناخر الذئاب؛ لأنها أكلتهم بعد ما صاروا جيفاً، فوصلت روائحهم إلى مناخرهم.

وقيل: معناه أنه إذا وقع بهم هذا الضرب، تطاير عنه الدم، وانتشرت رائحته إلى مناخر الذئب، واستدل به على القتلى، فأتى إليها وأكلها.

أفنى الحياة الّتي وهبت لهفي شرفٍ شاكراً وتسويد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

شاكراً: نصب على الحال. وروى: في شامخ، وباذخ أي عال. والتسويد: السيادة.

يقول: أفنى أبو وائل الحياة التي وهبتها له حين استنقذته من يد الخارجي في شرف وزيادة، وهو لك شاكراً ولإحسانك إليه ناشراً.

سقيم جسيم، صحيح مكرمةٍمنجود كربٍ، غياث منجود

سقيم وما بعده نصب على الحال. والمنجود: المكروب.

يقول: أفنى الحياة التي وهبتها له وهو سقيم الجسم، ولكن مكارمه صحيحة، وهو منجود كرب: أي مجهود كرب العلة، وهو مع ذلك غياث كل مكروب. وهذا يدل على أنه لم يزل مريضاً منذ تخلص إلى أن مات.

ثمّ غدا قدّه الحمام، وماتخلص منه يمين مصفود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

القد: السير. المقدود. والمصفود: المقيد المشدود.

يقول: كان أسيراً في يد الخارجي، فخلصته من أسره، ثم مات أسيراً للموت الذي لا يقدر أحد على الخلاص منه! فمن صار مقيداً مغلولاً للموت، لم يخلصه أحد من قيده.

لا ينقص الهالكون من عددٍمنه عليّ مضيّق البيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

النقص ها هنا متعد والهاء في منه راجعة إلى العدد.

يقول: لا ينقص من هلك من عدد يكون من ذلك العدد سيف الدولة الذي يضيق المفاوز بجيوشه، ففيه خلق من كل هالك، وبدل من كل ناقص.

تهبّ في ظهرها كتائبههبوب أرواحها المراويد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

الهاء في ظهرها راجع إلى البيد وكذلك في أرواحها والمراويد: واحدها مرواد، وهي التي تجىء وتذهب. وقيل: هي الريح اللينة السهلة.

يقول: أن جيوشه تجري في المفاوز مجرى الرياح، غير مسترخية ولا ضعيفة، وخص المراويد؛ لأنه أراد أن عساكره جرارة لا تسير إلا بالهويني؛ من كثرتها.

أوّل حرفٍ من اسمه كتبتسنابك الخيل في الجلاميد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

شبه آثار سنابك الخيل على الأحجار الصلبة بأول حرف من اسم سيف الدولة وهو العين من علي وهو يشبه أثر السنابك.

مهما يعزّ الفتى الأمير بهفلا بإقدامه ولا الجود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

الأمير رفع لأنه اسمه، والهاء في به تعود إلى مهما لأنه اسم موضوع للشرط، ومعناه مهما عزى الفتى: الذي هو الأمير سيف الدولة فلا يعزى بشجاعته وجوده، لأنهما لا يفارقانه أبداً، ويجوز أن يكون دعاء ومعناه: فلا عزى بهاتين الخصلتين؛ لأنهما متى سملا له فما سواهما حلل، وروى: مهام يعز، فيكون الفتى فاعله، والأمر ينصب لأنه مفعوله، ومعناه: مهما يعزيه بإقدامه وجوده.

ومن منانا بقاؤه أبداًحتّى يعزّى بكلّ مولود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يجوز من بالفتح بمعنى: الذي، فيكون عطفاً على قوله: فلا بإقدامه ولا الجود أي فلا يعزى بإقدامه وجوده، ونفسه التي نتمنى أن تبقى هنا أبداً، ويهلك كل مولود، حتى نعزيه بهم. والمراد: أنه لا يعزى بمصبة في نفسه. ويجوز من بالكسر فيكون مستأنفاً، والمعنى أن مرادنا أن يبقى. هو إلى أن يعزى بكل مولود ولد.

وقال أيضاً يمدحه وقد ركب سيف الدولة يشيع عبده يماك لما أنفذه في المقدمة إلى الرقة فهاجت ريح شديدة. فقال:

لا عدم المشيّع المشيّع

ليت الرّياح صنّعٌ ما تصنع

روى الأول بالكسر، والثاني بالفتح. وقد روى بالكسر، من ذلك يقول داعياً له: لا عدم يماك المشيع، سيف الدولة المشيع أو لا عدم سف الدولة غلامه المشيع، وهذا أيضاً يتضمن الدعاء لسيف الدولة. ثم قال: ليت الرياح كانت تفعل مثل فعله، لأن أفعاله تزيد على فعل الرياح.

بكون ضرّاً وبكرت تنفع

وسجسجٌ أنت وهنّ زعزع

وواحدٌ أنت وهنّ أربع

وأنت نبعٌ والملوك خروع

يقول مفضلاً له على الرياح: إنها تضر، وتنفع أنت. وقيل: إنه اتفق هبوب الريح الشديدة فذكر ذلك.

والسجسج: اللينة. والزعزع: الشديدة. يعني: هي شديدة صعبة، وأنت نفع خالص كالريح السجسج.

والرياح أربع: جنوب، وشمال، وصبا، ودبور، وأنت واحد تقوم مقامها أجمع. وقيل: أراد لا نظير له والريح له نظير.

والنبع: شجر صلب يتخذ منه القسى، والخروع: شجر ضعيف. شبه شجر التين. يعني أنت أفضل من الملوك، كالنبع أفضل من الخروع.

وقال أيضاً يمدحه وهو سائر يريد الرقة، وقد اشتد المطر بموضع يعرف بالثديين.

لعيني كلّ يومٍ منك حظّتحيّر منه في أمر عجاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعيني كل يوم منك حظ»

العجاب: أبلغ من العجيب. والهاء في منه للحظ.

يقول: إن لعيني منك كل يوم حظاً! يتحير من ذلك الحظ، ويتعجب منه.

حمالة ذا الحسام على حسامٍوموقع ذا السّحاب على سحاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعيني كل يوم منك حظ»

حمالة: أي ذلك العجاب هو حمالة. هذا هو العجاب.

يقول: أرى أمراً عجيباً وهو حمالة السيف، وقعت على السيف، الذي هو سيف الدولة، لأنه سيف تقلد سيفاً، وكذلك وقوع السحاب الذي هو المطر، على سيف الدولة، الذي هو كالسحاب جوداً.

وزاد المطر فقال فيه أيضاً

تجفّ الأرض من هذا الرّبابويخلق ما كساها من ثياب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تجف الأرض من هذا الرباب»

الرباب: السحاب الأبيض، وأراد تجف الأرض من مطر هذا الرباب فحذف المضاف.

يقول: تجف الأرض من هذا المطر، وكذلك يخلق ما كسى هذا المطر الأرض من أثواب الربيع وأنواع الأزهار، وألوان الأنوار.

وما يتفكّ منك الدّهر رطباًولا يتفكّ غيثك في انسكاب

يقول: إن الأرض تجف من هذا المطر، ولا يزال الدهر من سحاب جودك رطباً ولا يزال جودك متصلاً، فيبقى أثره على الدهر.

تسايرك السّواري والغواديمسايرة الأحبّاء الطّراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تجف الأرض من هذا الرباب»

تسايرك: أي تسير معك. والطراب: جمع طرب، وهو الذي استخفه الشوق.

يقول: إن السحب التي تأتي ليلا والتي تأتي غدوة تسير معك حيث سرت، كما يسير الحبيب مع حبيبه، إذا طرب إليه واستخفه الشوق نحوه.

تفيد الجود منك فتحتذيهوتعجز عن خلائقك العذاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تجف الأرض من هذا الرباب»

تفيد: أي تستفيد، والتاء للسواري والغوادي. يقال: أفاد واستفاد والاحتذاء: أن تفعل مثل ما فعل صاحبك. ويروى فتحتديه: أي تطلب حدى جودك.

يقول: إن السحاب تسايرك حتى تستفيد الجود منك، وتحذو على حذوك من الجود، فهي وإن استفادت عنك الجود احتذاء، تعجز عن أخلاقك العذبة.

وأجمل سيف الدولة ذكره وهو يسايره في طريق آمد فقال.

أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبهتأتي النّدى ويذاع عنك فتكره
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبه»

يقول: أنا إذا ذكرت جودك، وأثنيت عليك بإحسانك كنت بمنزلة من ينم عليك، ويفشي أسرارك؛ لأنك تفضل على الناس، وتستره، وتكره أن يظهر ذلك منك، فأنا إذا أظهرته كنت في حيز الواشين بك.

وإذا رأيتك دون عرضٍ عارضاًأيقنت أنّ الله يبغي نصره
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إذا رأيتك عارضاً دون عرض إنسان، وذاباً عنه تيقنت أن الله تعالى ينصره على أعدائه.

وإنما قال ذلك؛ لأن سيف الدولة أحسن ذكره.

فقال: إذا أثنيت علي، لم أبال بمن عابني؛ وعلمت أن الله تعالى ينصرني على من يطعن علي ذنباً من عرضي.

وفي قافية البيتين اضطراب لأنا إن جعلناها رائية، فالهاء تكون وصلاً، وهذا لا يجوز؛ لأن الهاء أصل في البيت الأول، وهو قوله: فتكره وفي الثاني ضمير وهو نصره فالبيت الأول هائي والثاني رائي، وإن جعلناها هائية فالثانية تكون رائية لما بينا: أن الهاء أصل في الأول، ووصل في الثاني. والكلام في هذا المعنى يطول، وموضعه كتاب القوافي، وقيل القافية رائية وقد جاء مثل هذا في الشعر القديم، وقد تركت ذكره لئلا يطول.

وزاد سيف الدولة في وصفه فقال له.

ربّ نجيعٍ بسيف الدّولة انسفكاوربّ قافيةٍ غاظت به ملكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رب نجيع بسيف الدولة انسفكا»

النجيع: الدم الطوى، وقيل: اليابس، وقيل: الخالص.

يقول: رب دم أجراه سيف الدولة، ورب قصيدة نظمت في مدحه، أو نظمها الشعراء في مدحه، فغاظ الملوك حسنها، وحسدوه حيث قصروا عن صفاته وخصاله.

من يعرف الشّمس لا ينكر مطالعهاأو يبصر الخيل لا يستكرم الرّمكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رب نجيع بسيف الدولة انسفكا»

يقول: مثلك مثل الشمس، من عرفها لا ينكر مطالعها؛ لشهرتها، وفضلها، فكذلك أنت لا ينكر فضلك، وعلو محلك؛ فلهذا قصدتك دون سائر الملوك. وكذلك مثلك مع الملوك. مثل الخيل الجياد مع الرمك: وهي الإناث من البراذين.

تسرّ بالمال بعض المال تملكهإنّ البلاد وإنّ البلاد وإنّ العالمين لكا

يقول: نحن من جميع مالك، فأنت إذا وهبت لنا مالك فقد سررت بمالك بعض مالك الذي تملكه، لأنك تملكت البلاد والعباد، فكأنك وهبت مالك، من مماليكك، فالكل عائد إليك.

وقال يخاطب سيف الدولة وقد سار يريد آمد وتوسط جبالاً:

يؤمّم ذا السّيف آمالهولا يفعل السّيف أفعاله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يؤمم ذا السيف آماله»

وروى: يؤمل.

يقول: هذا السيف يقصد إلى آماله ويدركها بسعيه، ولا يفعل سيف الحديد مثل فعله، ولا يمضي مضاءه.

إذا سار في مهمةٍ عمّهوإن سار في جبلٍ طاله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يؤمم ذا السيف آماله»

طاله: أي علاه. يعني إذا سار في البر ملأه بخيله، أو بخيره وبركته أو هيبته، وإذا سار في الجبل: علاه وغطاه بجيشه. وقيل: علاه من حيث القدر والجاه، فهو أعلى منه وأعظم. وقيل: علاه بكثرة الخير والبركات.

وأنت بما نلتنا مالكٌيثمّر من ماله ماله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يؤمم ذا السيف آماله»

نلتنا: أي أعطيتنا.

يقول: أنت بما أعطيتنا من العطايا، كالمالك الذي يكثر ماله بماله ويصلحه به، لأنا عبيدك، والدنيا كلها لك، وهذا كقوله: تسر بالمال.

كأنّك ما بيننا ضيغمٌيرشّح للفرس أشباله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يؤمم ذا السيف آماله»

الضيغم: الأسد، وهو فعيل من الضغم: وهو العض والترشيح: التعليم والتدريب. ويروى: يحرض والفرس: الاصطياد، وأصله دق العنق.

يقول: أنت تعلمنا الحرب والشجاعة، كالأسد يعلم أولاده الاصطياد.

ونزل سيف الدولة آمد، وكثر المطر بها، ودعا أبا الطيب، فدخل وهو يشرب، فقال له: قال بعض الناس، في قولك:

ليت أنّا ارتحلت لك الخيل وأنّا إذا نزلت الخيام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

جعل الخيام فوقك، وعرض بجليس له. فأجابه أبو الطيب، وأراد بهذا قطع الكلام.

لقد نسبوا الخيام إلى علاءٍأبيت قبوله كلّ الإباء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد نسبوا الخيام إلى علاء»

يقول: نسبوا الخيام إلى العلاء، فأبيت أنا قبوله، وامتنعت منه كل الامتناع، لأني لا أسلم أن تكون السماء فوقك، فكيف الخيام؟!

وما سلّمت فوقك للثّرياولا سلّمت فوقك للسماء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد نسبوا الخيام إلى علاء»
وقد أوحشت أرض حتّىسلبت ربوعها ثوب البهاء

يقول: إني لم أسلم أن السماء والثريا فوقك؛ لأن اعتقادي أنها دونك، وأنت فوقها! وكيف أسلم أن الخيام فوقك مع أنها دونك؟!

تنفّس والعواصم منك عشرٌفتعرف طيب ذلك في الهواء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد نسبوا الخيام إلى علاء»

تنفس: أي تتنفس، فحذف تاء الخطاب. والعواصم: بلدان كانت من أعمال سيف الدولة، فتعرف: أي العواصم.

يقول: إذا تنفست وبينك وبين العواصم مسرة عشرة ليال، عرفت العواصم طيب نفسك في الهواء!! وأراد أهلها، وبالطيب: العدل والإحسان.

وذكر سيف الدواة لأبي العشائر جده وأباه، وفي نسخة ذكر سيف الدولة جد أبي العشائر فقال أبو الطيب:

أغلب الحيّزين ما كنت فيهوولىّ النّماء من تنميد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغلب الحيزين ما كنت فيه»

الحيز: الجانب، وقيل: الفريق، والجيش. ويجوز تنميه بفتح التاء: أي تنتمي إليه، ويجوز بضم التاء: أي تزيد فيه، من أنميت المال، ونمى هو.

يقول: هو أغلب الجانبين أو الفريقين أو العسكرين، الذي أنت فيه، والأولى بالكثرة من كنت منتسباً إليه، أو من كنت تزيد فيه.

ذا الّذي أنت جدّه وأبوهدنيةً دون جدّه وأبيه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغلب الحيزين ما كنت فيه»

دنية: أي قرباً، وهو مصدر في موضع الحال، لما قال: القبيل الذي أنت فيه أولى بالزيارة، استدرك ها هنا فقال: إنما يغلب الذي أنت جده وأبوه الأدنى، لا أبوه الذي ولده جده. فكأنه قال: إنما انتسبت هذه القبيلة إليك في الحقيقة.

وأذن المؤذن فوضع سيف الدولة القدح من يده، فقال أبو الطيب رحمه الله تعالى:

ألا أذّن فما أذكرت ناسيولا ليّنت قلباً وهو قاسي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا أذن فما أذكرت ناسي»
ولا شغل الأمير عن المعاليولا عن حقّ خالقه بكاس
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا أذن فما أذكرت ناسي»

كان الوجه أن يقول: ناسياً، لكنه حذفه للضرورة، فجاء به على قول من قال: رأيت قاض.

يقول للمؤذن: أذن فإن أذانك لم ينبه سيف الدولة من غفلته، وليس قلبه قاسياً فتلينه بأذانك ولم يشغله الكأس عن حق الله تعالى، ولا عن المعالي.

وذكر سيف الدولة بيتاً أحب إجازته وهو:

خرجت غداة النّحر أعترض الدّمىفلم أر أحلى منك في العين والقلب

الإجازة في البيت: إضافة بيت، أو أبيات إلى بيت آخر يتم به معناه، أو إضافة مصراع إلى مصراع يوافقهن ويتم معناه كقول بعضهم وقد شرب ماء:

عذب الماء وطابا

فقال أبو العتاهية:

حبّذا الماء شرابا

فما ذكره أبو العتاهية هو الإجازة ومعنى البيت: خرجت يوم الأضحى أنظر إلى وجوه الحسان وصورهم، فما رأيت فيه أحسن منك في عيني وقلبي. والدمى: جمع جمية وهي الصورة.

فقال أبو الطيب مجيزاً.

فديناك أهدى النّاس سهماً إلى قلبيوأقتلهم للدّارعين بلا حرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك أهدى الناس سهما إلى قلبي»

أهدى الناس: أي أكثرهم هداية وأقصد، وسهماً نصب على التمييز، وأراد به العين. وقوله: أهدى يعني يا أهدى الناس، ويجوز أن يكون صفة لكاف الخطاب.

يقول: فديناك من معشوق يهدي سهمه إلى القلوب، ويقتل الرجال الشجعان اللابسين الدروع، وقيل أراد به سيف الدولة، يعني أنك تقتل أعداءك ولا تقيهم الدروع فعلى هذا يكون القلب بلا ياء. والأول أولى.

تفرّد بالأحكام في أهله الهوىفأنت جميل الخلف مستحسن الكذب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك أهدى الناس سهما إلى قلبي»

يقول: حكم الهوى يخالف سائر الأحكام، فالكذب فيه حسن! وخلف الوعد فيه جميل! وإن كان قبيحاً من سائر الناس.

وإنّي لممنوع المقاتل في الوغىوإن كنت مبذول المقاتل في الحبّ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك أهدى الناس سهما إلى قلبي»

المقتل: الموضع الذي إذا أصيب من الجسد مات صاحبه.

يقول: مقاتلي ممنوعة في الحرب بشجاعتي، وإن كنت مبذول المقاتل في الحب، فيصيب الهوى مقتلي بأهون سعي! وهذا أيضاً من أحكام الهوى المخالفة لسائر الأحكام.

ومن خلقت عيناك بين جفونهأصاب الحدور السّهل في المرتقي الصّعب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك أهدى الناس سهما إلى قلبي»

يقول: مقاتلي مبذولة في الحب، وإن كانت ممنوعة في الحرب، لأن من كان له عينان مثل عينيك، سهل عليه المرام الصعب، وأدركه بأهون سعي.

وقيل: أراد من كانت عيناك نصب جفونه، صار طوعاً لهما، فلا يملك الامتناع من سهامها.

وهذه الأبيات ليست بجيدة في الإجازة؛ لأنها لا تتضمن معنى البيت الذي أجازه، غير أنها على وزنه ورويه، وهذا القدر لا يكفي في الإجازة، بل لا بد أن يكون له تعلق بالعنى الذي في البيت الأول.

وقال يمدحه بميّا فارقين، وقد نزلها سيف الدولة في شوال سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة وقد أمر الغلمان والجيش بالركوب بالتجافيف والسلاح:

إذا كان مدحٌ فالنّسيب المقدّمأكلّ فصيحٍ قال شعراً متيّم؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

كان ها هنا بمعنى: وقع، لا يحتاج إلى خبر.

يقول: من عادة الشعراء أن يقدموا النسيب على المديح، حتى كأن كل شاعر عاشق؟! ليس الأمر كذلك بل يجوز أن يكون فيهم من يمدح ولا ينسب، إذ لا يجب أن يكون كل شاعر عاشقاً.

لحبّ ابن عبد الله أولى فإنهبه يبدأ الذّكر الجميل ويختم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إذا كان ذكر النّسيب لا يدل على كون الشاعر عاشقاً، فذكر محاسن سيف الدولة، والتشبب بأوصافه أولى؛ فإن الذكر الجميل يبدأ به ويختم، إذ هو في جميع أوصافه.

أطعت الغواني قبل مطمح ناظريإلى منظر يصغرن عنه ويعظم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

طمح بنظره: إذا رفعه. وقيل: هو أن ينظر إلى مكان بعيد. وناظر العين: سوادها.

يقول: أطعت الغواني قبل أن أنظر إلى معالي الأمور، فلما نظرت إليها صغر في عيني أمر الغواني. وقوله: يصغرن أي الغواني ويعظم أي المنظر.

وقيل معناه أطعتهن قبل أن أرى سيف الدولة، فلما رأيته عظم في عيني شأنه وصغر أمرهن عندي.

تعرّض سيف الدّولة الدّهر كلّهيطبّق في أوصاله ويصمّم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

تعرض: أي أتاه من عرضه: أي من جانبه. والتطبيق في القطع: أي يقطع المفصل فيكون أسهل، والتصميم: أن يمضي في العظم فلا ينبو عنه.

يقول: إن سيف الدولة قصد إلى الدهر فقطع أوصاله، وأمضى على أحكامه تارة بالعنف: وهو التصميم. وتارة بالرفق: وهو التطبيق، ولما جعله سيفاً: جعل مضيّ أمره على الدهر قطعاً لأوصاله.

فجازله حتّى على الشّمس حكمهوبان له حتّى على البدر ميسم

ميسم، قيل: هو الحسن. وقيل: هو من العلامة، وحكمه رفع بجاز أي جاز له حكمه على الشمس وميسم رفع ببان.

والميسم: من قوله وسمه يسمه، ومعناه على الأول أنه ملك الدهر حتى جاز حكمه على الشمس، ونفذ فيه مراده، وبان على البدر، وحسنه ظهر عليه وغلبه، وقيل: إن جواز أمره على الشمس هو أنه متى شاء غير لونها بغبار خيله، وأخفى ضياءها بلمع سيوفه، والأولى أن يحمل على مجرد الدعوى، مبالغة في المدح.

وإن أريد بالميسم العلامة فمعناه: أنه قد ظهر وسمه وأثره على كل شيء من الدهر، حتى على البدر، يعني أنه يذهب بضوء البدر.

وقيل: إنه أراد به الكلف الذي نراه في القمر، وأنه من تأثير سيف الدولة فيه، وقد وسمه، كما يسم الرجل دوابه وإبله.

كأن العدا في أرضهم خلفاؤهفإن شاء حازوها وإن شاء سلّموات
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

يقول: كأنّ أعداءه في بلادهم عماله وخلفاءه، فإن شاء حاز بلادهم بالقهر، وإن شاء سلموها وتسلمها منهم.

ولا كتب إلاّ المشرفيّة عندهولا رسلٌ إلاّ الخميس العرمرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

العرمرم: الجيش الكثير المضطرب.

يقول: ليس له إلى أعدائه كتب إلا السيوف، ولا يرسل إليهم رسلا سوى الجيش.

فلم يخل من نصرٍ له من له يدٌولم يخل من شكرٍ له من له فم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»
ولم يخل من أسمائه عود منبرٍولم يخل دينارٌ ولم يخل درهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

يقول: إنه ملك البلاد، وعم بإحسانه العباد، وليس أحد من الناس إلا ناصره، ولا ناطق إلا شاكره، وما من منبر في البلاد إلا وخطيبه يدعو له، ويذكر اسمه، ولا دينار ولا درهم إلا وهو مضروب باسمه.

ضروبٌ وما بين الحسامين ضيقٌبصيرٌ وما بين الشّجاعين مظلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

يقول: إذا تدانت الأقران في الحرب، وضاق ما بين الحسامين فلم يتمكن الشجاع من الضرب وجد هو لسيفه مجالاً، وإذا اشتد الأمر، وعلا الرهج حتى يظلم بين الشجاعين، كان هو بصيراً في الحلة، ولا يخفى عليه وجوه الصواب.

تبارى نجوم القذف في كلّ ليلةٍنجومٌ له منهنّ وردٌ وأدهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

تبارى: أي تعارض. ونجوم القذف: النجوم المنقضة لرجم الشياطين. والورد: الأشقر. والأدهم: الأسود.

يقول: خيله تعارض النجوم المنقضة في السرعة وفي رمي الأعداء، فكما أن النجوم لا يرمى بها إلا الشياطين وتحرقها، فكذلك خيله التي منها الورد والأدهم، تسري إلى الأعداء فتحرقها كالنجوم المنقضة على الشياطين.

يطأن من الأبطال من لا حملنهومن قصد المرّان مالا يقوّم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

القصد: ما تكسر من الرماح، الواحدة: قصدة. والمران: الرماح اللينة والضمير في يطأن: للخيل، والهاء في حملنه لمن.

يقول: تطأ خيله من الشجعان ما لا تحمله الخيل: يعني القتلى. وتطأ الرماح المتكسرة التي لا تقوم. وقوله: من لا حملنه. معناه من لم يحملنه. أقام لا، مقام لم ويجوز أن يكون وحملنه: بمعنى يحملنه. وتقديره يطأن من الأبطال من لا يحملنه، فيكون موافقاً لقوله: ما لا يقوم. وقيل: إنه دعاء. ومعناه من لا أظفره الله على الممدوح وجيشه، ومعناه من يستحق أن يقال: لا حملنه. أي من يستحق هذا الدعاء عليه. وهذا كقوله: فداءه: أي يستحق أن أقول له: جعلت فداءه.

فهنّ مع السّيدان في البرّ عسّلٌوهنّ مع النّينان في الماء عوّم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»
وهنّ مع الغزلان في الواد كمّنٌوهنّ مع العقبان في النّيق حوّم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

السيدان: جمع السيد. وهو الذئب. والعسل: جمع عاسل، وهو المضطرب في عدوه. والنينان: جمع نون، وهو الحوت العظيم. والواد: أصله والوادي فاكتفى بكسر الدال. والنيق: رأس الجبل. والعقبان: جمع عقاب.

يقول: إن خيله قد ملأت البر والبحر والسهل والجبل، ففي البر كالذئاب، وفي البحر كالحيتان، وتكمن مع الغزلان في كل واد، وتحوم مع العقبان في كل نيق فلا موضع يخلو منها.

إذا جلب النّاس الوشيج فإنّهبهنّ وفي لبّاتهنّ يحطّم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

جلب: حمل. والوشيج: أصول الرماح، وأراد به الرماح ها هنا. يعني أن خيله قد تعودت القتال، فإذا جلب الناس الرماح من معادنها، فإنها لا تتكسر إلا في صدورهن، أو بأيدي فرسانه؛ لأنه لا يكون حرب إلا معه.

بغرّته في الحرب والسّلم والحجاوبذل اللها والحمد والمجد معلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

اللها: الدراهم.

يقول: سيف الدولة معلم بغرته، مشهور بوجهه في هذه المواضع، لا يحتاج إلى علامة غيرها؛ لشهرتها. وروى: معلم أي قد أعلم لذلك، أو عليه موضع علامة.

يقرّ له بالفضل من لا يودّهويقضي له بالسّعد من لا ينجّم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

يقول: قد ظهر فضله في الناس، حتى تساوي في الإقرار به الأولياء والأعداء، وثبتت له السعادة، واستمرت له السلامة، حتى تشارك المنجم وغيره بالقضاء له بالسعادة؛ استشهاراً بظاهر الحال فيعتبر به المآل.

أجار على الأيّ؟ ام حتّى ظننتهتطالبه بالرّد عادٌ وجرهم

أجار على الأيام: أي منع جورها عن الناس. وعاد وجرهم: أمتان هلكتا في قديم الزمان.

يقول: إنه أجار جميع النام من حوادث الأيام، حتى ظننت أن عاداً وجرهماً. تجيئان إليه، وتطالبانه بردهما إلى الدنيا، والانتقام لهما من الأيام.

ضلالاً لهذي الريح! ماذا تريده!؟وهدياً لهذا السّيل! ماذا يؤمّم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

ضلالاً، وهديا: نصب على المصدر بفعل مضمر.

كان سيف الدولة زار قبر أمه فأصابه في طريقه ريح فيه مطر فقال للريح: ضلالاً: أي أضلها الله ضلالاً؛ لأنها تزعم أنها عارضته، وأرادت أن تثنيه عن طريقه. ودعا للسيل بالهدى؛ لأنه زعم أنه جاء مع سيف الدولة يزور قبر أمه، ويسقى تربتها.

وقيل: الدعاء على الريح؛ لأنها تضر في الغالب، ودعاء للمطر لأنه ينفع في الأكثر.

ألم يسأل الوبل الّذي رام ثنينافيخبره عنك الحديد المثلّم؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

يقول: هلاّ يسأل هذا المطر الذي أراد صرفنا عن مقصدنا، حتى يخبره عنك الحديد المثلم، بأنك إذا رمت مراماً لم يصدك عنه سيف حسام، فكيف يثنيك المطر والغمام. وأراد بالحديد سلاح الأعداء.

ولمّا تلقّاك السّحاب بصوبهتلقّاه أعلى منه كعباً وأكرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

الصوب: المطر. وأعلى منه كعباً: أي منزلة.

يقول: لما تلقاك السحاب بمطره في طريقك، تلقاه من هو أعلى منه محلاً وأجل منه قدراً.

فباشر وجهاً طالما باشر القناوبلّ ثياباً طالما بلّها الدّم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

يقول: باشر السحاب وجهاً أكثر منه مباشرة للرماح، وبل ثياباً بلها الدم قبل ذلك، فالمطر أهون شيء عنده.

تلاكوبعض الغيث يتبع بعضه من الشّام يتلو الحاذق المتعلّم

يعني يتبعك هذا المطر لأنك غيث مثله، والغيث يتبع بعضه بعضاً كما يتبع المتعلم الأستاذ.

فزار الّتي زارت بك الخيل قبرهاوجشّمه الشّوق الّذي تتجشّم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

فاعل زار: الغيث، ومفعوله التي والذي في موضع نصب؛ لأنه مفعول جشمه، والهاء للغيث.

يقول: زار هذا الغيث قبر والدتك، وكلفه الشوق من السير مثل ما تكلفت أنت، أي هو يشتاق قبرها كما تشتاقه أنت.

ولمّا عرضت الجيش كان بهاؤهعلى الفارس المرخى الذّؤابة منهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

يقول: لما عرضت الجيش، كان بهاء هذا الجيش وجماله بالفارس الذي أرخى ذؤابته. سيف الدولة الممدوح.

حواليه بحرٌ للتّجافيف مائجٌيسير به طودٌ من الخيل أيهم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الطود: الجبل. والأيهم: الصعب الذي لا يهتدي إلى موضع صعوده. والمائج: الفاعل من ماج يموج إذا اضطرب. شبه تجافيف الخيل ببحر يموج لكثرتها وصفائها، وشبه الخيل في اجتماعها بجبل صعب المرتقى، فجعل التجافيف بحراً مائجاً على جبل شاهق.

تساوت به الأقطار حتّى كأنّهيجمّع أشتات الجبال وينظم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

الأقطار: نواحي الأرض، والواحد قطر وقتر والهاء في به للجيش، أو للبحر أو للقطر.

والمعنى: أن هذا الجيش قد ملأ بين الجبال حتى تساوت به جميع نواحي الأرض، وصارت الأرض جبالاً؛ فكأنه جمع الجبال المتفرقة. وروى: أشتات البلاد.

وكلّ فتىً للحرب فوق جبينهمن الضّرب سطرٌ بالأسنّة معجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

يقول: كل واحد من هذا الجيش فوق جبينه أثر الضرب والطعن؛ لشجاعته وتعوده الحرب. فشبه أثر الضرب بالسطر لا ستطالتها كالسطر وأثر الطعن بالمعجم؛ لاستدارته كالنقط، وهو أحسن من قول أبي تمام:

كتبت أوجههم مشقاً ونمنمةًضرباً وطعناً يقدّ الهام والصّلفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا»
كتابة لآتنى مقروءةً أبداًوما كتبت بها لاما ولا ألفا
يمدّ يديه في المفاضة ضيغمٌوعينيه من تحت التّريكة أرقم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

المفاضة: الدرع الواسعة. والتريكة: البيضة. والأرقم: ضرب من الحيات منقط كأنه مرقوم، بما عليه من النقط. والهاء في يديه يعود إلى الفتى، وقيل: إلى الضيغم. وفي عينيه إلى الأرقم؛ لأنه المقدم في المعنى، وإن تأخر في اللفظ. وعينيه عطفاً على يديه شبه ساعدي الفتى في الدرع، بساعدي الأسد، وعينيه تحت البيضة، بعيني الحية.

كأجناسها راياتها وشعارهاوما لبسته والسّلاح المسمّ؟ م
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

الشعار: العلامة التي يتعارف بها أهل الحرب. والمسمم: المسقى السم. وروى: المسه وهي التأنيث كله للخيل. وقيل في معنى البيت وجوه.

أحدها: أن هذا الجيش كثير مختلف، اجتمع فيه كل أمة من الجند، وكما اختلفت هذه الأجناد، كذلك اختلفت شعارها وأعلامها وسلاحها. فكل طائفة على هيئة مخالفة لغيرها من الطوائف. كقوله:

في موضع تجمع فيه كل إنس وأمة

هذا ما ذكره المخزومي.

وثانيها: أنه كلما اختلفت ألوان الخيل وأجناسها وأنواع الرجال وأجنادها، كذلك الرايات والسلاح والشعار فإنهم في هيئات الأسود والعقبان، فالأسود من جنس الرجال، والعقبان من جنس الأفراس، وشعارها مختلفة الألوان كألوان هذه الخيل، وما لبسته من الحديد، ففي الخيل والرجال صلابة مثله:

وهم في النفاد والهلاك كالسلاح المسمم

وثالثها: معناه أن جنسها كالحديد في صبره على التعب والقتال، ونداؤهم باسم الحديد لأنهم يتنادون بشعار سيف الدولة المنصور، والسيف: حديد، وما لبسته من التجافيف والجواشن، وهي أيضاً حديد، والسلاح حديد، وعلى الرايات اسم سيف الدولة وهو حديد، ولأنه جعل الرماح رايات.

وقال ابن جني: معناه أن عسكره كله عربي. خيله وشعاره وملبوسه وسلاحه.

وأدّبها طول القتال فطرفهيشير إليها من بعيدٍ فتفهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

الهاء في أدبها وإليها للخيل. وتفهم فعل الخيل، والهاء في طرفه لك فتى.

يقول: إن خيله تأدبت بآداب القتال، فإذا أشار صاحبها إليها من بعيد فهمت مراده، فجاءت إليه مسرعة. وروى: طول القياد وطول الطراد.

تجاوبه فعلاً وما تسمع الوحىويسمعها لحظاً وما يتكلّم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الوحى: الصوت. يقول: إن صاحبها إذا دعاها بلحظه وإشارته، أجابت بالفعل والمجيء، وإن لم تسمع صوته.

تجانف عن ذات اليمين كأنّهاترقّ لميّا فارقين وترحم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

تجانف: أي تتجانف، فحذف التاء، أي تميل.

يقول: إن الخيل عدلت عن ميا فارقين وأخذت في جانب فكأنها ترحمها، وكانت ميا فارقين عن يمين هذه الخيل وهي من جملة ممالكه فلم يتعرض لها لأن القصد كان إلى ديار الروم.

ولو زحمتها بالمناكب زحمةًدرت أيّ سورينا الضّعيف المهدّم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لو زحمت الخيل ميا فارقين بمناكبها، لكانت تدري أي السورين أضعف سورها أم سور الخيل؟ يعني جعل الخيل سوراً؛ لثباتها وبعد انزعاجها عن موضعها بإزعاج مزعج، والتصاقها للحرب، ومعناه: لو لم تعدل عنها، ونزلت عليها؛ لهدمت سورها.

قال ابن حني: وحكى أن المتنبي أنشده هذه القصيدة عصراً، فسقط سور ميا فارقين ليلاً، وكان السور جاهلياً.

على كلّ طاوٍ تحت طاوٍ كأنّهمن الدّم يسقى أو من اللّحم يطعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

الطاوي: الضامر، واللطيف البطن، وقوله: كأنه يرجع إلى الطاوي الأول، وهي الفرس.

يقول: على كل فرس ضامر، فارسٌ مثله في الضمور. فكأن هذا الفرس سقى من الدم، وأطعم من اللحم.

قيل فيه وجوه: منها: كأنه ذئب يأكل اللحم ويشرب الدم، فهو يهجم بفارسه على الحرب كما يهجم الذئب على الصيد.

وثانيها: كأنه يأكل لحم نفسه، ويشرب دم نفسه. مبالغة في وصفة بالضمور، والهزال؛ لاعتياده القتال.

والثالث: أراد أنه أطعم لحوم الأعداء وسقى دماؤهم، فهو مجد في طلبهم اقتداء بما مضى من العادة.

لها في الوغى زيّ الفوارس فوقهافكلّ حصانٍ دارعٌ متلثّم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.