من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)
شَوَاهِد الْوَصْل والفصل (٢)
وَعَن أبي دهمان العلائي قَالَ مَرَرْت ببشار يَوْمًا وَهُوَ جَالس على بَاب
دَاره وَحده وَلَيْسَ مَعَه أحد وَبِيَدِهِ مخصرة يلْعَب بهَا وقدامه طبق فِيهِ تفاح وأترج فَلَمَّا رَأَيْته وَلَيْسَ عِنْده أحد تاقت نَفسِي إِلَى أَن أسرق مِمَّا بَين يَدَيْهِ فَجئْت من خَلفه قَلِيلا قَلِيلا وَهُوَ كافٌ يَده حَتَّى مددت يَدي لأتناول مِنْهُ فَرفع الْقَضِيب وَضرب بِهِ يَدي ضَرْبَة كَاد يكسرها فَقلت لَهُ قطع الله يدك يَا ابْن الفاعلة أَنْت الْآن أعمى فَقَالَ يَا أَحمَق فَأَيْنَ الْحس
وَقعد إِلَى بشار رجلٌ فاستثقله فضرط عَلَيْهِ بشار ضرطة فَظن الرجل أَنَّهَا أفلتت مِنْهُ ثمَّ ضرط أُخْرَى فَقَالَ أفلتت ثمَّ ضرط ثَالِثَة فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا معَاذ مَا هَذَا فَقَالَ مَه أَرَأَيْت أم سَمِعت قَالَ لَا بل سَمِعت صَوتا قبيحاً فَقَالَ لَهُ لَا تصدق حَتَّى ترى
وَحدث مُحَمَّد بن الْحجَّاج قَالَ جَاءَنَا بشار يَوْمًا وَهُوَ مُغْتَم فَقُلْنَا لَهُ مَا لَك مغتماً فَقَالَ مَاتَ حماري فرأيته فِي النّوم فَقلت لَهُ لم مت ألم أكن أحسن إِلَيْك فَقَالَ
سَيِّدي خُذ بِي أَتَانَاعِنْد بابِ الإِصبهاني
تَيَّمتني ببنانٍوبِدَلٍّ قد شجاني
تَيَّمتني يَوْم رحنابثناياها الحسان
وبِغَنْجٍ وَدلالٍسلَّ جسمي وبراني
وَلها خدٌّ أَسيلٌمثلُ خدِّ الشَّنْفَرَانِي
(فَلِذَا مُتُّ وَلَو عِشْت إِذاً طَال هواني ...) // من مجزوء الرمل //
فَقلت لَهُ مَا الشنفراني قَالَ مَا يدريني هَذَا من غَرِيب الْحمار فَإِذا لَقيته فَاسْأَلْهُ عَنهُ
وَقَالَ الجاحظ كَانَ بشارٌ يدين بالرجعة وَيكفر جَمِيع الْأُمَم ويصوب رَأْي إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة فِي تَقْدِيم عنصر النَّار على الطين وَذكر ذَلِك فِي شعره فَقَالَ
الأرضُ مظلمةٌ والنارُ مشرقةٌوالنارُ معبودةٌ مذ كانتِ النارُ) // الْبَسِيط //
وَكَانَ الشَّرّ قد نشب بَين بشار وَحَمَّاد عجرد لأمور يطول ذكرهَا فَكَانَا يتقارضان الهجاء فأجمع عُلَمَاء الْبَصْرَة أَنه لَيْسَ فِي هجاء حَمَّاد عجرد لبشار شَيْء جيد إِلَّا أَرْبَعِينَ بَيْتا مَعْدُودَة ولبشار فِيهِ من الهجاء أَكثر من ألف بَيت جيد وكل وَاحِد مِنْهُمَا هُوَ الَّذِي هتك صَاحبه بالزندقة وأظهرها عَلَيْهِ وَكَانَا يَجْتَمِعَانِ عَلَيْهَا فَسقط حَمَّاد عجرد وتهتك بِفضل بلاغة بشار وجودة مَعَانِيه وَبَقِي بشار على حَاله لم يسْقط وَعرف مذْهبه فِي الزندقة فَقتل بِهِ
وَكَانَ رجل من أهل الْبَصْرَة يدْخل بَين حَمَّاد وبشار على اتِّفَاق مِنْهُمَا وَرَضي بِأَن ينْقل إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا يَقُول الآخر من الشّعْر فَدخل يَوْمًا على بشار فَقَالَ لَهُ بشار إيه يَا فلَان مَا قَالَ ابْن الزَّانِيَة فِي من الشّعْر فأنشده
إِن تاه بَشَّار عَلَيْكُم فقدأمكنتْ بَشَّاراً من التِّيهِ) // السَّرِيع //
فقاق بشار بِأَيّ شَيْء وَيحك فَقَالَ
وَذَاكَ إِذْ سميتُه باسمِهِوَلم يكن حُرٌّ يُسَمِّيهِ
فَقَالَ سخنت عينه فَبِأَي شَيْء كنت أعرف إيه فَقَالَ
فَصَارَ إنِساناً بِذِكْرِي لهُمَا يَبْتَغِي من بعدِ ذِكْرِيه
فَقَالَ مَا صنع شَيْئا إيه وَيحك فَقَالَ
لم أهْجُ بَشَّاراً ولكننيهجوْتُ نَفسِي بِهِجَائِيهِ
فَقَالَ على هَذَا الْمَعْنى دَار وَحَوله حام إيه أَيْضا وَأي شَيْء قَالَ فأنشده
أَنت ابنَ بُرْدٍ مثل بردفِي النذالةِ والرَّذالَهْ
مَن كَانَ مثلَ أبيكَ يَاأعمى أبوهُ فَلَا أبَاً لَهُ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَحدث خالدٌ الأرقط قَالَ أنْشد بشاراً رِوَايَته قَول جماد عجرد فِيهِ
دُعِيتَ إِلَى بُرْدٍ وَأنت لغيرِهِفَهَبْكَ لِبُرْدٍ نكت أمّك من برد) // الطَّوِيل //
فَقَالَ بشار لروايته هَا هُنَا أحد قَالَ لَا فَقَالَ أحسن وَالله مَا شَاءَ ابْن الزَّانِيَة
وَقَالَ بشار يَوْمًا لراوية حَمَّاد مَا هجاني بِهِ الْيَوْم حَمَّاد فأنشده
(أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عني الَّذِي والِدُهُ برد ...) // الهزج //
قَالَ صدق ابْن الفاعلة فَمَا قَالَ بعده فأنشده
إذَا مَا نُسِبَ الناسُفَلَا قبلٌ وَلَا بعدُ
فَقَالَ كذب أَيْن الفاعلة وَأَيْنَ هَذِه العرضات من عقيل فَمَا قَالَ فأنشده
وأعمَى قلْطُبَانٌ مَاعلى قاذِفِهِ حَدُّ
فَقَالَ كذب ابْن الفاعلة بل ثَمَانُون جلدَة عَلَيْهِ هِيهِ فَقَالَ
وأعمى يُشْبِهُ القِرْدَإِذا مَا عَمِىَ الْقِرْدُ
فَقَالَ وَالله مَا أَخطَأ ابْن الزَّانِيَة حِين شبهني بقرد حَسبك حَسبك ثمَّ صفق بيدَيْهِ وَقَالَ مَا حيلتي يراني فيشبهني وَلَا أرَاهُ فأشبهه
وَفِي حَمَّاد عجردٍ يَقُول بشار
مَا لُمْتُ حمّاداً على فسْقِهِيَلومُهُ الجَاهلُ والْمَائِقُ
وَمَا هُمَا مِنْ أيره واستهمَلَّكَهُ إِيّاهُمَا الخالِقُ
مَا بَات إِلَّا فْوقَهُ فاسقٌيَنيكه أَو تَحْتَهُ فَاسق) // السَّرِيع //
قَالَ ابْن أبي سعيد وأبلغ مَا هجا بِهِ حَمَّاد عجرد بشاراً قَوْله
نَهارُه أخبثُ من ليلهِويومُهُ أَخبثُ مِنْ أمْسِهِ
وَلَيْسَ بالْمُقْلِع عَن غَيِّهِحَتَّى يُوارَي فِي ثرى رمسه) // السَّرِيع //
قَالَ وَكَانَ أغْلظ على بشار من ذَلِك كُله وأوجعه لَهُ قَوْله فِيهِ
لوْ طُليَتْ جِلدَتُهُ عنَبراًلأفْسَدَتْ جِلدَتُهُ العنبرا
أوْ طُلِيَتْ مِسكاً ذَكِياً إذَاتحوّلَ المسكُ عليهِ خرا) // السَّرِيع //
قَالَ وَكَانَ حَمَّاد عجردٍ قد اتَّصل بِالربيعِ يُؤَدب وَلَده فَكتب إِلَيْهِ بشار رقْعَة فأوصلت إِلَى الرّبيع فَإِذا فِيهَا مَكْتُوب
يَا أَبَا الْفضل لَا تَنمْوقعَ الذئبُ فِي الغنمْ
إنَّ حَمَّادَ عَجرَدٍإِن رَأى غفَلةً هجمْ
بَينَ فَخذَيهِ حربةٌفِي غِلَاف منَ الأدمْ
إِنْ خَلَا الْبَيْتُ سَاعَةًمَجْمَجَ المِيمَ بالقَلَمْ) // من مجزوء الْخَفِيف //
فَلَمَّا قَرَأَهَا الرّبيع قَالَ صيرني حَمَّاد دريئة الشُّعَرَاء أخرجُوا عني حماداً فَأخْرج
وَقد فعل مثل هَذَا بِعَيْنِه حَمَّاد عجرد بقطرب حِين اتخذ مؤدباً لبَعض ولد الْمهْدي وَكَانَ هُوَ يطْمع فِي ذَلِك فَلم يتم لَهُ لشهرته فِي النَّاس بِمَا قَالَه فِيهِ بشار فَلَمَّا تمكن قطرب فِي مَوْضِعه صَار حَمَّاد كالملقي على الرصد فَجعل يقوم وَيقْعد بقطرب فِي النَّاس ثمَّ أَخذ رقْعَة فَكتب فِيهَا
قُلْ لِلإمام جزَاكَ اللهُ صَالِحَةلَا تَجْمَعِ الدهرَ بينَ السخل والذِّيبِ
السَخْلُ غِرٌّ وهمُّ الذئبِ فرْصتهوالذئبُ يعلمُ مَا فِي السخل من طيب) // الْبَسِيط //
فَلَمَّا قَرَأَ الْمهْدي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ قَالَ انْظُرُوا لَا يكون هَذَا الْمُؤَدب لوطياً ثمَّ قَالَ انفوه عَن الدَّار فَأخْرج عَنْهَا وَجِيء بمؤدب غَيره ووكل بولده تسعون خَادِمًا بنوابها يَحْفَظُونَهُ فَخرج قطرب هَارِبا مِمَّا شهر بِهِ إِلَى الكرج فَأَقَامَ هُنَالك إِلَى أَن مَاتَ
وَكَانَ بشار بلغه أَن حماداً عليلٌ ثمَّ نعى إِلَيْهِ قبل مَوته فَقَالَ بشار
لَو عَاشَ حَمّادٌ لَهْونَا بهِلَكنهُ صارَ إِلَى النَّارِ) // السَّرِيع //
فَبلغ هَذَا الْبَيْت حماداً قبل مَوته وَهُوَ فِي السِّيَاق فَقَالَ يرد عَلَيْهِ
(نُبئتُ بشاراً نعانِي وللموْتِ بِرَاني الخَالقُ البارِي ...)
يَا لَيْتَني مِتُّ وَلم أهْجُهُنَعمْ ولوْ صرتُ إِلَى النَّارِ
وأيُّ خِزْيٍ هُوَ أخْزَى من أَنيُقَال لي يَا سِبّ بشار) // السَّرِيع //
وَكَانَ حَمَّاد قد نزل بالأهواز على سليم بن سَالم فَأَقَامَ عِنْده مُدَّة مستتراً من
مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ثمَّ خرج من عِنْده يُرِيد الْبَصْرَة فَمر بشيراز فِي طَرِيقه فَمَرض بهَا فاضطر إِلَى الْمقَام بهَا بِسَبَب علته وَاشْتَدَّ مَرضه فَمَاتَ هُنَاكَ وَدفن على تلعة
ثمَّ إِن الْمهْدي لما قتل بشاراً بالبطيحة اتّفق أَنه حمل إِلَى منزله مَيتا فَدفن مَعَ حَمَّاد على تِلْكَ التلعة فَمر بهما هِشَام الْبَاهِلِيّ الشَّاعِر الْبَصْرِيّ الَّذِي كَانَ يهاجي بشاراً فَوقف على قبريهما وَقَالَ
قدْ تبعَ الأعمَى قَفَا عَجْرَدٍفأصبحَا جارَين فِي دَار
قالتْ بقَاعُ الأَرْض لَا مَرْحباًبقُرْبِ حَمَادٍ وبشارِ
تجاوَرَا بعدَ تنائِيهمَامَا أبغضَ الجارَ إِلَى الجارِ
صارَا جَمِيعًا فِي يَدي مالكٍفِي النارِ والكافِرُ فِي النَّار) // السَّرِيع //
وَكَانَ السَّبَب فِي قتل الْمهْدي بشاراً أَنه كَانَ نَهَاهُ عَن التشبيب فمدحه بقصيدة فَلم يحظ مِنْهُ بِشَيْء فهجاه فَقَالَ من قصيدة
خَليفةٌ يَزْني بعمّاتِهِيَلْعَبُ بالدّبُّوقِ والصَّولجَانْ
أَبدَلنَا الله بهِ غيرَهُودسَّ مُوسَى فِي حِرِ الخيزُرَانْ) // السَّرِيع //
وأنشدها فِي حَلقَة يُونُس النَّحْوِيّ فسعى بِهِ إِلَى يَعْقُوب بن دَاوُد الْوَزير وَكَانَ بشار قد هجاه بقوله
بنِي أميةَ هُبّوا طَالَ نوْمُكْمُإنّ الخليفةَ يعقوبُ بنُ دَاوُد
ضاعتْ خلافَتُكُمْ يَا قومُ فالْتَمِسُواخَليفةَ الله بَين الزق وَالْعود) // الْبَسِيط //
فَدخل يَعْقُوب على الْمهْدي فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن هَذَا الْأَعْمَى الملحد الزنديق قد هجاك قَالَ بِأَيّ شَيْء قَالَ بِمَا لَا ينْطق بِهِ لساني وَلَا يتوهمه فكري فَقَالَ بحياتي أَنْشدني إِيَّاه فَقَالَ وَالله لَو خيرتني بَين إنشادي إِيَّاه وَضرب عنقِي لاخترت ضرب عنقِي فَحلف عَلَيْهِ الْمهْدي بالأيمان الَّتِي لَا فسحة لَهُ فِيهَا فَقَالَ أما لفظا فَلَا ولكنني أكتب ذَلِك فَكَتبهُ وَدفعه فكاد ينشق غيظاً وَعمل على الانحدار إِلَى الْبَصْرَة لينْظر فِي أمرهَا وَمَا فِي فكره غير بشار فانحدر فَلَمَّا بلغ إِلَى البطيحة سمع أذاناً فِي وَقت إضحاء النَّهَار فَقَالَ انْظُرُوا مَا هَذَا الْأَذَان فَإِذا بشار سَكرَان فَقَالَ لَهُ يَا زنديق يَا عاض بظر أمه عجبت أَن يكون هَذَا من غَيْرك أتلهو بِالْأَذَانِ فِي غير وَقت صَلَاة وَأَنت سَكرَان ثمَّ دَعَا بِابْن نهيك فَأمره بضربه بِالسَّوْطِ فَضَربهُ بَين يَدَيْهِ على صدر الحراقة سبعين سَوْطًا أتْلفه فِيهَا فَكَانَ إِذا أَصَابَهُ السَّوْط يَقُول حس وَهِي كلمة تَقُولهَا الْعَرَب للشَّيْء إِذا أوجع فَقَالَ انْظُر إِلَى زندقته يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول حس وَلَا يَقُول بِسم الله فَقَالَ وَيلك أطعام هُوَ فأسمي عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ آخر أَفلا قلت الْحَمد لله فَقَالَ أَو نعْمَة هِيَ فَأَحْمَد الله عَلَيْهَا فَلَمَّا استوفى السّبْعين بَان الْمَوْت فِيهِ فألقي فِي سفينة حَتَّى مَاتَ ثمَّ رمى بِهِ فِي البطيحة فجَاء بعض أَهله فَحَمَلُوهُ إِلَى الْبَصْرَة فدفنوه إِلَى جَانب حَمَّاد عجرد كَمَا قدمْنَاهُ
وَقَالَ أَبُو هِشَام الْبَاهِلِيّ فِيهِ
يَا بؤس ميتٍ لم يبكه أحدُأجلْ وَلم يفتقدهُ مُفتَقِدُ
لَا أمُّ أَوْلَاده بَكتهُ وَلميَبْكِ عَلَيْهِ لفُرقةٍ أحَدُ
وَلَا ابنُ أختٍ يبكي وَلَا ابْن أَخوَلَا حَميمٌ رَقَّتْ لَهُ كَبِدُ
بَلْ زَعَمُوا أَن أهَلُه فَرحالما أَتَاهُم نَعِيُّه سجدوا) // المنسرح //
وَكَانَ بشار يُعْطي أَبَا الشمقمق فِي كل سنة مِائَتي دِرْهَم فاتاه فِي بعض السنين فَقَالَ لَهُ هَلُمَّ الْجِزْيَة يَا أَبَا معَاذ فَقَالَ وَيحك أوجزية هِيَ أَيْضا قَالَ هُوَ مَا تسمع فَقَالَ لَهُ بشار يمازحه أَنْت أفْصح مني قَالَ لَا قَالَ فَأعْلم مني بمثالب النَّاس قَالَ لَا قَالَ فأشعر مني قَالَ لَا قَالَ فَلم أُعْطِيك قَالَ لِئَلَّا أهجوك فَقَالَ لَهُ إِن هجوتني هجوتك فَقَالَ لَهُ أَبُو الشمقمق أَو هَكَذَا هُوَ قَالَ نعم فَقل مَا بدا لَك فَقَالَ أَبُو الشمقمق
إِني إِذا مَا شاعِرٌ هَجانيهْولَجَّ فِي القَوْلِ لَهُ لِسانِيهْ
أدخَلْتُه فِي أسْتِ أمه علانيهْبشارُ يَا بشار ... .....) // الرجز //
وَأَرَادَ أَن يَقُول يَا ابْن الزَّانِيَة فَوَثَبَ بشار فَأمْسك فَاه وَقَالَ أَرَادَ وَالله أَن يَشْتمنِي ثمَّ دفع إِلَيْهِ مِائَتي دِرْهَم وَقَالَ لَا يسمعن مِنْك هَذَا الصّبيان
وَحدث الْأَصْمَعِي قَالَ أَمر عقبَة بن سلم لبشار بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم فَأخْبر أَبُو الشمقمق بذلك فَوَافى بشاراً فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا معَاذ إِنِّي مَرَرْت بصبيان فَسَمِعتهمْ ينشدون
هللينه هللينهطعْنُ قِثَّاةٍ لتينَهْ
إِن بشار بن بردتَيْس أعمى فِي سفينة) // من مجزوء الرمل //
فَأخْرج لَهُ بشار مِائَتي دِرْهَم وَقَالَ خُذ هَذِه وَلَا تكن رِوَايَة للصبيان يَا أَبَا الشمقمق
وَلما ضرب بشار وَطرح فِي السَّفِينَة قَالَ لَيْت عين أبي الشمقمق تراني حَيْثُ يَقُول
إِن بشار بن بردتَيْس أعمى فِي سفينة
وَكَانَ قَتله سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة وَقد بلغ نيفاً وَتِسْعين سنة
وَمن شعره قَوْله
طالَبْتُها دَيْناً فَضّنت بِهِوأمسَكت قَلبي مَعَ الدينِ
فَرُحتُ كالْعَيْرِ غَدا يَبْتَغِيقَرْناً فَلم يرجع بأذنينِ
أعتقتُ مَا أمْلِكُ إِن لم أكُنْأحب أَن ألقاكِ فالقَيْني
وَالله لَو نِلْتُكِ لَا أتَّقيعينا لقَبَّلتُكِ أَلفَيْنِ) // السَّرِيع //
قَوْله فرحت كالعير الْبَيْت مثل قَول بَعضهم
ذهبَ الحمارُ ليَستفيدَ لنفسهِقرنا فآب وَمَاله أذنان) // الْكَامِل //
وَمن شعره قَوْله
(خيرُ إخوانِكَ المُشارك فِي المرِّ وأينَ الشَّريكُ فِي المر أيناش ...)
(الَّذِي إِن شَهِدْتَ سَرَّك فِي الحيِّ وَإِن غِبْتَ كانَ أذنا وعَينا ...)
(مثلُ سرِّ الياقوتِ إِن مسَّه النَّار جَلاهُ البلاءُ فازدادَ زَينَا ...)
أَنْت فِي مَعشرٍ إِذا غبتَ عَنْهُمبَدَّلوا كل مَا يزينُكَ شيْنَا
وَإِذا مَا رأَوْكَ قَالُوا جَميعاًأَنْت من أكْرم البَرَايا عَلَينا
مَا أرَى للأنام وُدَّاً صَحِيحاعادَ كل الوِداد زوراً ومَيْنَا) // الْخَفِيف //
فَقُلْتُ عَسى أَن تُبْصِريني كَأَنَّمَابَنِىَّ حوالَيَّ الأسودُ الحوارِدُ
الْبَيْت من الطَّوِيل قَائِله الفرزدق من جملَة أَبْيَات قَالَهَا مُخَاطبا لزوجته النوار
وَكَانَ قد مكث زَمَانا لَا يُولد لَهُ فَعَيَّرْته بذلك وَأول الأبيات
وَقَالَت أراهُ وَاحِدًا لَا أَخا لَهُيُؤَمِّلُهُ يَوْمًا هُوَ وَالِد) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
فَإِن تَميماً قبلَ أَن يلد الْحَصَاأقامَ زَمَانا وَهُوَ فِي النَّاس واحدُ) // الطَّوِيل //
والحوارد من حرد إِذا غضب
وَالشَّاهِد فِيهِ ترك الْوَاو فِي الْجُمْلَة الإسمية الحالية لدُخُول حرف على الْمُبْتَدَأ أيحصل بِهِ نوع من الارتباط وَهُوَ هُنَا كَأَن إِذْ لَو لم تدخل لما حسن الْكَلَام إِلَّا بِالْوَاو وَبني إِلَخ جملَة اسمية وَقعت حَالا من مفعول تبصرني وَمعنى حوالي فِي أكنافي وجوانبي وَهُوَ حَال من بنى لما فِي حرف التَّشْبِيه من معنى الْفِعْل
وَالله يُبْقيك لنَا سالمابُردَاكَ تبجيلٌ وتَعظيمُ
الْبَيْت لِابْنِ الرُّومِي من قصيدة من السَّرِيع مِنْهَا قبل الْبَيْت
قَلَّ لَهُ الملْكُ وَلَو أَنهمجموعَةٌ فِيهِ الأقاليم) // السَّرِيع //
والتبجيل التَّعْظِيم
وَالشَّاهِد فِيهِ ترك الْوَاو فِي الْجُمْلَة الإسمية الحالية وَهِي برداك إِلَخ لوقوعها بعقب حَال مُفْرد وَهُوَ سالما إِذْ لَو لم يتقدمها لم يحسن فِيهَا ترك الْوَاو والحالان أَعنِي الْجُمْلَة وسالماً يجوز أَن يَكُونَا من الْأَحْوَال المترادفة وَهِي أَن تكون أَحْوَال المتداخلة وَهِي أَن يكون صَاحب الْحَال الْمُتَأَخِّرَة الِاسْم الَّذِي يشْتَمل عَلَيْهِ الْحَال السَّابِقَة مثل أَن يَجْعَل قَوْله برداك تَعْظِيم حَالا من الضَّمِير فِي سالما
وَابْن الرُّومِي تقدم ذكره فِي شَوَاهِد الْمسند إِلَيْهِ
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع