من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)
شَوَاهِد الإيجاز والإطناب والمساواة (٣)
وَمن الشواهد عَلَيْهِ قَول ذِي الرمة أَيْضا
(قِف الصَّبْر فِي أطْلَال مَيَّة فأسألِ ... رُسوماً كأخلاقِ الرِّداء ... ....) // الطَّوِيل // فتم كَلَامه ثمَّ احْتَاجَ إِلَى القافية فَقَالَ المسلسل فزاده شَيْئا ثمَّ قَالَ
أظُن الذِي يُجدِي عَليكَ سؤالهادُموعاً كتبديد الجمان
فتم كَلَامه ثمَّ احْتَاجَ إِلَى القافية فَقَالَ الْمفصل فزاده شَيْئا
قيل وَكَانَ الرشيد يعجب بقول مُسلم بن الْوَلِيد
إِذا مَا علت مِنَّا ذؤابةَ شاربٍتَمشَّتْ بهِ مشي المُقيَّدِ فِي الوحلِ) // الطَّوِيل //
وَكَانَ يَقُول قَاتله الله أما كَفاهُ أَن يجمله مُقَيّدا حَتَّى جعله فِي وَحل
وَمِنْه قَول ابْن الرُّومِي
لَهَا صَريحٌ كأنهُ ذَهبٌوَرغوةٌ كاللآلئ الفلق) // المنسرح //
فَزَاد بقوله الفلق تمكيناً فِي التَّشْبِيه
وَمن أبدع مَا وَقع فِيهِ لمتأخر قَول أبي بكر بن مجير
(وَخَلِيفَة ابْن خَليفَة ابْن خَليفَة وَسَتَفْعَلُ ...) // من مجزوء الْكَامِل //
فَقَوله وستفعل تَبْلِيغ بديع أَفَادَ بِهِ بِشَارَة الممدوح بِأَن سلسلة الْخلَافَة فِي عقبه
وَحكى أَن بعض الشُّعَرَاء قَالَ لأبي بكر بن مجير هَذَا إِنِّي نظمت قصيدة مَقْصُورَة الروي وأعجزني مِنْهَا رُوِيَ بَيت وَاحِد فَمَا أَدْرِي كَيفَ أتممه فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر أنشدنيه فانشده قَوْله
سَليلُ الإِمَام وصنو الإِماموعمُّ الإِمام ... .....) // المتقارب //
فَقَالَ لَهُ من غير تفكير وَلَا روية قل وَلَا مُنْتَهى فَوَضعه فِي قصيدته على مَا تممه لَهُ وَكَانَ أمكن قوافيه وأقواها
وَللسَّيِّد أبي الْقَاسِم شَارِح مَقْصُورَة حَازِم فِي هَذَا النَّوْع قَوْله
لم يبرحِ المجدُ يسمو ذَاهِبًا بهمُحَتَّى أجَاز الثريَّا وَهُوَ مَا قنعا) // الْبَسِيط //
فَقَوله وَهُوَ مَا قنعا من التَّبْلِيغ الَّذِي أَفَادَ زِيَادَة فِي الْمَعْنى ظَاهِرَة
وَلَسْتَ بمُسْتَبقٍ أَخاً لَا تَلُمُهُعَلى شَعَثٍ أَيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ
الْبَيْت للنابغة الذبياني من قصيدة من الطَّوِيل يُخَاطب بهَا النُّعْمَان أَولهَا
أَرسماً جَدِيدا من سعاد تجنبعفَت رَوْضَة الأجداد مِنْهَا فيثُقبُ
عَفا آيَهُ نسجُ الْجنُوب مَعَ الصَّباوأُسحمُ دانٍ مزنُه متصوب) // الطَّوِيل //
يَقُول فِيهَا أَيْضا
فَلَا تتركنِّي بالوعيد كأننيإِلَى النَّاس مطليٌّ بِهِ القارُ أَجرب
أَلم ترَ أَن الله أَعطاك سَوْرَةًيُرى كل مَلك دونهَا يتذبذب
فَإنَّك شمس والملوك كواكبإِذا طلعت لم يبد مِنْهُنَّ كَوْكَب) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
فإِن يكُ مَظْلُوما فعبدٌ ظلمتَهُوإِن تكُ ذَا عُتْبي فمثلك يُعتبُ
أَتاني أبَيْت اللعنَ أنكَ لمتنيوَتلك الَّتِي أهتم مِنْهَا وأنصبُ
والشعث انتشار الْأَمر والمهذب المنقح الفعال المرضي الْخِصَال
وَالْمعْنَى لَا تقدر على اسْتِبْقَاء مَوَدَّة أَخ حَال كونك مِمَّن لَا تلمه وَلَا تصلحه على تفرق وذميم خِصَال
ذكرت هُنَا قَول الشَّاعِر مُعَارضا للنابغة فِي هَذَا الْبَيْت وَهُوَ
ألومُ زياداً فِي ركاكة عقلهوَفِي قَوْله أيُّ الرِّجَال الْمُهَذّب
وهلْ يحسنُ التهذيبُ منكَ خلائقاًأرقُّ من المَاء الزلَال وأَطيب
تكلمَ والنعمانُ شمسُ سمائهوكل مليك عِنْد نعمانَ كوكبُ
وَلَو أبصرتْ عَيناهُ شخصك مرّةلأبصرَ منهُ شمسَهُ وَهُوَ غيهَبُ) // الطَّوِيل //
وَهَذَا نوع من البديع يُسمى التوليد وَسَيَأْتِي الْكَلَام على شَيْء مِنْهُ فِي الْفَنّ الثَّالِث إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَالشَّاهِد فِيهِ التذييل لتأكيد مَفْهُوم فصدر الْبَيْت دلّ بمفهومه على نفي الْكَامِل من الرِّجَال وعجزه تَأْكِيد لذَلِك وَتَقْرِير لِأَن الِاسْتِفْهَام فِيهِ إنكاري أَي لَا مهذب فِي الرِّجَال
وَفِي معنى الْبَيْت قَول أبي الْحسن مُحَمَّد الموقت الْمَكِّيّ
إِذا الْمَرْء لم يبرحْ يُمَارِي صديقهُوَلم يحْتَمل مِنْهُ فَكيف يعايشُهْ
وأنَى يدومَ الوُد والعهدُ بينهُوَبَين أَخ فِي كل وَقت يناقشه) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول مؤيد الدّين الطغرائي
أَخَاك أَخَاك فَهوَ أَجلُّ ذُخرٍإِذا نابتك نائبة الزمانِ
فإِنْ رابَتْ إساءتهُ فهَبْهالما فِيهِ من الشَّيَم الحسانِ
تُرِيدُ مُهَذّباً لَا عيب فِيهِوهلْ عُودٌ يفوحُ بِلَا دُخان) // الوافر //
وبديع قَول ابْن الْحداد أَيْضا
واصلْ أخاكَ وَإِن أتاكَ بمنكرفخلوص شَيْء قَلما يتمكنُ
وَلكُل حُسْنٍ آفةٌ مَوجودةإِنَّ السِّرَاجَ على سناهُ يدخَّنُ) // الْكَامِل //
وَمَا أحسن قَول ابْن شرف أَيْضا
لَا تسألِ النَّاس والأَيامَ عَن خبرهما يبُثَانِكَ الأخبارَ تفصيلَا
وَلَا تعاقِبْ على نقص الطباع أَخافإِنَّ بدرَ السما لم يُعْطَ تكميلا) // الْبَسِيط //
وَمن النفيس قَول ابْن حمديس
أَكرمْ صديقكَ عنْ سؤالكعنهُ واحفظ منْهُ ذِمَّهْ
(فلربما استخبرتَ عَنهُ عدوّه فسمعتَ ذمه ...) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَول عمر الْخَرَّاط وَهُوَ رجل من القيروان
(لَا تسألنّ عَن الصّديق وسل وسل فُؤَادك عَن فؤادهْ ...)
فلربما بحث السُّؤَالعلى فسادكَ أَو فسادة) // من مجزوء الْكَامِل //
ولمؤلفه فِي مَعْنَاهُ
لستُ عَن ود صديقي ساثلاغيرَ قلبِي فَهُوَ يدْرِي ودَّه
فَكَمَا أعلم مَا عِنْدِي لَهُفَكَذَا أعلمُ مَالِي عِنْده) // الرمل //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم
عتبي عليكَ مقارنُ الْعذرقدْ رَدَّ عَنكَ حفيظتي صبري
فَمَتَى هفوتَ فأنتَ فِي سَعَةٍوَمَتى جفوتَ فأنتَ فِي عذرِ
تَركُ العتابِ إِذا اسْتحق أخٌمِنكَ العتابَ ذريعةُ الهجر) // الْكَامِل //
وَقَول بَعضهم
إِذا أَنْت لم تغْفر ذنوباً كَثِيرَةتَرِيبكَ لم يسلم لكَ الدهرَ صاحبُ
وَمن لم يغمِّضْ عينه عَن صديقهِوَعَن بعض مَا فِيهِ يمتْ وَهُوَ عَاتب) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الْفَتْح البستي
تحمّلْ أخاكَ على مَا بهِفَما فِي استقامته مطمعُ
وأنيَّ لهُ خُلُقٌ وَاحِدوَفِيه طبائعه الْأَرْبَع) // المتقارب //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم
لَا تثقْ من آدميّفِي وِدَادٍ بصفاءِ
كيفَ تَرْجُو مِنْهُ صفواًوَهْوَ مِنْ طين ومَاء) // من مجزوء الرمل //
وَهُوَ كَقَوْل الآخر
ومنْ يكُ أصلهُ مَاء وطيناًبعيدٌ من جِبلَّتهِ الصفاءُ) // الوافر //
وَمَا أبدع قَول الْجمال بن نباتة
يَا مشتكي الهمّ دعهُ وانتظرْ فرَجاًودارِ وقتكَ من حِين إِلَى حِين
ولَا تعانِدْ إِذا أمسيتَ فِي كدَرفإِنمَا أنتَ من مَاء وَمن طينِ) // الْبَسِيط //
وللصلاح الصَّفَدِي فِيهِ أَيْضا
دع الإخوانَ إِن لم تَلْقَ مِنْهُمصفاءَ واستَعِنْ واسْتَغْنِ باللهْ
أَلَيس المرءُ من ماءٍ وَطينٍوأيُّ صفا لهاتيك الجبلة) // الوافر //
وَمِمَّا ينظر إِلَى معنى الْبَيْت المستشهد بِهِ قَول بَعضهم
إِذا أَنْت لم تتْرك أخاكَ وزلةًأرادَ لَهَا أوشكتما أَن تفَرقا) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
صديقَكَ مهما جَنى غَطِّهوَلَا تُخْفِ شَيْئا إِذا أحسْنا
وَكن كالظلام معَ النَّار إِذْيواري الدُّخانَ وَيبْدِي السنَّا) // المتقارب //
ولمؤلفه
أَخاك اغتفر ذَنبهوسامِحْ إِذا مَا هفَا
وغطِّ على عَيبهيَدُمْ منهُ عهدُ الوفا
وَإِن رُمْتَ تقويمهتَجِد وُده قد عَفا) // من مجزوء المتقارب //
فَسَقى دِيارَكِ غيرَ مُفْسِدِهَاصَوْبُ الرّبيع وديمةٌ تَهْمِي
الْبَيْت لطرفة بن العَبْد من قصيدة من الْكَامِل يمدح بهَا قَتَادَة بن مسلمة الْحَنَفِيّ وَكَانَ قد أصَاب قومه سنة فَأتوهُ فبذل لَهُم وأولها
إِن امرَأُ سَرفَ الفَؤادِ يرىعَسَلاً بِمَاء سَحَابَة شَتْمِي
وَأَنا امْرُؤ أكوى من الْقصر الباديوأغشى الدُّهمَ بالدهم
وأصيبُ شاكلة الرَّمية إِذْصدّت بصفحتها عَن السهْم
وأُجِرُّ ذَا الكفل القَناةَ علىأنسائه فَيظل يَستدمي
وتَصد عَنْك مخيلة الرجل العريضموضِحةً عَن العَظمِ
بحُسام سَيْفك أَو لسَانك والكلمالأصيلُ كأرغَبِ الكَلْمِ
أبلغ قتادَةَ غيرَ سائلهِمني الثوابَ وعاجل الشكم
أَبى حَمَدتُكَ للعشيرةِ إِذْجَاءَت إِلَيْك مُرِقة العَظم
ألقوْا إِلَيْك بِكُل أرْمَلةٍشعثاء تحمل مبقع الْبرم
وفتحْتَ بابكَ للمكارم حِينتواصَتِ الأبوابُ بالأزم) // الْكَامِل //
وَبعده الْبَيْت وَهُوَ آخرهَا
وَصوب الرّبيع نزُول الْمَطَر ووقعه فِي الرّبيع والديمة مطر يَدُوم فِي سُكُون بِلَا رعد وَلَا برق أَو يَدُوم خَمْسَة أَيَّام أَو سِتَّة أَو سَبْعَة أَو يَدُوم يَوْمًا وَلَيْلَة أَو أَقَله ثلث النَّهَار أَو اللَّيْل وَأَكْثَره مَا بلغت وَجَمعهَا ديم وديوم وَمعنى تهمى تسيل
وَالشَّاهِد فِيهِ التَّكْمِيل وَيُسمى الاحتراس أَيْضا وَهُوَ أَن يُؤْتى فِي كَلَام يُوهم خلاف الْمَقْصُود بِمَا يَدْفَعهُ وَهُوَ هُنَا قَوْله غير مفسدها فَإِن نزُول الْمَطَر قد يكون سَببا لخراب الدُّنْيَا وفسادها فَدفع ذَلِك بتوسط قَوْله غير مفسدها
وَفِي معنى الْبَيْت قَول جرير
فَسقاكِ حيثُ حلَلتِ غير فقَيدةٍهَزَجُ الرِّيَاح وديمةٌ لَا تقلع) // الْكَامِل //
وَمن الاحتراس قَول زُهَيْر بن أبي سلمى
من يَلقَ يَوْمًا على علَاّته هرِماًيلق السماحَةَ منهُ والندى خلقا) // الْبَسِيط //
وَقَول امرىء الْقَيْس أَيْضا
على هَيكلٍ يُعطيك قبلَ سؤالهِأفانينَ جَري غير كزٍّ وَلَا واني) // الطَّوِيل //
وَقَول نَافِع بن خَليفَة الغنوي
رجال إِذا لم يُقبلِ الْحق منهُمُويُعطوهُ عَادوا بالسيُّوفِ القواضب) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول عنترة الْعَبْسِي
أثني عليَّ بِمَا علمت فإننيسَهلٌ محالفتي إِذا لم أظْلم) // الْكَامِل //
وَقَول الآخر
فَإِنِّي إِن أفُتْكَ يفتُك منيفَلَا تُسْبَقْ بِهِ عِلْقٌ نَفِيس) // الوافر //
وَمن مليح الاحتراس قَول الرَّمَادِي فِي وصف فرس
قامَتْ قوائمُه لنا بطعَامناغضّا وَقَامَ الْعرف بالمنديل) // الْكَامِل //
فَقَوله غضا احتراس عَجِيب إِذْ لَو لم يذكر لتوهم أَنهم ينقلون عَلَيْهِ أَزْوَادهم
وطرفة بن العَبْد هُوَ ابْن سُفْيَان بن سعد بن مَالك بن عباد بن صعصعة ابْن قيس بن ثَعْلَبَة وَيُقَال إِن اسْمه عَمْرو وَسمي طرفَة بِسَبَب بَيت قَالَه
وَأمه وردة من رَهْط أَبِيه وفيهَا يَقُول لأخوالها وَقد ظلموها حَقّهَا
مَا تنْظرُون بحقِّ وردَةَ فيكُمُصَغُرَ البنونَ ورهط وردة غيب) // الْكَامِل //
وَكَانَ أحدث الشُّعَرَاء سنا وَأَقلهمْ عمرا قتل وَهُوَ ابْن عشْرين سنة فَيُقَال لَهُ ابْن الْعشْرين وَقيل قتل وَهُوَ ابْن سِتّ وَعشْرين سنة وإِلى ذَلِك تُشِير أُخْته حَيْثُ قَالَت ترثيه
عدَدنا لَهُ سِتا وَعشْرين حِجَّةًفَلَمَّا تَوَفَّاها استوَى سيِّداً ضخْمَا
فُجِعنا بِهِ لما رَجونا إيابَهُعلى خَير حالٍ لَا وليداً وَلَا فحما) // الطَّوِيل //
وَكَانَ السَّبَب فِي قَتله أَنه كَانَ ينادم عَمْرو بن هِنْد فَأَشْرَفت ذَات يَوْم أُخْته فَرَأى طرفَة ظلها فِي الْجَام الَّذِي فِي يَده فَقَالَ
أَلا يَأْتِي ليَ الظبي الَّذِييَبْرق شنفاه
وَلَوْلَا الْملك الْقَاعِدقد ألثَمني فاهُ) // الهزج //
فحقد عَلَيْهِ وَكَانَ قد قَالَ أَيْضا قبل ذَلِك
وليتَ لنا مكانَ الملكِ عَمْرٍورَغوثاً حول قُبَّتنا تخُورُ
لعَمرُك إِن قابوسَ بن هندٍليَخلطُ ملكَهُ نوك كثير) // الوافر //
وقابوس هَذَا هُوَ أَخُو عَمْرو بن هِنْد وَكَانَ فِيهِ لين وَيُسمى قينة الْفرس فَكتب لَهُ عَمْرو بن هِنْد إِلَى الرّبيع بن حوثرة عَامله على الْبَحْرين كتابا أَوْهَمهُ فِيهِ أَنه أَمر لَهُ بجائزة وَكتب للمتلمس بِمثل ذَلِك فَأَما المتلمس ففك كِتَابه
وَعرف مَا فِيهِ فبخا كَمَا سَيَأْتِي فِي خَبره وَأما طرفَة فَمضى بِالْكتاب فَأَخذه الرّبيع فَسَقَاهُ الْخمر حَتَّى أثمله ثمَّ فصد أكحله فقبره بِالْبَحْرَيْنِ وَكَانَ لطرفة أَخ يُقَال لَهُ معبد فطالب بديته فَأَخذهَا من الحواثر
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة مر لبيد بِمَجْلِس لنهدٍ بِالْكُوفَةِ وَهُوَ يتَوَكَّأ على عَصا فَلَمَّا جَاوز أمروا فَتى مِنْهُم أَن يلْحقهُ فيسأله من أشعر الْعَرَب فَفعل فَقَالَ لَهُ لبيد الْملك الضليل يَعْنِي امْرأ الْقَيْس فَرجع فَأخْبرهُم فَقَالُوا لَهُ إِلَّا سَأَلته ثمَّ من فَرجع فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ ابْن الْعشْرين يَعْنِي طرفَة فَلَمَّا رَجَعَ قَالُوا ليتك سَأَلته ثمَّ من فَرجع فَقَالَ صَاحب المحجن يَعْنِي نَفسه قَالَ أَبُو عُبَيْدَة طرفَة أجودهم وأجده لَا يلْحق بالبحور يَعْنِي امْرأ الْقَيْس وزهيراً والنابغة وَلكنه يوضع مَعَ أَصْحَابه الْحَارِث بن حلزة وَعَمْرو بن كُلْثُوم وسُويد بن أبي كَاهِل
وَمن شعر طرفَة وَهُوَ صبي قَوْله
فَلولَا ثَلَاث هنَّ من عيشة الْفَتىوَجدك لم أحفل مَتى قامَ عُوَّدِي
فمنهن سبقي العاذلات بشَرْبةٍكمُيتٍ مَتى مَا تُغلَ بِالماء تزبد
وَكَرِّى إذَا نادَى المُضافُ مُحنباكَسيد الْغضا نَبهتهُ المُتوردِ
وَتقصيرُ يَوم الدَّجن والدحن مُعجبٌبِبهكنَةٍ تحتَ الخباء المعمد) // الطَّوِيل //
وَقد أَخذه عبد الله بن نهيك بن إساف الْأنْصَارِيّ فَقَالَ
وَلَوْلَا ثلاثٌ هنَّ من عيشة الْفَتىوَجدك لم أحفل مَتى قامَ رامسُ
فمنهن سبقي العاذلات بشرْبةٍكَأَن أخاها مطلعَ الشَّمْس ناعسُ
ومنهنَّ تَجْرِيد الكواعب كالدُّمىإِذا ابتُزَّ عَن أكفالهنَّ الملابسُ
ومنهنّ تقريطُ الجَواد عنانهإِذا استبق الشَّخْص الْقوي الفوارس) // الطَّوِيل //
وَقد نَاقض عبد الحميد بن أبي الْحَدِيد الْبَغْدَادِيّ أَبْيَات طرفَة السَّابِقَة فَقَالَ
لَوْلَا ثَلَاث لم أخَفْ صرْعتيليستْ كَمَا قَالَ فَتى العبدِ
أَن أنْصُرَ التوحيدَ والعدلَ فِيكل مكانٍ باذلاً جهدِي
وأنْ أُنَاجِي اللهَ مُستمتعاًبخلوةٍ أحلى منَ الشهدِ
وأنْ أتيهَ الدهرَ كِبراً علىكلِّ لئيم أَصْغَر الخدِّ
لذاكَ أهوَى لَا فتاةٍ وَلَاخمرٍ وَلَا ذِي ميعة نهد) // السَّرِيع //
وَمِمَّا سبق إِلَيْهِ أَيْضا وَكَانَ يتَمَثَّل بِهِ النَّبِي ﷺ قَوْله
ستبدِي لكَ الأيامُ مَا كنتَ جَاهِلاويأتيك بالأخبار من لم تزَود) // الطَّوِيل //
وَقَالَ غَيره
ويأتيك بالأخبار من لم تبعْ لهُبتاتاً وَلم تضربْ لَهُ وقتَ موعدِ) // الطَّوِيل //
وَمِمَّا يستجاد من قصيدته الَّتِي مِنْهَا الْبَيْت السَّابِق على هَذَا قَوْله
أَلا أيُّهاذا الزّاجري أحضرَ الوغىوأنْ أشهدَ اللَّذَّات هلْ أنتَ مُخلدِي
فَإِن كنت لَا تَسْتَطِيع دفع منيتيفذرني أبادرها بِمَا ملكت يدِي
أَرَى قبرَ نحَّام بخيلٍ بمالهِكقبرِ غويٍٍّ فِي البطالةِ مُفسدِ
أَرَى العيشَ كنزاً نَاقِصا كلّ ليلةٍوَمَا تنقصُ الأيامُ والدَّهرُ ينفدِ
لعمركَ إنَّ الموتَ مَا أَخطَأ الْفَتىلكالطَّوَلِ المُرْخَى وثنياه بِالْيَدِ) // الطَّوِيل //
وَمِمَّا يعاب من شعره قَوْله يمدح قوما
أسدغيل فإِذا مَا شربواوَهبوا كلَّ أمون وطمرّ
ثمّ راحوا عَبَقُ المسكِ بهمْيُلْحفونَ الأرضَ أهدابَ الْأرز) // الرمل //
ذكر أَنهم يُعْطون إِذا سَكِرُوا وَلم يشْتَرط ذَلِك فِي صحوهم كَمَا قَالَ عنترة
وإِذا شربتُ فإِنني مُستهلكٌمَالِي وعِرضي وافرٌ لم يكلم
وَإِذا صحوتُ فَمَا أقصرُ عنْ نَدىًوَكما علمت شمائلي وتكرمي) // الْكَامِل //
قَالُوا والجيد هُوَ قَول زُهَيْر بن أبي سلمى
أَخُو ثقةٍ لَا يُتْلِفُ الخمرُ مالَهُولكنهْ قدْ يُتلفُ المَال نائله) // الطَّوِيل //
وَقَالَ بعض الْمُحدثين
فَتى لَا يلوكُ الخمرُ شحمةَ مالهُولكنْ عطاياهُ ندًى وبواد) // الطَّوِيل //
وَمَا ألطف قَول ابْن حمديس فِي معنى قَول عنترة
يعيدُ عطايا سكرهِ عندَ صحوهِليُعلم أَنّ الجودَ منهُ على علم
وَيسلم فِي الإِنعام مِنْ قَول قَائِلتكرمَ لما خامرتهُ ابنةُ الْكَرم) // الطَّوِيل //
إِن الثَّمَانِينَ وبلغتهاقَدْ أحْوَجَتْ سمْعي إِلى تَرْجُمَانْ
الْبَيْت لعوف بن ملحم الشَّيْبَانِيّ من قصيدة من السَّرِيع قَالَهَا لعبد الله بن طَاهِر وَكَانَ قد دخل عَلَيْهِ فَسلم عَلَيْهِ عبد الله فَلم يسمع فَأعْلم بذلك فَدَنَا مِنْهُ ثمَّ ارتجل هَذِه القصيدة وأولها
يَا ابنَ الذِي دانَ لَهُ المشرقانْطُرّاً وقدْ دانَ لَهُ المغربان) // السَّرِيع //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
وبدَّلَتْني بالشّطاط انحناوكنتُ كالصَّعدة تَحت السِّنانْ
وعوَّضتني منْ زماع الْفَتىوهمتي همَّ الجبان الْهِدَنْ
وقارَبتْ مني خُطاً لم تكنمقارباتٍ وثنتْ منْ عنانْ
وأنشأتْ بيني وَبَين الوَرَىسَحَابَة لَيستْ كنسجِ الْعَنَان
وَلم تدعْ فيَّ لِمُستمتعٍإِلَّا لساني وبحبسي لِسان
أدْعو بهِ الله وأُثني بهِعلى الْأَمِير المُصعَبِيِّ الهجان
وَمن الِاعْتِرَاض أيضاُ قَول كثير عزة
وَلَو أنّ عزة حاكَمَتْ شمسَ الضُّحَىفِي الْحسن عندَ موفَّقٍ لقضى لَهَا) // الْكَامِل //
وَهُوَ معترض إِذْ لَا بُد فِيهِ من ذكر موفق لِأَنَّهُ لَا يتم الْمَعْنى بِدُونِهِ وَمِنْه قَول كثير أَيْضا
لَو أنّ الباخلينَ وأنتِ منهمْرَأوكِ تعلَّموا منكِ المِطالَا) // الوافر //
وَمن مليح مَا سمع فِيهِ قَول نصيب وَكَانَ أسود
فكدتُ وَلم أُخْلَقْ من الطيرِ إِن بدَاسنَا بارق نَحْو الْحجاز أطير) // الطَّوِيل //
يرْوى أَن الَّتِي قيل فِيهَا هَذَا الْبَيْت لما سمعته تنفست نفسا شَدِيدا فصاح ابْن أبي عَتيق أوه قد وَالله أَجَابَتْهُ بِأَحْسَن من شعره وَالله لَو سَمعك لنعق وطار فَجعله غراباً لسواده
وَمن المستحسن فِيهِ أَيْضا قَول الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
قدْ كنتُ أبْكِي وأنتِ راضيةحِذَارَ هَذَا الصدود والغضبِ
إِن تمَّ ذَا الهجرُ يَا ظلومُ وَلَاتَمَّ فَمَالِي فِي الْعَيْش من أرب) // المنسرح //
وَمَا أحسن قَول أبي الْفَتْح البستي
أرَاحَ الله قلبِي من زَمانمَحَتْ يدهُ سروري بالإساءهْ
فإِنْ حَمِدَ الكريمُ صباح يَوْموأنى ذاكَ لم يحمَدْ مساءه) // الوافر //
والمتأخرون يسمون هَذَا الِاعْتِرَاض حَشْو اللوزينج وَمَا أبدع قَول ابْن الساعاتي فِيهِ
حالَ من دونكِ يَا أُخْت الكِللْمُقَلُ الحيّ وفُرْسان الأسَلْ
ومواضٍ مُرْهَفاتٌ فتكتْبِي وحاشاكِ وَلَا مثل الكَحَلْ) // الرمل //
وَقَول أبي الْحُسَيْن الجزار
ويهتز للجدوى إِذا مَا مدحتهُكَمَا اهتز حاشا وَصفه شاربُ الْخمر) // الطَّوِيل //
وَقد أَخذه من ابْن الساعاتي فَإِنَّهُ قَالَ
يهزُّهُ الْمَدْح هز الْجُود سائلَهأَولا وحاشاهُ هزَّ الشَّارِب الثمل) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول الْفَقِيه عمَارَة اليمني
لهُ راحةٌ ينهلُّ جوداً بنانُهاوَوَجهٌ إِذا قابلتَه يتهلَّلُ
يرَى الْحق للزوار حَتَّى كأنهُعَلَيْهِم وحاشا قدره يتطفلُ) // الطَّوِيل //
وَالْكل أخذُوا لَفْظَة حاشا من أبي الطّيب المتنبي حَيْثُ يَقُول
ويحتقرُ الدُّنْيَا احتقارَ مجرِّبٍيرَى كل مَا فِيهَا وحاشاه فانيا) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن أَيْضا قَوْله فِيهِ
وخُفُوقُ قلبٍ لَو رأيتَ لهيبهُيَا جنتي لَوَجَدْتَ فِيهِ جهنما) // الْكَامِل //
وللقاضي مهذب الدّين الغسساني
وَمَالِي إِلَى ماءٍ سوى النّيل غلةٌوَلَو أَنه أسْتَغْفر الله زَمْزَم) // الطَّوِيل //
وبديع قَول أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن يحيى بن حرم
أتجزع من دمعي وأنتَ أسلتهُوَمن نَار أحشائي ومنك لهيبها
وتزعمُ أنَّ النفسَ غَيرَك عُلِّقتْوأنْتَ وَلَا منٌّ عَلَيْك حبيبها) // الطَّوِيل //
وَمن الحشو الَّذِي زَاد حلاوة قَول الْجمال بن نباتة
لوْ ذُقتَ بَرْدَ رُضاب من مُقَبِّلِهِيَا حارِ مَا لمتَ أعطافي الَّتِي ثملت) // الْبَسِيط //
وَقَول السراج الْوراق
إنّ عَيْني وَهِي عُضْو دَنِفٌمَا على مَا كابدَتْهُ جلدُ
مَا كفاها بُعدُها عَنْك إِلَىأَن دَهاهَا وكُفِيتَ الرمد) // الرمل //
وَمَا أحسن قَول ابْن اللبانة فِي نَاصِر الدولة صَاحب ميورقة
وغمرْتَ بِالْإِحْسَانِ أهل ميورقةوبنيتَ فِيهَا مَا بنى الْإِسْكَنْدَر
فَكَأَنَّهَا بغدادُ أنتَ رَشيدهَاووزيرها وَله السَّلامَة جَعْفَر) // الْكَامِل //
قَوْله وَله السَّلامَة من أَمْلَح الحشو وأحلاه قَالُوا وَهُوَ أَمْلَح وأوضح من قَول المتنبي ويحتقر الدُّنْيَا.. الْبَيْت الْمَار
وَمن المضحك فِيهِ قَول الجزار
لئنْ قطعَ الغيثُ الطريقَ فبغلتيوحاشاكَ قبقابي وجوختيَ الدارُ
وَإِن قيلَ لي لَا تخش فَهُوَ عبورةخشيتُ على علمي بأنيَ جزار) // الطَّوِيل //
وَمَا ألطف قَوْله فِي معنى رقة الْحَال وَإِن لم يكن من هَذَا الْبَاب
لي منَ الشمسِ حلَّة صفراءُلَا أُبالي إِذا أَتَانِي الشتاءُ
(ومنَ الزمْهريرِ إِن حدثَ الغَيمُ ثِيَابِي وطيلساني الهواءُ ...)
بيتيَ الأرضُ والفضافيهِ سورٌلي مدَار وسقفُ بَيْتِي السماءُ
شَنَّعَ الناسُ أنني جاهليثانوىّ وَمَا لَهُم أهواءُ
أخذُوني بظاهِرِي إِذْ رأونيعبدَ شمس تسوءُني الظلماءُ) // الْخَفِيف //
وَمَا ألطف قَول الْبَهَاء زُهَيْر فِي هَذَا الْمَعْنى
أدرِكوني فَبِي منَ البردِ همّليسَ يُنْسَى وَفِي حشاي التهاب
كلما ازرق لونُ جسمي منَ الْبردتخيَّلْتُ أَنه سِنجابُ) // الْخَفِيف //
رَجَعَ إِلَى الِاعْتِرَاض
وَمِنْه قَول أبي مُحَمَّد الميطراني وَكتب بِهِ إِلَى صديق لَهُ رأى عِنْده غُلَاما استخدمه
رأيتُ ظَبْيًا يطوف فِي حَرَمكْأغرَّ مستأنسا إِلَى كرَمكْ
أطمعني فِيهِ أنهُ رَشأيرشي ليخشى وَلَيْسَ من خدمك
فاشَغْلُه بِي سَاعَة إِذا فرَغَتْدَوَاتُهُ إِن رَأيت من قلمك) // المنسرح //
وَمن بديعه مَعَ الرقة والانسجام قَول ريسم بن شادلويه صَاحب أذربيجان
سُعادُ تسُبُّني ذُكرَت بِخَيروتزعُم أنني مَلِقٌ خَبيثُ
وَأَن موَدَّتي كذبٌ ومَيْنوَأَنِّي بِالَّذِي أَهْوى بَثُوثُ
ولَيسَ كَذا وَلَا ردٌّ عَلَيْهَاولكنَّ الملولَ هُوَ النكوثُ
رأَت شَغَفي بهَا ونحولَ جسميفصَدَّت هَكَذَا كَانَ الحَدِيث) // الوافر //
وَمَا ألطف قَول الْبَهَاء زُهَيْر يهجو
صديقٌ لي سأذكرهُ بخيرٍوإِن عَرَّفتُ باطنهُ الخبيثا
وحاشا السامعينَ يُقالُ عَنْهُموَبِاللَّهِ اكتموا هَذَا الحديثا) // الوافر //
وَبَالغ ابْن الساعاتي بقوله
تودُّ نجُوم اللَّيْل لَو نَصَلت بهَاوَإِن لَقِيتْ بُؤساً ذوابلُ مُلدِهِ
وَلَو تملكُ الحكم الأهلَّةُ لم تكنوَيَا فخرها إِلَّا نعالاً لجرده) // الطَّوِيل //
وعَوْف بن ملحم الْخُزَاعِيّ أَبُو الْمنْهَال هُوَ أحد الْعلمَاء الأدباء الروَاة الفهماء الندماء الظرفاء الشُّعَرَاء الفصحاء وَكَانَ صَاحب نَوَادِر وأخبار وَمَعْرِفَة بأيام النَّاس واختصه طَاهِر بن الْحُسَيْن بن مُصعب لمنادمته ومسامرته فَلَا يُسَافر إِلَّا وَهُوَ مَعَه فَيكون زميله وعديله ويعجب بِهِ وَقَالَ مُحَمَّد بن دَاوُد إِن سَبَب اتِّصَاله بطاهر أَنه نَادَى على الجسر بِهَذِهِ الأبيات أَيَّام الْفِتْنَة بِبَغْدَاد وطاهرٌ منصرف فِي حراقة لَهُ بدجلة فَأدْخلهُ مَعَه وأنشده إِيَّاهَا وَهِي
(عجبتُ لحرَّاقَة ابْن الحسَين كيفَ تَعومُ وَلَا تغرقُ ...)
وبحرانِ من تحتهَا واحدٌوآخرُ من فَوْقهَا مُطْبقُ
وأعجَبُ من ذاكَ عيدانُهاوَقد مَسَّها كَيفَ لَا تورق) // المتقارب //
وَأَصله من حران وَبَقِي مَعَ طَاهِر ثَلَاثِينَ سنة لَا يُفَارِقهُ وَكلما استأذنه فِي الِانْصِرَاف إِلَى أَهله ووطنه لَا يَأْذَن لَهُ فَلَمَّا مَاتَ ظن أَنه تخلص وَأَنه يلْحق بأَهْله فقر بِهِ عبد الله بن طَاهِر وأنزله مَنْزِلَته من أَبِيه وَأفضل عَلَيْهِ حَتَّى كثر مَاله وَحسنت حَاله وتلطف بِجهْدِهِ أَن يَأْذَن لَهُ فِي الْعود إِلَى أَهله فاتفق أَنه خرج عبد الله من بَغْدَاد إِلَى خُرَاسَان فَجعل عوفاً عديله فَلَمَّا شَارف الرّيّ سمع صَوت عندليب يغرد أحسن تغريد فأعجب ذَلِك عبد الله والتفت إِلَى عَوْف وَقَالَ يَا ابْن ملحم هَل سَمِعت بأشجى من هَذَا فَقَالَ لَا وَالله فَقَالَ عبد الله قَاتل الله أَبَا كَبِير حَيْثُ يَقُول
أَلا يَا حمام الأيك إلفك حَاضروغصنك مياد فَفِيمَ تَنوحُ
أفق لَا تنج من غير بَين فأننيبَكَيْتُ زَمَانا والفؤادُ صَحيحُ
وَلوعاً فَشَطَّتْ غُربةً دارُ زَيْنَبفها أَنا أبْكِي والفؤادُ قريحُ) // الطَّوِيل //
فَقَالَ عَوْف أحسن وَالله وأجاد أَبُو كَبِير إِنَّه كَانَ فِي الهذليين مائَة وَثَلَاثُونَ شَاعِرًا مَا فيهم إِلَّا مفلق وَمَا كَانَ فيهم مثل أبي كَبِير وَأخذ يصفه فَقَالَ لَهُ عبد الله أَقْسَمت عَلَيْك إِلَّا أجزت قَوْله فَقَالَ لَهُ قد كبر سني وفني ذهني وَأنْكرت كل مَا كنت أعرفهُ فَقَالَ عبد الله بِحَق طَاهِر إِلَّا فعلت فابتدر عَوْف فَقَالَ
أَفِي كل عَام غُربَةٌ ونزُوحُأما للنوى من ونْيَةٍ فتريحُ
لقد طَلَّحَ البينُ المشِتُّ ركائبيفَهَل أرَيَنَّ البينَ وَهُوَ طليحُ
وأَرَّقَني بالريِّ نوحُ حمامةٍفَنُحتُ وَذُو اللبِّ الغريبُ ينوحُ
على أَنَّهَا ناحَتْ وَلم تُذْر دمْعَةًونحتُ وأسْرابُ الدُّمُوع سُفوحُ
وناحت وفَرْخَاها بحيثُ تراهماوَمن دون أفراخي مهامه فيح
أَلا يَا حمام الأيك إلفك حَاضروغصنك مياد فَفِيمَ تنوح
عَسى جُودَ عبد الله أَن يعكس النَّوَىفَتُلفَي عَصا التَّطواف وَهِي طَريحُ
فَإِن الغنِي يُدْني الْفَتى من صدِيقهِوعُدْمُ الْفَتى بالمغربين طروح) // الطَّوِيل //
فاستعبر عبد الله ورق لَهُ وَجَرت دُمُوعه وَقَالَ وَالله إِنَّنِي لضنين بمفارقتك شحيح على الْفَائِت من محاضرتك وَلَكِن وَالله لَا أعملت معي خفاً وَلَا حافراً إِلَّا رَاجعا إِلَى أهلك وَأمر لَهُ بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم فَقَالَ عَوْف الأبيات الْمَشْهُورَة وَسَار رَاجعا إِلَى أَهله فَلم يصل إِلَيْهِم وَمَات فِي حُدُود الْعشْرين والمائتين
وَمن شعره رَحمَه الله تَعَالَى قَوْله
وكنتُ إِذا صَحِبت رجالَ قومصحبُتُهُم ونِيَّتَي الوفاءُ
فأحسِنُ حِين يحسنُ محسنوهموأجتنب الإساءةَ إِن أَساءَوا
وأُبصر مَا يريبُهمُ بعينٍعَلَيْهَا من عُيوبهِمُ غِطاءُ) // الوافر //
وَمِنْه قَوْله
وصَغيرَةٍ عُلِّقتُهاكَانَت من الفِتنِ الكِبارِ
بلْهاء لم تَعرف لغرتهااليمينَ من اليسارِ
كالبدرِ إلَاّ أَنَّهَاتبقى على ضوءِ النَّهَار) // من مجزوء الْكَامِل //
واعْلمْ فَعلمُ المرْءِ يَنْفَعهُأَن سَوْفَ يآتي كل مَا قُدِرا
الْبَيْت من السَّرِيع وأنشده أَبُو عَليّ الْفَارِسِي وَلم يعزه إِلَى أحد
وَأَن هُنَا مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَضمير الشَّأْن مَحْذُوف يَعْنِي أَن الْمَقْدُور آتٍ لَا محَالة وَإِن وَقع فِيهِ تَأْخِير وَفِي هَذَا تَسْلِيَة وتسهيل لِلْأَمْرِ
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاعْتِرَاض بالتنبيه وَهُوَ قَوْله فَعلم الْمَرْء يَنْفَعهُ وَهُوَ جملَة مُعْتَرضَة بَين اعْلَم ومعموليه وَالْفَاء اعتراضية وفيهَا شَائِبَة من السَّبَبِيَّة
(يَصُدُّ عَن الدُّنْيَا إِذا عَن سؤود ...)
هُوَ من الطَّوِيل وَتَمَامه
(وَلَو برزَتْ فِي زِيِّ عذراءَ ناهِدِ ...)
وقائله أَبُو تَمام من قصيدة يمدح بهَا أَبَا الْحُسَيْن مُحَمَّد بن الْهَيْثَم أَولهَا
قفوا جدِّدوا من عهدكم بالمهاهدوَإِن هِيَ لم تَسمع لِنِشدان ناشِدِ
لقد أطرق الرّبع المحيلُ لفقدهموبَيْنهمُ إطراقَ ثكْلان فَاقِد
وأبقَوْا لضيف الشوقِ منِّيَ بعدهمْقرى من جَوًى سارٍ وطيفٍ معاود
سقته ذعاقا عَادة الدَّهْر فيهمُوسم اللَّيَالِي فَوق سم الأساود
بِهِ عِلّة صماء للبين لم تُصخْلبرءِ وَلم توجِبْ عيادةَ عَائِد
وَفِي الكِلَّةِ الورديَّةِ اللَّوْن جؤذرمن العينِ وردي الخدود المجاسد
رمته بخلف بعد مَا عَاشَ حِقْبةًلَهُ رَسَفَانٌ فِي قيود المواعد
غدَتْ مُغْتَدَي الغضبي وأوصت خيالهابهجران نِضْوِ العيس نِضْو الخرائد
وقالتْ نكاحُ الْحبّ يفْسد شكلهُوَكم نكحوا حبا وليسَ بفاسد) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة يَقُول فِي مديحها
هُم حسدوهُ لَا مَلُومينَ مجدَهُوَمَا حاسدٌ فِي المكرُمَات بحاسدِ
قرَاني اللُّهى والوُدَّ حَتَّى كَأَنَّمَاأفادَ الْغَنِيّ من نائلي وفوائدي
فأصبحتُ يلقاني الزمانُ مِنَ أجلهِبإِعظام مَوْلُود وإشفاق والدِ
وَبعده الْبَيْت وَبعده
إِذا الْمَرْء لم يزهد وَقد صُبِغَتْ لهُبعصفُرِها الدُّنْيَا فَلَيْسَ بزاهد
فواكبدي الحرى وواكبد النوَىلأيامهِ لَو كنَّ غيرَ بوائدِ
وَهيهاتَ مَا ريبُ الزمانِ بمِخْلِدٍغَرِيبا وَلَا ريبُ الزَّمَان بِخَالِد
والزي بِكَسْر الزَّاي الْهَيْئَة والعذراء الْبكر والناهد الَّتِي نهد ثديها أَي ارْتَفع
وَالشَّاهِد فِيهِ وَصفه بالإيجاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَلَام آخر مساوٍ لَهُ فِي أصل الْمَعْنى وَهُوَ الْبَيْت الْآتِي بعده وَهُوَ إِذا الْمَرْء لم يزهد إِلَخ
ولستُ بمَيَّالٍ إِلَى جانبِ الغنىَإِذا كَانَت العَلْيَاءُ فِي جَانب الفقرِ
الْبَيْت من الطَّوِيل وَهَكَذَا رويته وَإِن كَانَ فِي التَّلْخِيص بِلَفْظ نظار بدل ميال وقائله وقائله المعذل بن غيلَان أَبُو عبد الصَّمد أحد الشاعرين الْمَشْهُورين روى ذَلِك عَنهُ الْأَخْفَش عَن الْمبرد وَمُحَمّد بن خلف الْمَرْزُبَان عَن الربعِي وَبعد الْبَيْت
وَقد قَالَ الأديب مقَال صدقٍرآهُ الْآخرُونَ لَهُم إِمَامَا
إِذا كرمتكم وأهنتمونيوَلم أغضبْ لذلكم فداما) // الوافر //
قَالَ وَانْصَرف فبكر إِلَيْهِ عبد الله بن سوار فَقَالَ لَهُ رَأَيْتُك أَبَا عبد الله مغضباً فَقَالَ أجل مَاتَت بنت أُخْتِي وَلم تأتني قَالَ مَا علمت ذَلِك قَالَ ذَنْبك أيسر من عذرك وَمَالِي أَنا أعرف خبر حقوقك وَأَنت لَا تعرف خبر حقوقي فَمَا زَالَ عبد الله يعْتَذر إِلَيْهِ حَتَّى رَضِي عَنهُ
وَحدث الجماز قَالَ هجا أبان اللاحقي المعذل بن غيلَان فَقَالَ
كنتُ أَمْشِي مَعَ المعذل يَوْمًاففسا فَسْوَةً فكدتُ أطيرُ
فتلفَّتُّ هَل أرَى ظَرِباناًمن ورائي والأرضُ بِي تستديرُ
(فإِذا ليسَ غَيره وَإِذا إعصارُ ذاكَ الفساءِ منهُ يفورُ ...)
(فتعجبتُ ثمَّ قلتُ لقدْ أعرقَ فِي ذَا فِيمَا أرى خِنْزِير ...) // الْخَفِيف //
فَأَجَابَهُ المعذل بقوله
صحَّفَتْ أُمُّكَ إِذْ سمتكَفِي المهد أَبَانَا
صيرت بَاء مَكَان التاءِفاللُه أعانَا
قطعَ اللُه وشيكاًمن مسميكَ اللسانا) // الرمل //
وَقد روى عَن المعذل وَأَبِيهِ شَيْء من الْأَخْبَار والْحَدِيث واللغة لَيْسَ بالكثير وَمن شعره
إِلَى الله أَشْكُو لَا إِلَى النَّاس أَننيأَرى صَالح الْأَعْمَال لَا أستطيعها
أَرى خَلَّةً فِي إخْوَة وقرابةوَذي رحم مَا كَانَ مثلي يضيعها
فَلَو ساعدتني فِي المكارم قدرَةلفاضَ عَلَيْهِم بالنوال ربيعها) // الطَّوِيل //
وَأما ابْن المعذل عبد الصَّمد فَكَانَ شَاعِرًا فصيحاً من شعراء الدولة العباسية وَكَانَ هجاء خَبِيث اللِّسَان شَدِيد الْمُعَارضَة وَكَانَ أَخُوهُ أَحْمد شَاعِرًا أَيْضا إِلَّا أَنه كَانَ عفيفاً ذَا مُرُوءَة وَدين وَتقدم عِنْد الْمُعْتَزلَة وجاه وَاسع فِي بَلَده وَعند سُلْطَانه لَا يُقَارِبه عبد الصَّمد فِيهِ وَكَانَ يحسده ويهجوه فيحلم عَنهُ وَعبد الصَّمد أشعرهما وَمن هجاء أَحْمد لِأَخِيهِ عبد الصَّمد قَوْله وَهُوَ فِي غَايَة الأذي مَعَ مَا فِيهِ من اللطافة
قَالَ لي أَنْت أَخُو الْكَلْب وَفِيظنَّهِ أَن قد هجاني واجتهدْ
أحمدُ الله تَعَالَى أنهُمَا درى أَنِّي أَخُو عبد الصمدْ) // الرمل //
وتُنْكرُ إِن شئَنا على النَّاس قولهُمْوَلَا يُنكرُونَ القولَ حِين نقولُ
الْبَيْت للسموأل بن عادياء الْيَهُودِيّ من قصيدة من الطَّوِيل أَولهَا
إِذا الْمَرْء لم يَدْنَسْ من اللؤم عرضُهفَكل رِدَاء يرتديه جميلُ
وإِنْ هُوَ لم يحمل على النَّفس ضَيْمَهَافَلَيْسَ إِلَى حسن الثَّنَاء سبيلُ
تُعيِّرنا أَنا قَلِيل عديدُنافَقلت لَهَا إِن الْكِرَام قليلُ
وَمَا قَلَّ مَنْ كَانَت بقاياه مثلنَاشباب تسامت للعلا وكهولُ
وَإِنَّا لَقَوْمٌ لَا نرى الْقَتْل سُبةإِذا مَا رَأَتْهُ عَامر وسلول
يقرب حب الْمَوْت آجالنا لناوتكرهه آجالهمْ فتطولُ
وَمَا ماتَ منَّا سيِّدٌ فِي فِراشهِوَلَا طُلَّ منّا حيثُ كانَ قتيلُ
تَسيلُ على حدِّ الظُّبات نفوسُنَاوَلَيْسَ على غير السُّيوف تسيلُ) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن يَقُول فِيهَا
فنحنُ كماءِ المُزن مَا فِي نِصالناكَهَامٌ وَلَا فِينا يعدُّ بخيلُ
وَبعده الْبَيْت وَبعده
إِذا سيدٌ منَّا خلَا قامَ سيدٌقؤولٌ لما قالَ الكرامُ فَعُولُ
وَما أُخمِدتْ نارٌ لنا دُون طَارقوَلَا ذمَّنا فِي النَّازلينَ نَزيلُ
وأيامُنا مشهورَةٌ فِي عدُونالَهَا غُرَر معرُوفة وحُجُولُ
وأسْيافُنَا فِي كلِّ شرقٍ ومغربٍبهَا منْ قِراع الدَّارعينَ فلولُ
مُعَوَّدة أنْ لَا تُسلَّ نِصالهافتغمدَ حَتَّى يُستباحَ قتيلُ
سلى إنْ جهلتِ النَّاسَ عنّا وعنهمُفليسَ سواءَ عَالم وجهول) // الطَّوِيل //
وَمعنى الْبَيْت إِنَّا نغير مَا نُرِيد تَغْيِيره من قَول غَيرنَا وَلَا يَجْسُر أحد على الِاعْتِرَاض علينا انقيادا لهوانا واقتداء بحرمنا يصف رياستهم ونفاذ حكمهم وَرُجُوع النَّاس فِي الْمُهِمَّات إِلَى رَأْيهمْ
وَالشَّاهِد فِيهِ وَصفه بالإطناب بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَوْله تَعَالَى لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وَهُوَ يسْأَلُون وَوصف الْآيَات الْكَرِيمَة بالإيجاز بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ
وَفِي قَوْله من القصيدة وَإِنَّا لقوم لَا نرى الْقَتْل سبة ... الْبَيْت نوع من البديع يُسمى الاستطراد وَهُوَ أَن يرى الشَّاعِر أَنه يُرِيد وصف شَيْء وَهُوَ إِنَّمَا يُرِيد غَيره وَمِنْه قَول الفرزدق
كأنّ فقاحَ الأزْد حَوْلَ ابْن مِسمعٍإِذا اجْتمعوا أفْوَاهُ بكر بن وَائِل) // الطَّوِيل //
وَقَول جرير
لما وضعتُ على الفرزْدق مِيسمىوضغا البعيثُ جدعتُ أنفَ الأخطل) // الْكَامِل //
ويروى أَن الفرزدق وقف على جرير بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ ينشد قصيدته الَّتِي هجا فِيهَا الرَّاعِي فَلَمَّا بلغ إِلَى قَوْله
(بهَا برصٌ بِأَسْفَل أسكَتيها ...)
وضع الفرزدق يَده على فِيهِ وغطى عنفقته فَقَالَ جرير
(كَعَنْفقَةِ الفرزْدقِ حِينَ شَابًّا ...)
فَانْصَرف الفرزدق وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ اخزه وَالله لقد علمت حِين بَدَأَ بِالْبَيْتِ أَنه لَا يَقُول غير هَذَا ولكنني طمعت أَن لَا يَأْتِي بِهِ فغطيت وَجْهي فَمَا أغْنى ذَلِك شَيْئا وَيُقَال إِن يُونُس كَانَ يَقُول مَا أرى جَرِيرًا قَالَ هَذَا المصراع إِلَّا حِين غطى الفرزدق عنفقته فَإِنَّهُ نبهه عَلَيْهِ بتغطيته إِيَّاهَا
وَمن الاستطراد قَول أبي تَمام فِي وصف فرس
فَلَو ترَاهُ مشيخا والحَصا فِلقٌتَحت السَّنابكِ مِنْ مَثْنَي ووُحدانِ
حَلَفْتَ إنْ لم تَثَبَّتْ أَنَّ حافِرهُمن صخْرِ تدْمُرَ أوْ منْ وجهِ عُثْمَان) // الْبَسِيط //
وَقَول بكر بن النطاح فِي مَالك بن طوق
عرضتُ عَلَيْهَا مَا أَرَادَت منَ المُنىلتَرْضَى فقالتْ قمْ فجئني بِكوكبِ
فقلتُ لَهَا هذَا التَّعنُّتُ كلُّهكمَن يَشْتَهِي منْ لحم عنْقاء مُغربِ
سلى كلَّ أمرٍ يستقيمُ طِلَابهُوَلَا تذهبي يَا درتي كلَّ مذهبِ
فاقسمُ لَو أَصبَحت فِي عزِّ مالكٍوقدرتهِ أعْيا بِما رُمتِ مطلبي
فَتى شقيَتْ أموالُه بعُفاتهِكَمَا شقيتْ قيسٌ بأرماح تغلب) // الطَّوِيل //
وَقَول بَعضهم يمدح الْوَزير المهلبي
بِأبي منْ إِذا أرادَ سِراريعَبَّرَتْ لي أنفاسهُ عنْ عبيرِ
وسبانِي ثغرٌ كُدرٍّ نظيمتحتهُ مَنْطقٌ كَدرٍّ نثيرِ
ولهُ طَلْعةٌ كنَيْلِ الْأَمَانِيأَو كشعر المهلبي الْوَزير) // الْخَفِيف //
وَقَول أبي الطَّاهِر الْخُزَاعِيّ
وليل كوجه البرقعيدي ظُلمةًوبردِ أَغانيهِ وَطول قُرُونهِ
قَطَعْتُ دَياجيهِ بنوْمٍ مُشرَّدٍكعقل سُليمانَ بن فَهْدٍ ودِينهِ
على أوْلَقٍ فيهِ التفاتٌ كأنهُأَبُو جابرٍ فِي خبَّطه وجنونه
إِلَى أَن بدا ضوءُ الصَّباح كأنهُسنا وجهِ قِرْواشٍ وضوء جَبينه) // الطَّوِيل //
وَقَول إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم يهجو أَحْمد بن هِشَام
وصافيةٍ يغشى العُيونَ صفاؤهارَهينةِ عامٍ فِي الدِّنان وعامِ
أدرنابها الكأسَ الرَّوِيَّةَ مَوْهِناًمنَ اللَّيل حَتَّى انجابَ كلُّ ظلامِ
فَمَا ذَر قرْنُ الشَّمس حَتَّى رأيتُنامنَ العيِّ نحكي أَحْمد بن هِشَام) // الطَّوِيل //
وَقَول الْحُسَيْن بن عَليّ القمي
جاوزتُ أجبالاً كأنّ صخورهاوَجنَاتُ نجم ذِي الْحيَاء الباردِ
والشَّوْكُ يعملُ فِي ثِيَابِي مِثلَ مَاعملَ الهجاءُ بِعرْض عبد الْوَاحِد) // الْكَامِل //
وَقَول أبي الْفرج الببغاء
لنا روْضة فِي الدّار صيغَ لزهرهاقلائدُ من حلي النَدَى وشُنوفُ
يطيفُ بِنَا مِنها إِذا مَا تنفستْنسيمٌ كعقل الخالدِيّ ِضعيفُ) // الطَّوِيل //
وَمن ظريف الاستطراد وغريبه قَول بَعضهم
اكْشفي وجهكِ الذِي أَو حلتنيفيهِ منْ قبل كَشفهِ عيناكِ
غَلَطِي فِي هواكِ يشبه عندِيغَلطي فِي أبي عَليّ بن زاكي) // الْخَفِيف //
وَقَول أبي بكر الْخَوَارِزْمِيّ
وصفراءَ كالدَّينار بنت ثلاثةٍشَمَالٍ وأَنْهار ودهرٍ مُجرّمٍ
مَسَرْةِ محزونٍ وعُذْر مُعربدٍوكنز مجوسيٍّ وفتنةِ مُسلمِ
مماتٌ لأحياء حياةٌ لميتٍوعُدْمٌ لمن أثرَى ثراءٌ لمعدِم
يدورُ بِها ظبيٌ تدورُ عيونُناعلى عينهِ مِنْ شَرط يِحيى بن أكْثم
ينزِّهنا من ثغرهِ ومُدَامهوخدّيه فِي شمسٍ وبدرٍ وأنجُم
نهضتُ إِلَيْهَا والظَّلَام كأنهُمعاشُ فقيرٍ أَو فؤاد معلم) // الطَّوِيل //
وَقَوله
ولقدْ بكيتُ عليكَ حَتَّى قدْ بدَادَمعي يُحاكِي لفظكَ المنظوما
وَلَقَد حزنتُ عَلَيْك حَتَّى قد حكىقلبِي فؤادَ حسودك المحموما) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول ابْن رَشِيق وَكتب بِهِ إِلَى بعض الرؤساء
إِنِّي لَقيتُ مَشقّهْفَابْعَثْ إليَّ بشُقهْ
كَمثلِ وَجهك حسناومِثل دينيَ رِقهْ) // المقتضب //
فَقَالَ لَهُ الرئيس أما مثل دينك رقة فَلَا يُوجد بِوَزْن أَمْثَال رمال الرقة
ولشرف الدّين ابْن عنين الشَّاعِر على هَذَا الأسلوب فِي فقيهين كَانَا بِدِمَشْق يدعى أَحدهمَا بالبغل وَالْآخر بالجاموس
البَغلُ والجاموسُ فِي جَدَليهماقد أصبحا عظةً لكل مُناظرِ
برزَا عَشيَّة ليلةٍ فتباحثَاهَذَا بقَرْنَيْهِ وذَا بالحافرِ
مَا أتْقنا غيرَ الصِّياح كَأَنَّمَالقيا جدالَ المرْتضى بن عساكرِ
لفظٌ طويلٌ تحتَ معنى قاصرٍكالعقل فِي عبدِ اللَّطيف النَّاظرِ
اثْنَان مالَهُمَا وحقكَ ثالثٌإْلاّ رَقاعة مدلوية الشَّاعِر) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول ابْن جَابر الأندلسي
تطولُ بهِ للمجدِ أشرفُ هِمةٍفَمَا باعهُ عنْ غايةٍ بقصير
سما لاقِتناص المكرُمات كَمَا سَمَابعمرٍو إِلَى الزَبَّاء سعي قصير) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
سراةٌ كِرامٌ من ذُؤابةِ هاشمٍيقولونَ للأضيافِ أَهلا ومَرْحَبَا
ويفعلُ فِي فقر المُقلِّينَ جودهمْكَفعل عليٍّ يومَ حاربَ مرْحَبًا) // الطَّوِيل //
والسموأل هُوَ ابْن غريض بن عادياء ذكر ذَلِك أَبُو خَليفَة عَن مُحَمَّد بن سَلام والسكري عَن الطوسي وَأبي حبيب وَذكر أَن النَّاس يدرجون غريضاً فِي النّسَب وينسبونه إِلَى عادياء جده وَقَالَ عَمْرو بن شيبَة هُوَ السموأل ابْن عادياء وَلم يذكر غريضاً وَقد قيل إِن أمه كَانَت من غَسَّان وَكلهمْ قَالَ إِنَّه صَاحب الْحصن الْمَعْرُوف بالأبلق بتيماء وَقيل بل هُوَ من ولد الكاهن بن هَارُون بن عمرَان وَكَانَ هَذَا الْحصن لجده عادياء واحتفر فِيهِ بِئْرا عذبة روية وَقد ذكرته الشُّعَرَاء فِي أشعارها قَالَ السموأل
فبالأبلق الفردِ بَيْتِي بهِوَبَيت النَّضِير سوى الأبلق) // المتقارب //
وَكَانَت الْعَرَب تنزل بِهِ فيضيفها وتمتار من حصنه وَيُقِيم هُنَاكَ سوقاً وَبِه يضْرب الْمثل فِي الْوَفَاء لِأَنَّهُ رَضِي بقتل ابْنه وَلم يخن أَمَانَته فِي أَدْرَاع أودعها وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك إِن امْرأ الْقَيْس بن حجر الْكِنْدِيّ لما سَار إِلَى الشَّام يُرِيد قَيْصر نزل على السموأل بن عادياء بحصنه الأبلق بعد إِيقَاعه ببني كنَانَة على أَنهم
بَنو أَسد وَكَرَاهَة من مَعَه لفعله وتفرقهم عَنهُ حَتَّى بَقِي وَحده وَاحْتَاجَ إِلَى الْهَرَب وَطَلَبه الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء وَوجه إِلَى طلبه جيوشاً وخذلته حمير وَتَفَرَّقَتْ عَنهُ فلجأ إِلَى السموأل بن عادياء وَكَانَ مَعَه خَمْسَة أَدْرَاع الفضفاضة والضافية والمحصنة والخريق وَأم الذيول وَكَانَت لبني آكل المرار يتوارثونها ملك عَن ملك وَمَعَهُ ابْنَته هِنْد وَابْن عَمه يزِيد بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث وَسلَاح وَمَال وَكَانَ بَقِي مِمَّا كَانَ مَعَه رجل من بني فَزَارَة يُقَال لَهُ الرّبيع وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ امْرُؤ الْقَيْس
بَكَى صَاحِبي لما رأى الدَّرْب دونهوأيقنَ أنَّا لَا حِقانِ بقيْصرَا
فقلتُ لَهُ لَا تبك عَيْنك إِنَّمَانحاول ملكا أَو نموت فنعذرا) // الطَّوِيل //
فَقَالَ لَهُ الْفَزارِيّ قل فِي السموأل شعرًا تمدحه بِهِ فَإِن الشّعْر يُعجبهُ فَقَالَ فِيهِ امْرُؤ الْقَيْس قصيدته الَّتِي مطْلعهَا
طَرَقَتْكَ هِنْد بعدَ طولِ تَجَنُّبٍوَهْناً وَلم تكُ قبلَ ذَلِك تطرق) // الْكَامِل //
فَقَالَ لَهُ الْفَزارِيّ إِن السموأل يمْنَع مِنْهَا وَهُوَ فِي حصن حُصَيْن وَمَال كثير فَقدم بِهِ على السموأل وعرفه إِيَّاه وأنشده الشّعْر فَعرف لَهما حَقّهمَا وَضرب على هِنْد قبَّة من أَدَم وَأنزل الْقَوْم فِي مجْلِس لَهُ فأقاموا عِنْده مَا شَاءَ الله ثمَّ إِن امْرأ الْقَيْس سَأَلَهُ أَن يكْتب لَهُ إِلَى الْحَارِث بن أبي شمر الغساني
أَن يوصله إِلَى قَيْصر فَفعل واستصحب رجلا يدله على الطَّرِيق وأودع ابْنَته وَمَاله وأدراعه السموأل ورحل إِلَى الشَّام وَخلف ابْن عَمه مَعَ ابْنَته هِنْد
قَالَ وَنزل الْحَارِث بن ظَالِم فِي بعض غاراته بالأبلق وَيُقَال بل كَانَ الْمُنْذر وَجهه فِي خيل وَأمره بِأخذ مَال امرىء الْقَيْس من السموأل فَلَمَّا نزل بِهِ تحصن مِنْهُ وَكَانَ لَهُ ابْن قد يفع وَخرج إِلَى قنصٍ لَهُ فَلَمَّا رَجَعَ أَخذه الْحَارِث بن ظَالِم ثمَّ قَالَ للسموأل أتعرف هَذَا قَالَ نعم هَذَا ابْني فَقَالَ أفتسلم مَا قبلك أَو أَقتلهُ قَالَ شَأْنك بِهِ فلست أَخْفَر ذِمَّتِي وَلَا أسلم مَال جاري فَضرب الْحَارِث وسط الْغُلَام فَقتله وقطعه قطعتين وَانْصَرف عَنهُ فَقَالَ السموأل فِي ذَلِك
وفيت بأدراع الكندِيِّ إِنيإِذا مَا ذّم أقوامٌ وفيتُ
وأوْصى عادِياً يَوْمًا بِأن لَاتُهدِّمَ يَا سموألُ مَا بنيتُ
بنى لي عادِياً حِصناً حصيناوبئرا كلما شِئْت استقيت) // الوافر //
وَفِي ذَلِك يَقُول الْأَعْشَى وَكَانَ قد استجار بشريح بن السموأل من رجل كَلْبِي قد هجاه ثمَّ ظفر بِهِ فَأسرهُ وَهُوَ لَا يعرفهُ فَنزل بِابْن السموأل فَأحْسن ضيافته وَمر بالأسرى فناداه الْأَعْشَى من جملَة أَبْيَات
كن كالسموأل إِذْ طافَ الهمامُ بهِفِي عَسْكَر كسواد اللَّيْل جرار
إذَ سامهُ خُطَّتَيْ خَسْفٍ فقالَ لهُقُل مَا تشاءُ فإِني سامعٌ حَار
فَقَالَ غَدْرٌ وثُكْلٌ أنتَ بَينهمَافاخترْ وَمَا فِيهَا حَظٌّ لمختار
فشكَّ غيرَ طويلٍ ثمَّ قَالَ لهُاقتلْ أسيركَ إِنِّي مانعٌ جاري
وسوف يُعْقبنيهِ إِنْ ظفرْتَ بهِربٌّ كريمٌ وبِيضٌ ذاتُ أطْهار
(لَا سرُّهنّ لدَينا ذاهبٌ أبدا ... وحافظات إِذا استُودِعْنَ أَسراري) فاختارَ أَدْراعهُ كَيْلا يُسَبَّ بهَا ... وَلم يكنْ وعدهُ فِيهَا بختار) // الْبَسِيط //
فجَاء شُرَيْح إِلَى الْكَلْبِيّ فَقَالَ لَهُ هَب لي هَذَا الْأَسير المضرور فَقَالَ هُوَ لَك فَأَطْلقهُ وَقَالَ لَهُ أقِم عِنْدِي حَتَّى أكرمك وأجيزك فَقَالَ لَهُ الْأَعْشَى إِن تَمام صنيعك أَن تُعْطِينِي نَاقَة نَاجِية فَأعْطَاهُ نَاقَة نجية فركبها وَمضى من سَاعَته وَبلغ الْكَلْبِيّ أَن الَّذِي وهب لشريح هُوَ الْأَعْشَى فَأرْسل إِلَى شُرَيْح ابْعَثْ إِلَى الْأَسير الَّذِي وهبته لَك حَتَّى أحبوه وأعطيه فَقَالَ قد مضى فَأرْسل الْكَلْبِيّ وَرَاءه فَلم يلْحقهُ
وشعية بن غريض أَخُو السموأل شَاعِر أَيْضا وَمن شعره
إِنا إِذا مالتْ دَواعِي الهوَىوأنصتَ السّامعُ للقائل
لَا نجعلُ الباطلَ حقّاًً وَلَانُلِظُّ دُون الْحق بِالْبَاطِلِ
نَخَاف أنْ تَسْفَهَ أَحلامُنَافنخملَ الدَّهرَ معَ الخامل) // السَّرِيع //
عَن الْعُتْبِي قَالَ كَانَ مُعَاوِيَة ﵁ كثيرا مَا يتَمَثَّل إِذا اجْتمع النَّاس فِي مَجْلِسه بِهَذَا الشّعْر
وَعَن يُوسُف بن الْمَاجشون قَالَ كَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان إِذا جلس للْقَضَاء بَين النَّاس أَقَامَ وصيفاً على رَأسه فأنشده هَذِه الأبيات ثمَّ يجْتَهد فِي الْحق بَين الْخَصْمَيْنِ
قد تمّ بعون الله تَعَالَى وَحسن تيسيره طبع الْجُزْء الأول من كتاب معاهد التَّنْصِيص على شَوَاهِد التَّلْخِيص للشَّيْخ عبد الرَّحِيم بن أَحْمد العباسي ويتلوه إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْجُزْء الثَّانِي مفتتحا بشواهد الْفَنّ الثَّانِي وَهُوَ علم الْبَيَان نسْأَل الَّذِي بِيَدِهِ مقاليد الْأُمُور أَن يعين على إكماله وييسر سَبِيل اختتامه آمين
الْجُزْء الثَّانِي
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع