من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)
شَوَاهِد الْفَنّ الثَّالِث وَهُوَ علم البديع (٣)
تخبأها لي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَإِلَّا ناكها وَالله كَمَا ناك هَذِه فتعهد الْمهْدي إِلَى أبي دلامة أَن لَا يعاود دلامة مثل فعله وَحلف أَنه إِن عاود قَتله وَأمر لَهُ بِجَارِيَة أُخْرَى كَمَا وعده
وَدخل أَبُو دلامة على الْمهْدي وَسَلَمَة الوصيف وَاقِف فَقَالَ إِنِّي قد أهديت لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مهْرا لَيْسَ لأحد مثله فَإِن رَأَيْت أَن تشرفني بقبوله فَأمر بإدخاله إِلَيْهِ فَخرج أَبُو دلامة وَأدْخل فرسه الَّذِي كَانَ تَحْتَهُ فَإِذا هُوَ برذون محطم أعجف هرم فَقَالَ لَهُ الْمهْدي أَي شَيْء وَيلك هَذَا ألم تزْعم أَنه مهر فَقَالَ لَهُ أَو لَيْسَ هَذَا سَلمَة الوصيف بَين يَديك قَائِما تسميه الوصيف وَله ثَمَانُون سنة وَهُوَ بعد عنْدك وصيفاً فَإِن كَانَ سَلمَة وصيفاً فَهَذَا مهر فَجعل سَلمَة يشتمه وَالْمهْدِي يضْحك ثمَّ قَالَ لسَلمَة وَيحك إِن لهَذِهِ مِنْهُ أَخَوَات وَإِن أَتَى بِمِثْلِهَا فِي محفل يفضحك فَقَالَ أَبُو دلامة إِي وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لأفضحنه فَلَيْسَ فِي مواليك أحد إِلَّا وَقد وصلني غَيره فَإِنِّي مَا شربت لَهُ المَاء قطّ قَالَ فقد حكمت عَلَيْهِ أَن يَشْتَرِي نَفسه مِنْك بِأَلف دِرْهَم حَتَّى يتَخَلَّص من يدك قَالَ قد فعلت عَليّ أَن لَا يعاود قَالَ أفعل وَلَوْلَا أَنِّي مَا أخذت مِنْهُ شئيا قطّ مَا اسْتعْملت مَعَه مثل هَذَا فَمضى سَلمَة فحملها إِلَيْهِ وَسلمهُ إِيَّاهَا
وَجَاء دلامة يَوْمًا إِلَى أَبِيه وَهُوَ فِي محفل من جِيرَانه وعشيرته جَالِسا فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ ثمَّ أقبل عَليّ الْجَمَاعَة فَقَالَ لَهُم إِن شَيْخي كَمَا ترَوْنَ قد كبر سنه ودق عظمه وبنا إِلَى حَيَاته حَاجَة شَدِيدَة وَلَا أَزَال أُشير عَلَيْهِ بالشَّيْء يمسك رمقه ويبقي قوته فيخالفني وَإِنِّي أسالكم أَن تسألوه قَضَاء حَاجَة لي أذكرها بحضرتكم فِيهَا صَلَاح جِسْمه وَبَقَاء حَيَاته فأسعفوني بمسألته معي فَقَالُوا نَفْعل وحباً وكرامة ثمَّ أَقبلُوا على أبي دلامة بألسنتهم فتناولوه بالعتاب حَتَّى رَضِي ابْنه وَهُوَ سَاكِت فَقَالَ قُولُوا لهَذَا الْخَبيث فَلْيقل مَا يُرِيد فستعلمون أَنه لم يَأْتِ إِلَّا ببلية فَقَالُوا قل فَقَالَ إِن أبي مَا يقْتله إِلَّا كَثْرَة الْجِمَاع
فتعاونوني عَلَيْهِ حَتَّى أخصيه فَلَنْ يقطعهُ عَن ذَلِك غير الخصاء فَيكون أصح لجسمه وأطول لعمره فعجبوا مِمَّا أَتَى بِهِ وَعَلمُوا أَنه أَرَادَ أَن يبْعَث بِأَبِيهِ ويخجله حَتَّى يشيع ذَلِك عَنهُ ويرتفع لَهُ بِهِ ذكر فضحكوا مِنْهُ ثمَّ قَالُوا لأبي دلامة قد سَمِعت فأجب قَالَ قد سمعتهم أَنْتُم وعرفتم أَنه لم يَأْتِ بِخَير قَالُوا فَمَا عنْدك فِي هَذَا قَالَ قد جعلت أمه حكما بيني وَبَينه فَقومُوا بِنَا إِلَيْهَا فَقَامُوا بأجمعهم ودخلوا إِلَيْهَا وقص أَبُو دلامة الْقِصَّة عَلَيْهَا وَقَالَ قد حكمتك فَأَقْبَلت على الْجَمَاعَة فَقَالَت إِن ابْني هَذَا أبقاه الله فد نصح أَبَاهُ وبره وَلم يأل جهداً وَمَا أَنا إِلَى بَقَاء أَبِيه بأحوج مني إِلَى بَقَائِهِ وَهَذَا أَمر لم تقع بِهِ تجربة وَلَا جرت بِمثلِهِ عَادَة وَلَا أَشك فِي مَعْرفَته بذلك فليبدأ بِنَفسِهِ أَولا فليخصها فَإِذا عوفي ورأينا ذَلِك قد أثر عَلَيْهِ أثرا مَحْمُودًا اسْتَعْملهُ أَيْضا فَجعل أَبوهُ يضْحك مِنْهُ وخجل ابْنه دلامة وَانْصَرف الْقَوْم يَضْحَكُونَ ويعجبون من خبثهمْ جَمِيعًا واتفاقهم فِي ذَلِك الْمَذْهَب
وَكَانَ عِنْد الْمهْدي رجل من بني مَرْوَان قد جَاءَهُ مُسلما فَأتى الْمهْدي بعلج فَأمر المرواني أَن يضْرب عُنُقه فَأخذ السَّيْف وَقَامَ فَضَربهُ فنبا عَنهُ فَرمى بِهِ المرواني وَقَالَ لَو كَانَ من سُيُوفنَا مَا نبا فَسَمعَهَا الْمهْدي فَغَاظَهُ حَتَّى تغير وَجهه وَبَان فِيهِ فَقَامَ يَقْطِين فَأخذ السَّيْف وحسر عَن ذِرَاعَيْهِ ثمَّ ضرب العلج فَرمى بِرَأْسِهِ ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن هَذِه السيوف سيوف الطَّاعَة وَلَا تعْمل إِلَّا فِي أَيدي الْأَوْلِيَاء وَلَا تعْمل فِي أَيدي أهل الْمعْصِيَة ثمَّ قَامَ أَبُو دلامة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد حضرني بيتان أفأقول قَالَ قل فأنشده
أبهَذَا الإمامُ سيْفُك َماضٍوَبِكَفِّ الوَليِّ غيْرُ كهَام
فإِذا مَا نبَا بِكَفٍّ عَلمْنَاأَنه كَفُّ مبغض للْإِمَام) // خَفِيف //
فَقَامَ الْمهْدي من مَجْلِسه وسرى عَنهُ وَأمر حجابه بقتل المرواني فَقتل وَقَالَ ابْن النطاح دخل أَبُو دلامة على الْمهْدي فأنشده قصيدته فِي بغلته
الْمَشْهُورَة يهجوها وَيذكر معايبها فَلَمَّا أنْشدهُ قَوْله
أتَاني خائِبٌ يَستَامُ منِّيعريْقاً فِي الخَسارَةِ والضَّلال
فقالَ تبيعُهَا قُلْتُ ارتبِطْهابِحُكمِكَ إِن بَيْعي غَيْرُ غالي
فأقْبَلَ ضَاحِكا نَحْوِي سرُوراًوقالَ أراكَ سَهْلاً ذَا جَمَال
هَلُم إليَّ يخْلو بِي خِدَاعاًوَمَا يَدْري الشَّقي لِمَنْ يُخالي
فقلْتُ بأرْبعينَ فقَالَ أحْسِنْإِليَّ فإنَّ مِثلكَ ذُو سِجَال
فأتْرُكُ خَمْسةً مِنْهَا لِعلْميبِما فيهِ يَصيرُ مِنَ الخَبَالِ) // الوافر //
فَقَالَ لَهُ الْمهْدي لقد أفلت من بلَاء عَظِيم فَقَالَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد مكثت شهرا أتوقع صَاحبهَا أَن يردهَا عَليّ قَالَ ثمَّ أنْشدهُ
فأبدِلني بِهَا يَا رَبِّ طِرْفاًيكُونُ جَمَالُ مَرْكبِهِ جَمَالي) // الوافر //
فَقَالَ الْمهْدي لصَاحب دوابه خَيره بَين مركبين من الاصطبل فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن كَانَ الِاخْتِيَار إِلَيّ وَقعت فِي شَرّ من البغلة وَلَكِن مره أَن يخْتَار لي فَقَالَ اختر لَهُ
وأخبار أبي دلامة كَثِيرَة وَقد أثبتنا مِنْهَا طرفا صَالحا
وَكَانَت وَفَاته سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة رَحمَه الله تَعَالَى
كَالْقِسِيِّ الْمُعَطِّفَاتِ بَلِالأسْهُم مَبْرِيَّةً بَلِ الأوْتَار
الْبَيْت للبحتري من قصيدة من الْخَفِيف يمدح بهَا أَبَا جَعْفَر بن حميد ويستوهبه غُلَاما وَمِنْهَا قَوْله
أبُكَاءً فِي الدَّار بَعْدَ الدَّاروَسُلوَّاً بِزَينَبٍ عَنْ نَوَار
لَا هَنَاكَ الشغْلُ الجديدُ بحُزْوَيعَن رُسُوم برَامتين قفَارِ
مَا ظَنَنْتُ الْأَهْوَاء قَبلكَ تُمحيفِي صُدُور العُشَّاق مَحْوَ الديار) // الْخَفِيف //
إِلَى أَن قَالَ مِنْهَا فِي وصف النوق
(يَتَرقْرَقْنَ كالسّرَاب وقَدْ خُضْنَ غماراً من السّراب الجَاري ...)
وَبعده الْبَيْت وَالْقَصِيدَة طَوِيلَة يَقُول مِنْهَا فِي تشكيه من الْغُلَام الْأَجِير وَيسْأل مخدومه فِي هِبته غُلَاما ويصفه
قَدْ مَللْنَاكَ يَا غلَامُ فغَادٍبِسلَامِ أوْ رائحٌ أوْ سَاري
سَرقات منِّي خُصُوصا فَهَلامنْ عَدُو أوْ صاحبٍ أوْ جَار
أَنا مِنْ ياسرٍ وَسعْدٍ وَفتْحلَسْتُ من عامرٍ وَلَا عَمْار
لَا أحبُّ النّظيرَ يُخْرِجهُ الشمإِلَى الاحتْجاِج والافْتخار
فإذَا رُعتَهُ بِناحيَةِ السَّوْطعلى الذنْبِ رَاعني بالفرار
مَا بأَرض العِرَاق يَا قَوْمُ حرٌّيشترَيني منْ خِدمةِ الْأَحْرَار
(هلْ جوَاد بأبْيض من بني الأصفَر محْض الجُدُود محْض النِّجار ...)
(لم يُرْم قَومهُ السِّرَايا وَلم يغْزُهُم غيْرُ جَحفَلٍ جرَّار ...)
فحوته الرِّماح أغيَدَ مجدولاقصيرَ الزُّنار وافي الأزَار
(فوْقَ ضعْفِ الصِّغار إِن وكِلَ الأمرْ إِلَيْهِ وَدون كبر الكِبار ...)
(لَك من ثَغْره وخَدّيه مَا شئتَ من الأقحوَان والجُلّنار ...)
وكأنّ الذكاءَ يبْعَثُ مِنهُفِي سَوادِ الأمُور شعلَةَ نَار
يَا أَبَا جَعْفَر وَما أنْتَ بالمَدْعوِّ إِلَّا لِكلِّ أمرٍ كُبَار
ولعمْري للجود بِالنَّاسِ للنَّاسسِواهُ بالثّوْبِ والدِّينَار
(وقليلٌ إِلَّا لَدَيكَ بهذَا الْفَج أخْذُ الغلمان بالأشعار ...) // الْخَفِيف //
وَمعنى الْبَيْت أَنه يصف إبِلا أنحلها السرى بِحَيْثُ صَارَت من الهزال كالقسي بل السِّهَام بل الأوتار
وَقد تداول الشُّعَرَاء هَذَا الْمَعْنى وتجاذبوا أَطْرَافه فَمن ذَلِك قَول الشريف الموسوي
هُنّ القسيُّ مِنَ النُّحُول فإنْ سمَاخَطْبٌ فهُنّ منَ النَّجَاء الأسهم) // الْكَامِل //
وَقد أَخذه ابْن قلاقس فَقَالَ أَيْضا
خوض كأمثال القسيِّ نَوَاحلاوَإِذا سَمَا خَطبٌ فهن سِهَام) // الْكَامِل //
وَقَالَ أَيْضا
طرحنا الْعَجز عَن أعجاز عيستوشحها على الحزم الحزاما
ونَدْفعُ بالسُّرَى مِنْها قِسياًفتَقْذِفُ بِالنّوَى مِنْهَا سهاما) // الوافر //
وَقَالَ ابْن خفاجة أَيْضا
وقِدْ مَا برَتْ مِنْها قِسيّاً يدُ السُّرَىوفَوَّق منْها فَوْقَها المَجْدُ أسهُما) // الطَّوِيل //
وَقَالَ ابْن النبيه
إنَ خَوْضَ الظَّلَماِء أطُيَبُ عنْدِيمِنْ مَطايا أمْسَتْ تَشكي كَلَالَهْ
فَهْيَ مِثْلُ القِسيِّ شكْلاً ولكِنْهيَ فِي السّبْق أسهُمٌ لَا مَحَالَهْ) // الْخَفِيف //
وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت مُرَاعَاة النظير وَيُسمى التناسب والتوافق والائتلاف والمؤاخاة وَهُوَ جمع أَمر وَمَا يُنَاسِبه مَعَ إِلْغَاء التضاد لتخرج الْمُطَابقَة فَهُوَ هُنَا قصد الْمُنَاسبَة بالأسهم والأوتار لما تقدم من ذكر القسي وَهَذِه الْمُنَاسبَة هُنَا معنوية لَا لفظية كَمَا فِي قَول مهيار
(ومُدبِر سيّانِ عيْنَاهُ والإبريقُ فَتْكاً ولحظُهُ والمدام ...) // الْخَفِيف //
والإبريق هُنَا السَّيْف سمي بذلك لبريقه وَكَانَ يَصح أَن يُقَال سيان عَيناهُ والصمصام أَو الْهِنْدِيّ فَاخْتَارَ الإبريق لمناسبته لفظا للمدام إِذْ الإبريق يُطلق على إِنَاء الْخمر وَلَيْسَ هَذَا من الْمَعْنى فِي شَيْء وَإِنَّمَا هُوَ مُرَاعَاة مُجَرّد اللَّفْظ
وَمن أحسن مَا ورد فِي مُرَاعَاة النظير قَول ابْن خفاجة يصف فرسا وَهُوَ
وأشْقَر تضرم منْهُ الوَغىبشُعْلةٍ مِنْ شُعِل البَاس
منْ جلّنار ناضر خدُّهُوأذنُهُ مِنْ وَرَق الآسِ
تَطْلُعُ للغرِّةِ فِي وَجههجبابة تَضحكُ فِي الكاس) // السَّرِيع //
فالمناسبة هُنَا بَين الجلنار والآس والنضارة
وَقَول ابْن الساعاتي من أَبْيَات فِي وصف الثَّلج
السُّحْبُ راياتٌ ولمعُ بُرُوقهابيضُ الظُّبي والأرْضُ طِرْفُ أشهَبُ
والنَدُّ قَسطَلُه وَزَهرُ شمُوعناصُمُّ القَنا والفحْمُ نَبْلٌ مُذْهَبُ) // الْكَامِل //
وَمَا أبدع قَول بَعضهم فِي آل النَّبِي ﷺ
أنتُمْ بنُو طهَ ونَ والضُّحىوبنوُ تَبارَك والكِتابِ المُحكَم
وَبَنُو الأبّاطِح والمَشاعرِ والصّفاوالركْن والبَيتِ الْعَتِيق وزمزم) // الْكَامِل //
فَإِنَّهُ أحسن فِي الْمُنَاسبَة فِي الْبَيْت الأول بَين أَسمَاء السُّور وَفِي الثَّانِي بَين الْجِهَات الحجازية وَمَا أعجب قَول السلَامِي
أَو مَا ترى البروق تَوسطَتْأُفُقاً كأنَّ المُزنَ فِيهِ شُنُوفُ
واليَوْمُ مِنْ خَجَل الشَّقِيق مُضَرَّجٌخَجلٌ ومنْ مَرَض النّسيم ضعيفُ
والأرْضُ طِرْس والرِّياض سطُورُهوالزَّهْرُ شكْل بَيْنها وحروف) // الْكَامِل //
وَقَوله فِي وصف النارنج والسماريات فِي نهر طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس
تَنَشطْ لِلصّبوح أَبَا عَليٍّعلى حُكْم المُنَى وَرضَا الصّدِيق
بِنَهْر لِلرِّياح علَيْهِ دِرْعٌيُذَهَّبُ بالغُرُوب وبالشُّرُوق
إِذا اصفَرّتْ علَيْهِ الشمْسُ صبَّتْعَلى أمْوَاجه ماءَ الخلوق
وقفت بِعْ فكمْ خَدٍّ رَقِيقيُغازلُني على قَدٍّ رَشيق
وجَمْر شبّ فِي الأغْصان حَتَّىأضاعَ المَاء فِي وهج الْحَرِيق
فهم الْحل فِي ميدان تبْرٍيُصاغ لَهَا كُراتٌ من عقيق) // الوافر //
وَقَوله أَيْضا فِي وصف الْحبّ
الْحبّ كالدَهرْ يُعطينا ويرْتَجعُلَا اليأسُ يَصرفُنا عنْهُ وَلَا الطّمَعُ
صَحِبتُهُ والصِّبا تعزى الصَّبابة بِيوالوَصلُ طفْلٌ غريرٌ والهَوى يفَعُ
أيامَ لَا النّوْمُ فِي أجفَانِنا خلَسٌوَلَا الزّيارَةُ منْ أحْبابنا لمَعُ
إِذْ الشبيبة سَيْفي والهَوَى فَرسيوَرايتي اللَهْوُ والَّلذاتُ لي شيع) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول السّري الرفاء
وغيْمٍ مُرْهفَاتُ البَرْقِ فيهِعَوَارٍ والرِّياضُ بِهَا كَوَاسي
وقَدْ سلت جيوش الفِطْر فِيهِعَلى شَهْرِ الصِّيام سُيُوفَ باسِ
ولاحَ لنا الهِلَالُ كَشَطْر طَوْقٍعلى لَباتِ زَرقاء اللبَاس) // الوافر //
وبديع قَول أبي طَالب الْبَغْدَادِيّ النَّحْوِيّ من أَبْيَات
ومَهْمَةٍ سِرْتُ فِيهِ والبِساطُ دمٌوالجَوُّ نَقْعٌ وهاماتُ الرِّجالِ رَبًّا) // الْبَسِيط //
وَقَول أبي حنيفَة الاسترابادي غَايَة هُنَا وَهُوَ
هَلْ عثَرَتْ أقلَامُ خَطِّ العذارفِي مشْقِها فالخَالُ نَضْخُ العِثَارْ
أَو استَدَارَ الخَطّ لما غَدَتْنُقْطَتُه مركَزَ ذاكَ المدَارْ
وَريقُه الخَمْرُ فَهَلْ ثَغْرُهُدُرُّ حباب نظمته الْعقار) // السَّرِيع //
وَقَوله وَهُوَ بديع
إِذا الرميّ بسَهْم اللّحْظ إِذْ رشَقَافَلم تدَرّع من أصْدَاغِهِ الحلقا) // الْبَسِيط //
وَقَول أبي عَليّ الْحسن الباخرزي وَالِد صَاحب دمية الْقصر
وذِي زَجَلٍ وَالِي سِهامَ رُهامهوَولَّي فَألقَى قَوْسهُ فِي انهزامِهِ
ألم تَرَ خد الوَرْدِ مُدْمىَ لوَقعهاوأنْصُلها مَخْضوبةٌ فِي كمامه) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول الْحُسَيْن بن عَليّ النميري من قصيدة
رَوضٌ إذَا جَرَت الرياحُ مَرِيضَةفِي زهرهِ استشفتْ بهِ مرضاهَا
وَإِذا تقابلت الندامى وسطهُسكر الصحَاة كَمَا صحَا سكراها) // الْكَامِل //
وَمَا أَزْهَر قَول بَعضهم يرثي فَقِيها حنفيا
َروضة الْعلم قَطِّبي بعدَ بشرٍوالْبَسِي من بنفسج جِلبَابَا
وَهبي النائحات منثورَ دَمعٍفشقيق النعمانِ بَان وغابا) // الْخَفِيف //
وَلأبي العصب الملحي
ذَرَفتْ عينُ الغَمَامِفاستهلت بِسجامِ
وَبكى الإبريق فِي الكأسبدمع من مدام
فاسقني دَمعاً بدمعٍمن مُدَام وغمَامِ
واعْصِ من لامك فيهِلَيْسَ ذَا وَقت الملام) // من مجزوء الرمل //
وَلأبي الْعَلَاء المعري
دَع اليراعَ لقومٍ يفخرون بهَاوبالطوال الرُّدَيْنِيَّاتِ فافتخرِ
فهن أقلامكَ اللَّاتِي إذَا كتبتمجداً أَتَت بمداد من دَم هدر) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول الوأواء الدِّمَشْقِي
سقيا ليومٍ غَدا قوسُ الغمَام بهِوالشمسُ مشرقةٌ والبرقُ خلاسُ
كأنهُ قوسُ رَامٍ والبُرُوقُ لهُرَشقُ السِّهَام وَعين الشَّمْس برجاس) // الْبَسِيط //
وَمَا أبدع قَول السلَامِي
وَقد خالطَ الفجرَ الظلامُ كَمَا التقىعلىَ رَوضةٍ خضراء وَردٌ وأدهمْ
وعهدي بهَا والليلُ ساقٍ ووصلنَاعُقارٌ وَفْوها الكأسُ أَو كأسهَا الْفَم) // الطَّوِيل //
ولبعض شعراء الذَّخِيرَة
بدارٍ سقتها ديمةٌ إِثْر ديمةٍفمالت بهَا الجدران شطراً على شطرِ
فَمن عارضٍ يسقى وَمن سقف مجلسٍيُغني وَمن بيتٍ يميلُ من السكر) // الطَّوِيل //
وَمن الغايات فِي هَذَا الْبَاب قَول البديع الهمذاني من قصيدة يصف فِيهَا طول السرى
لكَ الله من عزم أجوبُ جيوبهُكأنيَ فِي أَجفان عين الردى كحلُ
كَأَن السرى ساقٍ كَأَن الْكرَى طلاًكأنَّا لَهَا شَربٌ كَأَن المنى نَقْلُ
كأنا جياعٌ والمطيُّ لنا فمٌكَأَن الفلَا زادٌ كَأَن السرى أكلُ
كَأَن ينابيع الثرى ثدىُ مرضعٍوَفِي حجرها مِنِّي وَمن نَاقَتي طفلُ
كأَنا على أرجوحةٍ فِي مسيرنالِغَورٍ بِنَا تَهْوِى ونجدٍ بِنَا تعلوُ) // الطَّوِيل //
وَمِنْهَا فِي المديح وَلم يخرج عَن حسن الْمُنَاسبَة
كَأَن فمي قوسٌ لساني لهُ يدٌمديحي لهُ نزعٌ بهِ أملي نبلُ
كَأَن دواتي مُطْفِلٌ حبشيةٌبناني لَهَا بعلٌ ونقشي لَهَا نسلُ
كَأَن يَدي فِي الطِّرْس غَوَّاص لجةٍبهَا كلمي دُرُّ بِهِ قيمتي تغلوُ) // الطَّوِيل //
وَله أَيْضا فِي قريب مِنْهُ يمدح الممدوح فِي القصيدة قبله وَهُوَ الْملك خلف ابْن أَحْمد صَاحب سجستان
وليلٍ كذكراه كمعناه كاسمهِكَدين ابْن عباد كأدبار فائقِ
شققنا بأيدي العيس بُرْدَ ظلامهِوبتنا على وعدٍ من السّير صادقِ
تزجُّ بِنَا الأسفاُر فِي كل شاهقٍوَتَرْمِي بِنَا الآمال فِي كل حَالقِ
كَأَن مطايانا شفار كَأَنَّمَاتمدُّ إليهنَّ الفلَا كفّ سارقِ
كَأَن نُجُوم اللَّيْل نَظَّارةٌ لناتعجب من آمالنا والعوائقِ
كَأَن نسيم الصُّبْح فرْصَة آيسٍكَأَن سراب القيظ خجلةُ وامقِ) // الطَّوِيل //
وَمن الْغَرِيب هُنَا قَول ابْن الرُّومِي يصف أينقا
تطوى الفلَا وَكَأن الآلَ أرديةٌوَتارَة وكأنَّ اللَّيْل سيجانُ
كَأَنَّهَا فِي ضَحَاضيح الضُّحَى سفنٌوَفِي الغمار من الظلماء حيتان) // الْبَسِيط //
وَمَا أرشق قَول ابْن رَشِيق
أصح وَأقوى مَا سمعناهُ فِي الندىمن الْخَبَر الْمَأْثُور مُنْذُ قديمٍ
أَحَادِيث ترْوِيهَا السُّيُول عَن الحياعَن الْبَحْر عَن كف الْأَمِير تَمِيم) // الطَّوِيل //
وَمن المستحسن فِي هَذَا النَّوْع قَول ابْن زيلاق فِي غُلَام مَعَه خَادِم يَحْرُسهُ
وَمن عجَبٍ أَن يحرسوكَ بخادمٍوخدّامُ هَذَا الْحسن من ذاكَ أكثرُ
عذاركَ ريحانٌ وثغرك جوهرٌوخدُّكَ ياقوت وخَالكَ عنبر) // الطَّوِيل //
وَمَا أبدع قَول ابْن مطروح
وَلَيْلَة وصلٍ خلَتْفيا عاذلي لَا تسَلْ
لبسنا ثِيَاب العناقِمزررة بالقبل) // من مجزوء المتقارب //
وَمثله قَول الْعِمَاد السلمامسي
شَقَّتْ عليكَ يَد الأسىَثوبَ الدُّمُوع إِلَى الذيول) // من مجزوء الْكَامِل //
وَعَجِيب قَول ابْن الخشاب فِي المستضئ وأجاد
وَرَدَ الورى سلسال جودكَ فارتَوَوْاوَوَقفت دون الوِرْد وَقفة حائمِ
ظمآن أطلبُ خفَّة من زحمةٍوالوِرد لَا يزدَاد غير تزاحم) // الْكَامِل //
وَقَول بن شرف فِي اجْتِمَاع البعوض والذباب والبراغيث فِي مجْلِس مُخَاطبا لصَاحبه يستهزىء بِهِ
لكَ مجلسٌ كملتْ ستارتنَا بهِللهو لَكِن تحتَ ذَاك حديثُ
غنَّى الذبابُ وظلّ يزمر حولهُفِيهِ البعوض ويرقص البرغوث) // الْكَامِل //
وَمن النهايات هُنَا قَول القَاضِي عبد الرَّحِيم الْفَاضِل
فِي خدّه فخّ كعطفة صُدْغهِوالخالُ حَبَّتهُ وقلبي الطائرُ) // الْكَامِل //
وَقَول مجير الدّين بن تَمِيم
لَو كنت تَشْهَدُني وَقد حمىَ الوغَىفِي موقفٍ مَا الْمَوْت عَنهُ بمعزلِ
لتَرى أنابيبَ الْقَنَاة علىَ يَديتجْرِي دَماً من تَحت ظلّ القسطل) // الْكَامِل //
وَقد أغرب الأديب بدر الدّين حسن الزغاري بقوله
كَأَن السَّحَاب الغر لمَّا تجمعتْوَقد فرقتْ عَنَّا الهمومَ بجمعهَا
نياقٌ ووجهُ الأَرْض قعبٌ وثلجهاحَليبٌ وكف الرّيح حالب ضرْعهَا) // الطَّوِيل //
وَالْبَاب وَاسع وَلَا بُد من مُرَاعَاة الِاخْتِصَار هُنَا
إِذا لم تستطع شَيْئا فَدَعْهُوجاوزه إِلَى مَا تَسْتَطِيع
الْبَيْت لعَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ من قصيدة من الوافر وأولها
أمِنْ رَيحانةَ الدَّاعي السميعُيُؤَرْقني وأصحَابي هُجُوعُ
سبَاهَا الصمَّةُ الجشميُّ غصباكأنَّ بيَاضَ غرتها صديغ
وحَالت دونهَا فرسانُ قيسٍتكشفُ عَن سواعدها الدروع) // الوافر //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
وصلهُ بِالزَّمَانِ فكلُّ أمرٍسمَا لكَ أَو سمَوتَ لهُ ولوعُ
وَهِي طَوِيلَة
قَالَ الْمَدَائِنِي حَدثنِي رجل من قُرَيْش قَالَ كُنَّا عِنْد فلَان الْقرشِي فَجَاءَهُ رجلٌ بِجَارِيَة فغنته
(بِاللَّه يَا ظبيَ بني الحارثِ ... هَلْ مَنْ وفى بالعهد كالناكث) // السَّرِيع // وغنته أَيْضا بغناء ابْن سُرَيج
يَا طولَ ليلى وبتُّ لم أنمِوساديَ الهمُّ مبُطنٌ سقمي) // المنسرح //
فَأَعْجَبتهُ واستام مَوْلَاهَا فاشتط عَلَيْهِ فَأبى شراءها وأعجبت الْجَارِيَة بالفتى فَلَمَّا امْتنع مَوْلَاهَا من البيع إِلَّا بشطط قَالَ الْقرشِي فَلَا حَاجَة لنا فِي جاريتك فَلَمَّا قَامَت الْجَارِيَة للانصراف رفعت صَوتهَا تَقول
(إذَا لم تستطع شَيْئا فَدَعْهُ) الْبَيْت
قَالَ فَقَالَ الْفَتى الْقرشِي أفأنا لَا أَسْتَطِيع شراءك وَالله لأشترينك بِمَا بلغت قَالَت الْجَارِيَة فَذَلِك أردْت قَالَ الْقرشِي إِنِّي لَا أخيبك وابتاعها من سَاعَته
وَالشَّاهِد فِيهِ الإرصاد ويسميه بَعضهم التسهيم وَهُوَ أَن يَجْعَل قبل الْعَجز من الْفَقْرَة أَو الْبَيْت مَا يدل على الْعَجز إِذا عرف الروي وَهُوَ الْحَرْف الَّذِي تبنى عَلَيْهِ أَوَاخِر الأبيات أَو الْفقر وَيجب تكراره فِي كل مِنْهَا فَإِنَّهُ قد يكون مِنْهَا مَا لَا يعرف مِنْهُ الْعَجز لعدم مَعْرفَته حرف الروي كَقَوْل البحتري
أحَلَّت دمي من غير جرم وحَرَّمتبِلَا سَبَب يَوْم اللِّقَاء كَلَامي
فَلَيْسَ الَّذِي قد حللت بِمُحَللوَلَيْسَ الَّذِي قد حرمت بِحرَام) // الطَّوِيل //
فَإِنَّهُ لَو لم يعرف أَن القافية مثل سَلام وَكَلَام لربما توهم أَن الْعَجز بحرم وَقَول جنوب أُخْت عمرٍو ذِي الْكَلْب
وخرق تجاوزت مجهولهبوجناء حرف تشكَّى الكلالا
فَكنت النَّهَار بِهِ شمسهوَكنت دجى اللَّيْل فِيهِ الهلالا) // المتقارب //
وَالْقَوْل فِيهِ كَالَّذي قبله
وَمِمَّا اختير من شَوَاهِد هَذَا النَّوْع قَول الرَّاعِي
وَإِن وَزِنَ الْحَصَى فوزَنْتُ قومِيوجدتُ حَصى ضريبتهم وزينا) // الوافر //
وَقد حكى أَن عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي جلس إِلَى ابْن عَبَّاس ﵄ فابتدأ ينشده
(تشطُّ غَدا دارُ جيرانِنا ...)
فَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵁
(وللَدارُ بعدَ غدٍ أبعدُ ...)
وَكَانَ كَذَلِك وَلم يسمع غير الشّطْر الأول
وَكَذَلِكَ يحْكى عَن عدي بن الرّقاع أَنه أنْشد فِي صفة الظبية وَوَلدهَا
(تُزْجي أغَنَّ كَأَن إبرة روقه ...) // الْكَامِل //
وغفل الممدوح عَنهُ فَسكت وَكَانَ جَرِيرًا حَاضرا فَقيل لَهُ مَا ترَاهُ يَقُول فَقَالَ جرير
(قلم أصابَ من الدواة مدادَها ...)
وَأَقْبل عَلَيْهِ الممدوح فَقَالَ كَمَا قَالَ جرير لم يُغَادر حرفا
وَمِنْه قَول الخنساء
ببيض الصفاح وَسمر الرماحفبالبيض ضربا وبالسمر وخزا) // المتقارب //
وَقَول دعبل
وَإِذا عاندنا ذُو قوةٍغضب الرّوح عَلَيْهِ فعرجْ
فعلى أَيْمَاننَا يجْرِي النَّدَىوعَلى أسيافنا تجْرِي المهج) // الرمل //
وَمن جيده قَول بَعضهم
وَلَو أنني أعطيتُ من دهريَ المنىوَمَا كل من يُعْطَى المنى بمسَدِّدِ
لَقلت لأيامِ مضيْنَ أَلا ارجعيوَقلت لأيام أتَيْنَ أَلا ابعدي) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول البحتري
أبكيكما دمعاً وَلَو أَنِّي علىقَدْرِ الجوى أبْكِي بكيتكما دَمَا) // الْكَامِل //
وَحدث إِبْرَاهِيم بن أبي مُحَمَّد اليزيدي قَالَ كنت عِنْد الْمَأْمُون يَوْمًا وبحضرته عريب فَقَالَت لَهُ على سَبِيل الولع يَا سلعوس وَكَانَت جواري الْمَأْمُون يلقبنني بذلك عَبَثا فَقلت
وَقل لعريب لَا تَكُونِي مسلعسهوكوني كتعريف وكوني كمؤنسه) // الطَّوِيل //
فَقَالَ الْمَأْمُون
فَإِن كثرت مِنْك الْأَقَاوِيل لم يكنهُنَالك شَيْء إِن ذَا مِنْك وسوسه
فَقلت كَذَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أردْت أَن أَقُول وَعَجِبت من ذهن الْمَأْمُون وطبعه وفطنته
ولمؤلفه من أَبْيَات
لَيْسَ التَّقَدُّم بِالزَّمَانِ مقدِّماًأحدا وَلَا التَّأْخِير فِيهِ يؤخِّرُ
فَلِكُل عصر مستجد تُبَّعٌوَلكُل وَقت مقبل إسكندر) // الْكَامِل //
ومدح أَبُو الرَّجَاء الْأَهْوَازِي الصاحب ابْن عباد لما ورد الأهواز بقصيدة مِنْهَا
إِلَى ابْن عبادٍ أبي الْقَاسِم الصاحبإِسْمَاعِيل كَافِي الكفاة) // السَّرِيع //
فَاسْتحْسن جمعه بَين اسْمه ولقبه وكنيته وَاسم أَبِيه فِي بَيت وَاحِد ثمَّ ذكر وُصُوله إِلَى بَغْدَاد وَملكه إِيَّاهَا فَقَالَ
(ويشربُ الجندُ هَنِيئًا بهَا ...)
فَقَالَ لَهُ ابْن عباد أمسك امسك أَتُرِيدُ أَن تَقول
(من بعد مَاء الرّيّ مَاء الفراة ...)
فَقَالَ هَكَذَا وَالله أردْت وَضحك
وَعَمْرو بن معدي كرب هُوَ أَبُو عبد الله وَقيل أَبُو ربيعَة بن عبد الله بن عَمْرو بن عَاصِم بن عَمْرو بن زبيد يَنْتَهِي نسبه لقحطان ويكنى أَبَا ثَوْر وَأمه وَأم أَخِيه عبد الله امْرَأَة من جرهم فِيمَا ذكر وَهِي مَعْدُودَة من المنجبات وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ عَمْرو بن معدي كرب فَارس الْيمن وَهُوَ مقدم على زيد الْخَيل فِي الشدَّة والبأس
وَعَن زيد بن قحيف الْكلابِي قَالَ سَمِعت أشياخنا يَزْعمُونَ أَن عَمْرو بن معدي كرب كَانَ يُقَال لَهُ مائق بني زبيد فَبَلغهُمْ أَن خثعم تريدهم فتأهبوا لَهُم وَجمع معدي كرب بني زبيد فَدخل عَمْرو على أُخْته فَقَالَ لَهَا أشبعيني إِنِّي غَدا آتِي الكتيبة فجَاء معدي كرب فَأَخْبَرته ابْنَته فَقَالَ هَذَا المائق يَقُول ذَلِك قَالَت نعم قَالَ فسليه مَا يشبعه فَسَأَلته فَقَالَ فرق من ذرة وعنز ربَاعِية قَالَ وَكَانَ الْفرق يَوْمئِذٍ ثَلَاثَة آصَع فَصنعَ لَهُ ذَلِك وَذبح العنز وهيأ الطَّعَام قَالَ فَجَلَسَ عَمْرو عَلَيْهِ فسلته جَمِيعًا وأتتهم خثعم الصَّباح فلقوهم وَجَاء عَمْرو فَرمى بِنَفسِهِ ثمَّ رفع رَأسه فَإِذا لِوَاء أَبِيه قَائِم فَوضع رَأسه ثمَّ رَفعه فَإِذا هُوَ قد زَالَ فَقَامَ كَأَنَّهُ سرحة محرقة فَتلقى أَبَاهُ وَقد انْهَزمُوا فَقَالَ لَهُ انْزِلْ عَنْهَا فَقَالَ إِلَيْك يَا مائق فَقَالَ بَنو زبيد خله أَيهَا الرجل وَمَا يُرِيد فَإِن قتل كفيت مُؤْنَته وَإِن ظهر فَهُوَ لَك فَألْقى إِلَيْهِ سلاحه ثمَّ ركب فَرمى خثعم بِنَفسِهِ حَتَّى خرج من
بَين أظهرهم ثمَّ كرّ عَلَيْهِم وَفعل ذَلِك مرَارًا وحملت عَلَيْهِم بَنو زبيد فانهزمت خثعم وقهروا فَقيل لَهُ يَوْمئِذٍ فَارس بَنو زبيد
وَكَانَ من خبر إِسْلَام عَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ مَا حَكَاهُ الْمَدَائِنِي عَن أبي الْيَقظَان عَن جوَيْرِية بن أَسمَاء قَالَ أقبل النَّبِي ﷺ من غزَاة تَبُوك يُرِيد الْمَدِينَة فَأدْرك عَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ فِي رجال من بني زبيد فَتقدم عَمْرو ليلحق برَسُول الله ﷺ فَأمْسك عَنهُ حَتَّى أودن بِهِ فَلَمَّا تقدم وَرَسُول الله يسير قَالَ حياك إلهك أَبيت اللَّعْن فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن لعنة الله وَمَلَائِكَته وَالنَّاس أَجْمَعِينَ على الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَآمن بِاللَّه يُؤمنك الله يَوْم الْفَزع الْأَكْبَر) فَقَالَ عَمْرو ابْن معدي كرب وَمَا الْفَزع الْأَكْبَر قَالَ رَسُول الله ﷺ (أَنه فزع لَيْسَ كَمَا تحسب وتظن إِنَّه يصاح بِالنَّاسِ صَيْحَة لَا يبْقى حَيّ إِلَّا مَاتَ إِلَّا مَا شَاءَ الله تَعَالَى من ذَلِك ثمَّ يصاح بِالنَّاسِ صَيْحَة لَا يبْقى ميت إِلَّا نشر ثمَّ تلج تِلْكَ الأَرْض بدوي تنهد مِنْهُ الأَرْض وتخر مِنْهُ الْجبَال وتنشق السَّمَاء انْشِقَاق الْقبْطِيَّة الجديدة مَا شَاءَ الله من ذَلِك ثمَّ تبرز النَّار فَينْظر إِلَيْهَا حَمْرَاء مظْلمَة قد صَار لَهَا لِسَان فِي السَّمَاء ترمي بِمثل رُؤُوس الْجبَال من شرر النَّار فَلَا يبْقى ذُو روح إِلَّا انخلع قلبه وَذكر ذَنبه أَيْن أَنْت يَا عَمْرو فَقَالَ إِنِّي أسمع أمرا عَظِيما فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (يَا عَمْرو أسلم تسلم) فَأسلم وَبَايع لِقَوْمِهِ على الْإِسْلَام وَذَلِكَ منصرف رَسُول الله ﷺ من تَبُوك وَكَانَت فِي رَجَب سنة تسع
وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ لما ارْتَدَّ عَمْرو ابْن معدي كرب مَعَ من ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام من مذْحج استجاش فَرْوَة النَّبِي ﷺ فَوجه إِلَيْهِم خَالِد
ابْن سعيد بن الْعَاصِ وخَالِد بن الْوَلِيد وَقَالَ لَهما إِذا اجْتَمَعْتُمْ فعلي بن أبي طَالب أميركم وَهُوَ على النَّاس وَوجه عليا ﵁ فَاجْتمعُوا بِكَسْر من أَرض الْيمن فَاقْتَتلُوا وَقتل بَعضهم وَنَجَا بعض فَلم تزل جَعْفَر وزبيد وأدد بَنو سعد الْعَشِيرَة بعْدهَا قَليلَة يرْوى أَنه لما بلغ عَمْرو ابْن معدي كرب قرب مكانهم أقبل فِي جمَاعَة من قومه فَلَمَّا دنا مِنْهُم قَالَ دَعونِي حَتَّى آتِي هَؤُلَاءِ الْقَوْم فَإِنِّي لم أسم لأحد قطّ إِلَّا هابنى فَلَمَّا دنا مِنْهُم نَادَى أَنا أَبُو ثَوْر أَنا عَمْرو ابْن معدي كرب فَابْتَدَرَهُ عَليّ وخَالِد وَكِلَاهُمَا يَقُول لصَاحبه خَلِّنِي وإياه ويفديه بابيه وَأمه فَقَالَ عَمْرو إِذْ سمع قَوْلهمَا الْعَرَب تفزع مني وَأرَانِي لهَؤُلَاء جزراً فَانْصَرف عَنْهُمَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى الإٍسلام وَفِي هَذَا الْوَجْه وَقعت الصمصامة إِلَى آل سعيد وَكَانَ سَبَب وُقُوعهَا إِلَيْهِم أَن رَيْحَانَة بنت معدي كرب وَهِي المعنية أول القصيدة سبيت يَوْمئِذٍ فأفداها خَالِد وأثابه عَمْرو الصمصامة فَصَارَ إِلَى أَخِيه سعيد فَوجدَ سعيد جريحاً يَوْم قتل عُثْمَان ﵁ حِين حصر أَي فِي الدَّار وَقد ذهب السَّيْف والغمد ثمَّ وجد الغمد فَلَمَّا قَامَ مُعَاوِيَة جَاءَهُ أَعْرَابِي بِالسَّيْفِ بِغَيْر غمد وَسَعِيد حَاضر فَقَالَ سعيد هَذَا سَيفي فَجحد الْأَعرَابِي مقَالَته فَقَالَ سعيد الدَّلِيل على أَنه سَيفي أَن تبْعَث إِلَى غمده فتغمده فَيكون كفافه فَبعث مُعَاوِيَة إِلَى الغمد فَأتى بِهِ من منزل سعيد فَإِذا هُوَ عَلَيْهِ فَأقر الْأَعرَابِي أَنه أَصَابَهُ يَوْم الدَّار فَأَخذه سعيد مِنْهُ وأثابه فَلم يزل عِنْدهم حَتَّى أصعد الْمهْدي من الْبَصْرَة
فَلَمَّا كَانَ بواسط فَأرْسل إِلَى آل سعيد فِيهِ فَقَالُوا إِنَّه للسبيل فَقَالَ خَمْسُونَ سَيْفا قَاطعا أغْنى من سيف وَاحِد فَأَعْطَاهُمْ خمسين ألف دِرْهَم وَأَخذه
وَعَن الشّعبِيّ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ فرض لعَمْرو بن معدي كرب فِي الْفَيْء أَلفَيْنِ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ألف هَهُنَا وَأَوْمَأَ إِلَى شقّ بظنه الْأَيْمن وَألف هَهُنَا وَأَوْمَأَ إِلَى شقّ بَطْنه الْأَيْسَر فَمَا يكون هَهُنَا وَأَوْمَأَ إِلَى وسط بَطْنه فَضَحِك عمر من كَلَام عَمْرو رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِمَا وزاده خَمْسمِائَة
وَقَالَ أَبُو الْيَقظَان قَالَ عَمْرو بن معدي كرب لَو سرت بظعينة وحدي على مياه معد كلهَا مَا خفت أَن أغلب عَلَيْهَا مالم يلقني حراها وعبداها فَأَما الحران فعامر بن الطُّفَيْل وعتيبة بن الْحَارِث بن شهَاب وَأما العبدان فأسود بني عبس يَعْنِي عنترة والسليك بن السلكة وَكلهمْ لقِيت فَأَما عَامر بن الطُّفَيْل فسريع الطعْن على الصَّوْت وَأما عتيبة بن الْحَرْث فَأول الْخَيل إِذا غارت وَآخِرهَا إِذا آبت وَأما عنترة فقليل النُّبُوَّة شَدِيد الْكَلْب وَأما السليك فبعيد الْغَارة كالليث الضاري
وَعَن قيس أَن عمر ﵁ كتب إِلَى سعد بن أبي وَقاص إِنِّي قد أمددتك بألفي رجل عَمْرو بن معدي كرب وطليحة بن خويلد وَهُوَ طليحة الْأَسدي فشاورهما فِي الْحَرْب وَلَا تولهما شَيْئا
وَعنهُ قَالَ شهِدت الْقَادِسِيَّة وَكَانَ سعد على النَّاس فجَاء رستم فَجعل يمر بِنَا وَعَمْرو بن معدي كرب الزبيدِيّ يمر على الصُّفُوف ويحض النَّاس وَيَقُول يَا معشر الْمُهَاجِرين كونُوا أسداً أَعنِي عباساً فَإِنَّمَا الْفَارِسِي تَيْس بعد أَن
يلقى يبرك قَالَ وَكَانَ مَعَ رستم أسوار لَا تسْقط لَهُ نشابة فَقيل لَهُ يَا أَبَا ثَوْر اتَّقِ ذَلِك فَإنَّا لنقول لَهُ ذَلِك إِذْ رَمَاه رمية فَأصَاب فرسه وَحمل عَلَيْهِ عَمْرو فاعتنقه ثمَّ ذبحه وسلبه سوارى ذهبٍ كَانَا عَلَيْهِ وقباء ديباج قَالَ غير قيس وَرجع بسلبه وَهُوَ يَقُول
أَنا أَبُو ثَوْر وسيفي ذُو النونْأضربهم ضربَ غلامٍ مجنونْ
(يالَ زَبيدٍ إِنَّهُم يموتون ...) // الرجز //
وَفِي رِوَايَة عَن أبي زيد أَن عمرا شهد الْقَادِسِيَّة وَهُوَ ابْن مائَة وست سِنِين وَقيل بل ابْن مائَة وَعشر وَلما قتل العلج عبر نهر الْقَادِسِيَّة هُوَ وَقيس ابْن مكشوح الْمرَادِي وَمَالك بن الْحَارِث الأشتر وَكَانَ عَمْرو آخِرهم وَكَانَت فرسه ضَعِيفَة فَطلب غَيرهَا فَأتى بفرس فَأخذ بعكوة ذَنبه وأخلد بِهِ إِلَى الأَرْض فأقعى الْفرس فَرده وأتى بآخر فَفعل بِهِ مثل ذَلِك فتحلحل وَلم يَقع فَقَالَ هَذَا على كل حَال أقوى من ذَلِك وَقَالَ لأَصْحَابه إِنِّي حاملٌ وعابرٌ الجسر فَإِن أسرعتم بِمِقْدَار جزر الْجَزُور وجدتموني وسيعني بيَدي أقَاتل بِهِ تِلْقَاء وَجْهي وَقد عقرني الْقَوْم وَأَنا قَائِم بَينهم وَقد قتلت وجردت وَإِن أبطأتم وجدتموني قَتِيلا بَينهم وَقد قتلت وجردت ثمَّ انغمس فَحمل فِي الْقَوْم فَقَالَ بَعضهم يابني زبيد على م تدعون صَاحبكُم وَالله مَا نرى أَن تدركوه حَيا فحملوا فَانْتَهوا إِلَيْهِ وَقد صرع عَن فرسه وَقد أَخذ بِرَجُل فرس رجل من الْعَجم فَأَمْسكهَا وَإِن الْفَارِس
ليضْرب الْفرس فَلَا تقدر أَن تتحرك من يَده فَلَمَّا غشينا رمى الأعجمي بِنَفسِهِ وخلى فرسه فَرَكبهُ عَمْرو وَقَالَ أَنا أَبُو ثَوْر كدتم وَالله تفقدونني قَالُوا أَيْن فرسك قَالَ رمى بنشابة فشب فصرعني وعار
وَعَن أبان بن صَالح قَالَ قَالَ عَمْرو بن معدي كرب يَوْم الْقَادِسِيَّة ألزموا خراطيم الفيلة السيوف فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا مقتل إِلَّا خراطيمها ثمَّ شدّ على رستم وَهُوَ على الْفِيل فَضرب فيله فجذم عرقوبيه فَسقط وَحمل رستم على فرس وَسقط من تَحْتَهُ خرج فِيهِ أَرْبَعُونَ ألف دِينَار فحازه الْمُسلمُونَ وَسقط رستم بعد ذَلِك عَن فرسه فَقتله وَانْهَزَمَ الْمُشْركُونَ وَقيل إِن الخرج سقط عَلَيْهِ فَقتله
وَعَن الشّعبِيّ قَالَ جَاءَت زِيَادَة من عِنْد عمر يَوْم الْقَادِسِيَّة فَقَالَ عَمْرو بن معدي كرب لطليحة أما ترى أَن هَذِه الزعانف تزاد وَلَا نزاد انْطلق بِنَا إِلَى هَذَا الرجل حَتَّى نكلمه فَقَالَ هَيْهَات وَالله لَا أَلْقَاهُ فِي هَذَا أبدا فَلَقَد لَقِيَنِي فِي بعض فجاج مَكَّة فَقَالَ يَا طليحة أقتلت عكاشة فتوعدني وعيداً ظَنَنْت أَنه قاتلي وَلَا آمنهُ قَالَ عَمْرو ولكنني أَلْقَاهُ قَالَ أَنْت وَذَاكَ فَخرج إِلَى الْمَدِينَة فَقدم على عمر ﵁ وَهُوَ يغدي النَّاس وَقد جفن لعشرة
عشرَة فأقعده عمر مَعَ عشرَة فَأَكَلُوا ونهضوا وَلم يقم عَمْرو فَأقْعدَ مَعَه تَكْمِلَة عشرَة حَتَّى أكل مَعَ ثَلَاثِينَ ثمَّ قَامَ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه كَانَت لي مآكل فِي الْجَاهِلِيَّة مَنَعَنِي مِنْهَا الْإِسْلَام وَقد صررت فِي بَطْني صرتين وَتركت بَينهمَا هَوَاء فسده فَقَالَ عَلَيْك حِجَارَة من حِجَارَة الْحرَّة فسده بهَا يَا عَمْرو إِنَّه بَلغنِي أَنَّك تَقول إِن لي سَيْفا يُقَال لَهُ الصمصامة وَعِنْدِي سيف اسْمه المصمم وَإِنِّي إِن وَضعته بَين أذنيك لم أرفعه حَتَّى يخالط أضراسك
وَحدث يُونُس وَأَبُو الْخطاب قَالَا لما كَانَ يَوْم فتح الْقَادِسِيَّة أصَاب الْمُسلمُونَ أسلحة وتيجاناً ومناطق ورقاباً فبلغت مَالا عَظِيما فعزل سعد الْخمس ثمَّ فض الْبَقِيَّة فَأصَاب الْفَارِس سِتَّة آلَاف والراجل أَلفَانِ وَبَقِي مَال دثر فَكتب إِلَى عمر ﵁ بِمَا فعل فَكتب إِلَيْهِ أَن رد على الْمُسلمين الْخمس وَأعْطِ من لحق بك مِمَّن لم يشْهد الْوَقْعَة فَفعل فأجراهم مجْرى من شهد وَكتب إِلَى عمر بذلك فَكتب إِلَيْهِ أَن فض مَا بَقِي على حَملَة الْقُرْآن فَأَتَاهُ عَمْرو بن معد كرب فَقَالَ بِهِ سعد مَا مَعَك من كتاب الله فَقَالَ عَمْرو إِنِّي أسلمت بِالْيمن ثمَّ غزوت فشغلت عَن حفظ الْقُرْآن قَالَ مَا لَك فِي هَذَا المَال نصيب وَأَتَاهُ بشر بن ربيعَة الْخَثْعَمِي وَصَاحب جباية بشر
فَقَالَ مَا مَعَك من كتاب الله قَالَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَضَحِك الْقَوْم وَلم يُعْطه شَيْئا فَقَالَ عَمْرو فِي ذَلِك
إِذا قتلنَا وَلَا يبكي لنا أحدقَالَت قُرَيْش أَلا تِلْكَ الْمَقَادِير
نعطي السوية من طعن لَهُ نفذوَلَا سوية إِذْ تُعْطى الدَّنَانِير) // الْبَسِيط //
وَقَالَ بشر بن ربيعَة
أنخت بياب الْقَادِسِيَّة نَاقَتيوسعدُ بن وَقاص عليَّ أميرُ
وسعدٌ أميرٌ شرُّهُ دونَ خيرهِوخيرُ أميرٍ بالعراق جَريرُ
وعندَ أَمِير الْمُؤمنِينَ نوافلٌوعندَ المثَّنى فضةٌ وحَريرُ
تذكر هداكَ اللهُ وَقع سُيُوفنَاببابِ قديس والمكرُّ عسيرُ
عشيةَ ودَّ القومُ لَو أَن بعضهمْيُعار جناحَيْ طائرٍ فيطيرُ
إذَا مَا فَرغْنَا من قراع كتيبةٍدَلفنا لأخرى كالجبال تسيرُ
ترَى الْقَوْم فِيهَا واجمين كَأَنَّهُمْجمال بأجمال لَهُنَّ زفير) // الطَّوِيل //
فَكتب سعد إِلَى عمر ﵁ بِمَا قَالَ لَهما وَمَا ردا عَلَيْهِ وبالقصيدتين فَكتب أَن أعطهما على بلائهما فَأعْطى لكل وَاحِد مِنْهُمَا ألفي دِرْهَم
وَعَن ابْن قُتَيْبَة أَن سَعْدا كتب إِلَى عمر ﵁ يثني على عَمْرو ابْن معدي كرب فَسَأَلَ عمر عمرا عَن سعد فَقَالَ هُوَ لنا كَالْأَبِ أَعْرَابِي فِي نمرته أَسد فِي تامورته يقسم بِالسَّوِيَّةِ ويعدل فِي الْقَضِيَّة وينفر فِي السّريَّة وينقل إِلَيْنَا حَقنا كَمَا تنقل الذّرة فَقَالَ عمر ﵁ لشد مَا تقارضتما الثَّنَاء
وَجَاء رجل وَعَمْرو بن معدي كرب وَاقِف بالكناسة على فرس لَهُ فَقَالَ لأنظرن مَا بَقِي من قُوَّة أبي ثَوْر فَأدْخل يَده بَين سَاقه وَبَين السرج فَفطن عَمْرو فَضمهَا عَلَيْهِ وحرك فرسه فَجعل الرجل يعدو مَعَ الْفرس لَا يقدر أَن ينْزع يَده حَتَّى إِذا بلغ مِنْهُ قَالَ يَا ابْن أخي مَا لَك قَالَ يَدي تَحت ساقك فخلى عَنهُ وَقَالَ يَا ابْن أخي إِن فِي عمك لبَقيَّة بعد
وَكَانَ عَمْرو مَعَ شجاعته ومواقفه مَشْهُورا بِالْكَذِبِ فَحدث الْمبرد قَالَ كَانَت الْأَشْرَاف بِالْكُوفَةِ يخرجُون إِلَى ظهرهَا يتناشدون الْأَشْعَار وَيَتَحَدَّثُونَ ويتذاكرون أَيَّام النَّاس فَوقف عَمْرو إِلَى جَانب خَالِد بن الصَّقْعَب النَّهْدِيّ فَأقبل عَلَيْهِ يحدثه وَيَقُول أغرت على بني نهد فَخَرجُوا إِلَى مسترعفين بِخَالِد بن الصَّقْعَب يقدمهم فطعنته طعنة فَوَقع وضربته بالصمصامة حَتَّى فاضت نَفسه فَقَالَ لَهُ الرجل يَا أَبَا ثَوْر إِن مقتولك الَّذِي تذكره هُوَ الَّذِي تحدثه فَقَالَ اللَّهُمَّ غفراً إِنَّمَا أَنْت مُحدث فاستمع إِنَّمَا نتحدث بِمثل هَذَا وأشباهه لنرهب هَذِه المعدية
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع