من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)
شَوَاهِد الْمسند إِلَيْهِ (٣)
وَمَا أحسن قَول ابْن لنكك
فعاقل مَا تُبَلُّ أنملُهُوجاهلٌ باليدين يغترف) // المنسرح //
وَقَول الآخر
زمَان تَحيرتُ فِي أمرهكثيرُ التَّعدي على حُرهِ
فَللوغْدِ مَا شِئْت من نَفعهِوللحُر مَا شِئْت من ضُرهِ
وأعجبُ مَا فِي تصاريفهصيالُ البعوضِ على صقره) // المتقارب //
وَقَول الآخر
وَغْدٌ لَهُ نِعمةٌ مُؤثَّلةوَسَيدٌ لإَ يزَال يقترض) // المنسرح //
ومدار ذَلِك جَمِيعه على الْحَظ وَعَدَمه وَمَا أحسن قَول ابْن الْخياط الدِّمَشْقِي فِيهِ أَيْضا
وَما زَالَ شُؤمُ الحْظِّ منْ كلِّ طَالبٍكَفيلاً بِبعدِ المْطلبِ المْتَدَاني
وَقد يُحرَمُ الجَلْدُ الحَريصُ مَرامهُوَيُعطَى مُناهُ الْعَاجِز المتواني) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر
قَد يُرزقُ المْرءُ لَا مِنْ حُسنِ حِيلتهِوَيُصرَف المَال عَنْ ذِي الحيلةِ الداهي) // الْبَسِيط //
وَقَول الآخر
إِن الْمَقَادِير إِذا ساعدتألحقت الْعَاجِز بالقادر) // السَّرِيع //
وَمَا أحسن قَول عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر
يَا مِحْنَةَ الدَّهْر كُفِّيإِنْ لَمْ تكُفِّي فخفيِّ
مَا آنَ أَنْ تَرحَمِينَامِنْ طول هَذَا التَّشفّي
فَلَا عُلومِيَ تُجْدِيولَا صناعَة كفيِّ
ثَورٌ ينَال الثريَّاوعَالِمٌ متحفيِّ
ذَهَبْتُ أطلبُ بخْتِيفَقيل لي قد توفّي) // المجتث //
وَمن الغايات فِي هَذَا الْبَاب قَول الإِمَام الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى
لَوْ أنَّ بالحيلِ الْغَنِيّ لوجدتنيِبنجومِ أفلاكِ السَّمَاء تعلُّقي
لكنَّ من رُزِق الحجا حُرِمَ الْغنىضدّان مفترقان أَي تفرُّق
فَإِذا سمعتَ بأنَّ محروماً أَتَىمَاء ليشربه فغاضَ فصدِّق
أَو أنّ محظوظاً غَدا فِي كَفهعُودٌ فأورَقَ فِي يَدَيْهِ فحقِّقِ
ومنَ الدَّلِيل على الْقَضَاء وَكَونهبُؤسُ اللبيب وطيبُ عَيْش الأحمق) // الْكَامِل //
ولبعضهم فِي مَعْنَاهُ
لَو وردتُ البحارَ أطلبُ مَاءجفَّ عِنْد الْوُرُود ماءُ البحارِ
أَو رُمى باسميَ النجومُ الدراريلانزوى ضؤوها عَن الْأَبْصَار
أَو لمستُ العودَ النضيرَ بكفيلذَوي بعدَ نعمةٍ واخضرارِ
وَلَو أَنِّي بعتُ القناديلَ يَوْمًاأُدْغمَ الليلُ فِي بياضِ النهارِ) // الْخَفِيف //
وَمثله قَول بَعضهم
وَلما لمستُ الرزق فانجد حبلهُوَلم يصفْ لي من بحره العذب مشربُ
(خطبت إِلَى الإعدام إِحْدَى بَنَاته ... فزّجنيها الفقرُ إِذْ جئتُ أخطبُ) فأولدتها الحزنَ الشقيّ فمالهُ ... على الأَرْض غَيْرِي والدٌ حِين ينسبُ)
فَلَو تهتُ فِي الْبَيْدَاء والليلُ مسبلٌعليّ جناحيه لما لَاحَ كوكبُ
وَلو خفتُ شِراً فاستترتُ بظلمةٍلأقبلَ ضوءُ الشَّمْس من حَيْثُ تغربُ
وَلو جادَ إنسانٌ عليّ بِدرهمٍلَرُحْتُ إِلَى رحلي وَفِي الْكَفّ عقربُ
وَلو يُمْطَر الناسُ الدَّنَانِير لم يكنْبشيءٍ سوى الْحَصْبَاء رأسيَ يُحْصَبُ
وَإِن يَقْترف ذَنبا ببرقةً مذنبٌفإنَّ برأسي ذَلِك الذنبَ يُعْصَبُ
وَإِن أرَ خيرا فِي الْمَنَام فنازحٌوَإِن أرَ شرا فَهْوَ مِنِّي مقرَّبُ
أَمَامِي من الحرمان جيشٌ عرمرمٌوَمِنْه ورائي جحفل حينَ أركب) // الطَّوِيل //
وَقَول الآخر
وَلَو ركبتُ البحارَ صَارَت فجاجاًلَا ترَى فِي متونها أمواجَا
(وَلَو أَنِّي وضعتُ ياقوتةً حَمْرَاء فِي راحتي لَصَارَتْ زجاجّاً ...)
وَلَو أَنِّي وردْتُ عذباً فراتاًعَاد لَا شكَّ فِيهِ ملحا أجاجا) // الْخَفِيف //
وَمَا أحسن قَول أبي الْأسود الدؤَلِي
الْمَرْء يحمد سَعْيه من جدهحَتَّى يُزَيَّن بِالَّذِي لم يَعملِ
وَترى الشقي إِذا تكامَلَ جدهيَرْمِي ويقذفُ بِالَّذِي لم يفعل) // الْكَامِل //
وبديع قَول أبي الْعَلَاء المعري
سيطلبني رِزْقِي الَّذِي لَو طلبتهُلما زَاد وَالدُّنْيَا حظوظ وإقبالُ
إِذا صدقَ الجدُّ افترى العمُّ للفتىمَكَارِم لَا تكري وَإِن كذب الْخَال) // الطَّوِيل //
الْجد هُنَا الْحَظ وَالْعم الْجَمَاعَة وتكرى من كرى الزَّاد إِذا نقص افترى كذب وَالْخَال المخيلة
وظريف هُنَا قَول ابْن شرف القيرواني
إِذا صحبَ الْفَتى سعدٌ وجَدٌّتحامته المكاره والخطوبُ
ووافاه الحبيب بغيرِ وعدٍطُفيْليّاً وقادَ لَهُ الرقيبُ
وعدّ النَّاس ضرطته غناءوَقَالُوا إِن فسا قد فاح طيب) // الوافر //
وَقد أَخذه ابْن النَّقِيب فَقَالَ
لَو لَحَنَ الْمُوسر فِي مجْلِسلقيل عَنهُ إِنَّه يُعْرب
وَلَو فَسا يَوْمًا لقالوا لَهُمن أينَ هَذَا النَّفَسُ الطّيب) // السَّرِيع //
وَقَول أبي الْعَلَاء المعري غَايَة هُنَا وَهُوَ
لَا تطلبنّ بآلةٍ لَك رُتْبَةقلم البليغ بغيرِ حَظٍ مغزل
سكن السما كَانَ السَّمَاء كِلَاهُمَاهَذَا لَهُ رمحٌ وَهَذَا أعزل) // الْكَامِل //
وَقد أَخذ أَبُو إِسْحَاق الْغَزِّي هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ
الْحسن والقبح قد تحويهما صفةٌشان الْبيَاض وزان الشيب والشنبا
ظُبّا الْمُحَارَفِ أقلامٌ مكسرةٌرؤوسهنّ وَأَقْلَام السعيد ظبا) // الْبَسِيط //
وَله أَيْضا
لَا تعتبنّ الزَّمَان إِن ذهبتنيوب لَيْث العَرين منْ نُوَبه
فالحول لَوْلَا الجدود مَا قصرتأيْدِي جُمَاداه عَن عُلا رجبه) // المنسرح //
وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى الصّلاح الصَّفَدِي فَقَالَ
لئنْ رُحْتُ مَعْ فضلي منَ الْحَظ خَالِياوغيرِي على نقض بِهِ قد غَدا حَالي
فَإِنِّي كشهر الصَّوْم أصبح عاطلاًوطَوْقُ هِلَال الْعِيد فِي جيد شَوَّال) // الطَّوِيل //
بل رُبمَا أَخذه من قَول ابْن قلاقس فَإِنَّهُ أصرح مِنْهُ حَيْثُ قَالَ
إِن تأخَّرْتُ فالمحرم عطلمن حُلي العيدِ وَهِي فِي شَوَّال) // الْخَفِيف //
وَقَالَ ابْن قلاقس أَيْضا
لَوْلَا الجُدودُ لما نمت لمسافركفُّ الغنَى وتَعلقت بمقُيم
والحظُّ حَتَّى فِي الحُروف مُؤثريُختصُّ بالترقيق والتفخيم) // الْكَامِل //
وَقَالَ مهيار الديلمي
لَا تْحسَبِ الهمَّةَ العَلياءَ موجِبةًرزقا على قِسمةِ الأرزاق لم يجب
لَو كانَ أفضَلُ مَا فِي النَّاس أسْعَدَهممَا انحطَّتِ الشَّمْس عَن عالٍ من الشهب
أَو كَانَ أيسرُ مَا فِي الْأُفق أسلَمَهدامَ الهلالُ فَلم يُمحق وَلم يغب) // الْبَسِيط //
وَقَالَ الطغرائي
وأعْظَم مَا بِي أنَّني بِفضائليحُرمتُ وَمَالِي غَيرهنَّ ذَرَائع
إِذا لم يزدني مَوردِي غَيْرَ عِلَّةٍفَلا صَدَرتْ بالوارِدين مَشارِعُ) // الطَّوِيل //
وَقَالَ القَاضِي الْفَاضِل
(مَا ضَر جَهلُ الجاهلينَ وَلَا انْتفعتُ أَنا بحِذْقي ...)
(وزيادتي فِي الحِذقِ فَهْيَ زيادةٌ فِي نقص رِزْقِي ...) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَالَ ابْن دانيال
قد عَقلنا والعقْلُ أيُّ وثاقِوصَبرنا والصَّبر مُرُّ المذَاقِ
كل من كانَ فاضِلاً كَانَ مثليفَاضلا عندَ قسْمَة الأرزاق) // الْخَفِيف //
وَقَالَ ابْن عنين
كأنِّي فِي الزَّمَان اسْم صَحيحٌجَرى فَتحكمت فيهِ العواملْ
مَزيدٌ فِي بَنِيهِ كواو عَمْروومُلْغَي الْحَظ فِيهِ كِرَاء وَاصل) // الوافر //
وَقَالَ السراج الْوراق
يمنَعُنْي باخِلٌ وسمحٌوليسَ لي مِنْهُمَا نَصير
وغايتي أَن ألومَ حظيوحظَّيَ الْحَائِط الْقصير) // من مخلع الْبَسِيط //
وَقَالَ ابْن سناء الْملك
وربَّ مليحٍ لَا يُحَبُّ وضدُّهتُقَبَّلُ مِنْهُ العَينُ والخد والفُم
هوَ الجَدُّ خُذْهُ إِن أردتَ مَسلماًوَلَا تَطلب التعليلَ فالأمرُ مُبهم) // الطَّوِيل //
وَمَا أرشق قَول ابْن رَشِيق
أشْقى لعَقلك أَن يكون أدِيباًأَو أَن يرى فِيكَ الوَرى تهذيبا
مَا دمتَ مستويا فغعلك كلُّهعِوَجٌ وَإِن أخطأتَ كنت مصيبا
كالنَّقشِ لَيسَ يصحُّ معنى خَتمهحَتَّى يكونَ بناؤُهُ مَقلوبَا) // الْكَامِل //
وَمَا ألطف قَول السراج الْوراق
الباءُ والخَاءُ من بخْتي قد اقترَنابالباءِ والخاءِ من بخلٍ لإنْسانِ
واللامُ والتاءُ من هَذَا وَذاكَ همالتَّ المسائلِ عَن أسبابِ حرماني) // الْبَسِيط //
وَهَذَا الْبَاب وَاسع جدا والاختصار فِيهِ أولى
وَابْن الراوندي هُوَ أَحْمد بن يحيى بن إِسْحَاق أَبُو الْحُسَيْن من أهل مرو الروذ وراوند بِفَتْح الرَّاء وَالْوَاو بَينهمَا ألف وَسُكُون النُّون وَبعدهَا دَال مُهْملَة قَرْيَة من قرى قاسان بِالسِّين الْمُهْملَة بنواحي أَصْبَهَان وَهِي غير قاشان الَّتِي بِالْمُعْجَمَةِ الْمُجَاورَة لقم سكن الْمَذْكُور بَغْدَاد وَكَانَ من متكلي الْمُعْتَزلَة ثمَّ فارقهم وَصَارَ ملحداً زنديقاً وَقَالَ القَاضِي أَبُو عَليّ التنوخي كَانَ أَبُو الْحُسَيْن ابْن الراوندي يلازم أهل الْإِلْحَاد فَإِذا عوتب فِي ذَلِك قَالَ إِنَّمَا أُرِيد أَن أعرف مذاهبهم ثمَّ أَنه كاشف وناظر وَيُقَال إِن أَبَاهُ كَانَ يَهُودِيّا فَاسْلَمْ وَكَانَ بعض الْيَهُود يَقُول لبَعض الْمُسلمين ليفسدن عَلَيْكُم هَذَا كتابكُمْ كَمَا أفسد أَبوهُ التَّوْرَاة علينا وَيُقَال عَن أَبَا الْحُسَيْن قَالَ للْيَهُود قُولُوا إِن مُوسَى قَالَ لَا نَبِي بعدِي
وَذكر أَبُو الْعَبَّاس الطَّبَرِيّ أَن ابْن الراوندي كَانَ لَا يسْتَقرّ على مَذْهَب وَلَا يثبت على حَال حَتَّى أَنه صنف للْيَهُود كتاب البصيرة ردا على الْإِسْلَام لأربعمائة دِرْهَم أَخذهَا فِيمَا بَلغنِي من يهود سامراً فَلَمَّا قبض المَال رام نقضهَا حَتَّى أَعْطوهُ مائَة دِرْهَم أُخْرَى فَأمْسك عَن النَّقْض
وَحكى الْبَلْخِي فِي كتاب محَاسِن خُرَاسَان أَن ابْن الراوندي هَذَا كَانَ من الْمُتَكَلِّمين وَلم يكن فِي زَمَانه أحذق مِنْهُ بالْكلَام وَلَا أعرف بدقيقه وجليله وَكَانَ فِي أول أمره حسن السِّيرَة حميد الْمَذْهَب كثير الْحيَاء ثمَّ انْسَلَخَ من ذَلِك كُله لأسباب عرضت لَهُ وَكَانَ علمه أَكثر من عقله فَكَانَ مثله كَمَا قَالَ الشَّاعِر
وَمن يُطيقُ مُزكي عِنْد صَبوتهوَمن يَقومُ لمستورٍ إِذا خلعا) // الْبَسِيط //
قَالَ وَقد حكى جمَاعَة أَنه تَابَ عِنْد مَوته مِمَّا كَانَ مِنْهُ وَأظْهر النَّدَم واعترف بِأَنَّهُ إِنَّمَا صَار إِلَيْهِ حمية وأنفة من جفَاء أَصْحَابه لَهُ وتنحيتهم إِيَّاه من مجَالِسهمْ
وَأكْثر كتبه الكفريات ألفها لأبي عِيسَى الْيَهُودِيّ الْأَهْوَازِي وَفِي منزله هلك وَمِمَّا أَلفه من كتبه الملعونة كتاب التَّاج يحْتَج فِيهِ لقدم الْعَالم وَكتاب الزمردة يحْتَج فِيهِ على الرُّسُل ويبرهن على إبِْطَال الرسَالَة وَكتاب الفريد فِي الطعْن على النَّبِي ﷺ وَكتاب اللؤلؤة فِي تناهي الحركات وَقد نقض هُوَ أَكْثَرهَا وَغَيره وَلأبي عَليّ الجبائي وَغَيره ردود عَلَيْهِ كَثِيرَة فمما قَالَه فِي كتاب الزمردة أَنه إِنَّمَا سَمَّاهُ بالزمردة لِأَن من خاصية الزمرد أَن الْحَيَّات إِذا نظرت إِلَيْهِ ذَابَتْ وسالت أعينها فَكَذَلِك هَذَا الْكتاب إِذا طالعه الْخصم ذاب وَهَذَا الْكتاب يشْتَمل على إبِْطَال الشَّرِيعَة الشَّرِيفَة والازدراء على النبوات المنيفة فمما قَالَه فِيهِ لَعنه الله وأبعده إِنَّا نجد فِي كَلَام أَكْثَم بن صَيْفِي شَيْئا أحسن من إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر وَإِن الْأَنْبِيَاء كَانُوا يستعبدون النَّاس بالطلاسم وَقَالَ قَوْله يَعْنِي نَبينَا ﵊ لعمَّار ﵁ تقتلك الفئة الباغية كل المنجمين يَقُولُونَ مثل هَذَا وَلَقَد كذب لَعنه الله وأخزاه
وَجعل النَّار مستقره ومثواه فَإِن المنجم إِن لم يسْأَل الْإِنْسَان عَن اسْمه وَاسم أمه وَيعرف طالعه لَا يقدر أَن يتَكَلَّم على أَحْوَاله وَلَا يُخبرهُ بِشَيْء من متجدداته وَخَطأَهُ أَكثر من صَوَابه وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ يخبر بالمغيبات من غير أَن يعرف طالعاً أَو يسْأَل عَن اسْم أَو نسب وَلم يعْهَد عَنهُ غير مَا ذكر ﷺ فَبَان الْفرق وَقَالَ فِي كتاب الدامغ إِن الْخَالِق ﷾ لَيْسَ عِنْده من الدَّوَاء إِلَّا الْقَتْل فعل الْعَدو الحنق الغضوب فَمَا حَاجته إِلَى كتاب وَرَسُول قَالَ وَيَزْعُم أَنه يعلم الْغَيْب فَيَقُول وَمَا تسْقط من ورقه إِلَّا يعلمهَا ثمَّ يَقُول وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا إِلَّا لنعلم وَقَالَ فِي وصف الْجنَّة فِيهَا أَنهَار من لبن لم يتَغَيَّر طعمه وَهُوَ الحليب وَلَا يكَاد يشتهيه إِلَّا الجائع وَذكر الْعَسَل وَلَا يطْلب صرفا والزنجبيل وَلَيْسَ من لذيذ الْأَشْرِبَة والسندس يفترش وَلَا يلبس وَكَذَلِكَ الإستبرق وَهُوَ الغليظ من الديباج وَمن تخايل أَنه فِي الْجنَّة يلبس هَذَا الغليظ وَيشْرب الحليب والزنجبيل صَار كعروس الأكراد والنبط ولعمري لقد أعمى الله بَصَره وبصيرته عَن قَوْله تَعَالَى وفيهَا مَا تشْتَهي الْأَنْفس وتلذ الْأَعْين وَعَن قَوْله ﷿ ﴿وَلحم طير مِمَّا يشتهون﴾ وَمَعَ ذَلِك فَفِيهَا اللَّبن وَالْعَسَل وَلَيْسَ هُوَ كلبن الدُّنْيَا وَلَا عسلها وغليظ الْحَرِير يُرِيد بِهِ الصفيق الملتحم النسج وَهُوَ أَفْخَر مَا يلبس وَلَو ذهبت أورد مَا ذكره هَذَا الملعون وتفوه بِهِ من الْكفْر والزندقة والإلحاد لطال الْأَمر والاشتغال بِغَيْرِهِ أولى وَالله تَعَالَى منزه سُبْحَانَهُ عَمَّا يَقُول الْكَافِرُونَ والملحدون علوا كَبِيرا وَكَذَلِكَ كِتَابه وَرَسُوله ﷺ وَلَقَد سرد ابْن الْجَوْزِيّ من زندقته أَكثر من ثَلَاث وَرَقَات وَأَنا أعوذ بِاللَّه من هَذَا القَوْل وأستغفره مِمَّا جرى بِهِ قلمي مِمَّا لَا يرضاه وَلَا يَلِيق بجنابه وجناب رَسُوله ﷺ وَكتابه الْحَكِيم
وَاجْتمعَ ابْن الراوندي هُوَ وَأَبُو عَليّ الجبائي يَوْمًا على جسر بَغْدَاد فَقَالَ لَهُ
يَا أَبَا عَليّ أَلا تسمع شَيْئا من معارضتي لِلْقُرْآنِ ونقضي لَهُ فَقَالَ أَنا أعلم بمخازي علومك وعلوم أهل دهرك وَلَكِن أحاكمك إِلَى نَفسك فَهَل تَجِد فِي معارضتك لَهُ عذوبة وهشاشة وتشاكلاً وتلازماً ونظماً كنظمه وحلاوةً كحلاوته قَالَ لَا وَالله قَالَ قد كفيتني فَانْصَرف حَيْثُ شِئْت
وَمن شعره
مِحَنُ الزَّمانِ كَثيرَةٌ لَا تَنْقَضيوَسرورُهُ يأتِيكَ كالأعيَادِ
مَلَكَ الأكارِمَ فاستَرقّ رِقابَهُمُوَترَاه رِقّاً فِي يَد الأوغاد) // الْكَامِل //
وَمِنْه وَقيل أنْشدهُ لغيره
أَلَيسَ عَجيباً بأنّ امرَءاًلطيفَ الخصَام دَقيقَ الكلمْ
يَموتُ وَمَا حَصَّلَتْ نفْسهُسِوَى عِلمهِ أَنهُ مَا علم) // المتقارب //
وَذكر أَبُو عَليّ الجبائي أَن السُّلْطَان طلب ابْن الراوندي وَأَبا عِيسَى الْوراق فَأَما أَبُو عِيسَى فحبس حَتَّى مَاتَ وَأما ابْن الراوندي فهرب إِلَى ابْن لاوى الْيَهُودِيّ وَوضع لَهُ كتاب الدامغ فِي الطعْن على النَّبِي ﷺ وعَلى الْقُرْآن الْكَرِيم ثمَّ لم يلبث إِلَّا أَيَّامًا يسيرَة حَتَّى مرض وَمَات
وَذكر أَبُو الْوَفَاء بن عقيل أَن بعض السلاطين طلبه وَأَنه هلك وَله سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة مَعَ مَا انْتهى إِلَيْهِ من المخازي
وَذكر ابْن خلكان أَنه هلك فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ برحبة مَالك ابْن طوق وَقيل بِبَغْدَاد وَتَقْدِير عمره أَرْبَعُونَ سنة وَيُقَال إِنَّه عَاشَ اكثر من ثَمَانِينَ سنة وَقيل إِنَّه هلك سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ ابْن النجار بَلغنِي إِنَّه هلك سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ لَعنه الله وأخزاه إِن كَانَ مَاتَ على اعْتِقَاده هَذَا
تعَالَلْتِ كَيْ أشْجَى ومَا بِكِ عِلَّةٌتُرِيدينَ قتلِي قَدْ ظَفِرْتِ بذلِكِ
الْبَيْت لِابْنِ الدمينة من قصيدة من الطَّوِيل أَولهَا
قِفي يَا أميم القلبِ نقضِ لبانةًوَنشكُو الهَوى ثمَّ افعلِي مَا بدالك
سَلِي البانةَ الغنَّاء بالأجْرَعِ الَّذِيبهِ المَاء هلْ حيَّيتُ أطلالَ دارِكِ
وَهلْ قمتُ فِي أطلَالِهنَّ عَشيَّةَمقامَ أخِي البأساء واخترتُ ذلِكِ
وَهَل كَفْكَفَت عينايَ بِالدَّار عَبرةًفُرَادَى كنظم اللؤلؤُ المتسالك) // الطَّوِيل //
ويروى أَن أَولهَا
قفي قبلَ وشْك البينِ يَا ابنةَ مالكِوَلَا تحرمِينا نظرَةً من جمالك
وَبعده الْبَيْت وَبعده
وقولكِ للعوّاد كيفَ تروْنهفَقَالُوا قَتِيلا قلتِ أيسرُ هَالك
لَئِن سَاءنِي أَن نلتني بمساءةٍلقد سرَّني أَنِّي خطرتُ ببالكِ
لِيَهنك إمساكي بكفيِّ على الحشاورقْراق دمعي رَهبةً من مطالكِ
فَلَو قلتِ طأ فِي النارِ أعلمُ أَنهرِضاً لَك أَو مُدنٍ لنا من وِصالكِ
لقدَّمْتُ رجْلي نَحْوهَا فَوطئتَهاهُدى منكِ لي أَو ضلَّة من ضلالك
أَرى الناسَ يرجونَ الربيعَ وَإِنَّمَارَجائي الَّذِي أرجوهُ خير نوالكِ
أبْيني أَفِي يُمنى يَديك جَعَلتنيفأفرحَ أمْ صَيَّرتِني فِي شمالكِ) // الطَّوِيل //
وَمعنى أشجى أَحْزَن من شجى يشجى وَمَا شجا يشجو فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَإِنَّمَا قَالَ قد ظَفرت بذلك وَلم يقل بقتلي لادعائه أَن قَتله ظهر ظُهُور المحسوس بالبصر الْمشَار إِلَيْهِ باسم الْإِشَارَة
وَالشَّاهِد فِيهِ وضع اسْم الْإِشَارَة مَوضِع الْمُضمر لادعاء كَمَال ظُهُوره وَإِن كَانَ من غير بَاب الْمسند إِلَيْهِ
وَابْن الدمينة اسْمه عبد الله بن عبيد الله أحد بني عَامر بن تيم الله والدمينة أمه وَهِي سَلُولِيَّة ويكنى ابْن الدمينة أَبَا السّري وَهُوَ شَاعِر مَشْهُور لَهُ غزل رَقِيق الْأَلْفَاظ دَقِيق الْمعَانِي وَكَانَ النَّاس فِي الصَّدْر الأول يسْتَحلُّونَ شعره ويتغنون بِهِ حدث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي قَالَ كَانَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف إِذا سمع شَيْئا يستحسنه أطرفني بِهِ وَأَنا أفعل مثل ذَلِك فَجَاءَنِي يَوْمًا فَوقف بَين النَّاس وَأنْشد لِابْنِ الدمينة
ألَا يَا صبَا نَجْدٍ مَتى هِجْتِ من نجدِلقدْ زادني مَسْرَاكِ وجدا على وجد
إِن هَتفتْ وَرْقَاء فِي رونق الضُّحَىعلى فنن عض النَّبَات من الرَّندِ
بكيتَ كَمَا يبكي الوليدُ وَلم تَكُنْجَزُوعاً وأبديتَ الَّذِي لم تكن تُبْدِي
وقدْ زَعَمُوا أنَّ المحبَّ إِذا دنايملُّ وَأَن النأي يشفي من الوجد
بِكُل تَدَاوينا فَلم يُشْفَ مَا بنَاعلى أَن قرب الدّار خيرٌ من الْبعد
على أَن قربَ الدَّار لَيسَ بِنافعٍإِذا كَانَ منْ تهواهُ ليسَ بِذِي ود) // الطَّوِيل //
ثمَّ ترنح سَاعَة ترنخ النشوان ودبح أُخْرَى ثمَّ قَالَ أنطح العمود رَأْسِي من
حسن هَذَا فَقلت لَا ارْفُقْ بِنَفْسِك
وَحدث ابْن ربيح راوية ابْن هرمة قَالَ لَقِي ابْن هرمة بعض أَصْحَابه بالبلاط فَقَالَ لَهُ من أَيْن أَقبلت قَالَ من الْمَسْجِد فَقَالَ فَأَي شَيْء صنعت هُنَاكَ قَالَ كنت جَالِسا مَعَ إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد المَخْزُومِي قَالَ فَأَي شَيْء قَالَ قَالَ أَمرنِي أَن أطلق امْرَأَتي قَالَ فَأَي شَيْء قلت لَهُ قَالَ مَا قلت شَيْئا قَالَ فوَاللَّه مَا قَالَ لَك هَذَا إِلَّا لأمر أظهرته عَلَيْهِ وكتمتنيه أَفَرَأَيْت لَو أَمرته بِطَلَاق امْرَأَته أَكَانَ يطلقهَا قَالَ لَا وَالله قَالَ فَابْن الدمينة كَانَ أنصف مِنْك كَانَ يهوى امْرَأَة من قومه فَأرْسلت إِلَيْهِ إِن أَهلِي قد نهوني عَن لقائك ومراسلتك فَأرْسل إِلَيْهَا يَقُول
أريت الْآمِر يَك بِقطع حبليمريهم فِي أحبتهم بِذَاكَ
فَإِن هم طاوعوك فطاوعيهموَإِن عاصوك فاعصي من عصاك
أَما وَالرَّاقصاتِ بِكُل فجٍوَمَنْ صلى بنُعْمانِ الأرَاكِ
لقد أضمرْتُ حبَّك فِي فُؤَادِيوَما أضمرْتُ حبّاً مِن سواكِ) // الوافر //
وَمثل هَذَا الْخَبَر مَا حَكَاهُ الْأَصْمَعِي قَالَ مَرَرْت بِالْكُوفَةِ وَإِذا أَنا بِجَارِيَة تطلع من جِدَار إِلَى الطَّرِيق وفتى وَاقِف وظهره إِلَيّ وَهُوَ يَقُول أسهر فِيك وتنامين عني وتضحكين مني وأبكي وتستريحين وأتعب وأمحضك الْمحبَّة وتمذقينها وأصدقك وتنافقيني ويأمرك عدوي بهجري فتطيعينه ويأمرني
نصيحي بذلك فأعصيه ثمَّ تنفس وأجهش باكياً فَقَالَت لَهُ إِن أَهلِي يمنعونني مِنْك وينهونني عَنْك فَكيف أصنع فَقَالَ لَهَا
أريت الْآمِر يَك بِقطع حبليمريهم فِي أحبتهم بِذَاكَ
فَإِن هم طاوعوك فطاوعيهموَإِن عاصوك فاعصي من عصاك) // الوافر //
ثمَّ الْتفت فرآني فَقَالَ يَا فَتى مَا تَقول أَنْت فِيمَا قلت فَقلت لَهُ وَالله لَو عَاشَ ابْن أبي ليلى مَا حكم إِلَّا بِمثل حكمك
وَحدث ابْن أبي السرى عَن هِشَام قَالَ هوى ابْن الدمينة امْرَأَة من قومه يُقَال لَهَا أُمَيْمَة فهاج بهَا مُدَّة فَلَمَّا وصلته تجنى عَلَيْهَا وَجعل يَنْقَطِع عَنْهَا ثمَّ زارها ذَات يَوْم فتعاتبا طَويلا ثمَّ أَقبلت عَلَيْهِ فَقَالَ وَالشعر لَهَا
وأنْتَ الَّذِي أخلفتني مَا وَعَدتَنْيوأشمَتَّ بِي من كَانَ فِيكَ يَلومُ
وأبرزتني للنَّاس ثمَّ تَركتَنْيلَهُم غَرضاً أُرْمَى وَأَنت سليمُ
فَلوْ أَن قَوْلاً يَكْلَمُ الْجِسْم قد بَدَابجسميَ من قولِ الوشاة كلوم) // الطَّوِيل //
قَالَ فأجابها ابْن الدمينة فَقَالَ
وأنتِ الَّتِي كَلَّفْتِني دَلَجَ السُّرىوَجُونُ القَطا بالجَلهَتين جُثُومُ
وأنْتِ الَّتِي قَطَّعتِ قلبِي حَرَارةًومزقت جُرْحَ الْقلب فهوَ كليمُ
وَأَنت الَّتِي أحْفَظت قومِي فَكلُّهمبعيد الرِّضَا داني الصدود كظيم) // الطَّوِيل //
قَالَ ثمَّ تزَوجهَا بعد ذَلِك وَقتل وَهِي عِنْده كَمَا سَيَأْتِي
وَحدث أَبُو الْحسن الينبعي قَالَ بَينا أَنا وصديق لي من قُرَيْش نمشي بالبلاط لَيْلًا فَإِذا بِظِل نسْوَة فِي الْقَمَر فالتقينا فَإِذا بِجَمَاعَة نسْوَة فَسمِعت وَاحِدَة مِنْهُنَّ تَقول أهوَ هُوَ فَقَالَت الْأُخْرَى نعم وَالله إِنَّه لَهو هُوَ فدنت مني ثمَّ قَالَت يَا كهل قل لهَذَا الَّذِي مَعَك
ليسَتْ لياليكَ فِي خَاخ بِعَائدةٍكَمَا عَهدتَ وَلَا أيامُ ذِي سلم) // الْبَسِيط //
فَقلت لَهُ أجب فقد سَمِعت فَقَالَ قد وَالله قطع بِي وأرتج عَليّ فأجب عني فَالْتَفت إِلَيْهَا ثمَّ قلت
فَقلت لَهَا يَا عز كل مُصِيبَةإِذا وطنت يَوْمًا لَهَا النَّفس ذلت) // الطَّوِيل //
فَقَالَت الْمَرْأَة أَواه ثمَّ مَضَت ومضينا حَتَّى إِذا كُنَّا بمفرق طَرِيقين مضى الْفَتى إِلَى منزله ومضيت إِلَى منزلي فَإِذا بِجَارِيَة تجذب طرف رِدَائي فَالْتَفت إِلَيْهَا فَقَالَت الْمَرْأَة الَّتِي كلمتك تدعوك فمضيت مَعهَا حَتَّى دخلت دَارا ثمَّ صرت إِلَى بَيت فِيهِ حَصِير وثنيت لي وسَادَة فَجَلَست ثمَّ جَاءَت جَارِيَة بوسادة مثنية فطرحتها ثمَّ جَاءَت الْمَرْأَة فَجَلَست عَلَيْهَا وَقَالَت لي أَأَنْت الْمُجيب قلت نعم قَالَت مَا كَانَ أفظ جوابك وأغلظه قلت وَالله مَا حضرني غَيره فَبَكَتْ ثمَّ قَالَت لي وَالله مَا خلق الله خلقا أحب إِلَيّ من إِنْسَان كَانَ مَعَك قلت وَأَنا الضَّامِن عَنهُ
لَك مَا تحبين قَالَت أَو تفعل قلت نعم فوعدتها أَن آتيها بِهِ فِي اللَّيْلَة الْقَابِلَة وانصرفت فَإِذا الْفَتى ببالي فَقلت مَا جَاءَ بك قَالَ علمت أَنَّهَا سترسل إِلَيْك وَسَأَلت عَنْك فَلم أجدك فَعلمت أَنَّك عِنْدهَا فَجَلَست أنتظرك فَقلت لَهُ قد كَانَ كل مَا ظَنَنْت ووعدتها أَن آتيها بك فِي اللَّيْلَة الْقَابِلَة فَمضى ثمَّ أَصْبَحْنَا فتهيأنا ورحنا فَإِذا الْجَارِيَة تنتظرنا فمضت أمامنا حَتَّى دَخَلنَا الدَّار فَإِذا برائحة الطّيب وَجَاءَت فَجَلَست مَلِيًّا ثمَّ أَقبلت عَلَيْهِ فعاتبته طَويلا ثمَّ ذكرت الأبيات الَّتِي أنشدتها امْرَأَة ابْن الدمينة ثمَّ سكتت فَسكت الْفَتى هنيهة ثمَّ قَالَ
غَدَرتِ وَلم أغدر وخُنْتِ وَلم أخُنْوَفِي دونِ هَذَا للمُحِبِّ عزاءُ
جَزيتُكِ ضِعفَ الوُد ثمَّ صَرَمتنِيفحبكِ فِي قلبِي إِلَيْك أداءُ) // الطَّوِيل //
فالتفتت إِلَيّ وَقَالَت أَلا تسمع مَا يَقُول قد أَخْبَرتك قَالَ فغمزته فَكف ثمَّ قَالَت
تجاهَلْتَ وَصْلي حِين لَّجتْ عَمايتيفَهَلا صَرَمْتَ الحبْلَ إِذْ أَنا مُبصرُ
ولي من قُوَي الحبْلِ الَّذِي قد قَطعتهُنَصيبٌ وَإِذ رَأْيِي جَميع مُوَفِّرُ
وَلكنَّما آذنْتُ بِالصبرِ بَغتةًولسْتُ على مثل الَّذِي جئتَ أقدِر) // الطَّوِيل //
فَقَالَ الْفَتى مجيباً لَهَا
لقد جَعَلَتْ نَفسِي وَأَنت اجتَرمتِهوكنْتِ أحَبَّ النَّاس عنكِ تَطيبُ
فَبَكَتْ ثمَّ قَالَت أَو قد طابت نَفسك لَا وَالله مَا فِيك خير بعْدهَا فَعَلَيْك السَّلَام ثمَّ التفتت إِلَيّ وَقَالَت قد علمت أَنَّك لَا تفي بضمانك عَنهُ وانصرفنا
وَكَانَ السَّبَب فِي قتل ابْن دمينة أَن رجلا من سلول يُقَال لَهُ مُزَاحم بن عَمْرو كَانَ يَرْمِي بِامْرَأَة ابْن الدمينة وَكَانَ اسْمهَا حماء وَقيل حمادة فَكَانَ
يَأْتِيهَا ويتحدث إِلَيْهَا حَتَّى اشْتهر ذَلِك فَمَنعه ابْن الدمينة من إتيانها وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا فَقَالَ مُزَاحم يذكر ذَلِك
يَا ابْن الدمينة والأخبارُ يرفَعهاوَخْدُ النجائب والمحقور يخفيها
يَا ابْن الدمينة إِن تغْضب لما فَعَلَتْفَطالَ خِزْيُكَ أَو تَغضبْ مَوْاليها
أَو تُبغضوني فكم من طعنةٍ نَفَذَتْيَغذو خِلال اختْلاج الجوْفِ غاذيها
جاهَدْتُ فِيهَا لكمُ إِنِّي لكم أبداأبغي معايبَكم عَمْداً فآتيها
فَذَاك عِنْدِي لكم حَتَّى تُغَيِّبَنِيغَبراء مظلمَةٌ هارٍ نَوَاحِيهَا
أَغْشى نِساءَ بني تَمِيم إِذا هَجَعَتْعنِّي العُيُونُ وَلَا أبغي مقاريها
كم كاعِبٍ من بني تَمِيم قَعَدْتُ لَهَاوعانسٍ حِين ذاق النومَ حامِيها
كقعدةِ الأعسر العُلفوف منتحياًمَتينة مِنْ متين النبل يَرميها
علامةٌ كَيَّةٌ مَا بينَ عانَتهاوَبينَ سُبتها لَا شلّ كلويها
وشَهقةٌ عِنَد حِس الماءِ تشهقُهاوقولُ رُكبتها قِضْ حِين تثنيها
وَتعدلُ الأير إنْ زَاغَتْ فتبعثهُحتىَّ يُقيمَ برِفقٍ صدْرَهُ فِيها
بَين الصفوقين فِي مُستهدف وَمِدٍذِي حَرّة ذاق طعمَ الموتِ صاليها
مَاذَا تَرى يَا عبيد الله فِي امْرَأةٍليستْ بِمُحصنةٍ عَذراء حاويها
أيامَ أنتَ طَريدٌ لَا تُقاربُهاوَصادفَ القوسَ فِي الغرَّاتِ باريها
ترَى عَجوزَ بَني تَمِيم مُلفعةًشُمطاً عوارِضُها رُبْداً دَواهيها
إِذ تجْعَل الدفنس الورهاء عذرتهاقشارة من أدِيم الأرضِ تفريها
حتىَّ يظل هَذَانِ الْقَوْم يحسبهابكر أَو قبل هوى فِي الدَّار هاويها) // الْبَسِيط //
وَلما بلغ ابْن الدمينة شعر مُزَاحم أَتَى امْرَأَته فَقَالَ لَهَا قد قَالَ فِيك هَذَا الرجل مَا قَالَ وَقد بلغك قَالَت وَالله مَا رأى مني ذَلِك قطّ قَالَ فَمن أَيْن لَهُ العلامات قَالَت وصفتهن لَهُ النِّسَاء قَالَ هَيْهَات وَالله أَن يكون ذَلِك كَذَلِك ثمَّ أمسك مُدَّة وصبر حَتَّى ظن أَن مزاحماً قد نسي الْقِصَّة ثمَّ أعَاد عَلَيْهَا القَوْل وأعادت الْحلف أَن ذَلِك مِمَّا وَصفه لَهُ النِّسَاء فَقَالَ لَهَا وَالله لَئِن لم تمكنيني مِنْهُ لأَقْتُلَنك فَعلمت أَنه سيفعل ذَلِك فَبعثت إِلَيْهِ وواعدته لَيْلًا وَقعد لَهُ ابْن الدمينة وَصَاحب لَهُ فَجَاءَهَا للموعد فَجعل يكلمها وَهِي مَكَانهَا فَلم تكَلمه فَقَالَ لَهَا يَا حماء مَا هَذَا الْجفَاء اللَّيْلَة قَالَ فَتَقول لَهُ هِيَ بِصَوْت ضَعِيف ادخل فَدخل فَأَهوى بِيَدِهِ ليضعها عَلَيْهَا فوضعها على ابْن الدمينة فَوَثَبَ عَلَيْهِ هُوَ وَصَاحبه وَقد جعل لَهُ حصاً فِي ثوب فَضرب بن كبده حَتَّى قَتله وَأخرجه فطرحه مَيتا فجَاء أَهله فاحتملوه وَلم يَجدوا بِهِ أثر السِّلَاح فَعَلمُوا أَن ابْن الدمينة قَتله وَقد قَالَ ابْن الدمينة فِي تَحْقِيق ذَلِك
قَالُوا هَجتكُ سَلولُ الْيَوْم مخيفةفاليومَ أهجو سَلولاً لَا أخافِيها
قَالُوا هَجاكَ سَلوليٌّ فقلتُ لهمْقد أنصفَ الصَّخْرَة الصماء رامِيها
رِجَالهمْ شرُّ مَنْ يَمشي ونسوتُهمشرُّ البريَّةِ اسْتَاذلّ حامِيها
يَحككْنَ بالصخر أستاها لَهَا نَقبٌكَمَا يَحك نقابَ الجرْبِ طاليها) // الْبَسِيط //
وَقَالَ أَيْضا يذكر دُخُول مُزَاحم وَوضع يَده عَلَيْهِ
لكَ الخيرُ إِن وَاعدت حماء فالقهانَهَارا وَلَا تُدْلج إِذا الَّليلُ أظْلما
فإنَّكَ لَا تَدري أبَيْضَاء طَفْلةًتُعانقُ أَمْ ليثاً مِنَ الْقَوْم قَشْعمَا
فَلما سرى عَن ساعِديَّ ولحيتيوَأيقنَ أنِّي لست حماء جمجما) // الطَّوِيل //
ثمَّ أَتَى ابْن الدمينة امْرَأَته فَطرح على وَجههَا قطيفة ثمَّ جلس عَلَيْهَا حَتَّى قَتلهَا فَلَمَّا مَاتَت قَالَ
إِذا قَعدْتُ على عِرْنينِ جاريةٍفوقَ القطيفةِ فَادعوا ليَ بحفار) // الْبَسِيط //
فَبَكَتْ بنت لَهُ مِنْهَا فَضرب بهَا الأَرْض فَقَتلهَا أَيْضا وَقَالَ متمثلاً
(لَا تغدوا مِنْ كَلْبِ سَوْءِ جَرْوَا ...)
فَخرج جنَاح أَخُو الْمَقْتُول إِلَى أَحْمد بن إِسْمَاعِيل فاستعداه على ابْن الدمينة فَبعث إِلَيْهِ فحبسه وَقَالَت أم أبان وَالِدَة مُزَاحم الْمَقْتُول وَهِي من بني خثعم ترثي ابْنهَا وتحرض مصعباً وجناحا أَخَوَيْهِ
بأهلي وَمَالِي بَل بِجُلِّ عَشيرتيقَتِيل بني تَمِيم بِغيرِ سِلاح
فَهلَاّ قتلتُمْ بِالسِّلَاحِ ابْنَ أختِكمفتظهرَ فيهِ للشهودِ جِراحُ
فَلَا تطمعوا فِي الصُّلْح مَا دُمت حيَّةًوَما دَامَ حيّاً مُصعبٌ وَجناحُ
أَلمْ تعلمُوا أنَّ الدوَائِر بَيْننَاتَدور وَأَن الطالبين شحاح) // الطَّوِيل //
وَلما طَال حبس ابْن الدمينة وَلم يجد عَلَيْهِ أَحْمد بن إِسْمَاعِيل سَبِيلا وَلَا حجَّة خلاه وَقتلت بَنو سلول من خثعم رجلا مَكَان الْمَقْتُول وَقتلت خثعم بعد ذَلِك نَفرا من سلول وَلَهُم قصَص وأخبار كَثِيرَة ثمَّ إِن ابْن الدمينة أقبل حَاجا بعد مُدَّة فَنزل بتبالة فَعدا عَلَيْهِ مُصعب أَخُو الْمَقْتُول لما رَآهُ وَكَانَت أمه حرضته وَقَالَت لَهُ اقْتُل ابْن الدمينة فَإِنَّهُ قتل أَخَاك وهجا قَوْمك وذم أختك وَقد كنت أعذرك قبل هَذَا لِأَنَّك كنت صَغِيرا والآن قد كَبرت فَلَمَّا أكثرت عَلَيْهِ خرج من عِنْدهَا وبصر بِابْن الدمينة وَاقِفًا ينشد النَّاس فغدا إِلَى جزار فَأخذ شفرته وَعدا على ابْن الدمينة فجرحه بهَا جراحتين فَقيل إِنَّه مَاتَ لوقته وَقيل بل سلم من تِلْكَ الدفعة وَمر بِهِ مُصعب بعد ذَلِك وَهُوَ فِي سوق العبلاء ينشد أَيْضا فعلاه بِسَيْفِهِ حَتَّى قَتله وَعدا وَتَبعهُ النَّاس حَتَّى اقتحم دَارا وأغلقها عَلَيْهِ فَجَاءَهُ رجل من قومه فصاح بِهِ يَا مُصعب إِن لم تضع يدك فِي يَد السُّلْطَان قتلتك الْعَامَّة فَاخْرُج فَلَمَّا عرفه قَالَ لَهُ أَنا فِي ذِمَّتك حَتَّى تسلمني إِلَى السُّلْطَان فقذفه السُّلْطَان فِي سجن تبَالَة قَالَ وَمكث ابْن الدمينة جريحاً لَيْلَة ثمَّ مَاتَ فِي غَد وَقَالَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة يحرض قومه ويوبخهم
هتفتَ بأكلبٍ ودعوتَ قيسافَلَا خُذُلاً دَعوْتَ وَلَا قليلَا
ثَأرْتَ مُزاحِما وَسررت قيساوَكنتَ لِما هممْتَ بِهِ فَعولَا
فَلَا تَشْلَلْ يدَاكَ وَلا تَزَالاتُفيدانِ الغنائِمَ وَالجزيلا
فلوْ كَانَ ابْن عبدِ اللهِ حيّاًلَصبَّحَ فِي منازِلِها سَلولَا) // الوافر //
وَبلغ مصعباً أَخا الْمَقْتُول أَن قوم ابْن الدمينة يُرِيدُونَ أَن يقتحموا عَلَيْهِ سجن تبَالَة فيقتلوه فَقَالَ يحرض قومه
لقيتُ أَبَا السَّريّ وَقد تكالالهُ حقُّ العداوةِ فِي فُؤَادِي
فكادَ الغيظُ يَفْرِطُني إليهِبطعنٍ دُونهُ طعنُ الشدادِ
إِذا نبحَتْ كِلابُ السجْن حَوليطمعت هَشاشةً وَهفا فُؤَادِي
طماعاً أنْ يدُقّ السجنَ قومِيوَخوفاً أَن تُبَيِّتني الأعادي
فَمَا ظَنِّي بِقومي شرّ ظنّوَلا أَن يُسلموني فِي البلادِ
وَقدْ جدَّلتُ قاتلَهمْ فأمسىيَمجُّ دَمَ الوتين على الوساد) // الوافر //
فَجَاءَت بَنو عقيل إِلَيْهِ لَيْلًا فكسروا السجْن وأخرجوه مِنْهُ فهرب إِلَى صنعاء
وَمن شعر أبن الدمينة الأبيات الْمَشْهُورَة
أَقضي نَهاري بالحديثِ وبالمنىويَجْمعُنْي وَالهمَّ بِاللَّيْلِ جامعُ
نَهاري نَهارُ النَّاس حَتَّى إِذا بداليَ الليلُ شاقتني إليكِ المضاجعُ
لَقدْ ثَبتَتْ فِي القلبِ مِنكِ مَحَبةكَمَا ثبتَتْ فِي الراحتينِ الأصابِع) // الطَّوِيل //
وَهِي من قصيدة طَوِيلَة يخلطها النَّاس كثيرا بقصيدة لمَجْنُون ليلى لِأَنَّهَا توافقها فِي الْوَزْن والقافية
(إِلهي عَبْدُكَ العَاصيِ أتَاكاَ ...)
هُوَ من الوافر وَلَا أعلم قَائِله وَتَمَامه
(
(مُقِرّاً بالذنُوبِ وقدْ دَعاكَا ...)
فإنْ تغفرْ فأنتَ لِذاكَ أهلٌوَإنْ تطرُدْ فمنْ يَرْحَمْ سواكا) // الوافر //
والطرد الأبعاد
وَالشَّاهِد فِيهِ وضع الْمظهر وَهُوَ عَبدك مَوضِع الْمُضمر وَهُوَ أَنا للاستعطاف وَهُوَ طلب الْعَطف وَالرَّحْمَة إِذْ لَيْسَ فِيهِ مَا فِي الْمظهر من اسْتِحْقَاق الرَّحْمَة وترقب الرأفة وَإِن كَانَ من غير بَاب الْمسند إِلَيْهِ أَيْضا
(تَطَاوَلَ لَيلَك بِالأثمُدِ ...)
قَائِله امْرُؤ الْقَيْس الْكِنْدِيّ الصَّحَابِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهُوَ أول
قصيدة من المتقارب وَتَمَامه
(ونامَ الخلِيُّ وَلمْ تَرْقُدِ ...)
وَبعده
وباتَ وَباتَتْ لهُ لَيلةٌكلَيْلَةِ ذِي العَائِرِ الأَرْمَد
وذلكَ مِنْ نبأ جاءنِيوأنبئتُهُ عَن أبي الأسوَدِ
ولوْ عنْ نَثَا غيرهِ جَاءنِيوَجُرْحُ اللسانِ كَجُرْحِ الْيَد
لَقُلْتُ مِنَ القَوْل مَالا يزَاليُؤْثَرُ عني يَدَ المسنَدِ
بِأَيّ عَلاقتنَا ترْغبونَأعَنْ دَمِ عَمْرٍو على مَرْثَدِ
فإنْ تَدْفنوا الدَّاء لَا نُخفهِوإنْ تَبْعَثوا الدَّاء لَا نَقعُدِ
وَإِن تَقتُلونَا نُقاتِلكُمْووإِنْ تقصدوا لدمٍ نَقصدِ
مَتىَ عهدنا بطعان الكماةوالمَجدِ والحمدِ والسودَدِ
وَبني القباب وملء الجفانوالنَّارِ والحَطَبِ المُوَقَدِ) // المتقارب //
والأثمد بِفَتْح الْهمزَة وَضم الْمِيم وَرُوِيَ بكسرهما اسْم مَوضِع والعائر بِالْمُهْمَلَةِ هُوَ القذي يَقع فِي الْعين وَقيل هُوَ نفس الرمد
وَالشَّاهِد فِيهِ الِالْتِفَات وَهُوَ فِي قَوْله ليلك لِأَنَّهُ خطاب لنَفسِهِ وَمُقْتَضى الظَّاهِر ليلى بالتكلم
وامرؤ الْقَيْس هُوَ ابْن عانس بنُون وسين مُهْملَة ابْن الْمُنْذر ابْن امرىء الْقَيْس بن السمط بن عَمْرو بن مُعَاوِيَة بن الْحَرْث يَنْتَهِي نسبه لكندة الْكِنْدِيّ الشَّاعِر لَهُ صُحْبَة وَشهد ﵁ فتح النُّجَيْر بِالْيمن وَهُوَ حصن قرب حَضرمَوْت ثمَّ حضر الكنديين حِين ارْتَدُّوا فَثَبت على إِسْلَامه وَلم يكن فِيمَن ارْتَدَّ ثمَّ نزل الْكُوفَة وَلما خَرجُوا ليقتتلوا وثب على عَمه فَقَالَ لَهُ وَيحك يَا امْرأ الْقَيْس أتقتل عمك فَقَالَ لَهُ أَنْت عمي وَالله ﷿ رَبِّي وَهُوَ الَّذِي خَاصم إِلَى رَسُول الله ﷺ ربيعَة بن عيدَان بِكَسْر الْعين وَالْيَاء التَّحْتِيَّة وَيُقَال فِيهِ عَبْدَانِ بِالْبَاء الْمُوَحدَة مَكْسُورَة مَعَ تَشْدِيد الدَّال وَيُقَال بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء وَكَانَت الْمُخَاصمَة فِي ارْض فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ بينتك قَالَ لَيْسَ لي بَيِّنَة فَقَالَ ﷺ يَمِينه وَهُوَ الْقَائِل ﵁
قف بالديار وقُوف حَابِسْوَتأنَّ إنّكَ غيرُ آيِسْ
لَعبتْ بِهن العاصفاتالرائحَاتُ إِلَى الروامِس
مَاذَا عَلَيْك من الْوُقُوفبهَامِدِ الطللينِ دَارسْ
يَا رُبَّ باكيةٍ عَليَّوَمُنْشِدٍ لِي فِي المجالِسْ
أوْ قَائِلٍ يَا فَارِسًامَاذَا رُزِئتَ مِنَ الفَوارسْ
لَا تَعجبوا أنْ تسمعُواهَلكَ امْرُؤ الْقَيْس بن عانس) // من مجزوء الْكَامِل //
وَفِي الصَّحَابَة أَيْضا امْرُؤ الْقَيْس بن أبي الْأصْبع الْكلابِي وامرؤ الْقَيْس ابْن الفاخر بن الطماع الْخَولَانِيّ
طَحَا بِكَ قلب فِي الحسان طروببعيد الشَّبَاب عصر حَان مشيب
يُكلّفنِي لَيلىَ وقدْ شطّ ولْيُهَاوعَادَتْ عَوَادٍ بينَنَا وخُطُوبُ
البيتان لعلقمة بن عَبدة الْفَحْل من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا الْحَارِث بن جبلة بن أبي شمر الغساني وَكَانَ أسر أَخَاهُ شاساً فَرَحل إِلَيْهِ يطْلب فكه وَبعد الْبَيْتَيْنِ
منعَّمةٌ لَا يستطَاعُ كلامَهَاعلى بابهَا من أَن تزارَ رَقيبُ
إِذا غابَ عنهَا البعْلُ لم تفش شَرهوتُرْضى إيابَ البعل حِين يؤبُ
فَلا تَعْدلِي بيني وَبَين مُغَمّرٍسقتك روايَا المزنِ حِين تصوبُ
سقاك يمانِ ذُو حنينٍ وعارضٍتروحُ بِهِ جنْحَ الْعشي جَنوبُ
وَمَا أنتَ أمْ مَا ذكرُها رَبعَيةًيخط لَهَا من ثَرمدَاء قليبُ
فَإِن تسألولني بالنساءِ فإننيخبيرٌ بأدواء النِّسَاء طبيبُ
إِذا شابَ رأسُ المَرء أَو قل مالُهُفَليسَ لَهُ مِنْ وُدهِنَّ نصيبُ
يُرِدْنَ ثراء المَال حَيْثُ عَلمتهوشَرْخُ شبابٍ عِنْدهن عَجِيب) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة يَقُول فِي غَرَضه مِنْهَا
وَفِي كل حَيّ قد خبَطْتَ بِنِعْمَةفَحق لشَاسٍ من ندَاكَ ذَنوبُ
فَلَمَّا سمع الْحَارِث هَذَا الْبَيْت قَالَ نعم وأذنبه وَلما سمع قَوْله فِي وصف النِّسَاء قَالَ صدق فوك لله أَبوك أَنْت طبيبهن والخبير بأدوائهن وَقد أَخذه من قَول امرىء الْقَيْس
أراهن لَا يحببن من قل مَالهوَلَا من رأين الشيب فِيهِ وقوَّسَا) // الطَّوِيل //
وَمن لطيف مَا يذكر من كَرَاهَة النِّسَاء للشيب قَول مُحَمَّد بن عِيسَى المَخْزُومِي
قالتْ أحبك قلتُ كَاذِبَةغُرى بذا مَنْ لَيْسَ ينتقدُ
لَو قلتِ لي أشناكَ قلتُ نعمْالشيب لَيْسَ يحبُّهُ أحد) // الْكَامِل //
وَمعنى طحابك أَي اتَّسع وَذهب بك كل مَذْهَب وطروب مَأْخُوذ من الطَّرب وَهُوَ استخفاف الْقلب فِي الْفَرح أَي لَهُ طرب فِي طلب الحسان ونشاط فِي مراودتهن وَمعنى بعيد الشَّبَاب حِين ولي وَكَاد ينصرم وَمعنى عصر حَان مشيب أَي زمَان قرب المشيب وإقباله على الهجوم وَمعنى شط بعد وَالْوَلِيّ الْقرب والعوادي الصوارف وعوادي الدَّهْر عوائقه والخطوب جمع خطب وَهُوَ الْأَمر الْعَظِيم
وَالشَّاهِد فِيهِ الِالْتِفَات من الْخطاب فِي طحابك إِلَى التَّكَلُّم فِي يكلفني وفاعله ضمير الْقلب وليلى مَفْعُوله الثَّانِي وَرُوِيَ بِالتَّاءِ الفوقانية على أَنه مُسْند إِلَى ليلى وَالْمَفْعُول مَحْذُوف أَي تكلفني شَدَائِد فراقها أَو على أَنه خطاب للقلب فَفِيهِ الْتِفَات آخر من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب وَفِي طحابك الْتِفَات آخر عِنْد السكاكي لَا عِنْد الْجُمْهُور
وَأَشَارَ عَلْقَمَة بصدر الْبَيْت الَّذِي قبل الْأَخير هُنَا إِلَى أَن المَال يستر شين الشيب وَيحسن قبيحه كَمَا قَالَ بَعضهم
وخودٌ دعَتني إِلَى وصْلهاوعصرُ الشَّبيبةِ مني ذَهَبْ
فقلتُ مشيي مَا يَنطليفَقَالَت بَلى يَنْطلي بالذَّهبْ) // المتقارب //
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع